الحَدِيث الثَّانِي بعد الثَّلَاثِينَ تزوَّج مَيْمُونَة وَهُوَ مُحْرِم
الحَدِيث (الثَّانِي بعد الثَّلَاثِينَ) أنَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تزوَّج مَيْمُونَة وَهُوَ مُحْرِم . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث ابْن عَبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - زَاد البُخَارِيّ فِي روايةٍ من حَدِيث مُحَمَّد بن إِسْحَاق ، لم يصل بهَا سَنَده : أَنه تزَوجهَا فِي عُمْرة الْقَضَاء . وَهَذِه أسندها ابْن حبَان فِي صَحِيحه من جِهَته ، وصرَّح فِيهَا بِالتَّحْدِيثِ ، ثمَّ اعلمْ أَن رِوَايَة تَزْوِيجه عَلَيْهِ السَّلَام مَيْمُونَة فِي حَال إِحْرَامه هُوَ من رِوَايَة ابْن عَبَّاس ، كَمَا ذكرتُه لكَ ، وَهُوَ (مِمَّن) انْفَرد بذلك ، وَرِوَايَة الجَمِّ الْغَفِير : أَنه تزوَّجها حَلَالا .
كَذَا رَوَاهُ أَكثر الصَّحَابَة ، ونبَّه عَلَى ذَلِك الرافعيُّ أَيْضا ، حَيْثُ قَالَ : أَكثر الرِّوَايَات عَلَى أَنه جَرَى وَهُوَ حَلَال . وَقَالَ القَاضِي عِيَاض وغيرُه : لم يَرْوِ أَنه تزوَّجها محرما إِلَّا ابْن عَبَّاس (وَحده ، وروت مَيْمُونَة وَأَبُو رَافع وَغَيرهمَا : أَنه تزَوجهَا حَلَالا . وهُم أعرف بالقصة من ابْن عَبَّاس ؛ لتعلقهم بهَا ، وَلِأَنَّهُم (أضبط) من ابْن عَبَّاس) وَأكْثر .
قلت : وَحَاصِل التَّرْجِيح تِسْعَة أوجه : أَحدهَا : بُلُوغ أبي رَافع إِذْ ذَاك ، وصِغَر ابْنِ عَبَّاس ؛ فَإِنَّهُ لم يبلغ الحُلُم إِذْ ذَاك . ثَانِيهَا : أَنه كَانَ الرَّسُول بَينهمَا ، كَمَا صرَّح بِهِ فِي الحَدِيث . ثَالِثهَا : أَن ابْن عَبَّاس لم يكن مَعَه فِي تِلْكَ الْعمرَة ؛ بل كَانَ فِي الولْدَان بِالْمَدِينَةِ .
رَابِعهَا : أَن الصَّحَابَة (غلطوا ابْن عَبَّاس فِي ذَلِك وصوبوا رِوَايَة غَيره . قال ابْن الْمسيب : وهم ابْن عَبَّاس فِي ذَلِك) رَوَاهُ عَنهُ أَبُو دَاوُد وَابْن عدي . خَامِسهَا : أَن قَول أبي رَافع مُوَافق لنَهْيه عَلَيْهِ السَّلَام عَن نِكَاح المُحْرِم ، وَقَول ابْن عَبَّاس مُخَالف (مُسْتَلْزم) لأحد أَمريْن إِمَّا نسخ النَّهْي ، أَو تَخْصِيصه عَلَيْهِ بِجَوَازِهِ ، وَكِلَاهُمَا مُخَالف للْأَصْل ، وَأَيْضًا : فَالصَّحِيح عِنْد الْأُصُولِيِّينَ تَرْجِيح (القَوْل) عِنْد تعارضه مَعَ الْفِعْل ؛ لِأَنَّهُ يتَعَدَّى إِلَى الْغَيْر ، وَالْفِعْل قد يكون مَقْصُورا عَلَيْهِ .
سادسها : أَن ابْن أُخْتهَا يزِيد بن الْأَصَم شهد : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام تزوَّجَها حَلَالا ، وَكَانَت خَالَتِي وَخَالَة ابْن عَبَّاس . رَوَاهُ مُسلم . سابعها : أَن مَيْمُونَة نَفسهَا رَوَت أَنه تزَوجهَا حَلَالا وَهِي أعلم بمسألتها .
ثامنها : أَن ابْن عَبَّاس اخْتلف عَلَيْهِ ، خلاف غَيره ، فَفِي الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام تزوَّجَهَا حَلَالا لكنه استغربه بعد أَن رَوَاهُ . تاسعها : قَول ابْن عَبَّاس : تزَوجهَا وَهُوَ مُحْرِم . يحْتَمل التَّأْوِيل ، وَيكون مَعْنَى قَوْله : محرم أَي : بِالْحرم وَهُوَ حَلَال ، وَهِي لُغَة سَائِغَة مَعْرُوفَة ، كَمَا تَجِد إِذْ أشام : إِذا دخل الشَّام ، وأَتْهَمَ : إِذا دخل تهَامَة ، وأمصر : إِذا دخل مِصْر ، قَالَ الشَّاعِر : (قتلوا) ابْن عَفَّان الْخَلِيفَة محرما .
أَي : فِي حرم الْمَدِينَة . وَرَوَى الْخَطِيب بِإِسْنَادِهِ إِلَى حَمَّاد بن إِسْحَاق الْموصِلِي ، عَن أَبِيه إِسْحَاق قَالَ : سَأَلَ الرشيد عَن هَذَا الْبَيْت : مَا مَعْنَى محرما ؟ فَقَالَ الْكسَائي : أحرم بِالْحَجِّ . فقال الْأَصْمَعِي : مَا كَانَ أحرم بِالْحَجِّ ، وَلَا أَرَادَ الشاعرُ أَنه أَيْضا فِي شهرٍ حرَام ، فَقَالَ : أحرم : إِذا دخل فِيهِ ، كَمَا يُقَال : أشهر : إِذا دخل فِي الشَّهْر ، [ وأعام إِذا دخل فِي الْعَام ] فَقَالَ الْكسَائي : مَا هُوَ غير هَذَا ، وَإِلَّا فَمَا أَرَادَ ؟ قَالَ الْأَصْمَعِي : فَمَا أَرَادَ عديُّ بْنُ زيد بقوله : قتلوا كسْرَى بلَيْل محرما وأيُّ إِحْرَام لكسرى ؟ ! فَقَالَ الرشيد : فَمَا الْمَعْنى ؟ ، قَالَ : كلُّ من لم يأتِ شَيْئا يُوجب عَلَيْهِ عُقُوبَة : فَهُوَ محرم ، لَا يحل شَيْء مِنْهُ ، فَقَالَ الرشيد : مَا تُطاق فِي الشِّعْر يَا أصمعي ، ثمَّ قَالَ : لَا تعرضوا للأصمعي فِي الشِّعْر .