الحَدِيث الثَّانِي أَيهَا النَّاس إِن الله كتب عَلَيْكُم الْحَج
الحَدِيث الثَّانِي عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ : " خَطَبنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : أَيهَا النَّاس ، إِن الله كتب عَلَيْكُم الْحَج .
فَقَامَ الْأَقْرَع بن حَابِس فَقَالَ : أَفِي كل عَام يَا رَسُول الله ؟ قَالَ : لَو قلتهَا لَوَجَبَتْ ، وَلَو وَجَبت لم تعملوا بهَا ، (وَلم تستطيعوا أَن تعملوا بهَا) ، الْحَج مرّة ، فَمن زَاد (فمتطوع) " .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ أَحْمد ، وَأَبُو دَاوُد ،
وَابْن مَاجَه ، وَالنَّسَائِيّ ، فِي "سُنَنهمْ" وَالْحَاكِم فِي "مُسْتَدْركه" ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" ، وَاللَّفْظ الْمَذْكُور هُوَ لفظ أَحْمد ، أخرجه من حَدِيث سُلَيْمَان بن كثير ، عَن ابْن شهَاب ، عَن أبي سِنَان الدؤَلِي ، عَن ابْن عَبَّاس ، قَالَ : " خَطَبنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : يَا أَيهَا النَّاس .
" فَذكره ، وَقَالَ : "فَهُوَ تطوع" بدل "فمتطوع" وَلَفظ الْبَيْهَقِيّ كَلَفْظِ الرَّافِعِيّ سَوَاء ، ثمَّ قَالَ : تَابعه سُفْيَان بن حُسَيْن ، وَمُحَمّد بن أبي حَفْصَة ، عَن الزُّهْرِيّ عَن (أبي سِنَان) ، وَقَالَ : عقيل ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن سِنَان ، وَهُوَ أَبُو سِنَان الدؤَلِي .
قلت : (أما) مُتَابعَة سُفْيَان ، فأخرجها أَبُو دَاوُد ، وَابْن مَاجَه بِلَفْظ : " أَن الْأَقْرَع بن حَابِس سَأَلَ رَسُول الله فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، الْحَج فِي كل سنة أَو مرّة وَاحِدَة ؟ (فَقَالَ : بل مرّة وَاحِدَة) فَمن زَاد (فتطوع) " .
وَأما مُتَابعَة مُحَمَّد بن أبي حَفْصَة ؛ فأخرجها الْحَاكِم كَمَا سَيَأْتِي .
قلت : وتابعهما أَيْضا سُلَيْمَان بن كثير كَمَا سلف ، وَعبد
(الْجَلِيل) بن حُمَيْد ، عَن الزُّهْرِيّ ، وَلَفظه : " أَنه عَلَيْهِ السَّلَام (قَامَ) (فَقَالَ) : إِن الله - تبَارك وَتَعَالَى - كتب عَلَيْكُم الْحَج .
فَقَالَ الْأَقْرَع بن حَابِس التَّمِيمِي : كل عَام يَا رَسُول الله ؟ فَسكت فَقَالَ : لَو قلت نعم لوَجَبت ، ثُمَّ إِذا لَا تَسْمَعُونَ وَلَا تطيعون ، وَلكنه حجَّة وَاحِدَة " .
رَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث مُوسَى بن سَلمَة عَنهُ بِهِ ، وأَعلَّه ابْن الْقطَّان بِجَهَالَة مُوسَى وَعبد الْجَلِيل .
وَقَالَ : (فَالْحَدِيث) إِذا لَا يَصح من (أجلهما ) .
قلت : عبد الْجَلِيل رَوَى عَن الزُّهْرِيّ وَأَيوب ، وَعنهُ جمَاعَة ، وَهُوَ صَدُوق .
ومُوسَى (قَالَ) النَّسَائِيّ فِي حَقه : صَالح الحَدِيث .
وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي موضِعين من كتاب الْحَج من "مُسْتَدْركه" :
أَحدهمَا : فِي أَوله من حَدِيث سُفْيَان (بن) حُسَيْن .
كَمَا أخرجه أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه ؛ إِلَّا أَنه قَالَ : "فَمن أَرَادَ (يتَطَوَّع) بدل "فَمن (زَاد) فمتطوع" .
ثَانِيهمَا : (بعد هَذَا) الْموضع بِنَحْوِ (كراسة) من حَدِيث عبد الله بن صَالح ، نَا اللَّيْث ، حَدثنِي عبد الرَّحْمَن بن خَالِد بن [ مُسَافر ] عَن ابْن شهَاب ، عَن أبي سِنَان الدؤَلِي ، عَن ابْن عَبَّاس أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : "يَا قوم ، كتب الله عَلَيْكُم الْحَج .
فَقَالَ الْأَقْرَع بن حَابِس : (أكل) عَام يَا رَسُول الله ؟ فَصمت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ثمَّ قَالَ : لَا ، بل حجَّة وَاحِدَة ، ثمَّ من حج بعد ذَلِك فَهُوَ تطوع ، وَلَو قلت : نعم . لَوَجَبَتْ عَلَيْكُم ، ثمَّ إِذا لَا تَسْمَعُونَ وَلَا تطيعون، " ثمَّ قَالَ فِي الْإِسْنَاد الأول : هَذَا إِسْنَاد صَحِيح وَلم يُخرجهُ الشَّيْخَانِ (فَإِنَّهُمَا) لم يخرجَا ( لِسُفْيَان) بن حُسَيْن ، وَهُوَ من الثِّقَات الَّذين يجمع حَدِيثهمْ .
وَقَالَ فِي الحَدِيث الثَّانِي : هَذَا حَدِيث
صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ ، وَلم يخرجَاهُ .
ثمَّ ذكره قبل هَذَا الحَدِيث من حَدِيث روح بن عبَادَة ، ثَنَا مُحَمَّد ابن أبي حَفْصَة ، عَن ابْن شهَاب ، عَن أبي سِنَان ، (عَن ابْن عَبَّاس ) " أَن الْأَقْرَع بن حَابِس سَأَلَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : الْحَج كل عَام ؟ قَالَ : (لَا) حجَّة وَاحِدَة ، وَلَو قلت نعم لَوَجَبَتْ ، وَلَو وَجَبت لم تسمعوا وَلم تطيعوا " وَذكره أَيْضا فِي كتاب "التَّفْسِير" من "مُسْتَدْركه" فِي تَفْسِير سُورَة "آل عمرَان" من حَدِيث سُلَيْمَان بن كثير بِهِ كَمَا سَاقه أَحْمد ، إِلَّا أَنه زَاد : (أَو لم) تستطيعوا أَن تعملوا بهَا ، الْحَج مرّة ؛ فَمن زَاد فتطوع، " ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ ، وَلم (يخرجَاهُ) .
قَالَ : وَهَكَذَا رَوَاهُ سُفْيَان بن حُسَيْن ، عَن الزُّهْرِيّ ، ثمَّ سَاقه بِلَفْظ : " سَأَلَ الْأَقْرَع بن حَابِس رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : الْحَج فِي كل عَام مرّة ؟ قَالَ : لَا بل مرّة وَاحِدَة فَمن زَاد (فتطوع) " ، ثمَّ قَالَ : وَفِي الْبَاب عَن عَلّي بن أبي طَالب بالشرح وَالْبَيَان عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ثمَّ سَاق بِإِسْنَادِهِ عَن عَلّي بن عبد الْأَعْلَى ، عَن أَبِيه ، عَن أبي البخْترِي ، عَن عَلّي قَالَ : " لما نزلت هَذِه الْآيَة (وَللَّه عَلَى النَّاس حج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا) قَالُوا : يَا رَسُول الله ، أَفِي كل عَام ؟ فَسكت
ثمَّ قَالُوا : أَفِي كل (عَام) ؟ فَسكت ، ثمَّ قَالُوا : أَفِي كل عَام ؟ قَالَ : لَا ، وَلَو قلت : نعم لَوَجَبَتْ .
فَأنْزل الله (يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تسألوا عَن أَشْيَاء) الْآيَة " .
قلت : وَهَذَا الحَدِيث ضَعِيف مُنْقَطع ، أَبُو البخْترِي لم يسمع من عَلّي ، قَالَ ابْن عبد الْبر : (لَهُ) (مَرَاسِيل) عَنهُ ، وَلم يسمع مِنْهُ عبد الْأَعْلَى ضَعَّفوه .
وَقَالَ أَبُو زرْعَة : ضَعِيف الحَدِيث رُبمَا رفع الحَدِيث وَرُبمَا وَقفه .
وَرَوَاهُ يَحْيَى بن أبي أنيسَة ، عَن الزُّهْرِيّ ، فَقَالَ : عَن عبيد الله بن عبد الله ، عَن ابْن عَبَّاس .
وَالصَّوَاب كَمَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ ، عَن أبي سُفْيَان .
وَيَحْيَى بن أبي أنيسَة مَتْرُوك .
ثمَّ اعْلَم أَن ابْن حزم ذكر هَذَا الحَدِيث فِي محلاه من طَرِيق أبي دَاوُد (ثمَّ) قَالَ : لَا حجَّة فِيهِ ؛ لِأَن رَاوِيه أَبُو سِنَان الدؤَلِي قَالَ فِيهِ عقيل : سِنَان مَجْهُول غير مَعْرُوف .
انْتَهَى (وَهَذَا يُوهم) أنَّ عُقيلاً - أحد (رُوَاته) - قَالَ : " سِنَان مَجْهُول" وَلَيْسَ كَذَلِك ، فَالَّذِي قَالَه
أَبُو دَاوُد ، وَهُوَ أَبُو سِنَان الدؤَلِي ، وَكَذَا (قَالَه) عبد الْجَلِيل بن حميد وَسليمَان بن كثير جَمِيعًا ، عَن الزُّهْرِيّ ، وَقَالَ عُقيل : سِنَان ؛ يَعْنِي : فِي رِوَايَة عقيل ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن سِنَان ، فعُرِف بِهَذَا أَن المُضَعِّف لأبي سِنَان : ابْن حزم لَا عُقيلاً ، وَلَيْسَ هُوَ حِينَئِذٍ مَجْهُول ؛ فقد رَوَى عَنهُ جمَاعَة ، وَقَالَ أَبُو زرْعَة : ثِقَة .
تَنْبِيه : هَذَا الحَدِيث ذكره (الرَّافِعِيّ) دَلِيلا عَلَى أَن الْحَج لَا يجب بِأَصْل الشَّرْع إِلَّا مرّة وَاحِدَة ، ويغني عَنهُ فِي الدّلَالَة حَدِيث ثَابت فِي "صَحِيح مُسلم" من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : " خَطَبنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : يَا أَيهَا النَّاس ، قد فرض الله عَلَيْكُم الْحَج فحجوا .
فَقَالَ (رجل) : يَا رَسُول الله ، أكل عَام ؟ فَسكت حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا ، فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَو قلت نعم لَوَجَبَتْ وَلما اسْتَطَعْتُم .
ثمَّ قَالَ : (ذروني) مَا تركتكم فَإِنَّمَا هلك من كَانَ قبلكُمْ بِكَثْرَة سُؤَالهمْ وَاخْتِلَافهمْ عَلَى أَنْبِيَائهمْ ، فَإِذا أَمرتكُم (بِأَمْر) فائتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم ، وَإِذا نَهَيْتُكُمْ عَن شَيْء فَدَعوهُ " .
قَالَ صَاحب "الإِمَام" : وَرَوَاهُ أَبُو الجهم الْمَالِكِي (من) هَذَا الْوَجْه
وَفِيه : "أَفِي كل عَام ؟ فَسكت ، ثمَّ أعَاد ، فَسكت (فَأَعَادَ) الثَّالِثَة ، فَقَالَ نَبِي الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَو قلت (نعم) لَوَجَبَتْ ، وَلَو وَجَبت مَا قُمْتُم بهَا " .