الحديث الأول أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم حجر عَلَى معَاذ وَبَاعَ عَلَيْهِ مَاله
كتاب التَّفْلِيس كتاب التَّفْلِيس ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ من الْأَحَادِيث تِسْعَة أَحَادِيث : أَحدهَا عَن كَعْب بن مَالك رَضي اللهُ عَنهُ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حجر عَلَى معَاذ وَبَاعَ عَلَيْهِ مَاله . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث هِشَام بن يُوسُف ، أبنا معمر ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن ابْن كَعْب بن مَالك ، عَن أَبِيه (أَن) النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حجر عَلَى معَاذ بن جبل مَاله وَبَاعه فِي دين كَانَ عَلَيْهِ قَالَ الْبَيْهَقِيّ : كَذَا رَوَاهُ هِشَام بن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ ، عَن معمر ، وَخَالفهُ عبد الرَّزَّاق فِي إِسْنَاده فَرَوَاهُ مُرْسلا . قَالَ : وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عبد الله بن الْمُبَارك عَن معمر .
وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه فِي مَوَاضِع هُنَا ، وَقَالَ : إِنَّه حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . وَفِي كتاب الْأَحْكَام وَقَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . وَفِي تَرْجَمَة معَاذ ، وَقَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ .
وَقَالَ ابْن الطلاع : إِنَّه حَدِيث ثَابت . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله من حَدِيث عبد الرَّزَّاق ، عَن معمر ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن ابْن كَعْب بن مَالك وَهُوَ عبد الرَّحْمَن أَن معَاذ بن جبل لم يزل يدَّان حَتَّى أغلق مَاله كُله ، فَأَتَى غرماؤه إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَطلب معَاذ إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يسْأَل غرماءه أَن يضعوا لَهُ أَو يؤخروا ، فَأَبَوا ، فَلَو ترك [ لأحد ] من أجل أحد لترك لِمعَاذ من أجل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، فَبَاعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مَاله كُله فِي دينه حَتَّى قَامَ معَاذ بِغَيْر شَيْء ، وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن عبد الرَّحْمَن فَلم يزدْ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - غرماءه عَلَى أَن خلع لَهُم مَاله . وَرَوَاهُ أَيْضا مُرْسلا سعيد بن مَنْصُور وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالَ عبد الْحق : إِنَّه أصح من الْمُتَّصِل .
وَقَالَ صَاحب (الْإِلْمَام) : إِنَّه الْمَشْهُور فِيهِ . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من طَرِيق آخر مُتَّصِلا رَوَاهُ من حَدِيث [ عبد الله بن مُسلم ] بن هُرْمُز ، عَن سَلمَة الْمَكِّيّ ، عَن جَابر بن عبد الله أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (خلع معَاذ بن جبل من غُرَمَائه ثمَّ اسْتَعْملهُ عَلَى الْيمن ، فَقَالَ معَاذ : إِن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -) استخلصني بِمَا لي ثمَّ استعملني وَعبد الله هَذَا ضعفه أَحْمد وَغَيره ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَسَلَمَة لَا أعرف حَاله وَلَا رَوَى عَنهُ غير عبد الله وَلَا رَوَى عَن غير جَابر .
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : رَوَى عَن جَابر من وَجْهَيْن ضعيفين . فَائِدَة : كَانَ تفليس معَاذ سنة تسع من الْهِجْرَة كَمَا نبه عَلَيْهِ ابْن الطلاع فِي أَحْكَامه قَالَ : وَحصل لغرمائه خَمْسَة أَسْبَاع حُقُوقهم ، فَقَالُوا : يَا رَسُول الله ، بِعْهُ لنا . فَقَالَ : لَيْسَ لكم إِلَيْهِ سَبِيل .
قلت : وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه وَقَالَ : تفرد بِبَعْض أَلْفَاظه الْوَاقِدِيّ . و(بَعثه) إِلَى الْيمن وَقَالَ : لَعَلَّ الله أَن يجبرك وَذَلِكَ فِي ربيع الآخر سنة تسع بعد أَن غزا غَزْوَة تَبُوك وَقدم بعد مَوته عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ فِي خلَافَة الصّديق وَمَعَهُ غلْمَان ، فَرَآهُمْ عمر فَقَالَ : مَا هم ؟ فَقَالَ : أصبهم فِي وَجْهي . فَقَالَ عمر : من أَي وَجه ؟ فَقَالَ : أهدوا إليّ وأكرمت بهم .
فَقَالَ عمر : اذكرهم لأبي بكر . فَقَالَ معَاذ : فأذكر هَذَا لأبي بكر ! فَنَامَ معَاذ فَرَأَى كَأَنَّهُ عَلَى شَفير جَهَنَّم وَعمر آخذ بحجزته من وَرَائه لِئَلَّا يَقع فِي النَّار ، فَفَزعَ معَاذ فَذكرهمْ لأبي بكر كَمَا أمره عمر فسوغه إيَّاهُم أَبُو بكر ، وَقَالَ : سَمِعت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : لَعَلَّ الله أَن يجبرك . فَقَضَى غرماءه بَقِيَّة (دُيُونهم) وَرَوَى الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ لما حج بَعثه إِلَى الْيمن ، وَأَنه أول من تجر فِي مَال الله حَتَّى إِذا كَانَ فتح مَكَّة بَعثه إِلَى الْيمن .
تَنْبِيه : لما ذكر عبد الْحق هَذَا الحَدِيث من مَرَاسِيل أبي دَاوُد تعقبه بِأَن قَالَ : أسْندهُ هِشَام بن يُوسُف والمرسل أصح . فَاعْترضَ ابْن الْقطَّان فَقَالَ : كَذَا ذكر هَذِه الرِّوَايَة وَلم يعزها وَلَا أعرف موقعها . هَذَا لَفظه ، وَهُوَ عَجِيب مِنْهُ ، فَهِيَ فِي الْكتب الْمَشْهُورَة كالدارقطني وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ كَمَا أسلفناها .