الحَدِيث الْخَامِس يَا عَلي أَدِّ الدِّينَار
الحَدِيث الْخَامِس أَن عليًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وجد دِينَارا ، فَسَأَلَ (رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : هَذَا رزقك ؛ فاشتر بِهِ دَقِيقًا وَلَحْمًا . فأكل مِنْهُ) رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعليٌّ وَفَاطِمَة ، ثمَّ جَاءَ صاحبُ الدِّينَار يُنشد الدِّينَار ، فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا عَلي ، أَدِّ الدِّينَار . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه من طرق : أَحدهَا : من حَدِيث عبيد الله بن مقسم ، عَن رجل ، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَن عليًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وجد دِينَارا ، فَأَتَى بِهِ فَاطِمَة [ فَسَأَلت ] عَنهُ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ (رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) : هُوَ رزق (الله) فَأكل مِنْهُ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأكل عَلي وفاطمةُ ، فلمَّا كَانَ بعد ذَلِك أَتَتْهُ امْرَأَة تُنشد الدِّينَار ، فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا عَلي ، أدِّ الدِّينَار .
وَرجل هَذَا مَجْهُول ، لَا يعرف من هُوَ . ثَانِيهَا : من حَدِيث بِلَال بن يَحْيَى الْعَبْسِي عَن عَلي : أَنه الْتقط دِينَارا فَاشْتَرَى بِهِ دَقِيقًا ، فَعرفهُ صَاحب الدَّقِيق ؛ فردَّ عَلَيْهِ الدِّينَار ، فَأَخذه عَلي (فَقطع) مِنْهُ قيراطين ، فَاشْتَرَى بِهِ لَحْمًا . وبلال هَذَا رَوَى عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُرْسلا ، وَعَن عمر بن الْخطاب ، وَهُوَ مَشْهُور بالرواية عَن حُذَيْفَة ، وَقيل عَنهُ بَلغنِي عَن حُذَيْفَة ، وَفِي سَمَاعه مِنْ عَلي نظر .
قاله كُله الْمُنْذِرِيّ . ثَالِثهَا : من حَدِيث مُوسَى بن يَعْقُوب (الزمعِي) عَن أبي حَازِم ، عَن سهل بن سعد : أَن عَلي بن أبي طَالب دخل عَلَى فَاطِمَةَ ، وَحسنٌ وحسينٌ يَبْكِيَانِ ، فَقَالَ : مَا يبكيهما ؟ ! قَالَت : الْجُوع ! فَخرج عَلي فَوجدَ دِينَارا بِالسوقِ ، فجَاء إِلَى فَاطِمَة فَأَخْبرهَا ، فَقَالَت : اذْهَبْ إِلَى فلَان الْيَهُودِيّ فَخذ لنا دَقِيقًا . فجَاء إِلَى الْيَهُودِيّ فَاشْتَرَى بِهِ دَقِيقًا ، فَقَالَ الْيَهُودِيّ : أَنْت ختن هَذَا الَّذِي يزْعم أَنه رَسُول الله ؟ قَالَ : نعم .
قال : فَخذ دينارك وَلَك الدَّقِيق . فخرج عَلي حَتَّى جَاءَ بِهِ فَاطِمَة فَأَخْبرهَا ، فَقَالَت : اذْهَبْ إِلَى فلَان الجَزَّار فَخذ لنا مِنْهُ بدرهم لَحْمًا . فذهب فرهن الدِّينَار بدرهم لحم ، فجَاء بِهِ ، فعجنت (ونصبت) وخبزت ، وَأرْسلت إِلَى أَبِيهَا فَجَاءَهُمْ (فَقَالَ) : يَا رَسُول الله ، أذكرُ لَك ، فَإِن رَأَيْته حَلَالا أكلنَا وأكلت مَعنا ، من شَأْنه كَذَا وَكَذَا فَقَالَ : كُلُوا بِسم الله .
فأَكَلُوا مِنْهُ ، فَبينا هم مكانهم إِذا غلامٌ ينشد الله وَالْإِسْلَام الدِّينَار ، فَأمر بِهِ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [ فدعي لَهُ ] فَسَأَلَهُ ، فَقَالَ : سقط مِني فِي السُّوق . فقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا عَلي ، اذْهَبْ إِلَى الجزار فَقل لَهُ : إِن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُول لَك : أرسل إليَّ بالدينار ودرهمك عليَّ . فأرْسل بِهِ ، فَدفعهُ إِلَيْهِ .
وَمُوسَى هَذَا وَثَّقَهُ يَحْيَى بن معِين ، وَقَالَ ابْن عدي : لَا بَأْس بِهِ وبرواياته عِنْدِي . وَقَالَ النَّسَائِيّ وَغَيره : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَذَكَرَهُ من هَذَا الطَّرِيق صاحبُ الْإِلْمَام .
وَله طَرِيق رَابِع : أخرجه عبد الرَّزَّاق عَن أبي بكر بن أبي سُبْرَة ، عَن شريك بن عبد الله ، عَن عَطاء بن يسَار ، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ : أَن عليًّا جَاءَ إِلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِدِينَار وجده فِي السُّوق ، فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : عرِّفه ثَلَاثًا . ففعل فَلم يجد أحدا يعرفهُ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُله .. . وَذكر الحَدِيث ، وَفِي آخِره : فَجعل أجل الدِّينَار وَشبهه ثَلَاثَة أَيَّام .
وَهَذَا إِسْنَاد واه ، أَبُو بكر بن أبي سُبْرَة وضَّاع ، كَمَا قَالَه أَحْمد وَغَيره ، وَشريك هُوَ ابْن عبد الله بن أبي نمر ، وَقد تُكلم فِيهِ ، لكنه من رجال الصَّحِيحَيْنِ . وَرَوَاهُ الشَّافِعِي فِي الْأُم من هَذَا الْوَجْه ، فَقَالَ : أَنا الدَّرَاورْدِي ، عَن شريك بن عبد الله بن أبي نمر ، عَن عَطاء بن يسَار ، عَن عَلي : أَنه وجد دِينَارا عَلَى عهد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأمره أَن يعرِّفه فَلم يُعْرف ، فَأمره أَن يَأْكُلهُ ، ثمَّ جَاءَ صَاحبه ، فَأمره أَن يغرمه . قال الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة : كَذَا فِي رِوَايَة الشَّافِعِي التَّعْرِيف ، وَقد رُوي فِي حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ وَسَهل بن سعد مَا دلّ عَلَى أَنه فِي الْوَقْت اشْتَرَى بِهِ طَعَاما ، ثمَّ فِي حَدِيث أبي سعيد أَن امْرَأَة أَتَت تُنشد الدِّينَار وَفِي حَدِيث سهل : إِذا غُلَام ينشده ، فَأمره عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ بِأَدَائِهِ .
قال : وَالْأَحَادِيث فِي اشْتِرَاط المُدَّة أَكثر وَأَصَح إِسْنَادًا من هَاتين الرِّوَايَتَيْنِ ، وَلَعَلَّه إِنَّمَا أنفقهُ قبل مُضي مُدَّة التَّعْرِيف للضَّرُورَة ، وَفِي حَدِيثهمَا مَا دلّ [ عَلَيْهِ ] وَقَالَ فِي سنَنه : ظَاهر حَدِيث عَلي هَذَا يدل عَلَى أَنه أنفقهُ قبل التَّعْرِيف فِي الْوَقْت . (قَالَ :) وَقد روينَا عَن عَطاء بن يسَار ، عَن عَلي فِي هَذِه الْقِصَّة : أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ أمره أَن (يعرِّفه) فَلم يعْتَرف ؛ فَأمره أَن يَأْكُلهُ . قال : وَظَاهر تِلْكَ الرِّوَايَة أَنه شَرط التَّعْرِيف فِي الْوَقْت ، وأباح أكله قبل مُضِي السَّنة ، وَالْأَحَادِيث الَّتِي وَردت فِي اشْتِرَاط التَّعْرِيف سنة فِي جَوَاز الْأكل أصح وَأكْثر ، فَهِيَ أولَى .
قال : وَيحْتَمل أَن يكون إِنَّمَا أَبَاحَ لَهُ إِنْفَاقه قبل مُضِي سنة لوُقُوع الِاضْطِرَار [ إِلَيْهِ ] والقصة تدل عَلَيْهِ . قال : وَيحْتَمل أَنه لم يشْتَرط مُضِي سَنَة فِي قَلِيل اللّقطَة . قال : وَفِي متن هَذَا الحَدِيث اخْتِلَاف ، وَفِي (إِسْنَاده) ضعف .
قلت : وَالِاحْتِمَال الأول جزم بِهِ القَاضِي أَبُو الطّيب ، فَقَالَ : لَعَلَّ عليًّا لم يُعَرِّفه لاضطراره إِلَيْهِ ، والمضطر يجوز لَهُ الِانْتِفَاع من مَال الْغَيْر بِغَيْر إِذْنه . وَقَالَ غَيرهمَا : (لَعَلَّ تَأْوِيله) أَن التَّعْرِيف لَيْسَ لَهُ صِيغَة (يتعبد) بهَا ، فمراجعة رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى (مَلأ من) النَّاس إعلانٌ بِهِ ، وَهَذَا (يُؤَكد) الِاكْتِفَاء بالتعريف مَرَّةً وَاحِدَة ، قَالَ (هَذَا) الْقَائِل : وَإِنَّمَا (أول) لِأَنَّهُ لم يضر أحدا إِلَى إِسْقَاط أصل التَّعْرِيف .