الحَدِيث الثَّانِي عشر أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قاء فَأفْطر
الحَدِيث الثَّانِي عشر عَن أبي الدَّرْدَاء - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قاء فَأفْطر - أَي : استقاء - قَالَ ثَوْبَان : صدق أَنا صببت لَهُ الْوضُوء . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده ، وَأَبُو دَاوُد فِي سنَنه ، وَالتِّرْمِذِيّ فِي جَامعه ، وَالنَّسَائِيّ فِي سنَنه الْكُبْرَى ، وَابْن الْجَارُود فِي الْمُنْتَقَى ، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمَا ، وَالطَّبَرَانِيّ ، وَابْن مَنْدَه ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه ، وَابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث معدان بن أبي طَلْحَة ، عَن أبي الدَّرْدَاء أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قاء فَأفْطر ، قَالَ معدان : فَلَقِيت ثَوْبَان مولَى رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فِي مَسْجِد دمشق فَقلت لَهُ : إِن أَبَا الدَّرْدَاء أَخْبرنِي أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قاء فَأفْطر ، فَقَالَ : صدق ، أَنا صببت عَلَيْهِ وضوءه قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه فِي هَذَا الْبَاب : هَذَا حَدِيث مُخْتَلف فِي إِسْنَاده . قَالَ : فَإِن صَحَّ فَهُوَ مَحْمُول عَلَى الْقَيْء عَامِدًا ، وَكَأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كَانَ صَائِما تَطَوّعا .
قَالَ : وَقد رُوِيَ من وَجه آخر عَن ثَوْبَان . فَذكره بِإِسْنَادِهِ . وَقَالَ فِي أَوَائِل سنَنه : إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث مُضْطَرب ، وَاخْتلفُوا فِيهِ اخْتِلَافا شَدِيدا .
وَكَذَا قَالَ فِي خلافياته أَن إِسْنَاده مُضْطَرب ، وَأَن فِيهِ يعِيش بن الْوَلِيد ، وَأَن بعض الْعلمَاء تكلم فِيهِ ، وَأَنه لَيْسَ لَهُ ذكر فِي الصَّحِيح قَالَ : وبمثل هَذَا لَا تقوم الْحجَّة . هَذَا كَلَام الْبَيْهَقِيّ ، وَخَالفهُ فِي ذَلِك جماعات ، قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . وَقَالَ أَبُو عبد الله بن مَنْدَه : إِسْنَاده مُتَّصِل صَحِيح عَلَى رسم أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ .
قَالَ : وَتَركه الشَّيْخَانِ لاختلافٍ فِي إِسْنَاده . وَصَححهُ ابْن حبَان كَمَا سلف وَسكت التِّرْمِذِيّ عَنهُ فِي هَذَا الْبَاب . وَقَالَ فِي كتاب الطَّهَارَة : جَوَّد حُسَيْن الْمعلم هَذَا الحَدِيث (و) هُوَ أصح شَيْء فِي الْبَاب .
وَنقل النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب عَنهُ أَنه قَالَ فِيهِ : إِنَّه حسن صَحِيح . وَلم أره كَذَلِك فِيهِ ، وَالَّذِي رَأَيْته فِيهِ مَا سلف ، وَنقل الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام عَن الْأَثْرَم ، أَنه قَالَ لِأَحْمَد : قد اضْطَرَبُوا فِي هَذَا الحَدِيث . فَقَالَ : حُسَيْن الْمعلم يجوده .
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين : وَالِاخْتِلَاف الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الْبَيْهَقِيّ أَن التِّرْمِذِيّ رَوَاهُ من حَدِيث حُسَيْن الْمعلم ، عَن يَحْيَى بن أبي كثير ، عَن عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ ، عَن يعِيش بن الْوَلِيد المَخْزُومِي ، عَن أَبِيه ، عَن معدان ، عَن أبي الدَّرْدَاء ثمَّ قَالَ : قد جود حُسَيْن الْمعلم هَذَا الحَدِيث . قَالَ : وَرَوَى معمر هَذَا الحَدِيث ، عَن يَحْيَى بن أبي كثير فَأَخْطَأَ فِيهِ فَقَالَ : عَن يعِيش بن الْوَلِيد ، عَن خَالِد بن معدان (عَن أبي الدَّرْدَاء وَلم يذكر فِيهِ الْأَوْزَاعِيّ . وَقَالَ : عَن خَالِد بن معدان ، وَإِنَّمَا هُوَ معدان) بن أبي طَلْحَة .
وَهَذَا مَعْنَى قَول ابْن حزم فِي محلاه : هَذَا تَدْلِيس لم يسمعهُ يَحْيَى (من) يعِيش . وَرَوَاهُ ابْن الْجَارُود وَالدَّارَقُطْنِيّ كَرِوَايَة التِّرْمِذِيّ ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا ، وَفِي رِوَايَته عَن يَحْيَى بن أبي كثير ، عَن الْأَوْزَاعِيّ أَن يعِيش بن الْوَلِيد حَدثهُ أَن أَبَاهُ حَدثهُ ، قَالَ : حَدثنِي معدان بن أبي طَلْحَة ، عَن أبي الدَّرْدَاء . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا من حَدِيث عبد الرَّزَّاق ، عَن معمر ، عَن يَحْيَى بن أبي كثير ، عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم ، عَن خَالِد بن معدان ، عَن أبي الدَّرْدَاء ، قَالَ الشَّيْخ : وَقيل أَيْضا : عَن يَحْيَى ، عَن رجل ، عَن يعِيش .
وَقيل : عَن يَحْيَى ، حدث الْوَلِيد (بن) هِشَام ، عَن معدان (وَقيل :) بِإِسْقَاط وَالِد يعِيش مَعَ التَّصْرِيح بِالتَّحْدِيثِ عَن معدان ، ذكره النَّسَائِيّ ، وَقيل : عَن هِشَام الدستوَائي ، عَن يَحْيَى بِإِسْقَاط وَالِد يعِيش ، ذكره النَّسَائِيّ أَيْضا . ثمَّ شرع الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين يُجيب عَن هَذَا الِاخْتِلَاف فَقَالَ : أما رِوَايَة من رَوَى عَن يَحْيَى ، عَن رجل ، عَن يعِيش فَغير ضارة ؛ لِأَن هَذَا الرجل الْمُبْهم فِي هَذِه الرِّوَايَة قد تبين فِي غَيرهَا أَنه الْأَوْزَاعِيّ ، وَكَذَلِكَ (من) قَالَ عَن يَحْيَى : حَدِيث الْوَلِيد بن هِشَام لَا يضر أَيْضا ؛ لِأَنَّهَا تتفق مَعَ الْأُخْرَى بِأَن يكون يَحْيَى ذكرهَا مُرْسلَة بترك من حَدثهُ وَهُوَ الْأَوْزَاعِيّ عَن يعِيش ، ثمَّ بَين مرّة أُخْرَى من حَدثهُ ، وَكَذَلِكَ مَا زعم فِي الِاخْتِلَاف فِي معدان بن طَلْحَة ومعدان بن أبي طَلْحَة لَا يضر ؛ لِأَن كلاًّ مِنْهُمَا قَول صَحِيح . قَالَ : وَفِي الحَدِيث عِلّة أُخْرَى ، وَهِي أَن ابْن حزم قَالَ فِي يعِيش بن الْوَلِيد وَأَبِيهِ : إنَّهُمَا ليسَا (مشهورين) .
وَالْجَوَاب (عَنْهَا) أَن الْعجلِيّ قَالَ فِي يعِيش : هُوَ شَامي ثِقَة . وَقد صَححهُ ابْن مَنْدَه . قلت : وَابْن حبَان وَالْحَاكِم كَمَا سلف ، وَقَالَ عبد الْحق فِي الرَّد عَلَى الْمُحَلَّى : هَذَا الَّذِي قَالَه ابْن حزم خطأ بَين ؛ فالوليد بن هِشَام قَالَ فِيهِ ابْن أبي حَاتِم : رَوَى عَن (أم) الدَّرْدَاء ، وَعبد الله بن محيريز ، ومعدان (بن) طَلْحَة .
وَرَوَى عَنهُ الْأَوْزَاعِيّ ، وَابْنه يعِيش بن الْوَلِيد ، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة ، وَمُحَمّد بن عمر الطَّائِي . سَمِعت أبي يَقُول ذَلِك ، ذكره أبي عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور ، عَن يَحْيَى بن معِين أَنه قَالَ : الْوَلِيد بن [ هِشَام ] ثِقَة . فَانْظُر قَوْله فِي هَذَا أَنه غير مَشْهُور ، وَقد خرج عَنهُ مُسلم فِي صَحِيحه وَلم يذكرهُ الْحَاكِم فِيمَن عيب عَلَيْهِ التَّخْرِيج عَنهُ (فقد) رَوَى عَنهُ الْأَئِمَّة وَوَثَّقَهُ إمامان : يَحْيَى بن معِين ، وَمُسلم بن الْحجَّاج ، وَيَقُول فِيهِ : لَيْسَ بِمَشْهُور ! وَأما ابْنه يعِيش فروَى عَنهُ يَحْيَى بن أبي كثير وَالْأَوْزَاعِيّ (وَعِكْرِمَة وَإِسْمَاعِيل بن رَافع وَمن رَوَى عَنهُ الْأَوْزَاعِيّ) وَيَحْيَى بن أبي كثير كَيفَ يكون غير مَشْهُور ؟ !