الْأَثر الثَّانِي أَن عليًّا دَعَاهُ رَسُول الله قبل بُلُوغه إِلَى الْإِسْلَام فَأَجَابَهُ
الْأَثر الثَّانِي : " أَن عليًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْه دَعَاهُ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قبل بُلُوغه إِلَى الْإِسْلَام ؛ فَأَجَابَهُ " .
وَهَذَا الْأَثر مَشْهُور عَنهُ .
رَوَى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث (أبي) عبد الله الشَّامي ، عَن النجيب بن السّري قَالَ : قَالَ عَلي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه في حديثٍ ذكره : "سبقتهم إِلَى الْإِسْلَام قِدمًا غُلَاما ، مَا بلغتُ أَوَان حُلُمِى" .
قال الْبَيْهَقِيّ : وَهَذَا شَائِع فِيمَا بَين النَّاس من قَول عَلي ، إِلَّا أَنه لم يَقع إِلَيْنَا بإسنادٍ يُحتج بِمثلِهِ .
قال : وَاخْتلف أهل الْعلم فِي سِنِّه يَوْم أسلم ، فَروِيَ عَن عُرْوَة : "أَنه أسلم وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين" وَعَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق وَمُجاهد : "أَنه كَانَ ابْن عشر" وَعَن شريك : "ابْن إِحْدَى عشرَة" وَعَن الْحسن وَغَيره : "ابْن خمس عشرَة أَو سِتّ عشرَة" وَعَن ابْن عَبَّاس : " أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ دفع الرَّايَة إِلَى عَلي يَوْم بدر وَهُوَ ابْن عشْرين سنة " .
وَهَذَا أخرجه الْحَاكِم فِي "مُسْتَدْركه" وَقَالَ : عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ .
قال الْبَيْهَقِيّ : ووقعة بدر كَانَت بَعْدَمَا قدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ الْمَدِينَة بِسنة وَنصف ، وَاخْتلفُوا فِي مِقْدَار مقَامه بِمَكَّة بَعْدَمَا بُعث ، فَقيل : عشرا ،
وَقيل : ثَلَاث عشرَة ، وَقيل : خمس عشرَة ، فَإِن كَانَت عشرا وَصَحَّ أَن عليًّا كَانَ ابْن عشْرين (سنة) يَوْم بدر : رَجَعَ سنه يَوْم أسلم إِلَى قريب مِمَّا قَالَه عُرْوَة بن الزبير ، وَإِن كَانَت ثَلَاث عشرَة أَو خمس عشرَة (فَإلَى) أقل من ذَلِك .
قال : وَاخْتلفُوا فِي سنّ عَلي يَوْم قُتل ؛ فَقيل : خمس وسُتُّون ، وَقيل : ثَلَاث و(سِتُّونَ) ، وَقيل أقل من ذَلِك ، وأشهره : ثَلَاث وَسِتُّونَ عَلَى رَأس أَرْبَعِينَ من مهَاجر رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَيرجع سِنُّه يَوْم أسلم عَلَى قَول من قَالَ : (مكث رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّة عشرا إِلَى ثَلَاث عشرَة .
وَعَلَى قَول من قَالَ) ثَلَاث عشرَة ؛ إِلَى عشر سِنِين .
ففِي أَكثر الرِّوَايَات كَانَ بلغ من السِّن حِين صَلَّى مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قدرا يحْتَمل أَن يكون احْتَلَمَ (فِيهِ) وَمَا رُوي من الشِّعر (فَيحْتَمل التَّأْوِيل) مَعَ ضعف إِسْنَاده ، عَلَى أَن الحكم بِصِحَّة قَول الْبَالِغ دون الصَّبِي الْمُمَيز وَقع (شَرعه) بعد إِسْلَام عَلي ، فإسلامه كَانَ مَحْكُومًا بِصِحَّتِهِ إِمَّا لِأَنَّهُ بَقِي حَتَّى وصف الْإِسْلَام بعد بُلُوغه ، أَو لِأَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خاطبه بِالدُّعَاءِ إِلَى الْإِسْلَام ، وَغَيره من الصّبيان غير مُخاطَب ، أَو لِأَن قَول الصَّبِي الْمُمَيز إِذْ ذَاك كَانَ مَحْكُومًا بِصِحَّتِهِ قبل وُرُود الشَّرْع بِغَيْرِهِ ، أَو كَانَ قد احْتَلَمَ فَصَارَ بَالغا .
هَذَا وَقد ذهب الْحسن الْبَصْرِيّ وغيرُ وَاحِد فِي رِوَايَة قَتَادَة إِلَى أَن
عليًّا أسلم وَهُوَ ابْن خمس عشرَة سنة ، أَو سِتّ عشرَة سنة ، كَمَا مَضَى ذكره .
وَضعَّف ابْن الْجَوْزِيّ مقَالَة الْحسن هَذِه ، قَالَ : فَإِن كَانَ لَهُ يَوْم المبعث ثَمَان سِنِين وعاش بعد المبعث ثَلَاثًا وَعشْرين سنة ، وَبَقِي بعد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحْو الثَّلَاثِينَ ، فَهَذِهِ مقاربة السِّتين ، قَالَ : وَهُوَ الصَّحِيح فِي مِقْدَار عمره .
ثمَّ رَوَى عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه قَالَ : "قُتل عَلي وَهُوَ ابْن ثَمَان وَخمسين" .
قال : وَمَتى قُلْنَا : إِنه كَانَ (لَهُ) يَوْم إِسْلَامه خَمْسَة عشر صَار عمره ثَمَانِيَة وَسِتِّينَ ، وَلم يقل بِهِ أحد .