الحَدِيث الْخَامِس اجعليه بِاللَّيْلِ وامسحيه بِالنَّهَارِ
الحَدِيث الْخَامِس أنَّه - صلى الله عليه وسلم - دخل عَلَى أم سَلمَة وَهِي حادة عَلَى أبي سَلمَة ، وَقد جعلت عَلَى عينهَا صبرا ، فَقَالَ : مَا هَذَا يَا أم سَلمَة ؟ فَقَالَت : هُوَ صَبر لَا طيب فِيهِ . قَالَ : اجعليه بِاللَّيْلِ ، وامسحيه بِالنَّهَارِ . هَذَا الحَدِيث ذكره الشَّافِعِي فِي الْأُم فَقَالَ : أبنا مَالك أَنه بلغه أَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل عَلَى أم سَلمَة وَهِي حادة عَلَى أبي سَلمَة وَقد جعلت عَلَى عينهَا صبرا فَقَالَ : مَا هَذَا يَا أم سَلمَة ؟ فَقَالَت : يَا رَسُول الله ، إِنَّمَا هُوَ صَبر .
فَقَالَ - عليه السلام - : اجعليه بِاللَّيْلِ وامسحيه بِالنَّهَارِ . وَرَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ بلاغًا أَيْضا كَذَلِك ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِي مُسْندًا من حَدِيث ابْن وهب ، عَن مخرمَة بن بكير ، عَن أَبِيه قَالَ : سَمِعت الْمُغيرَة بن الضَّحَّاك يَقُول : أَخْبَرتنِي أم حَكِيم بنت أسيد ، عَن أمهَا أَن زَوجهَا توفّي ، وَكَانَت تَشْتَكِي عينهَا فتكتحل بكحل الْجلاء . قَالَ أَحْمد - يَعْنِي ابْن صَالح أحد رُوَاته - : الصَّوَاب كحل الجلا يَعْنِي مَقْصُور - فَأرْسلت مولَى لَهَا إِلَى أم سَلمَة فَسَأَلَهَا عَن كحل الْجلاء فَقَالَت : لَا تكتحل بِهِ إِلَّا من أَمر لَا بُد مِنْهُ يشْتَد عَلَيْك فتكتحليه بِاللَّيْلِ وتمسحيه بِالنَّهَارِ ، ثمَّ قَالَت عِنْد ذَلِكَ أم سَلمَة : دخل عَلي رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - حِين توفّي أَبُو سَلمَة ، وَقد جعلت عَلَى عَيْني صبرا فَقَالَ : مَا هَذَا يَا أم سَلمَة ؟ فَقَالَت : إِنَّمَا هُوَ صَبر يَا رَسُول الله لَيْسَ فِيهِ طيب قَالَ : إِنَّه ليشب الْوَجْه فَلَا تجعليه إِلَّا بِاللَّيْلِ وتنزعيه بِالنَّهَارِ ، وَلَا تمتشطي بالطيب وَلَا بِالْحِنَّاءِ ، فَإِنَّهُ خضاب .
قلت : بِأَي شَيْء أمتشط يَا رَسُول الله ؟ قَالَ : بالسدر تغلفين بِهِ رَأسك . هَذَا لفظ أبي دَاوُد ، وَلَفظ النَّسَائِي مثله إِلَّا أَنه لم يذكر قَول أَحْمد ، وَلَا قَوْله : وتنزعه بِالنَّهَارِ . وَلما أخرجه الْبَيْهَقِي فِي سنَنه من حَدِيث مَالك بلاغًا قَالَ : هَذَا مُنْقَطع .
قَالَ : وَقد روينَا بِإِسْنَاد مَوْصُول .. . فَذكره من طَرِيق أبي دَاوُد ، وَلَعَلَّه يرَى بِسَمَاع مخرمَة من أَبِيه ، وَفِيه خلاف . وَأعله الْمُنْذِرِي بِجَهَالَة أم حَكِيم ، فَقَالَ : أمهَا مَجْهُولَة .
وَقَالَ عبد الْحق : لَيْسَ لهَذَا الحَدِيث إِسْنَاد يعرف ؛ لِأَنَّهُ عَن أم حَكِيم ، عَن أمهَا ، عَن مولاة لَهَا ، عَن أم سَلمَة . فَائِدَة : الصَّبْر - بِكَسْر الْبَاء ، وَيجوز إسكانها - مَعْرُوف ، قَالَ الْأَزْهَرِي : والجلاء ، والجلي ، والجلا : الإثمد ، وَقيل : كحل وَقد جَاءَ فِي بعض نسخ الْمُوَطَّأ بِالْكَسْرِ وَالْمدّ ، وَقد سلف مَا فِي رِوَايَة أبي دَاوُد . وَقَالَ الْخطابِي : سمي بذلك لِأَنَّهُ يجلو الْعين .
وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي جَامعه : هُوَ بِالْفَتْح وَالْقصر : كحل الإثمد ، وبالكسر وَالْمدّ : كحل ، وَمَعْنى يشب الْوَجْه : يوقده وينوره ، من شب النَّار إِذا أوقدها ، وَقَوله : تغلفين رَأسك يُقَال : غلفت الْمَرْأَة وَجههَا بالحمرة ، إِذا جَعلتهَا عَلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ غلفت شعرهَا إِذا لطخت بهَا وَأَكْثَرت مِنْهَا .