الحَدِيث الْعَاشِر شهدتُ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَاهَا السُّدس
الحَدِيث الْعَاشِر عَن قبيصَة بن ذُؤَيْب قَالَ : جَاءَت الجَدَّةُ إِلَى أبي بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه تسأله مِيرَاثهَا ، فَقَالَ لَهَا : مَا لَكِ فِي كتاب الله شَيْء ، وَمَا علمتُ لكِ فِي سُنَّة رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئا ؛ فارجعي حَتَّى أسأَل النَّاس . فسَأَلَ النَّاس ؛ فَقَالَ الْمُغيرَة بن شُعْبَة : شهدتُ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَاهَا السُّدس . فقَالَ : هَل مَعَك غَيْرك ؟ (فَقَامَ) مُحَمَّد بن مسلمة الْأنْصَارِيّ ، فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ الْمُغيرَة ، (فأنْفَذَ) لَهَا أَبُو بكر ، ثمَّ جاءتِ (الْجدّة) الأخْرى إِلَى عُمر تسأله مِيرَاثهَا ، فَقَالَ لَهَا : مَا لَكِ فِي كتاب الله شَيْء ، وَمَا كَانَ الْقَضَاء الَّذِي قُضي بِهِ إِلَّا لغيركِ ، وَمَا أَنا بزائد فِي الْفَرَائِض شَيْئا ، وَلَكِن هُوَ ذَاك السُّدس ، فَإِن اجتمعتما فَهُوَ بَيْنكُمَا ، و(أيكما) خَلَتْ بِهِ فَهُوَ لَهَا .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور مَالك فِي الْمُوَطَّأ وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة : د ت ق ن ، من حديثِ ابْن شهَاب ، عَن عُثْمَان بن إِسْحَاق بن خَرشَة ، عَن قبيصَة (بِهِ) . قال التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث صَحِيح حسن . وَرَوَاهُ أَيْضا أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه ، وَرَوَاهُ أَيْضا الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه بِدُونِ ذكْر الجدَّة الثَّانِيَة ، وَكَذَا أخرجه أَحْمد فِي مُسْنده ، ثمَّ قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ .
وَأمَّا عبد الْحق فأعله بالانقطاع فَقَالَ : هَذَا حَدِيث لَيْسَ بِمُتَّصِل السماعِ فِيمَا أعلم ، وَهُوَ مَشْهُور . وَبَيَّنَه ابْن الْقطَّان فَقَالَ : الَّذِي ظنَّه أَبُو مُحَمَّد مِنْ عَدَمِ الِاتِّصَال إِنَّمَا هُوَ فِيمَا بَين قبيصَة وَأبي بكر وعُمر ، وَإنَّهُ ليقوي مَا تخوف ، وَلَكِن قد أعرض عَن ذَلِك التِّرْمِذِيّ فصححه ، وَهُوَ لَا يَقُول ذَلِك فِي الْمُنْقَطع ، فَهُوَ عِنْده مُتَّصِل . وَسبقهما إِلَى ذَلِك أَبُو مُحَمَّد بن حزم فَإِنَّهُ قَالَ فِي مُحَلاَّه بعد أَن سَاقه من طَرِيق مَالك : لَا يَصح ، حَدِيث قبيصَة مُنْقَطع ؛ [ لإنه ] لم يدْرك أَبَا بكر ، وَلَا سَمعه من الْمُغيرَة وَلَا مُحَمَّد .
وَتبعهم المنذريُّ فَقَالَ فِي مُخْتَصر السّنَن : فِي سَماع قبيصَة بن ذُؤَيْب من الصدِّيق نظرٌ ؛ فَإِن مولده عَام الْفَتْح ، وَقد قيل : إِنَّه وُلد فِي أوَّل سَنَةٍ من الْهِجْرَة ، والأوَّل حَكَاهُ غيرُ واحدٍ ، وَعَلَى الثَّانِي يرْتَفع الْإِشْكَال . وَجزم المزيُّ بِأَن رِوَايَته عَنْهُمَا مُرْسلَة ، وَقَالَ شَيْخُنَا صلاحُ الدِّيْن العلائيُّ فِي مراسيله : الْأَصَح أَن مولده عَام الْفَتْح . فقوَّى الْإِشْكَال ، وَجزم ابْنُ عبد الْبر ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : هُوَ حَدِيث مُرْسل عِنْد بعض أهل الْعلم ؛ لِأَنَّهُ لم يُذْكر فِيهِ سماعٌ لقبيصة من أبي بكر ، وَلَا شُهُود لتِلْك الْقِصَّة ، وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ مُتَّصِل ؛ لِأَن قبيصَة بن ذُؤَيْب أدْرك الصدِّيق ، وَله سنّ لَا يُنْكَرُ مَعهَا سَمَاعه من أبي بكر .
وَقبيصَة وُلِدَ عَام الْفَتْح ، وَعُثْمَان بن إِسْحَاق السالف لَا أعرف حَاله ، وَلم يَرْوِ عَنهُ غير الزُّهْرِيّ فِيمَا أعلم ، لَكِن تَصْحِيح التِّرْمِذِيّ وَغَيره لحديثه يُؤذِنُ بِمَعْرِِفَة حَاله ، وَكَذَا إِخْرَاج مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) (لَهُ) وَعَلَى كل حالٍ فَهُوَ حُجَّة ؛ لِأَنَّهُ إمَّا مُرْسل صحابيٍّ ، أَو لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون سَمعه بعد ذَلِك من المغيرةَ أَو مُحَمَّد بن مسلمة ، وَتَصْحِيح التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان وَالْحَاكِم لَهُ (وقبلهم الإِمَام مَالك كَاف) ، وَقد قَالَ ابْن الْمُنْذر : (أجمع) أهلُ الْعلم عَلَى أَن للجدة السُّدس إِذا لم تكن أُمّ ، وَهَذَا عاضدٌ لَهُ أَيْضا . وَسُئِلَ الدَّارَقُطْنِيّ عَن هَذَا الحَدِيث ، فَقَالَ فِي علله : اخْتُلِف فِي إِسْنَاده ، فَرَوَاهُ مَالك من حَدِيث الزهريّ عَن عُثْمَان بن إِسْحَاق بن خَرشَة عَن قبيصَة ، وَتَابعه أَبُو أويس ، عَن الزُّهْرِيّ ، وَقَالَ ابْن عُيَيْنَة : عَن الزُّهْرِيّ عَن رجلٍ لم يُسَمِّه ، عَن قبيصَة ، وَرَوَاهُ جماعاتٌ عَن الزُّهْرِيّ عَن قبيصَة ، لم يذكرُوا بَينهمَا أحدا ، وَيُشبه أَن يكون الصَّوَاب مَا قَالَه مَالك ، وَأَبُو أويس ، وَأَن الزُّهْرِيّ لم يسمعهُ من قبيصَة ، إِنَّمَا سَمعه من عُثْمَان عَنهُ . فَوَائِد : الأولَى : فِي رِوَايَة أبي دَاوُد : جَاءَت الْجدّة وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ : جاءتِ الجَدَّةُ أُمُّ الأُمِّ ، أَو أُمُّ الْأَب إِلَى أبي بكر وَفِي لفظٍ للنسائي : أَن الجدَّةَ أُمَّ الأُمِّ أتتْ أَبَا بكر .
وَابْن الْأَثِير لمَّا رَوَى هَذَا الحَدِيث عَن الْمُوَطَّأ قَالَ فِي أوَّله : جَاءَت الجَدَّةُ أُمُّ الأُمِّ وَفِي رِوَايَة : أُمُّ الْأَب إِلَى أبي بكر . وَالْقَاضِي حُسَيْن قَالَ : إِن [ الَّتِي ] جاءتْ إِلَى الصدِّيق أُمُّ الأُمِّ ، وَإِلَى عُمرَ أُمُّ الْأَب . الثَّانِيَة : كَانَ يَكْفِي قَول الْمُغيرَة ، لَكِن طلبَ الصديقُ أَن يكون مَعَه غَيره احْتِيَاطًا ؛ لِأَنَّهُ أمرٌ عظيمٌ فَإِذا وَقَعَ اشْتهر ، كَمَا فعل عمرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه مَعَ أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فِي الاسْتِئْذَان .
الثَّالِثَة : قَوْله : وأيُّكما خلتْ بِهِ أَي انفردتْ ، مَأْخُوذ من الْموضع (الْخَالِي) الَّذِي لَيْسَ فِيهِ أحدٌ . الرَّابِعَة : قَالَ ابْن مَنْدَه فِي مستخرجه : حَدِيث إِعْطَاء رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الجَدَّةَ السُّدس رَوَاهُ معقلُ بن يسَار ، و [ بُرَيْدَة ] بْنُ الْحصيب ، وعمرانُ بْنُ حُصَيْن أَيْضا .