الآثار
وَأما آثاره فكثيرة : أَولهَا : عَن عُمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه قَالَ : إِذا تَحَدَّثْتُم (فتحدَّثوا) فِي الْفَرَائِض ، وَإِذا لَهَوْتُم فالهوا بِالرَّمْي . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه ثمَّ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه . قال الْحَاكِم : هَذَا وَإِن كَانَ مَوْقُوفا فَهُوَ صَحِيح الْإِسْنَاد ، قَالَ : وَله شَاهد عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ ؛ فَذكره .
الْأَثر الثَّانِي : عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَنه دخل عَلَى عُثْمَان بن عَفَّان ؛ فَقَالَ لَهُ محتجًا عَلَيْهِ : كَيفَ تردُّ الأُمَّ إِلَى السُّدس بالأخوين وليسا بإخوة ؟ فَقَالَ عُثْمَان : لَا أَسْتَطِيع ردَّ شيءٍ كَانَ قَبْلي (وَمَضَى) فِي الْبلدَانِ ، وتوارث الناسُ (بِهِ) . وَهَذَا الْأَثر صَحِيح (رَوَاهُ الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ أَيْضا ، وَقَالَ الْحَاكِم : صَحِيح) الْإِسْنَاد . قلت : وَفِيه شُعْبَة مولَى ابْن عَبَّاس ؛ قَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بالقويّ .
الْأَثر الثَّالِث : رُوي عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد قَالَ : جاءتِ الجدَّتان إِلَى أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - فَأعْطَى أُمَّ الأُمِّ الْمِيرَاث دون أُمِّ الْأَب ، فَقَالَ لَهُ بعض الْأَنْصَار : أعطيتَ الَّتِي لَو مَاتَت لم يَرِثهَا ، ومنعتَ الَّتِي لَو ماتتْ ورثهَا ، فَجعل أَبُو بكر السُّدس بَينهمَا . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ عَن يَحْيَى بن سعيد ، عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد أَنه قَالَ : أَتَت الجدَّتان إِلَى أبي بكر الصّديق ، فَأَرَادَ أَن يَجْعَل السُّدس للَّتِي من قبل الأُمِّ ، فَقَالَ لَهُ رجل من الْأَنْصَار : أَمَا إِنَّك تتْرك الَّتِي لَو مَاتَت وَهُوَ حَيّ كَانَ إِيَّاهَا يَرث . فجعل أَبُو بكر السُّدس بَينهمَا .
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، عَن يَحْيَى بن سعيد ، عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد قَالَ : جاءتِ الجدَّتان إِلَى أبي بكر ، فَأعْطَى الميراثَ أُمَّ الأُمِّ دون أُمِّ الْأَب ، فَقَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن بن سهل بن حَارِثَة - وَقد كَانَ شهد بَدْرًا ، وَقَالَ مرّة : رجل من بني حَارِثَة - : يَا أَبَا بكر (يَا) خليفةَ رسولِ الله : أعطيتَ الَّتِي لَو أَنَّهَا مَاتَت لم يَرِثهَا ؛ فَجعله بَينهمَا . رَوَاهُ أَيْضا من حَدِيثه عَن يَحْيَى ، عَن الْقَاسِم : ( أَن جدَّتَيْن أتتا إِلَى أَبَى بكر الصّديق أُمَّ الْأُم وأُمَّ الْأَب ، فَأعْطَى الميراثَ أُمَّ الأُمِّ دون أُمِّ الْأَب ، فَقَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن بن سهل أَخُو بنى حَارِثَة : يَا خَليفَة رَسُول الله : قد أعطيتَ الَّتِي لَو أَنَّهَا ماتَت لم يَرِثهَا ، فَجعله أَبُو بكر بَينهمَا - يَعْنِي : السُّدس . قال الْبَيْهَقِيّ : وَقد رُوي هَذَا عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي إسنادٍ مُرْسل .
وَهَذَا الْأَثر فِي طريقيه منقطعٌ ؛ فَإِن الْقَاسِم لم يدْرك جدَّه ؛ لِأَن أَبَاهُ مُحَمَّدًا وُلدَ في حَجَّة الْوَدَاع ، وَكَانَ عُمُرُهُ حِين تُوفِّي الصّديق نَحْو ثَلَاث سِنِين ، وَذكر الْغلابِي أَن الْقَاسِم لم يدْرك أَبَاهُ أَيْضا . الْأَثر الرَّابِع وَالْخَامِس : قَالَ الرافعيُّ : وَفِي أُمِّ (أَب) الْأَب ، و(أُمّ) مَنْ فَوْقه من الأجداد وأمهاتهن قَولَانِ للشافعيِّ ، وروايتان عَن زيد ، أصَحهمَا : أَنَّهُنَّ وارثات . قلت : رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث أبي الزِّنَاد عَن خَارِجَة بن زيد بن ثَابت ، عَن أَبِيه زيد بن ثَابت : أَنه كَانَ يورِّث ثَلَاث جدَّاتٍ إِذا استوين ، ثِنْتَانِ من قبل الْأَب ، وَوَاحِدَة مِنْ قبل الْأُم .
وَرَوَى من حَدِيث قَتَادَة عَن سعيد بن الْمسيب ، عَن زيد بن ثَابت : أَنه كَانَ يورِّث ثَلَاث جَدَّاتٍ ؛ ثِنْتَيْنِ مِنْ قِبَل الأُمِّ ، وَوَاحِدَة مِنْ قِبَل الْأَب . كذَا قَالَ . وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث حميد وَدَاوُد أَن زيد بن ثَابت قَالَ : ترثُ جدَّاتٍ جدَّتَيْن مِنْ قِبَل الْأَب ، وَوَاحِدَة مِنْ قِبَل الأُمِّ .
وَمن حَدِيث ابْن أبي لَيْلَى عَن الشعبى : أَن زيد بن ثَابت وعليًّا كَانَا يورثان ثلاثَ جدَّاتٍ . ثنْتَيْنِ مِنْ قِبَل الْأَب ، وَوَاحِدَة من قِبَل الْأُم . الْأَثر السَّادِس : وَكَانَ مِنْ حَقه أَن يقدَّم ؛ فَإِن الرَّافِعِيّ ذكره قبل ، وَهُوَ مُجَمِّعٌ آثارًا - : أَن عليَّ بن أبي طَالب وَابْن مَسْعُود وَزيد بن ثَابت وَابْن عَبَّاس تكلمُوا فِي جَمِيع أصُول الْفَرَائِض ، وَأَن أَبَا بكر وَعمر ومعاذ بن جبل تكلمُوا فِي معظمها ، وَأَن عُثْمَان تكلم فِي مسَائِل مَعْدُودَة .
وَهَذَا مَشْهُور فِي كُتُب الْفَرَائِض ، نَقله إِمَام الْحَرَمَيْنِ عَن عُلَمَاء الْفَرَائِض ، وَلَا يَحْضُرُني فِي الْكتب الحديثية . الْأَثر السَّابِع : مَذْهَب ابْن عَبَّاس فِي زوجٍ وأبوين : أَن لَهَا الثُّلُث كَامِلا . هُوَ كَمَا قَالَ ؛ فقد أخرجه الْبَيْهَقِيّ عَنهُ فِي سنَنه من رِوَايَة عِكْرِمَة قَالَ : أَرْسلنِي ابْنُ عَبَّاس إِلَى زَيْدِ بْنِ ثابتٍ أسأله عَن زوجٍ وأبوين ، فَقَالَ زيدٌ : للزَّوْج النّصْف ، وَللْأُمّ ثلث مَا بَقِي ، وَللْأَب بَقِيَّة المَال .
فقَالَ ابْن عَبَّاس : للْأُم الثُّلُث كَامِلا . وَفِي رِوَايَة : وَللْأُمّ ثلث مَا بَقِي وَهُوَ السُّدُس ، فَأرْسل إِلَيْهِ ابْن عَبَّاس : أَفِي كتاب الله تَجِد هَذَا ؟ قَالَ : لَا ، وَلَكِن (أكره) أَن أُفَضِّل أُمًّا عَلَى أَب ، قَالَ : وَكَانَ ابْن عَبَّاس يُعْطَى للأُمِّ الثُّلُث من جَمِيع المَال . وَفِي رِوَايَة لَهُ : أبكتابِ الله أَمْ بِرَأْيِك ؟ فَقَالَ : برأيي .
فقَالَ ابْن عَبَّاس : وَأَنا أَقُول برأيي ، للأُمِّ الثُّلُث كَامِلا . ثمَّ رَوَى الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ عَن فُضَيْل ، عَن إِبْرَاهِيم قَالَ خَالف ابْنُ عَبَّاس فِيهَا النَّاس وَفِي رِوَايَة عَن إِبْرَاهِيم خَالف ابْن عَبَّاس جَمِيع أهل (الصَّلَاة) فِي زوج وأبوين . قال الرَّافِعِيّ : وَيجوز أَن يُحْتج فِيهَا بِاتِّفَاق الصَّحَابَة ، قبل إِظْهَار ابْن عَبَّاس الْخلاف كَمَا احْتج عُثْمَان فِي الْمَسْأَلَة السَّابِقَة .
أَي : وَهُوَ الْأَثر الثَّانِي . الْأَثر الثَّامِن : المشركة : وَهِي : زوج ، وأُمّ ، وَأَخَوَانِ لأُمٍّ ، وأخوِان لأَب وأُمّ ، فَللزَّوْج النّصْف ، وللأُم السُّدس ، وللأخوين للْأُم الثُّلُث ، والأخوان للْأَب وَالأُم يشاركانهما فِي الثُّلُث لَا يُسْقطان . قال : وَاخْتلفت الرِّوَايَة فِي ذَلِك عَن زيد بن ثَابت .
قلت : هُوَ كَمَا قَالَ ، وَقد رَوَى الرِّوَايَتَيْنِ الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ ، ثمَّ قَالَ : الرِّوَايَة الصَّحِيحَة عَن زيد بن ثَابت التَّشْرِيك ، وَالْأُخْرَى تفرّد بهَا مُحَمَّد بن سَالم وَلَيْسَ بالقويّ . قال الرَّافِعِيّ : وتُسَمَّى حِماريَّة ؛ لِأَن عمر كَانَ لَا يُورث أَوْلَاد الْأَب وَالأُم ، فَقَالُوا : هَبْ أنَّ أَبَانَا كَانَ حمارا ، ألَسْنا مِنْ أُمٍّ وَاحِدَة ؟ ؛ فَشَرَكَهُمْ . قلت : رَوَاهُ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي السّنَن ، قَالَ فِي سنَنه : أبنا أَبُو عبد الله - هُوَ : الْحَاكِم - ثَنَا أَبُو الْعَبَّاس [ ثَنَا يَحْيَى ] بن أبي طَالب ، ثَنَا يزِيد بن هَارُون ، أبنا أَبُو أُميَّة بن يعْلى الثَّقَفِيّ ، عَن أبي الزِّنَاد ، عَن (عَمْرو) بن (وهيب) ، عَن أَبِيه ، عَن زيد بن ثَابت فِي المشركة قَالَ : هَبُوا أَن أباهم كَانَ حمارا ، مَا زادهم الأبُ إِلَّا قُرْبًَا .
وَأشرك بَينهم فِي الثُّلُث . قال الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ . (قَالَ) : وشرحْتُه بِحَدِيث الشّعبِيّ عَن عُمر وعليّ وَزيد فِي : أُمٍّ وَزوج وإخوة لأَب وَأم وإخوة لأم ، أَن الْإِخْوَة من الْأَب وَالأُم شُرَكَاء للإخوة من الْأُم فِي ثلثهم ، وَذَلِكَ أَنهم قَالُوا : هم بَنو أُمٍّ كلهم ، وَلم يزدهم الْأَب إِلَّا قُرْبًا ؛ فهم شُرَكَاء فِي الثُّلُث .
وَذكر الطَّحَاوِيّ : أَن عمر كَانَ [ لَا ] يُشْرك حَتَّى ابْتُلي بمسألةٍ ، فَقَالَ لَهُ الْأَخ وَالْأُخْت من الْأَب [ وَالأُم ] : يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ : هَبْ أَن أَبَانَا كَانَ حمارا ، ألَسْنَا من أُمٍّ واحدةٍ . فرجع . قلت : وَبَلغنِي عَن بعض المتفقهة فِي علم الْفَرَائِض والمقلدين فِي علم الحَدِيث : أَنه يُنكر عَلَى الإِمَام الرافعيِّ وَغَيره من الْفُقَهَاء تسميتهم هَذِه الْمَسْأَلَة بالحماريَّة ، وَقَالَ : هَذِه تَسْمِيَة لم (يقلها) أحد ، وَالْمَعْرُوف أَنهم قَالُوا : إِن أَبَانَا كَانَ حَجَرًا .
وَمِمَّا قَالَه هَذَا المغتر حَتَّى لَو عَكسه لَكَانَ أصوب ؛ فَإِن مَا ادَّعَاهُ من هَذِه التَّسْمِيَة لَا يُعْرف ؛ فَلَيْتَهُ سكت . الْأَثر التَّاسِع : أَن ابْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَرَأَ : وَإِن كَانَ لَهُ أَخ أَو أُخْت مِنْ أُمّ . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه لَكِن عَن سعد - أَظُنهُ : ابْن أبي وَقاص - أخرجه من حَدِيث الْقَاسِم [ بن ] عبد الله بن ربيعَة بن [ قانف ] : أَن سَعْدا كَانَ يقْرؤهَا : وَإِن كَانَ رجل يُورث كَلَالَة أَو امْرَأَة وَله أَخ أَو أُخْت من أُمّ .
وَقَالَ أَبُو الطّيب : رَوَاهُ عَن سعد بن أبي وَقاص أَبُو بكر بن الْمُنْذر ، وَحَكَاهُ الزَّمَخْشَرِيّ عَنهُ وَعَن أبيّ بن كَعْب . الْأَثر الْعَاشِر : أَن الْأُخوة يسقطون بالجدِّ ؛ لِأَن ابْن الابْن نَازل منزلَة الابْن فِي إِسْقَاط الْإِخْوَة وَالْأَخَوَات وَغير ذَلِك ، فَلْيَكُن أَب الْأَب نازلاً منزلَة الْأَب . يرْوى هَذَا التَّوْجِيه عَن ابْن عَبَّاس ، لَا يحضرني من خرَّجه ، نعم ذكر الْبَيْهَقِيّ فِي بَاب : مَنْ يورِّث الْإِخْوَة مَعَ الجدِّ ، بِسَنَدِهِ إِلَى [ عبد الرَّحْمَن ] بن معقل قَالَ : جَاءَ رجل إِلَى ابْن عَبَّاس فَقَالَ لَهُ : كَيفَ تَقول فِي الجدِّ ؟ قَالَ : إِنَّه لَا جدَّ ، أَي أَب لَك أكبر ؟ فَسكت الرجلُ فَلم يجبهُ وَكَأَنَّهُ عيى عَن جَوَابه ، فَقلت أَنا : آدم .
قال : أَفلا تسمع إِلَى قَول الله تَعَالَى : (يَا بني آدم) . وَفِي سنَن سعيد بن مَنْصُور : ثَنَا خَالِد بن عبد الله ، عَن (لَيْث) بن أبي سليم ، عَن عَطاء : أَن أَبَا بكر وعُمر وَعُثْمَان وابْنَ عبَّاسٍ كَانُوا يجْعَلُونَ الجدَّ أَبَا . وَفِي غَرِيب أبي عبيد الْقَاسِم بن سَلام : حدَّثني ابْن عُليَّة ، عَن أَيُّوب ، عَن ابْن أَبَى مليكَة ، قَالَ ابْنُ عُليَّة : يشبه أَن يكون هَذَا كَلَام ابْن عَبَّاس ، مَنْ شَاءَ باهلته أَن الله لم يذكر فِي كِتَابه جدًّا إِنَّمَا هُوَ أبٌ .
قال الرَّافِعِيّ : وَأجْمع الصَّحَابَة عَلَى أَن الْأَخ لَا يُسْقط الجدّ . قلت : لَا إِجْمَاع فِي الْمَسْأَلَة ؛ فقد حَكَى ابْن حزم قولاَ : أَن الْإِخْوَة تُقَدَّم عَلَى الجدِّ ، ثمَّ حَكَى أقوالاً أُخَر فِيهِ . قال الرَّافِعِيّ : وَبَاب الجدِّ أكْثَرَ فِيهِ الصحابةُ .
قلت : جدًّا ؛ فَفِي سنَن الْبَيْهَقِيّ عَن مُحَمَّد بن سِيرِين ، عَن عُبَيْدَة قَالَ : إِنِّي لأحْفَظُ عَن عُمر فِي الجَدِّ مائَة قَضِيَّة ، كلهَا ينْقض بَعْضهَا بَعْضهَا . وَذكر البيهقيُّ جُملةً مِنْ ذَلِك فِي سنَنه ثمَّ رَوَى بِسَنَدِهِ (عَن سعيد بن خَيْبَر ، عَن رجل من مُرَاد أَنه سمع عليًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْه يَقُول : من سره) أَن يقتحم (جراثيم) جَهَنَّم ؛ (فليقض) بَين الجِدِّ وَالإِخْوَة . الْأَثر الْحَادِي عشر : شبَّه عليٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه الجدَّ بالبحر أَو النَّهر الْكَبِير ، وَالْأَب كالخليج الْمَأْخُوذ مِنْهُ ، وَالْمَيِّت وَأَخُوهُ كالساقيتين الممتدتين مِنَ الخليج ، والساقية إِلَى الساقية أقرب مِنْهَا إِلَى الْبَحْر ، أَلا ترَى أَنه إِذا (سدَّت) إِحْدَاهمَا أخذت الْأُخْرَى ماءها وَلم يرجع إِلَى الْبَحْر وشَبَّهَهُ زيدُ بن ثَابت بساق الشَّجَرَة وَأَصلهَا ، وَالْأَب كغصنٍ مِنْهَا ، وَالإِخْوَة كغصنين تفرعا من ذَلِك الْغُصْن ، وأحدُ الغصنين إِلَى الآخر أقرب مِنْهُ إِلَى أصل الشَّجَرَة ، أَلا ترَى أَنه إِذا قُطع أحدُهما امتص الآخر مَا كَانَ يمتصه الْمَقْطُوع وَلَا يرجع إِلَى السَّاق .
هَذَا الْأَثر رَوَاهُ البيهقيُّ فِي سنَنه من حَدِيث سُفْيَان ، عَن عِيسَى الْمدنِي ، عَن الشّعبِيّ قَالَ : كَانَ مِنْ رَأْي أبي بكر وَعمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن يُجعل الجدّ أَوْلى من الْأَخ ، وَكَانَ عمر يكره الكلامَ فِيهِ ، فلمَّا (صَار) عُمر جَدًّا قَالَ : هَذَا أمْر (قد وَقع) لابد للنَّاس من مَعْرفَته ، فَأرْسل إِلَى زيد بن ثَابت يسْأَل ، فَقَالَ : كَانَ مِنْ (رَأْيِي) ورأي أبي بكر : أَن يَجْعَل الجِد أوْلى مِنَ الْأَخ ، فَقَالَ : يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا تجْعَل شَجَرَة نَبتَت ، فانشعب مِنْهَا [ غُصْن ] ، فاشعب فِي الْغُصْن [ غُصْن ] ، فَمَا يَجْعَل للغصن الأوَّل أَوْلى من الْغُصْن الثَّانِي وَقد خرج الْغُصْن من الْغُصْن . قال : فَأرْسل إِلَى عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - فَسَأَلَهُ ، فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ زيدٌ ، إِلَّا أَنه جعله (سيلاً) سَالَ فانشعب مِنْهُ شُعْبَة ، ثمَّ انشعب مِنْهُ شعبتان . فقَالَ : أَرَأَيْت لَو أنَّ هَذِه الشعبة الْوُسْطَى تيبس رَجَعَ اليبس إِلَى (الشعبتين) جَمِيعًا ، فَقَامَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - فَخَطب الناسَ .. .
إِلَى آخِره . وَفِي (رِوَايَة) لَهُ : فَقَالَ زيد : يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ، لَا تجْعَل شَجَرَة نَبتَت فانشعب مِنْهَا غُصْن ، فانشعب فِي الْغُصْن غصنان ، فَمَا جعل الأوَّل أَوْلى من الثَّانِي ، وَقد خرج الغصنان من (الْغُصْن) الأوَّل . وَذكر عَن عليٍّ كَمَا تقدَّم .
وَفِي رِوَايَة لَهُ : أَن عمر بن الْخطاب (أَتَى) إِلَى زيد يسْأَله ، فَسَأَلَهُ عَنهُ ، فَامْتنعَ حَتَّى يعرف رَأْيه فِيهِ ، ثمَّ أَتَاهُ أُخْرَى فَكتب إِلَيْهِ ، وَضرب لَهُ مَثَلاً ، إِنَّمَا مثله مَثَلُ شجرةٍ نَبتَت عَلَى سَاق وَاحِد ؛ فَخرج فِيهَا غُصْن ، ثمَّ خرج فِي الْغُصْن غُصْن آخر ، (فالساق) يسْقِي الْغُصْن ، فَإِن قطعتَ الْغُصْن الأوَّل رَجَعَ المَاء إِلَى الْغُصْن - يَعْنِي الثَّانِي - وَإِن قطعتَ الثَّانِي رَجَعَ المَاء إِلَى الأول . فأمضاه عُمر . وَفِي رِوَايَة : أَنه (شبهه) بأصْل الشَّجَرَة ، وَالْأَب بغُصْنٍ مِنْهَا ، وَالإِخْوَة (بخوطين) ؛ تشعبا من الْغُصْن .
و (فِي) مُسْتَدْرك الْحَاكِم : أَن عُمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لمَّا استشارهم فِي مِيرَاث الجدِّ وَالإِخْوَة ، قَالَ زيد : وَكَانَ رَأْيِي أَن الْإِخْوَة أَولى [ بِالْمِيرَاثِ ] من الجِدِّ ، وَكَانَ عُمرُ يرَى يومئذٍ أَن الجدَّ أولَى بميراث ابْن ابْنه من إخواته ، قَالَ زيد : فجاوزتُ أَنا عمرُ ، فَضربت لعمر فِي ذَلِك مَثَلاً ، وَضرب عليُّ بْنُ أبي طَالب وعَبْدُ الله بن عَبَّاس لعُمَرَ فِي ذَلِك مثلا يَوْمئِذٍ السَّيْل يَضْرِبَانِهِ ، (ويصرفانه) عَلَى نَحْو (تصريف) زيد . ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ . الْأَثر الثَّانِي عشر : الْمَسْأَلَة الْمَعْرُوفَة بـ الخرقاء : وَهِي : أُمّ وجدّ وَأُخْت ، فللأم الثُّلُث ، وَالْبَاقِي يقسم بَين الجدّ وَالْأُخْت أَثلَاثًا .
وَسُمِّيَتْ بالخرقاء لتخرُّق أَقْوَال الصَّحَابَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - وَكَثْرَة اخْتلَافهمْ فِيهَا ، فَهَذَا مَذْهَب زيد ، وَعند أبي بكر : للأُمّ الثُّلُث ، وَالْبَاقِي للجدّ . وَعند عُمر : للْأُخْت النّصْف ، وَللْأُمّ ثلث مَا يَبْقَى ، وَالْبَاقِي للجدّ . وَعند عُثْمَان : لكل وَاحِد مِنْهُم الثُّلُث وَعند عليّ : للْأُخْت : النّصْف ، وَللْأُمّ الثُّلُث ، وللجد السُّدس .
وَعند ابْن مَسْعُود : للْأُخْت النّصْف وَالْبَاقِي بَين الْجد وَالأُم بِالسَّوِيَّةِ . وَيُرْوى عَنهُ مثل مَذْهَب عُمر . هَذِه الْمَسْأَلَة ترْجم عَلَيْهَا الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه : بَاب الِاخْتِلَاف فِي مَسْأَلَة الخرقاء ، ثمَّ ذكر بِسَنَدِهِ إِلَى الشّعبِيّ : أَن الْحجَّاج سَأَلَهُ فِي : أُمّ وَأُخْت وجدّ ، فَقَالَ : قد اخْتلف فِيهَا خمسةٌ من أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : عبد الله بن عَبَّاس وَزيد ، وَعُثْمَان ، وعليّ ، وَعبد الله بن مَسْعُود .
قال : فَمَا قَالَ فِيهَا ابْن عَبَّاس إِن كَانَ (لمقنبًا) وَفِي رِوَايَة (إِن كَانَ لمنقبًا) . قلت : جعل الجدَّ أَبَا ، وَلم يُعْطِ الأختَ شَيْئا ، وَأعْطَى الأُمَّ الثُّلُث . قال : فَمَا قَالَ فِيهَا زيد ؟ قلت : جَعَلها من تسعةٍ ، أعْطى للْأُم ثَلَاثَة ، والجدَّ أَرْبَعَة ، وَالْأُخْت سَهْمَيْنِ .
قال : فَمَا قَالَ فِيهَا (أَمِير الْمُؤمنِينَ - يَعْنِي عُثْمَان - قلت : جعلهَا أَثلَاثًا . قال : فَمَا قَالَ فِيهَا) ابْن مَسْعُود ؟ قلت : جعلهَا من سِتَّة أسْهم ؛ فَأعْطَى الْأُخْت ثَلَاثَة ، والجدَّ سَهْمَيْنِ ، وَالأُم سَهْما . قال : فَمَا قَالَ أَبُو تُرَاب - يَعْنِي : عليًّا - ؟ قلت : جعلهَا من سِتَّة أسْهم ؛ الْأُخْت ثَلَاثَة ، وَالأُم سَهْمَيْنِ ، والجدَّ سَهْما .
قلت : وتابع الشعبيَّ إبراهيمُ ، كَمَا سَاقه الْبَيْهَقِيّ أَيْضا ، ثمَّ رَوَى بِسَنَدِهِ عَن عُمر في : أم ، وَأُخْت ، وجد ، للْأُخْت النّصْف ، وَللْأُمّ ثلث مَا يَبْقَى ، وللجد مَا بَقِي . ثمَّ [ رَوَى ] بِسَنَدِهِ إِلَى إِبْرَاهِيم قَالَ : كَانَ عُمر وعبدُ الله رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما لَا يفضلان أُمًّا عَلَى جدٍّ . هذَا مَجْمُوع مَا ذكره البيهقيُّ فِي هَذَا الْبَاب ، وَفِيه مُخَالفَة لِمَا ذكره الرافعيُّ فِي حَقِّ ابْن مَسْعُود ، وَلما رَوَاهُ الشَّافِعِي عَن رجلٍ عَن الثَّوْريّ عَن إِسْمَاعِيل بن رَجَاء ، عَن إِبْرَاهِيم وسُفْيَان ، عَمَّن سمع الشعبيَّ يَقُول - أَظُنهُ عَن عبد الله - فِي جدٍّ وَأُخْت وَأم ، للْأُخْت ثَلَاثَة أسْهم ، وَللْأُمّ سهم ، وللجد سَهْمَان .
وَرَوَى ابْن حزم من حَدِيث وَكِيع ، ثَنَا سُفْيَان الثَّوْريّ ، عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر ، عَن إِبْرَاهِيم ، عَن عُمر بن الْخطاب : فِي : أختٍ ، (وَأم) ، وجدٍ ، قَالَ : للْأُخْت النّصْف ، وَللْأُمّ السُّدس ، وَمَا بَقِي فللجد . وَرَوَى سعيد بن مَنْصُور فِي سنَنه : عَن [ هشيم ] عَن عُبَيْدَة ، عَن الشّعبِيّ ، قَالَ : أرسل إليَّ الْحجَّاج فَقَالَ لي : مَا تَقول فِي فريضةٍ أُتِيْتُ بهَا : أم ، وجدّ ، وَأُخْت ؟ قلت : مَا قَالَ فِيهَا الْأَمِير ؟ فأخْبَرَني بقوله . فقلت : هَذَا قضاءُ أبي تُرَاب - يَعْنِي : عليَّ بن أبي طَالب - ، وَقَالَ : فِيهَا سبعةٌ من أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
قال عُمر وَابْن مَسْعُود : للْأُخْت النّصْف ، [ وللجِدّ الثُّلُث ، وَللْأُمّ السُّدس ] . وَقَالَ عُثْمَان بن عَفَّان : للْأُم الثُّلُث ، وَللْأُخْت الثُّلُث ، وللجد الثُّلُث . قال الرَّافِعِيّ : وَقد تُسَمَّى هَذِه الْمَسْأَلَة مُثَلَّثَة عُثْمَان لِمَا عَرَفْتَ مِنْ مذْهبه ، ومسدسة ؛ لِأَن فِيهَا سِتَّة مَذَاهِب عَن الصَّحَابَة ، ومسبعة لِأَن عَن عُمرَ فِيهَا رِوَايَتَانِ : إِحْدَاهمَا تقدمتْ ، وَالْأُخْرَى : أَنه يفْرض للْأُم : السُّدس وَالْمعْنَى وَاحِد ، وَرُبمَا تسمى مُخَمَّسة ؛ لِأَن مِنْهُم مَنْ يَقُول : قَضَى فِيهَا عُثْمَان وعليٌّ وَزيد وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس .
كأَنَّهُ لَا تثبت الرِّوَايَة عَن غَيرهم . قلت : الْقَائِل هُوَ الشّعبِيّ ، كَمَا تقدَّم . الْأَثر الثَّالِث عشر : الأكدرية : وَهِي : زوج ، وَأم ، وجد ، وَأُخْت من الْأَبَوَيْنِ أَو من الْأَب ، للزَّوْج النّصْف ، وَللْأُمّ الثُّلُث ، وللجد السُّدس ، ويُفْرض للْأُخْت النّصْف ، وتعول من سِتَّة إِلَى تِسْعَة ، ثمَّ يُضم نصيب الْأُخْت إِلَى نصيب الجدِّ ، ويُجعل بَينهمَا أَثلَاثًا ، وتَصِحُّ من سَبْعَة وَعشْرين .
قال الرَّافِعِيّ : وَأنكر قبيصةُ قضاءَ زَيْدٍ فِيهَا بِمَا اشْتهر عَنهُ . ثُمَّ ذكر الرَّافِعِيّ أَرْبَعَة أقوالٍ لِمَ سُمِّيَتِْ أكدرية ؟ رَابِعهَا : لتكدر أَقْوَال الصَّحَابَة وَكَثْرَة اخْتلَافهمْ فِيهَا ، فَأَبُو بكر يُسْقط الأُخْتَ ، وَعمر وَابْن مَسْعُود يَقُولَانِ : للْأُم السُّدس . وَالْبَاقِي كَمَا ذكرنَا ، فتعول إِلَى ثَمَانِيَة ، وعليٌّ يفْرض ، وتُعَالُ كَمَا ذكرنَا ، وَلَكِن تقرر نصيب الْأُخْت عَلَيْهَا .
وَهَذَا رَوَى الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه بعضه من طَرِيق الشّعبِيّ : فِي : أم ، وَأُخْت ، وَزوج ، وجِدّ ؛ فِي قَول عليٍّ : للْأُم الثُّلُث ، وَللْأُخْت النّصْف ، وَللزَّوْج النّصْف ، وللجد السُّدس ؛ من تِسْعَة . وَفِي قَول عبد الله : للْأُخْت النّصْف ، وَللزَّوْج النّصْف ، وَللْأُمّ الثُّلُث ، وللجد السُّدس ، من تِسْعَة أسْهم ، ويُقَاسم الجدَ الْأُخْت بسدسه وَنِصْفهَا ، فَيكون لَهُ ثُلُثَاهُ ، وَلها ثلثه ، تضرب التِّسْعَة فِي ثَلَاثَة ؛ فَتكون سَبْعَة و(عشْرين) ، للْأُم سِتَّة ، وَللزَّوْج تِسْعَة ، وَيبقى اثْنَا عشر ؛ للجدّ ثَمَانِيَة ، وَللْأُخْت أَرْبَعَة . الأكدريةُ أُمُّ الْفروج .
هذَا مَا ذكره الْبَيْهَقِيّ بعد أَن بوَّب : الِاخْتِلَاف فِي مَسْأَلَة الأكدرية . ثُمَّ ذكر فِي بَاب : كَيْفيَّة الْمُقَاسَمَة بَين الجدّ وَالإِخْوَة (قَول زيد) كَمَا (روى) الإِمَام الرَّافِعِيّ أَولا . وَفِي سنَن سعيد بن مَنْصُور : ثَنَا هشيم ، ثَنَا الْمُغيرَة ، عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ قَالَ : قَالَ عليٌّ للزَّوْج ثَلَاثَة أسْهم ، وَللْأُمّ سَهْمَان ، وللجد سهم ، وَللْأُخْت ثَلَاثَة أسْهم .
وَقَالَ ابْن مَسْعُود : للزَّوْج ثَلَاثَة أسْهم ، وَللْأُمّ سهم ؛ وللجد سهم ، وَللْأُخْت ثَلَاثَة أسْهم . وَقَالَ زيد بن ثَابت : للزَّوْج ثَلَاثَة ، وَللْأُمّ سَهْمَان ، وللجد سهم ، وَللْأُخْت ثَلَاثَة أسْهم ، تُضْرب جَمِيع السِّهَام فِي ثَلَاثَة ، فَتكون سَبْعَة وَعشْرين ، للزَّوْج من ذَلِك تِسْعَة ، وَللْأُمّ سِتَّة ، يَبْقَى اثْنَا عشر ؛ للجدّ مِنْهَا ثَمَانِيَة ، وَللْأُخْت أَرْبَعَة . وَقَالَ ابْن عَبَّاس : للزَّوْج النّصْف ، وَللْأُمّ الثُّلُث ، وللجد مَا بَقِي ، وَلَيْسَ للْأُخْت شَيْء .
وَرَوَى ابْنُ حزم من طَرِيق سُفْيَان بن عُيَيْنَة قَالَ : حَدثُونِي عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد ، عَن الشّعبِيّ قَالَ : حدَّثَني (راوية) زَيْدِ بن ثَابت - يَعْنِي : قبيصَة بن (ذُؤَيْب) أَنه لم يقل فِي الأكدرية شَيْئا - يَعْنِي : زيد بن ثَابت - . الْأَثر الرَّابِع عشر : فِي المُبَعَّض : يُحْجَبُ بِقَدْر مَا فِيهِ من الرِّقِّ . إِلَى آخِره .
هَذَا غَرِيب عَنهُ . بل فِي الْبَيْهَقِيّ عَنهُ أَنه قَالَ : المملوكون وَأهل الْكِتَابَة بِمَنْزِلَة الْأَمْوَات . الْأَثر الْخَامِس عشر : قَول زيد فِي الجدّ وَالإِخْوَة ؛ حَيْثُ كَانَ ثلث الْبَاقِي بعد الْفَرْض خيرا لَهُ فِي الْقِسْمَة .
هَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من رِوَايَة إِبْرَاهِيم عَنهُ أَنه كَانَ يُشْرك الجدَّ إِلَى الثُّلُث مَعَ الْإِخْوَة وَالْأَخَوَات ، فَإِذا بلغ الثُّلُث أعطَاهُ الثُّلُث ، وَكَانَ للإخوة وَالْأَخَوَات مَا بَقِي ثمَّ سَاق ذَلِك إِلَى أَن قَالَ : فَإِن لحقتِ (الْفَرَائِض) امْرَأَة (و) زوج (و) أُمّ ؛ أعطي أهل الْفَرَائِض فرائضهم ، وَمَا بَقِي قَاَمَ الْأُخوة وَالْأَخَوَات ، فَإِن كَانَ ثلث مَا بَقِي خيرا لَهُ من الْمُقَاسَمَة أعطَاهُ ثلث مَا بَقِي (وَإِن كَانَت الْمُقَاسَمَة خيرا لَهُ من ثلث مَا بَقِي) قَاسم ، وَإِن كَانَ سدس جَمِيع [ المَال خيرا لَهُ من الْمُقَاسَمَة أعطَاهُ السُّدس ، وَإِن كَانَت الْمُقَاسَمَة خيرا لَهُ من سدس جَمِيع المَال ] قَاسم . الْأَثر السَّادِس عشر : اتّفقت الصَّحَابَة عَلَى الْعَوْل فِي زمن عُمر حِين ماتَتِ امرأةٌ فِي عَهده عَنْ زوجٍ وأختين ؛ فَكَانَت أول فَرِيضَة عائلة فِي الْإِسْلَام ، فَجمع الصَّحَابَة وَقَالَ : فرض اللَّهُ للزَّوْج النّصْف ، وللأختين الثُّلثَيْنِ ؛ فَإِن بدأت بِالزَّوْجِ لم يَبْقَ للأختين حَقُّهُمَا ، وَإِن بدأت بالأختين لم يبْق للزَّوْج حَقُّه ؛ فأشيروا عليَّ . فأَشَارَ عَلَيْهِ ابْن عَبَّاس بالعول فَقَالَ : أرأيتَ لَو مَاتَ رجلٌ وَترك سِتَّة دَرَاهِم ، ولرجلٍ عَلَيْهِ ثَلَاثَة وَللْآخر أَرْبَعَة ، أَلَيْسَ يَجْعَل المَال سَبْعَة أَجزَاء ؟ فَأخذ الصَّحَابَة بقوله - رَضِي الله عَنهُ - ثمَّ أظهر ابْن عَبَّاس الْخلاف فِيهِ بعد ذَلِك وَلم يَأْخُذ بقوله إِلَّا قَلِيلٌ .
هَذَا لَا يَحْضُرُني هَكَذَا ، وَإِنَّمَا فِي سنَن الْبَيْهَقِيّ بَاب الْعَوْل فِي الْفَرَائِض ، ثمَّ ذكر بِسَنَدِهِ : أَن أول مَنْ أعال الْفَرَائِض زيدُ بْنُ ثَابت ، وَكَانَ أَكثر مَا أعالها بِهِ الثُّلثَيْنِ . وَعَن عليّ : فِي : امرأةٍ وأبوين و(ابْنَيْنِ) ، صَار ثُمنها تسعا . وَعَن عبد الله وعليّ : أَنَّهُمَا أعالا فِي الْفَرَائِض .
وَعَن عبيد الله بن عبد الله بن (عتبَة) بن مَسْعُود قَالَ : دخلتُ أَنا وزفرُ بن أَوْس بن الْحدثَان عَلَى ابْن عَبَّاس بَعْدَمَا ذهب بَصَره ، فتذاكرنا فرائضَ الْمِيرَاث ، فَقَالَ : ترَوْنَ الَّذِي أحصى رمل عالج عددا لم (يحص) فِي مالٍ نصفا وَنصفا وَثلثا ، إِذا ذهب نصفٌ ونصفٌ ؛ فَأَيْنَ مَوضِع الثُّلُث ؟ ، فَقَالَ لَهُ زفر : يَا ابْن عَبَّاس : (من) أوَّل من أعال الفرائضَ ؟ قَالَ : عمر بن الْخطاب ، قَالَ : ولِمَ ؟ قَالَ : لمَّا تدافعتْ عَلَيْهِ وَركب بَعْضهَا بَعْضًا ، قَالَ : وَالله مَا أَدْرِي كَيفَ أصنع بكم ؟ واللَّهِ مَا أَدْرِي أَيّكُم قدَّمَ اللَّهُ وَلَا أَيّكُم أخَّر . قال : وَمَا أجد فِي هَذَا [ المَال ] شَيْئا (أحسن) مِنْ أَن (أقسم) عَلَيْكُم بِالْحِصَصِ . ثُمَّ قَالَ ابْن عَبَّاس : وأيْمُ الله لَو قَدَّمَ مَنْ قدَّمَ اللَّهُ ، وأخَّر مَنْ أخَّرَ اللَّهُ مَا عالتْ فريضةٌ .
فقَالَ لَهُ زفر : وأيهم قَدَّم ؟ وأيهم أخَّر ؟ فَقَالَ : كل فَرِيضَة لَا تَزُول إِلَّا إِلَى فَرِيضَة ، فَتلك الَّتِي قدَّم اللَّهُ ، وَتلك فريضةٌ ؛ الزَّوْج لَهُ النّصْف ، فَإِن زَالَ فَلهُ الرُّبع لَا يُنْقص مِنْهُ ، وَالْمَرْأَة لَهَا الرُّبْع ، فَإِن زالتْ عَنهُ صَارَت إِلَى الثُّمْن لَا يُنْقَص مِنْهُ ، وَالْأَخَوَات لَهُنَّ الثُّلُثَانِ ، والواحدة لَهَا النّصْف ، فَإِن دخلن عَلَيْهِنَّ الْبَنَات كَانَ لَهُنَّ مَا بَقِي فَهَؤُلَاءِ الَّذين أخَّر الله ، فَلَو أعْطى مَنْ قدَّم الله فَرِيضَة كَامِلَة ، ثمَّ قَسَّم مَا يَبْقَى بَين من أخَّر الله بِالْحِصَصِ مَا عالتْ فريضةٌ . فقَالَ لَهُ زفر : مَا مَنعك أَن تُشِير بِهَذَا الرَّأْي عَلَى عُمر ؟ فَقَالَ : هِبْتُهُ وَالله . قال ابْن إِسْحَاق : قَالَ لي الزُّهْرِيّ : وايمُ اللَّهِ : لَوْلَا أَنه تقدم إِمَام هدى كَانَ أمْره عَلَى الْوَرع مَا اخْتلف عَلَى ابْن عَبَّاس اثْنَان من أهل الْعلم .
وَذكر هَذَا الْحَاكِم بأخْصَرَ مِنْ هَذَا ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم ، وَلم يخرجَاهُ . قال أَبُو عَمرو بن الْحَاجِب فِي كِتَابه فِي الْأُصُول : وَانْفَرَدَ ابْن عَبَّاس بإنكار الْعَوْل . قلت : لَا ، فقد وَافقه عَطاء وابْنُ الْحَنَفِيَّة وَدَاوُد وأصحابُه ، كَمَا نَقله عَنْهُم أَبُو مُحَمَّد بن حزم ثمَّ اخْتَارَهُ .
الْأَثر (السَّابِع) عشر : المِنْبَرِيَّة : سُئِلَ عَنْهَا عليُّ بن أبي طَالب - كرَّم الله وَجهه - وَهُوَ عَلَى المِنْبَر ، وَهِي : زَوْجَة وبنتين وأبوين فَقَالَ عَلَى الارتجالِ : صَار ثُمْنها تُسْعًا ، وَذَلِكَ لِأَن (ثلثه) من سَبْعَة وَعشْرين تُسع فِي الْحَقِيقَة . وَهَذَا قد أخرجه أَبُو عبيد فِي غَرِيبه ثمَّ البيهقيُّ فِي سنَنه وَلم يذكرَا أَنه قَالَ ذَلِك عَلَى الْمِنْبَر ، ولفظها كَمَا تقدَّم فِي الْأَثر قبله ؛ فَإِن لفظ أبي عبيد كلفظه . وَذكر الإِمَام الرَّافِعِيّ مسَائِل مُلَقَّبَات مَشْهُورَة فِي كُتُب الفرضيين ، فَمِنْهَا : مربعات ابْن مَسْعُود : وَهِي : بنت وَأُخْت وجد ، قَالَ : للْبِنْت النّصْف ، وَالْبَاقِي بَينهمَا مُنَاصَفَة .
[ وَزوج وَأم وجد ، قَالَ : للزَّوْج النّصْف ، وَالْبَاقِي بَينهمَا ] . وَزَوْجَة وَأم [ وجد ] وَأَخ . جعلَ المَال بَينهم أَربَاعًا .
وَزَوْجَة وَأُخْت وجدّ ؛ قَالَ : للزَّوْجَة الرّبع ، وَللْأُخْت النّصْف ، وَالْبَاقِي للجدِّ . فالصور كلهَا مِنْ أَرْبَعَة ، والأخيرة (تسمى) مربعة [ الْجَمَاعَة ] ؛ لأَنهم كلهم جعلوها من أَرْبَعَة ، وإنِ اخْتلفُوا فِي بعض الْأَنْصِبَاء . ثمَّ ذكر بعد ذَلِك : (الثمنية و) التسعينية ، والنصفية ، والعمريتان ، والمباهلة ، والناقضة ، والدينارية ، وَكلهَا مَشْهُورَة فِي كُتُبِ (الْفَرَائِض) فَلَا نطوّل بالْكلَام عَلَيْهَا ، ونشرع فِيمَا هُوَ أهَمُّ مِنْ ذَلِك ؛ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق .