الحَدِيث السَّادِس لَا يغلق الرَّهْن من راهنه لَهُ غُنمه وَعَلِيهِ غُرمه
الحَدِيث السَّادِس أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : [ لَا يغلق ] الرَّهْن من راهنه لَهُ غُنمه وَعَلِيهِ غُرمه . هَذَا الحَدِيث رُوِيَ مُتَّصِلا ومرسلاً ، أما الْمُتَّصِل : فَمن طَرِيق أبي هُرَيْرَة ، وَأما الْمُرْسل فَمن طَرِيق سعيد بن الْمسيب ، رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي الْأُم والْمُخْتَصر عَن ابْن أبي فديك ، عَن ابْن أبي ذِئْب ، عَن ابْن شهَاب ، عَن سعيد بن الْمسيب أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا يغلق الرَّهْن من صَاحبه الَّذِي رَهنه لَهُ غنمه وَعَلِيهِ غرمه . قَالَ الشَّافِعِي : غنمه زِيَادَته ، وغرمه : هَلَاكه ، قَالَ : وَأخْبرنَا الثِّقَة عَن يَحْيَى بن أبي أنيسَة ، عَن ابْن شهَاب ، عَن ابْن الْمسيب ، عَن أبي هُرَيْرَة ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِمثلِهِ أَو بِمثل مَعْنَاهُ .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة : وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، عَن ابْن أبي ذِئْب مَوْصُولا ، وَيَحْيَى بن أبي أنيسَة ضَعِيف ، وَحَدِيث ابْن عَيَّاش عَن غير أهل الشَّام ضَعِيف . ثمَّ سَاق بِسَنَدِهِ من حَدِيث سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن زِيَاد بن (سعد) ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن سعيد ابن الْمسيب ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا لَا يغلق الرَّهْن لَهُ غنمه وَعَلِيهِ غرمه، ثمَّ قَالَ : قَالَ عَلّي - يَعْنِي الدَّارَقُطْنِيّ - : زِيَاد بن (سعد) من الْحفاظ الثِّقَات ، وَهَذَا إِسْنَاد حسن مُتَّصِل . وَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَخَالف فِي سنَنه ، فَقَالَ عقب قَول الدَّارَقُطْنِيّ : هَذَا قد رَوَاهُ غَيره عَن سُفْيَان عَن زِيَاد مُرْسلا وَهُوَ الْمَحْفُوظ ، وَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيّ وَيُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي عَن الزُّهْرِيّ ، عَن ابْن الْمسيب مُرْسلا إِلَّا أَنَّهُمَا جعلا قَوْله لَهُ غنمه وَعَلِيهِ غرمه من قَول ابْن الْمسيب .
وَتبع فِي ذَلِكَ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا فَإِنَّهُ قَالَ فِي علله إرْسَاله هُوَ الصَّوَاب ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله : إِنَّه الصَّحِيح . وَأخرجه فِي سنَنه أَعنِي الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث عبد الله بن نصر الْأَصَم ، عَن (شَبابَة) ، عَن ابْن أبي ذِئْب ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن سعيد بن الْمسيب وَأبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : لَا يغلق الرَّهْن ، وَالرَّهْن لمن رَهنه لَهُ غنمه وَعَلِيهِ غرمه وَعبد الله هَذَا ضَعِيف ، وَلما ذكره عبد الْحق من هَذَا الْوَجْه من طَرِيق قَاسم بن أصبغ ، قَالَ : وَرُوِيَ هَذَا الحَدِيث مُرْسلا عَن سعيد ، وَرفع عَنهُ فِي هَذَا الْإِسْنَاد وَغَيره ، وَرَفعه صَحِيح . وناقشه ابْن الْقطَّان فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ : أرَاهُ تبع فِي ذَلِكَ ابْن عبد الْبر فَإِنَّهُ صَححهُ .
وَهَذَا حَدِيث فِي إِسْنَاده عبد الله بن نصر الْأَنْطَاكِي ، لَا يعرف حَاله ، وَقد رَوَى عَنهُ جمَاعَة ، وَذكر ابْن عدي لَهُ أَحَادِيث أنْكرت عَلَيْهِ مِنْهَا هَذَا الحَدِيث . قلت : وَوَقع فِي الْمُحَلَّى لِابْنِ حزم بدل عبد الله هَذَا نصر بن عَاصِم الثِّقَة ، وَكَأَنَّهُ تَحْرِيف ، وَالصَّوَاب كَمَا وَقع فِي الدَّارَقُطْنِيّ ، وَأخرجه أَعنِي الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من حَدِيث بشر بن يَحْيَى الْمروزِي ، ثَنَا أَبُو عصمَة ، عَن مُحَمَّد بن عَمْرو بن عَلْقَمَة ، عَن أبي سَلمَة ، عَن أبي هُرَيْرَة رَفعه لَا يغلق الرَّهْن (لَك) غنمه و (عَلَيْك) غرمه، ثمَّ قَالَ : بشر وَأَبُو عصمَة ضعيفان ، وَلَا يَصح عَن مُحَمَّد بن عَمْرو . وَأخرجه أَيْضا من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، عَن ابْن أبي ذِئْب ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن سعيد ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا لايغلق الرَّهْن ، لصَاحبه غنمه وَعَلِيهِ غرمه وَمن حَدِيث إِسْمَاعِيل ، عَن الزبيدِيّ ، عَن الزُّهْرِيّ ، وَقد سبق كَلَام الْبَيْهَقِيّ فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل هَذَا ، وَأخرجه أَيْضا من حَدِيث أبي ميسرَة أَحْمد بن عبد الله بن ميسرَة حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بن دَاوُد الرقي ، عَن الزُّهْرِيّ ، (عَن سعيد ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا لَا يغلق الرَّهْن حَتَّى يكون (لَك) غنمه و (عَلَيْك) غرمه وَأحمد هَذَا مَتْرُوك ) ، وَرَوَاهُ مُحَمَّد بن يزِيد بن الدواس ، ثَنَا كدير أَبُو يَحْيَى (نَا) معمر ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن سعيد ، عَن ابي هُرَيْرَة رَفعه لَا يغلق الرَّهْن لَك غنمه وَعَلَيْك غرمه ، هَذَا حَدِيث غَرِيب عَن معمر وَالْمَعْرُوف عَنهُ إرْسَاله ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : أرْسلهُ عبد الرَّزَّاق وَغَيرُه عَن معمر .
قلت : وَأما ابْن حبَان فَأخْرجهُ فِي صَحِيحه كَمَا أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ كَمَا مَضَى ، وَقَالَ فِيهِ : إِنَّه حسن مُتَّصِل . وَكَذَا الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه وَقَالَ : إِنَّه حَدِيث (صَحِيح حسن) عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ فَلم يخرجَاهُ لخلاف فِيهِ عَلَى أَصْحَاب الزُّهْرِيّ ، قَالَ : وَقد تَابع مَالك وَابْن أبي ذِئْب وَسليمَان بن أبي دَاوُد الْحَرَّانِي وَمُحَمّد بن الْوَلِيد (الزبيدِيّ) وَمعمر بن رَاشد عَلَى هَذِه الرِّوَايَة . ثمَّ ذكر ذَلِكَ كُله عَنْهُم بأسانيده ، وَفِي رِوَايَة لَهُ : (لَا يغلق الرَّهْن ، الرَّهْن لمن رَهنه ، لَهُ غنمه وَعَلِيهِ غرمه وَفِي رِوَايَة) لَا يغلق الرَّهْن حَتَّى يكون لَك غنمه وَعَلَيْك غرمه .
فَائِدَة : قد تقدم عَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ : غنمه : زِيَادَته ، وغرمه : هَلَاكه . وَقَالَ غَيره : غرمه أَدَاء مَا يُقْضَى بِهِ الدَّين . وَوَقع فِي الحَدِيث فِي الْخُلَاصَة عَلَى مَذْهَب أبي حنيفَة زِيَادَة تكْرَار لَا يغلق الرَّهْن ثَلَاثًا ، وَلم أره فِي كتاب حَدِيث ، وَهَذِه اللَّفْظَة وَهِي لَهُ غنمه وَعَلِيهِ غرمه قيل : إِنَّهَا مدرجة فِي الحَدِيث من كَلَام ابْن الْمسيب كَمَا (ينْقل) وَيحْتَمل خِلَافه .
وَقَوله : الرَّهْن من راهنه أَي من ضَمَان راهنه . قَالَ الشَّافِعِي : هَذَا من أفْصح مَا قالته الْعَرَب : الشَّيْء من فلَان ، أَي من ضَمَانه ، وَقيل من هُنَا بِمَعْنى لَام الْملك . حَكَاهُ صَاحب المستعذب .
وَقَوله : لَا يغلق الرَّهْن ، مَعْنَاهُ لَا يُستحق المُرْتَهَن إِذا لم يستفكه صَاحبه ، وَكَانَ هَذَا من فعل الْجَاهِلِيَّة ، أَن الرَّاهِن إِذا لم يرد مَا عَلَيْهِ فِي الْوَقْت الْمعِين الْمَشْرُوط ملك الْمُرْتَهن الرَّهْن ، فأبطله الْإِسْلَام (والغلق ضد الفك وأغلقت الرَّهْن) أَي أوجبته للْمُرْتَهن ، وَذكر أَبُو عبيد فِيهِ تأويلين أَحدهمَا هَذَا أَي : لَا يملكهُ الْمُرْتَهن عِنْد تَأَخّر الْحق ، وَالثَّانِي : لَا يكون غلقًا عِنْد تلف الْحق بتلفه . قَالَ : فَوَجَبَ حمله عَلَيْهِمَا . وَقَوله : لَا يغلق الْقَاف فِيهِ مَرْفُوعَة ، كَذَا قَيده الْقُرْطُبِيّ فِي أَوَاخِر تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة ، وَقَالَ صَاحب التنقيب : الْقَاف بِالْكَسْرِ عَلَى النَّهْي أَو بِالرَّفْع عَلَى النَّفْي خلاف .