الحَدِيث الْخَامِس أَرَأَيْت إِذا منع الله الثَّمَرَة فَبِمَ يسْتَحل أحدكُم مَال أَخِيه
الحَدِيث الْخَامِس أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : أَرَأَيْت إِذا منع الله الثَّمَرَة فَبِمَ يسْتَحل أحدكُم مَال أَخِيه . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث أنس رَضي اللهُ عَنهُ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن بيع الثِّمَار حَتَّى تزهى ، قيل : وَمَا تزهى ؟ قَالَ : تحمر . قَالَ : أَرَأَيْت إِن منع الله الثَّمَرَة بِمَ يَأْخُذ أحدكُم مَال أَخِيه وَهَذَا لفظ البُخَارِيّ ، وَفِي رِوَايَة لَهُ نهَى أَن تبَاع ثَمَرَة النّخل حَتَّى تزهو - يَعْنِي حَتَّى تحمر وَفِي رِوَايَة لَهُ نهَى عَن بيع الثَّمَرَة حَتَّى يَبْدُو صَلَاحهَا أَو عَن النّخل حَتَّى تزهو .
قيل : وَمَا تزهو ؟ قَالَ : تحمار وتصفار وَفِي رِوَايَة لَهُ نهَى عَن بيع الثَّمر حَتَّى يزهو ، فَقُلْنَا لأنس : مَا هُوَ زهوها ؟ قَالَ : تحمر وَتَصْفَر ، أَرَأَيْت إِن منع الله الثَّمَرَة بِمَ يسْتَحل أحدكُم مَال أَخِيه . وَرَوَاهُ مُسلم بِأَلْفَاظ : أَحدهَا : نهَى عَن بيع ثَمَر النّخل حَتَّى يزهو فَقيل لأنس : مَا زهوها ؟ قَالَ : تحمر وَتَصْفَر أَرَأَيْت إِن منع الله الثَّمَرَة بِمَ تستحل مَال أَخِيك ؟ . ثَانِيهَا : نهَى عَن بيع الثَّمَرَة حَتَّى تزهى ، قَالُوا : وَمَا تزهى ؟ قَالَ : تحمر .
قَالَ : إِذا منع الله الثَّمَرَة بِمَ تستحل مَال أَخِيك ؟ . ثَالِثهَا : إِن لم يثمرها الله فَبِمَ يسْتَحل أحدكُم مَال أَخِيه ؟ . (وَاعْلَم) أن الْحفاظ اخْتلفُوا فِي قَوْله : أَرَأَيْت إِن منع الله الثَّمَرَة .. .
إِلَى آخِره ، هَل هُوَ من قَول أنس ، أَو مَرْفُوع كَمَا ذكره الرَّافِعِيّ (وسُفْيَان الثَّوْريّ وَإِسْمَاعِيل بن جَعْفَر إِلَى الأول) . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : هَذَا الحَدِيث يرويهِ مَالك بن أنس والدراوردي مُسْندًا كُله وَإِبْرَاهِيم بن أبي حَمْزَة وَيَحْيَى بن سُلَيْمَان وَإِسْمَاعِيل بن جَعْفَر وَبشر بن الْمفضل وَأَبُو خَالِد الْأَحْمَر وَمعمر بن سُلَيْمَان ، وهشيم ، وَعبيدَة بن معتب وسُفْيَان بن حبيب وَيَحْيَى بن أَيُّوب ومروان بن مُعَاوِيَة وَيزِيد بن هَارُون- جعلُوا آخر الحَدِيث من قَول أنس وَهُوَ الصَّوَاب . وَقَالَ الْحَاكِم فِي كِتَابه عُلُوم الحَدِيث : هَذِه الزِّيَادَة فِي هَذَا الحَدِيث أَرَأَيْت .. .
إِلَى آخِره عَجِيبَة ، فَإِن مَالِكًا ينْفَرد بهَا لم يذكرهَا غَيره فِيمَا علمت فِي هَذَا الْخَبَر ، وَقد قَالَ بعض أَئِمَّتنَا : إِنَّهَا من قَول أنس ، فَسمِعت ابْن خُزَيْمَة يَقُول : رَأَيْت مَالك بن أنس فِي النّوم (شَيخا أسمرَ طوَالًا) ، فَقلت : أحدثكُم حميد الطَّوِيل عَن أنس أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : أَرَأَيْت إِن منع الله الثَّمَرَة . الحَدِيث قَالَ : نعم . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : سَأَلت أبي وَأَبا زرْعَة عَن ذَلِكَ [ فَقَالَا ] : رَفعه خطأ ، إِنَّمَا هُوَ من كَلَام أنس .
قَالَ أَبُو زرْعَة : والدراوردي وَمَالك بن أنس يرويانه مَرْفُوعا وَالنَّاس يروونه مَوْقُوفا (من) كَلَام أنس . وَقَالَ الْخَطِيب فِي كِتَابه الْفَصْل للوصل المدرج فِي النَّقْل : رَوَاهُ مَالك عَن حميد مَرْفُوعا بِكُل هَذِه الْأَلْفَاظ ، وَوهم فِي ذَلِكَ لِأَن قَوْله أَرَأَيْت .. . إِلَى آخِره من كَلَام أنس ، بَين ذَلِكَ يزِيد بن هَارُون والدراوردي وَأَبُو خَالِد الْأَحْمَر وَإِسْمَاعِيل بن جَعْفَر ، كلهم عَن حميد فِي روايتهم هَذَا الحَدِيث عَن حميد و (فصلوا) كَلَام أنس من كَلَام رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، وَرَوَاهُ الْأنْصَارِيّ وهشيم وَابْن الْمُبَارك وَعبيدَة عَن حميد ، فاقتصروا عَلَى الْمَرْفُوع (هُنَا) دون كَلَام أنس .
قَالَ الْبَغَوِيّ : رَوَى هَذَا الحَدِيث جمَاعَة ، كلهم عَن حميد من قَول أنس ، وَلَا نعلم أحدا رَفعه إِلَّا الدَّرَاورْدِي . قَالَ الْخَطِيب : قد رَوَاهُ إِبْرَاهِيم بن حَمْزَة الزبيري عَن الدَّرَاورْدِي مَوْقُوفا ، وَإِبْرَاهِيم أتقن من مُحَمَّد بن عباد وَلَيْسَ يَصح أَن أحدا رَفعه سُوَى مَالك . وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي : جعل مَالك والدراوردي قَول أنس أَرَأَيْت إِن منع الله مَرْفُوعا ، وأظن حميدا حدث بِهِ فِي الْحجاز كَذَلِك ، وَقَالَ عبد الْحق فِي جمعه : قَوْله : أَرَأَيْت .. .
إِلَى آخِره . لَيْسَ بموصول عَنهُ فِي كل طَرِيق . قلت : فَتحصل أَن الْمُعظم عَلَى وَقفه عَلَيْهِ خلاف مَا وَقع فِي الْكتاب .