الحَدِيث الثَّانِي عشر أَنه أعْطى الزبْرِقَان بْنَ بدر
الحَدِيث الثَّانِي عشر أَنه أعْطى الزبْرِقَان بْنَ بدر . هَذَا الحَدِيث تبع فِي إِيرَاده صَاحب المهذَّب أَيْضا ، وَلم يَعْزه النَّوَوِيّ فِي شَرحه وَلَا الْمُنْذِرِيّ فِي تَخْرِيجه لأحاديثه ، نَعَمْ جزم بِهِ النَّوَوِيّ فِي الأغاليط عَلَى الْوَسِيط (المنسوبة) إِلَيْهِ ، وَهُوَ غَرِيب أَيْضا ، وَالْمَعْرُوف مِنْ حَاله : كَانَ سيِّدًا فِي الْجَاهِلِيَّة عَظِيم القدْر فِي الْإِسْلَام ، وَكَانَ من (السُّعَدَاء) الْمُحْسِنِينَ ، ووفد عَلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي وَفد بني سهم ، مِنْهُم : قيس بن عَاصِم الْمنْقري ، فأسلموا ، وأجارهم رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأحْسَنَ جوارهم ، وَذَلِكَ سنة سَبْعٍ ، وولاَّه رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صدقَات قومه فِي عَوْف ؛ فأدّاها فِي الرِّدَّة إِلَى أبي بكر ، فأقره أَبُو بكر عَلَى الصَّدَقَة ، وَكَذَلِكَ (عمر) . فَائِدَة : الزبْرِقَان اسْمه : [ الْحصين ] وَقيل : الْقَمَر ، وَفِي كنيته قَولَانِ : أَحدهمَا : أَبُو عَبَّاس ، وَثَانِيهمَا : للبسه عِمَامَة مزوَّقة بالزعفران .
حكَاهُ ابْن السّكيت والجوهريُّ وغيرَهما والزبرقان : بِكَسْر الزَّاي وَالْبَاء الْمُوَحدَة ، وَقَالَ ابْن البرزي فِي غَرِيب المهذَّب : (يفتحان) أَيْضا . تَنْبِيه : أغرب ابْن [ معن ] فَقَالَ فِي تنقيبه فِي هَذَا الحَدِيث وَالَّذِي قبله : أخرجهُمَا البُخَارِيّ ، وَمُسلم . وَهَذَا من الْعجب العجاب ؛ فَالَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي فضل بني [ تَمِيم ] ، فِيهِ : وَجَاءَت صَدَقَاتهمْ ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هَذِه صدقَات قَومنَا .
هَذَا مَا (فِيهِ) وَلَيْسَ فِيهِ أَن (أَعْطَاهُم) مِنْهَا . وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث عديّ بن حَاتِم قَالَ : أتيتُ عُمرَ فِي أناسٍ من قومِي ، فَجعل يفْرض [ للرجل ] مِنْ طَيء فِي أَلفَيْنِ ، ويُعرض عني ، [ قَالَ : فاستقبلته فَأَعْرض عني ، ثمَّ أَتَيْته من حِيَال وَجهه فَأَعْرض عني ، قَالَ : ] فَقلت : يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ : أتعرفني ؟ قَالَ : فَضَحِك حَتَّى اسْتَلْقَى لقفاه ، قَالَ : نَعَمْ واللهِ إِنِّي لأعرفك ، آمنتَ إِذْ كفرُوا ، وأقبلتَ إِذْ أدبروا ، ووافيتَ إِذْ غدروا - زَاد خَ : وعرفتَ إِذا أَنْكَرُوا [ وَإِن ] أول صَدَقَة بيضت وَجه رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [ ووجوه ] أَصْحَابه صَدَقَة طَيء ، جئتَ بهَا إِلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . ثُمَّ أَخذ يعْتَذر ، قَالَ : إِنَّمَا فرضتُ لقوم أجحفت بهم الْفَاقَة وَهُمْ [ سادة ] عَشَائِرهمْ لما [ ينوبهم ] من الْحُقُوق .
فصل : اعلمْ : أَن الرَّافِعِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لمّا ذكر أَن مؤلفة الْمُسلمين عَلَى أصنافٍ ، مِنْهُم : مَنْ نِيَّته ضَعِيفَة فِي الْإِسْلَام ، ويُرْجى بإعطائه ثباته . وَمِنْهُم : مَنْ يُرْجى بإعطائه رَغْبَة نظرائه فِي الْإِسْلَام . قال : وَفِي هذَيْن الصِّنْفَيْنِ قَولَانِ : أَحدهمَا : يعطيان تأسيَّاً برَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَإِنَّهُ أعْطى بِالْمَعْنَى الأوَّل : عيينةَ بْنَ حصن ، والأقرع بن حَابِس ، وَأَبا سُفْيَان بن حَرْب ، وَصَفوَان بن أُميَّة ، وبالمعنى الثَّانِي : عديَّ بن حَاتِم ، والزبرقان بن بدر .
هَذَا كَلَامه ، وَكَذَا ذكره فِي الشَّرْح الصَّغِير أَيْضا ، وقلَّد فِي الأول القَاضِي حُسَيْن وَصَاحب المهذَّب وَفِي الثَّانِي : صَاحب التَّتِمَّة و(أعتدوهم) كَانَ من الْغَنِيمَة ؛ لِأَن ذَلِك كَانَ فِي وقْعَة حُنين من أَمْوَال هوَازن ، لَا من الزَّكَاة . فأمَّا عُيَيْنَة بن حصن فَلَا إِشْكَال فِي عدّه من الْمُؤَلّفَة ، وَقد نَصَّ عَلَى ذَلِك غيرُ وَاحِد ، وَكَانَ أَيْضا من الْأَعْرَاب الجفاة ، قيل : إِنَّه دخل عَلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من غير إِذن ؛ فَقَالَ لَهُ : أَيْن الْإِذْن ؟ فَقَالَ : مَا استأذنتُ عَلَى أحدٍ من مُضر . أسلم بعد الْفَتْح ، وَقيل : قبله ، وَكَانَ مِمَّن أرتد ، وَتبع طَلْحَة وَقَاتل مَعَه ، وَأخذ أَسِيرًا ، وحُمل إِلَى أبي بكر ، فَكَانَ صبيان الْمَدِينَة يَقُولُونَ : [ يَا عَدو الله أكفرت ] بعد إيمانك ؟ فَيَقُول : مَا آمَنت بِاللَّه طرفَة .
فأسلم ، فَأَطْلقهُ أَبُو بكر . وَأما الْأَقْرَع بن حَابِس فَلَا شكّ فِي عدّه من الْمُؤَلّفَة أَيْضا ، وَقد تقدم إِعْطَاؤُهُ يَوْم حنين عَن صَحِيح مُسلم وَكَانَ حضر مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فتح مَكَّة وحُنينًا ، وَحضر الطَّائِف ، فلمَّا قَدِم وفْدُ بني [ تَمِيم ] كَانَ مَعَهم ، فلمَّا قدم الْمَدِينَة ذكر قصَّة طَوِيلَة فِي آخرهَا : أَنه أسلم ، فَقَالَ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلَام - : لَا يَضرك مَا كَانَ قبلهَا . وَأما أَبُو سُفْيَان صَخْر بن حَرْب فَلَا إِشْكَال فِي عدّه مِنْهُم ، وَقد أسلم عامَ الْفَتْح وحَسُنَ إِسْلَامه ، وَأَعْطَاهُ من غَنَائِم حنين - وَقد شَهِدَهَا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مائةَ بعير ، كَمَا سلف ، وَأَرْبَعين أُوقية ، وَأعْطَى ابنيه يزِيد وَمُعَاوِيَة كلَّ واحدٍ مثله ، وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيّ فِي الأغاليط الَّذِي لَهُ عَلَى الْوَسِيط : إِن إِعْطَاؤُهُ أَبَا سُفْيَان كَانَ لضعف نِيَّته فِي الْإِسْلَام كالأقرع وعيينة ، وَاعْترض ابْن [ معن ] في تنقيبه عَلَى المهذَّب فَقَالَ : جَعْله أَبَا سُفْيَان قسم من أسلم وَنِيَّته ضَعِيفَة ، لَيْسَ كَذَلِك ؛ لِأَنَّهُ أعطَاهُ قبل أَن يسلم ، ثمَّ أسلم بَعْد .
وَهُوَ كَمَا قَالَ . وَأما صَفْوَان بن أُميَّة فَفِي عدِّه من مؤلفة الْمُسلمين (وَفِيه أَيْضا) فقد ثَبت فِي أَفْرَاد صَحِيح مُسلم من حَدِيث ابْن شهَاب قَالَ : غزا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَزْوَة الفتحِ فَتْحَ مَكَّة ، ثمَّ خرج رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بمَنْ مَعَه من الْمُسلمين ، فَاقْتَتلُوا بحُنَين ، فنصر الله دِيْنَه وَالْمُسْلِمين ، وَأعْطَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمئِذٍ صَفْوَان بن أُميَّة مائَة مَِنَ النعم ، ثمَّ مائَة ، ثمَّ مائَة . قال ابْن شهَاب : حَدثنِي سعيد بن الْمسيب : أَن صَفْوَان قَالَ : واللهِ لقد أَعْطَانِي رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإنَّهُ لأبغض النَّاس إليَّ ، فَمَا برح يعطيني حَتَّى إِنَّه لأحب النَّاس إليَّ .
وَالظَّاهِر أَنه كَانَ كَافِرًا وَالْحَالة هَذِه ، بل صرَّح بذلك الرَّافِعِيّ نَفسه فِي كتاب السّير حَيْثُ قَالَ : شهد صَفْوَان حَرْبَ حنين مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُشْرك وَسَبقه بذلك الشَّافِعِي فَقَالَ فِي الْمُخْتَصر : وَأعْطَى صَفْوَان بن أُميَّة ، وَلم يعلم ، وَلكنه أَعَارَهُ أداته ، فَقَالَ فِيهِ [ عِنْد ] الْهَزِيمَة أحسن [ مِمَّا ] قَالَ بعض من أسلم من أهل مَكَّة عَام الْفَتْح ؛ وَذَلِكَ أَن الْهَزِيمَة كَانَت فِي أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْم حنين أول النَّهَار ، فَقَالَ لَهُ رجل : غلبت هوَازن ، أَو قتل مُحَمَّد . فقال صَفْوَان : بفيك الْحجر ، فواللهِ لرب من قُرَيْش أحب إليَّ من رب هوَازن . وَأسلم قومُه من قُرَيْش ، وَكَأَنَّهُ لَا يشك فِي إِسْلَامه .
هَذَا لَفظه بِرُمَّتِهِ ، وَهَذَا الرجل الْقَائِل عِنْد الْهَزِيمَة مَا تقدم هُوَ : أَبُو سُفْيَان كَمَا نبَّه الْمَاوَرْدِيّ وَابْن الصّباغ وَغَيرهمَا قَالُوا : وَكَانَ صَفْوَان داهية فِي الْإِسْلَام ، واستعار مِنْهُ عَلَيْهِ السَّلَام فأعاره مائَة درع ، وَحضر مَعَه حُنينًا ، فلمّا انجلت الْوَقْعَة أعطَاهُ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهَا مائَة بعير ، فألفَّه بهَا ، فلمَّا رَآهَا وَقد امْتَلَأَ بهَا الْوَادي قَالَ : واللهِ هَذَا عَطاء مَنْ لَا يخَاف الْفقر . قال : ثمَّ أسلم بعد ذَلِك . وَكَذَا نَصَّ الشَّافِعِي فِي الأمُ عَلَى أَنه أعطَاهُ قَبْل أَن يسلم .
وَكَذَا نَقله عَنهُ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة أَيْضا ، فَقَالَ : أعْطى صفوانَ قبل أَن يسلم) وَكَانَ (كَأَنَّهُ) لَا يشك فِي إِسْلَامه . قلت : لأجْل نِيَّته فِي الْإِسْلَام ، وَلِهَذَا لمَّا ضَاعَ بعض أدراعه عرض عَلَيْهِ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَن يضمنهَا لَهُ ، فَقَالَ : أَنا الْيَوْم فِي الْإِسْلَام أرغبُ يَا رَسُول الله . رَوَاهُ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ .
وَفِي (أبي) دَاوُد : لَا يَا رَسُول الله ؛ لِأَن فِي قلبِي الْيَوْم مَا لم يكن يَوْمئِذٍ . وَقد ذكر هَذَا الموضعَ الغزاليُّ فِي وسيطه عَلَى الصَّوَاب ، فَقَالَ : وَقد أعْطى صَفْوَان بن (أُميَّة) فِي حَال كفره ارتقابًا لإسلامه . وَخط النَّوَوِيّ عَلَيْهِ ، فَقَالَ فِي الأغاليط المنسوبة إِلَيْهِ : هَذَا غلط صَرِيح بالِاتِّفَاقِ من أَئِمَّة النَّقْل وَالْفِقْه ، بل إِنَّمَا أعطَاهُ بعد إِسْلَامه ؛ لِأَن نيَّته كَانَت ضَعِيفَة في الْإِسْلَام .
انْتَهَى . وَهَذَا عجبٌ من النَّوَوِيّ ؛ كَيفَ جعل الصَّوَاب غَلطا صَرِيحًا ؟ ! ثمَّ ادَّعى الِاتِّفَاق عَلَيْهِ ؟ ! وَقد سبق بالاستدراك عَلَيْهِ صَاحب الْمطلب فَقَالَ : عجيبٌ من النَّوَوِيّ ، كَيفَ قَالَ ذَلِك ؟ ! نَعَمْ الرافعيُّ وطائفةٌ - مِنْهُم : ابْن أبي الدَّم - قَالُوا : مَا ذكره ، ثمَّ قَالَ : وَالله أعلم بِالصَّوَابِ . وَذكر فِي حَدِيث سعيد بن الْمسيب السالف عَن مُسلم ، وَلكنه عزاهُ إِلَى التِّرْمِذِيّ وَحده ، فِي قَول صَفْوَان بن أُميَّة السالف أَعْطَانِي .. .
إِلَى آخِره احْتِمَالَيْنِ : أَحدهمَا : أَن يكون أعطَاهُ قبل أَن يسلم ، ثمَّ قَالَ : وَهُوَ الْأَقْوَى . وَثَانِيهمَا : أَن يكون بعد إِسْلَامه . قلت : وَهَذَا عجيبٌ ، فقد (رَوَى) ابْن الْأَثِير فِي كِتَابه أُسْد الغابة : أَن الْإِعْطَاء قَبْل الْإِسْلَام ، وَأَنه شهد حنينًا كَافِرًا ؛ فارتفع الْخلاف ، وَللَّه الْحَمد .
وَأما عدي بن حَاتِم ، والزبرقان بن بدر ؛ فَلم أر أحدا غَيرهمَا من الْمُؤَلّفَة ، وَقد جمع ابْن الْجَوْزِيّ فِي تلقيحه الْمُؤَلّفَة من كَلَام ابْن عَبَّاس وَابْن إِسْحَاق وَمُقَاتِل ، وَمُحَمّد بن حبيب فِي (محبره) ، وَابْن قُتَيْبَة ، فَلم يذكرهما فيهم .