الحَدِيث الْحَادِي عشر لَا تَصُومُوا يَوْم السبت إِلَّا فِيمَا افْترض عَلَيْكُم
الحَدِيث الْحَادِي عشر أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : لَا تَصُومُوا يَوْم السبت إِلَّا فِيمَا افْترض عَلَيْكُم . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه فِي سُنَنهمْ وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه و(الدَّارمِيّ) فِي مُسْنده وَالطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عبد الله بن بُسر - بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَإِسْكَان السِّين الْمُهْملَة - عَن أُخْته الصماء أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : لَا تَصُومُوا يَوْم السبت إِلَّا فِيمَا افْترض عَلَيْكُم فَإِن لم يجد أحدكُم إِلَّا لحاء عنبة أَو عود شَجَرَة فليمضغه . وَلَفظ الطَّبَرَانِيّ : إِلَّا لحاء شَجَرَة فليقضمه وَلَفظ الدَّارمِيّ كَذَلِك وَقَالَ : إِلَّا (كفًّا) أَو لحاء شَجَرَة (فليمضغه) .
وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث عبد الله بن بسر ، عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ، وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده كَذَلِك من طَرِيقين ، وَرَوَاهُ ابْن السكن فِي صحاحه من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ : لَا تَصُومُوا يَوْم السبت إِلَّا فِي فَرِيضَة فَإِن لم يجد أحدكُم إِلَّا عود كرم أَو لحاء شَجَرَة فليمضغه . قَالَ التِّرْمِذِيّ عقب إِخْرَاجه (لَهُ) من حَدِيث الصماء : (هَذَا) حَدِيث حسن . قَالَ : وَمَعْنى الْكَرَاهِيَة فِي هَذَا أَن يخص الرجل يَوْم السبت بصيام ؛ لِأَن الْيَهُود يعظمون يَوْم السبت .
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : قَالَ الْأَوْزَاعِيّ مَا زلت بِهَذَا الحَدِيث كَاتِما ثمَّ رَأَيْته انْتَشَر . وَقَالَ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط [ البُخَارِيّ ] . قَالَ : وَله معَارض بِإِسْنَاد صَحِيح ، وَقد أَخْرجَاهُ .
فَذكر حَدِيث (جوَيْرِية السالف فِي) الحَدِيث الَّذِي قبله ، وَقد علمت أَنه من أَفْرَاد البُخَارِيّ ، ثمَّ رَوَى عَن الزُّهْرِيّ أَنه كَانَ إِذا ذكر لَهُ أَنه نهي عَن صِيَام يَوْم السبت قَالَ : هَذَا حَدِيث حمصي . قَالَ الْحَاكِم : وَله معَارض بِإِسْنَاد صَحِيح . فَذكر بِإِسْنَادِهِ عَن كريب مولَى ابْن عَبَّاس أَن [ ابْن عَبَّاس ] وناساً من أَصْحَاب رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بعثوني إِلَى أم سَلمَة أسألها عَن [ أَي ] الْأَيَّام [ كَانَ ] رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أَكثر لَهَا صياما .
فَقَالَت : يَوْم السبت والأحد . فَرَجَعت إِلَيْهِم فَأَخْبَرتهمْ ، فكأنهم أَنْكَرُوا ذَلِك ، فَقَامُوا بأجمعهم إِلَيْهَا (فَقَالُوا : إِنَّا) بعثنَا إِلَيْك هَذَا فِي كَذَا وَكَذَا . فَذكر أَنَّك قلت كَذَا وَكَذَا فَقَالَت : صدق ، إِن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أَكثر مَا كَانَ يَصُوم من الْأَيَّام يَوْم السبت والأحد ، وَكَانَ يَقُول : إنَّهُمَا يَوْمًا عيد للْمُشْرِكين وَأَنا أُرِيد أَن أخالفهم .
هَذَا آخر كَلَامه . وَحَدِيث أم سَلمَة هَذَا أخرجه النَّسَائِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمَا وَأعله ابْن الْقطَّان بِأَن قَالَ : فِيهِ مَجْهُولَانِ . وَأما الْحَاكِم فقد صَححهُ كَمَا علمت ، وَكَذَا ابْن حبَان فَإِنَّهُ أخرجه (فِي صَحِيحه) عَن الْحسن بن سُفْيَان ، نَا حبَان بن مُوسَى [ أخبرنَا عبد الله ] ، أَنا عبد الله بن مُحَمَّد بن عمر بن عَلّي بن أبي طَالب ، حَدثنِي [ أبي ] عَن كريب .. .
فَذكره ، وَقَول الْحَاكِم إِنَّه معَارض لحَدِيث الصماء لَيْسَ كَذَلِك بل يحمل حَدِيث الصماء عَلَى إِفْرَاده بِالصَّوْمِ ، وَحَدِيث أم سَلمَة وَحَدِيث جوَيْرِية عَلَى مَا إِذا مَا صَامَ يَوْمًا قبله أَو يَوْمًا بعده ، وَحَدِيث جوَيْرِية صَرِيح فِي ذَلِك كَمَا سلف . وَفِي جَامع التِّرْمِذِيّ - وَقَالَ : حسن - من حَدِيث عَائِشَة قَالَت : كَانَ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يَصُوم من الشَّهْر : السبت والأحد والاثنين ، وَمن الشَّهْر الآخر : الثُّلَاثَاء وَالْأَرْبِعَاء وَالْخَمِيس . ثمَّ اعْلَم أَن حَدِيث الصماء أعل بِأُمُور : أَحدهَا : بِالِاضْطِرَابِ حَيْثُ رُوِيَ عَن عبد الله بن بسر (عَنْهَا) ، وَعنهُ عَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وَعَن أَبِيه بسر عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وَعَن الصماء ، عَن عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ ، عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ .
قَالَ النَّسَائِيّ : وَهَذِه أَحَادِيث مضطربة . قلت : وَلَك أَن تَقول وَإِن كَانَت مضطربة فَهُوَ اضْطِرَاب غير قَادِح ؛ فَإِن عبد الله بْن بسر صَحَابِيّ ، وَكَذَا وَالِده والصماء مِمَّن ذكرهم فِي الصَّحَابَة ابْن حبَان فِي أَوَائِل الثِّقَات فَتَارَة سَمعه من أَبِيه ، وَتارَة من أُخْته ، وَتارَة من رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وَتارَة سمعته أُخْته من عَائِشَة ، وسمعته من رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ . قَالَ عبد الْحق : وَقيل فِي هَذَا الحَدِيث : عَن عبد الله بن بسر ، عَن عمته الصماء .
قَالَ : وَهُوَ أصح . قلت : وَأخرجه من هَذَا الطَّرِيق الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه : إِن الصَّحِيح عَن عبد الله بن بسر ، عَن أُخْته الصماء . ثَانِيهَا : أَنه حَدِيث كذب ، قَالَ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه ، قَالَ مَالك : هَذَا الحَدِيث كذب .
وَتَبعهُ ابْن الْعَرَبِيّ فَقَالَ فِي القبس : وَأما يَوْم السبت فَلم يَصح فِيهِ الحَدِيث ، وَلَو صَحَّ لَكَانَ مَعْنَاهُ مُخَالفَة أهل الْكتاب (وَفِيه نظر) . قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : وَهَذَا القَوْل لَا يقبل من مَالك فقد صَححهُ الْأَئِمَّة . وَاعْتذر عَنهُ عبد الْحق فَقَالَ : لَعَلَّ مَالِكًا إِنَّمَا جعله كذبا من أجل رِوَايَة ثَوْر بن يزِيد الكلَاعِي ، فَإِنَّهُ كَانَ يُرْمَى بِالْقدرِ ، وَلكنه كَانَ ثِقَة فِيمَا رَوَى ، قَالَه يَحْيَى وَغَيره ، وَقد رَوَى عَنهُ الجلة مثل : يَحْيَى بن سعيد الْقطَّان ، وَابْن الْمُبَارك ، و[ الثَّوْريّ ] وَغَيرهم .
ثَالِثهَا : أَنه مَنْسُوخ ، قَالَه أَبُو دَاوُد فِي سنَنه وَفِيه نظر ، قَالَ (النَّوَوِيّ) فِي شَرحه : هَذَا القَوْل لَيْسَ بمقبول وَأي دَلِيل عَلَى نسخه ؟ ! قلت : وَالْحق أَنه حَدِيث صَحِيح غير مَنْسُوخ . فَائِدَة : فِي اسْم الصماء أَقْوَال : أَحدهَا : أَنه اسْمهَا صمية فسميت الصماء ، قَالَه ابْن حبَان فِي ثقاته . ثَانِيهَا : بُهية بِضَم الْبَاء ، حَكَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي جَامع المسانيد عَن الدَّارَقُطْنِيّ ، وَحَكَاهُ عبد الْحق أَيْضا .
ثَالِثهَا : بَهِيمَة ، حَكَاهُ عبد الْحق فَقَالَ : اسْمهَا بهية ، وَقيل : بَهِيمَة . وَهِي أُخْت عبد الله بن بسر ، وَقيل : إِنَّهَا أُخْت بسر . وَالْأول أصح .
تَنْبِيه : لم يعز هَذَا الحَدِيث ابْن الْأَثِير فِي جَامعه إِلَى النَّسَائِيّ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي سنَنه الصُّغْرَى ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْكُبْرَى كَمَا عزيته لَك أَولا فَتنبه لذَلِك .