الحَدِيث الثَّالِث أَيّمَا صبي حج ثمَّ بلغ فَعَلَيهِ حجَّة الْإِسْلَام
الحَدِيث الثَّالِث أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : "(أَيّمَا) صبي حج ، ثمَّ بلغ فَعَلَيهِ حجَّة الْإِسْلَام ، وَأَيّمَا عبد حج ثمَّ عتق فَعَلَيهِ حجَّة الْإِسْلَام " .
هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ مُرْسلا ومتصلاً ، أما المرسلُ ؛ فَمن حَدِيث مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : " إِنِّي أُرِيد أَن أجدد فِي صُدُور الْمُؤمنِينَ ، أَيّمَا صبي حجَّ بِهِ أَهله فَمَاتَ أَجْزَأَ عَنهُ ، وَإِن أدْرك فَعَلَيهِ الْحَج ، وَأَيّمَا مَمْلُوك حج بِهِ أَهله فَمَاتَ أَجْزَأَ عَنهُ ، وَإِن أعتق فَعَلَيهِ الْحَج " .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي "مراسيله" هَكَذَا ، قَالَ عبد الْحق : وَهُوَ مُرْسل ومنقطع وَلَيْسَ بِمُتَّصِل السماع .
قلت : وَسَببه أَن أَبَا دَاوُد رَوَاهُ (عَن) أَحْمد ، ثَنَا وَكِيع ، عَن يُونُس ، قَالَ : سَمِعت شَيخا يحدث أَبَا إِسْحَاق ، عَن مُحَمَّد بن كَعْب ، وَمُحَمّد تَابِعِيّ وَلم يذكر عَمَّن أَخذه .
وَأما الْمُتَّصِل ؛ فَمن حَدِيث عبد الله (بن عَبَّاس ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : " أَيّمَا صبي حج ثمَّ بلغ الْحِنْث فَعَلَيهِ أَن يحجّ
حجَّة أُخْرَى ، وَأَيّمَا أَعْرَابِي حج ثمَّ هَاجر فَعَلَيهِ حجَّة أُخْرَى ، وَأَيّمَا عبد حج ثمَّ أعتق فَعَلَيهِ حجَّة أُخْرَى " .
وَهُوَ حَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ الْحَاكِم فِي "مُسْتَدْركه" ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" و "خلافياته" ، وَأَبُو مُحَمَّد بن حزم فِي "محلاه" من حَدِيث مُحَمَّد بن الْمنْهَال ، عَن يزِيد بن زُرَيْع ، عَن شُعْبَة ، عَن الْأَعْمَش ، عَن أبي ظبْيَان ، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا .
وَاللَّفْظ الْمَذْكُور هُوَ لفظ الْبَيْهَقِيّ ، وَلَفظ الْحَاكِم : " إِذا حج الصَّبِي (فَلهُ) حجَّة حَتَّى يعقل ، (وَإِذا) عقل فَعَلَيهِ حجَّة أُخْرَى ، وَإِذا حج الْأَعرَابِي (فَلهُ) حجَّة ، وَإِذا هَاجر فَعَلَيهِ حجَّة أُخْرَى " وَلَفظ ابْن حزم : " إِذا حج الصَّبِي فَهِيَ لَهُ حجَّة صبي حَتَّى يعقل (فَإِذا) عقل فَعَلَيهِ حجَّة أُخْرَى ، وَإِذا حج الْأَعرَابِي (فَهِيَ لَهُ حجَّة أَعْرَابِي (فَإِذا) هَاجر فَعَلَيهِ حجَّة أُخْرَى، " ثمَّ ذكره بِلَفْظ الْبَيْهَقِيّ إِلَّا أَنه أسقط ذكر "الْأَعرَابِي") ، نعم ذكره كَذَلِك بِإِسْقَاط الصَّبِي فِي "كتاب الْإِعْرَاب" عَلَى مَا حَكَاهُ عبد
الْحق فِي "أَحْكَامه" عَنهُ .
قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ .
وَقَالَ ابْن حزم : هَذَا حَدِيث صَحِيح ورواتُه ثِقَات .
وَقَالَ فِي (كتاب) " الْإِعْرَاب " : هَذَا إِسْنَاد رِجَاله أَئِمَّة وثقات .
و (قَالَ) الْبَيْهَقِيّ فِي "خلافياته" بعد مقَالَة شَيْخه الْحَاكِم هَذِه : أَظن أَن شَيخنَا حمل حَدِيث عَفَّان وَغَيره عَلَى حَدِيث يزِيد بن زُرَيْع (فَهَذَا الحَدِيث إِنَّمَا رَوَاهُ أَصْحَاب شُعْبَة عَنهُ مَوْقُوفا سُوَى ابْن زُرَيْع) (فَإِن) مُحَمَّد بن الْمنْهَال (ينْفَرد) بِرَفْعِهِ عَنهُ .
وَرَوَاهُ فِي "سنَنه" أَيْضا كَذَلِك مَوْقُوفا عَلَيْهِ ، وَقَالَ : تفرد بِرَفْعِهِ مُحَمَّد بن الْمنْهَال ، عَن يزِيد بن زُرَيْع ، عَن شُعْبَة ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ سُفْيَان الثَّوْريّ ، عَن (الْأَعْمَش) مَوْقُوفا ، وَهُوَ الصَّوَاب .
قلت : وَلَك أَن تَقول : مُحَمَّد بن الْمنْهَال ثِقَة ضَابِط من رجال "الصَّحِيحَيْنِ" (فَلَا) يضر تفرده بِرَفْعِهِ ، عَلَى أَنه لم ينْفَرد بِهِ ؛ بل توبع .
قَالَ ابْن (أبي) شيبَة فِي "مُصَنفه" : نَا أَبُو مُعَاوِيَة ، عَن الْأَعْمَش ، عَن أبي ظبْيَان ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : "احْفَظُوا عني - وَلَا تَقولُوا : قَالَ
ابْن عَبَّاس - أَيّمَا عبد حجَّ بِهِ أَهله ثمَّ أُعتق (فَعَلَيهِ) الْحَج ، وَأَيّمَا صبي حج بِهِ أَهله صبيًّا ثمَّ أدْرك فَعَلَيهِ حجَّة الرجل ، وَأَيّمَا أَعْرَابِي حج (أعرابيًّا) ثمَّ هَاجر فَعَلَيهِ حجَّة المُهَاجر " وَهَذَا ظَاهر فِي الرّفْع ؛ بل قَطْعِيّ .
وَكَذَا أخرجه الطَّحَاوِيّ (بِسَنَدِهِ) ، وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي "جمعه لحَدِيث الْأَعْمَش" من حَدِيث مُحَمَّد بن الْمنْهَال ، عَن يزِيد بن زُرَيْع ، وَمن حَدِيث الْحَارِث بن سُرَيج أبي عمر الْخَوَارِزْمِيّ (قَالَ) : نَا (يزِيد) بن زُرَيْع ، عَن شُعْبَة بِهِ .
(وَذكره) الْخَطِيب فِي "تَارِيخ بَغْدَاد" من حَدِيث ابْن الْمنْهَال والْحَارث قَالَا : ثَنَا يزِيد بن زُرَيْع ، عَن شُعْبَة .
فَذكره بِلَفْظ الْحَاكِم ، ثمَّ قَالَ : لم يرفعهُ إِلَّا يزِيد بن زُرَيْع ، عَن شُعْبَة ، وَهُوَ غَرِيب .
قلت : والْحَارث هَذَا هُوَ النقال - بالنُّون - ضعفه النَّسَائِيّ وَغَيره ، وَقَالَ الْأَزْدِيّ : تكلمُوا فِيهِ حَسَدًا .
فَائِدَة : المُرَاد بالأعرابي هُنَا الْكَافِر إِذْ كَانَ الْكفْر هُوَ الْغَالِب حِينَئِذٍ عَلَى الْأَعْرَاب ، وَقد نَبَّهَ عَلَى ذَلِك ابنُ الصّلاح فِي "مشكله" (قَالَ) : وَقد (جَاءَ) (إِطْلَاق) الْأَعْرَاب ، وَالْمرَاد (بهم) الْكفَّار فِي غير
هَذَا الحَدِيث .
وَقَالَ ابْن حزم فِي "محلاه" : احتجَّ مَن لم يَرَ للعبدِ حجًّا بِهَذَا الحَدِيث (قَالَ) : وَلَا يخلُو أَن يكونَ صَحِيحا أَو غيرَ صحيحٍ ، فَإِن كَانَ الثَّانِي (فقد) كفيناه ، وَإِن كَانَ الأول - وَهُوَ الْأَظْهر ؛ لِأَن رُوَاته ثِقَات - فإنَّه خبر مَنْسُوخ بِلَا شكّ ، برهانُ ذَلِك : أنَّ هَذَا الْخَبَر بِلَا شكّ كَانَ قبل فتح مَكَّة ؛ لِأَن فِيهِ إِعَادَة الْحَج (عَلَى من) حجَّ من الْأَعْرَاب قبل هجرته ، وَرَوَى مُسلم من حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها مَرْفُوعا : " لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح " فَإِذا قد صحَّ - بِلَا شكّ - أَن هَذَا الحَدِيث كَانَ قبل الْفَتْح .