الحَدِيث الثَّالِث بعد الثَّمَانِينَ رخَّص للرعاة أَن يتْركُوا الْمبيت بمنى
الحَدِيث الثَّالِث بعد الثَّمَانِينَ عَن عَاصِم بن عدي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رخَّص للرعاة أَن (يتْركُوا) الْمبيت بمنى ، ويرموا يَوْم النَّحْر جمرةَ الْعقبَة ، ثمَّ يرموا يَوْم النَّفْر الأوَّل . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ الأئمةُ : مَالك فِي الْمُوَطَّأ وأحمدُ فِي الْمسند وأصحابُ السّنَن الْأَرْبَعَة وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه والحاكمُ فِي مُسْتَدْركه . رَوَاهُ مَالك عَن عبد الله ابن أبي بكر ، عَن أَبِيه ، عَن ( أبي) البدَّاح عَاصِم بن عدي ، عَن أَبِيه .
كَذَا فِي رِوَايَة يَحْيَى بن يَحْيَى ، كَمَا قَالَ أَحْمد بن خَالِد قَالَ : وَيَحْيَى وَحده من بَين أَصْحَاب مَالك قَالَ فِي هَذَا الحَدِيث عَن مَالك بِإِسْنَادِهِ أَن أَبَا البدَّاح عَاصِم بن عدي فَجعل أَبَا البدَّاح كنية عَاصِم بن عدي ، وجَعَل الحَدِيث لَهُ . (قَالَ ابْن عبد الْبر : والْحَدِيث) إِنَّمَا (هُوَ) لعاصم بن عدي ، هُوَ الصاحب ، وَأَبُو البدَّاح ابْنُه يرويهِ عَنهُ ، وَهُوَ الصَّحِيح فِيهِ : عَن أبي البدَّاح بن عَاصِم بن عدي عَن أَبِيه . قيل : وَكَذَلِكَ رَوَاهُ وهب وابْنُ الْقَاسِم ، قَالَ أَبُو عمر : لم نجد عِنْد شُيُوخنَا فِي كتب يَحْيَى إلَّا عَن أبي البداح بن عَاصِم بن عدي ، كَمَا رَوَاهُ جماعةُ الروَاة عَن مَالك ، وَهُوَ الصَّحِيح فِي إِسْنَاد هَذَا (الْبَاب) كَمَا قَالَ أَحْمد - يَعْنِي : ابْن خَالِد - فَإِن كَانَ [ يَحْيَى ] رَوَاهُ كَمَا قَالَ أَحْمد فَهُوَ غلط من يَحْيَى ، وَالله أعلم ، أَو من غَيره ، وَلم يَخْتَلِفُوا فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث عَن مَالك إِلَّا مَا ذكر أَحْمد عَن يَحْيَى .
وَرَوَاهُ أَحْمد عَن عبد الرَّحْمَن ، عَن مَالك ، كَمَا فِي رِوَايَة يَحْيَى بن يَحْيَى . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، عَن عبد الله بن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمرو بن حزم ، عَن أَبِيه ، عَن أبي البدَّاح بن عدي ، عَن أَبِيه ، ثمَّ قَالَ : رَوَاهُ مَالك (بن أنس ، عَن عبد الله بن أبي بكر ، عَن أَبِيه ، عَن أبي البداح بن عَاصِم بن عدي ، عَن أَبِيه . قَالَ : وَرِوَايَة مَالك) أصح .
قَالَ : وَهُوَ حَدِيث حسن صَحِيح . قلت : وَمَعْنى قَوْله : رِوَايَة مَالك أصح : أَن سُفْيَان اختُلف عَلَيْهِ فَرُبمَا قيل : عَن أبي البداح بن عدي ، بِدُونِ ذكر أَبِيه ، نبَّه (عَلَيْهِ) صاحبُ الإِمَام ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث مَالك ، وَفِيه : عَن أبي البداح بن عَاصِم عَن أَبِيه ، وَمن حَدِيث أبي البداح بن عدي ، عَن أَبِيه ، (وَرَوَاهُ النسائيّ من هذَيْن الطَّرِيقَيْنِ . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث أبي البداح بن عدي عَن أَبِيه) ، (و) من حَدِيث أبي البداح بن عَاصِم ، عَن أَبِيه .
وَرَوَاهُ ابْن حبَان كَمَا رَوَاهُ مَالك أوَّلاً ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم من حَدِيث أبي البداح بن عدي عَن أَبِيه ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . قَالَ : وَأَبُو البداح هُوَ ابْن عَاصِم بن عدي ، وَهُوَ مَشْهُور فِي (التَّابِعين) ، وَعَاصِم بن عدي مَشْهُور فِي الصَّحَابَة ، وَهُوَ صَاحب اللِّعَان ، فَمن قَالَ : عَن أبي البداح بن عدي فَإِنَّهُ نسبه إِلَى جدِّه . قَالَ : (وبصحة) مَا ذكرتُه حَدثنِي أَبُو (عَلّي الْحسن) بن عَلّي بن دَاوُد .
ثمَّ ذكر بِإِسْنَادِهِ إِلَى مَالك عَن عبد الله بن أَبَى بكر بن مُحَمَّد بن عَمرو بن حزم ، عَن أَبِيه أَن ابْن عَاصِم بن عدي أخبرهُ ، عَن أَبِيه : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - . فَذكره . (هَذَا) مَا ذكره الْحَاكِم فِي كتاب الْحَج ، وَذكره فِي كتاب المناقب فِي تَرْجَمَة عَاصِم بن عدي ، فَقَالَ : ولعاصمٍ حَدِيث مَشْهُور .
فَذكره بِإِسْنَاد مَالك الْمَذْكُور ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد ، جوَّده مَالك بن أنس ، وزلق فِيهِ غيرُه . ثمَّ ذكر بِإِسْنَادِهِ عَن يَحْيَى بن معِين أَنه قَالَ فِي حَدِيث أبي البداح بن عَاصِم بن عدي : يرويهِ مَالك ، عَن عبد الله بن أبي بكر ، عَن أَبِيه ، عَن (أبي) البداح بن عَاصِم بن عدي ، عَن أَبِيه (مَرْفُوعا) . (قَالَ : وَحدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن مُحَمَّد بن أبي بكر ، عَن أَبِيه ، عَن أبي البداح بن (عَاصِم) ، عَن أَبِيه مَرْفُوعا) .
قَالَ يَحْيَى : وَهَذَا خطأ ، إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ مَالك . قَالَ يَحْيَى : وَكَانَ سُفْيَان إِذا حدّثنا بِهَذَا الحَدِيث قَالَ : ذهب عني فِي هَذَا الحَدِيث شَيْء . قلت : هَذَا مَا يتَعَلَّق بِإِسْنَادِهِ ، وَأما أَلْفَاظه ، فَلفظ مَالك : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أرخص لرعاء الْإِبِل فِي البيتوتة عَن منى ، يرْمونَ يَوْم النَّحْر ، ثمَّ يرْمونَ الْغَد ومِنْ بعد الْغَد ليومين ، ثمَّ يرْمونَ يَوْم النَّفْرِ .
هَذَا مَا رأيتُه من طَرِيق يَحْيَى بن يَحْيَى . وَذكر أَبُو عُمر : أَن الْقطَّان لم يقل فِي حَدِيثه هَذَا عَن مَالك : ثمَّ يرْمونَ يَوْم النَّفْر ، وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأ . قَالَ صَاحب الإِمَام : وَكَذَلِكَ رَوَاهُ يَحْيَى الْقطَّان رخَّص للرعَاء فِي البيتوتة وَلم يقل : عَن منى ، وَفِي رِوَايَة : يرْمونَ يَوْم النَّحْر واليومين (اللَّذَيْن) بعده .
قَالَ مَالك بعد سِيَاقه مَا نقلتُه لَك من رِوَايَته : نرَى - واللَّهُ أعلم - فِي تَفْسِير ذَلِك : أَنهم يرْمونَ يَوْم النَّحْر ، فَإِذا مَضَى الْيَوْم الَّذِي يَلِي يَوْم النَّحْر رموا من الْغَد ، وَذَلِكَ يَوْم النَّفر الأوَّل ، ويرمون لليوم الَّذِي مَضَى ، ثمَّ يرْمونَ ليومهم (ذَلِك) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْضي أحد شَيْئا حَتَّى يجب عَلَيْهِ ، فَإِذا وَجب عَلَيْهِ وَمَضَى كَانَ القضاءُ بعد ذَلِك ، فَإِن بدا لَهُم فِي النَّفر فقد فرغوا ، وَإِن أقامُوا إِلَى الْغَد رَمَوا مَعَ النَّاس يَوْم النَّفر الآخر ، ونفروا . وَلَفظ أَحْمد كَرِواية مَالك (الأولَى) ، إِلَّا أَنه قَالَ : يرْمونَ الْغَد أَو من (بعد) الْغَد ليومين . وَلَفظ التِّرْمِذِيّ : أرخِص لرعاء الْإِبِل فِي البيتوتة عَن منى ، يرْمونَ يَوْم النَّحْر (ثمَّ) يجمعُونَ رمْيَ يَوْمَيْنِ بعد يَوْم النَّحْر ، فيرمونه فِي أَحدهمَا .
قَالَ : قَالَ مَالك : ظننا أَنه قَالَ فِي الأول مِنْهُمَا : ثمَّ يرْمونَ يَوْم النَّفْر ، وَفِي أُخْرَى (لَهُ) وَلأبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام (رخَّص) للرعاء أَن يرموا يَوْمًا ويَدَعُوا يَوْمًا . وَفِي رِوَايَة للنسائي : أَنه رخَّص للرعاء فِي البيتوتة ، يرْمونَ يَوْم النَّحْر واليومين (اللَّذين) بعده ، (يجمعونه) فِي أَحدهمَا . وَلَفظ ابْن مَاجَه فِي الأولَى : رخص للرعاء أَن يرموا يَوْمًا ويَدَعُوا يَوْمًا .
وَفِي الثَّانِيَة : رخص لرعاء الْإِبِل فِي البيتوتة أَن يرموا يَوْم النَّحْر ، ثمَّ يجمعوا رمي يَوْمَيْنِ بعد النَّحْر فيرمونه فِي أَحدهمَا . قَالَ مَالك : ظننتُ أَنه قَالَ فِي الأوَّل مِنْهُمَا : ثمَّ يرْمونَ يَوْم النَّفر . وَلَفظ ابْن حبَان وَالْحَاكِم كَلَفْظِ أبي دَاوُد ، (وَفِي رِوَايَة للْحَاكِم كَلَفْظِ مَالك) ، وَفِي رِوَايَة لَهُ : رخص لَهُم أَن يرموها لَيْلًا .
فَائِدَة : البَدَّاح : بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة ، ثمَّ دَال مُهْملَة مُشَدّدَة ، ثمَّ ألِف ، ثمَّ حاء مُهْملَة ، وَأَبُو البداح هَذَا مَشْهُور فِي التَّابِعين ، ذكره ابْن حبَان فِي ثقاته ، قَالَ : وَيُقَال : إِن لَهُ صُحْبَة . قَالَ : وَفِي الْقلب مِنْهُ شَيْء لِكَثْرَة الِاخْتِلَاف فِي إِسْنَاده . وَقَالَ الصريفيني : الْأَصَح أَن لَهُ صُحْبَة .
وَكَذَا صَححهُ ابْن عبد الْبر فِي كتاب (الِاسْتِيعَاب وَفِي) كتاب أبي مُوسَى : أَنه زوج جُمَيْل بنت يسَار أُخْت معقل الَّتِي عضلها ، ووالده : عَاصِم بن عدي صَحَابِيّ مَشْهُور بَدْرِي (أُحُدِي) سيد بني العجلان . فَائِدَة أُخْرَى : رِعاء الْإِبِل : بِكَسْر الرَّاء وبالمد ، جمع رَاع ، كصاحب وصِحَاب .