الحَدِيث الرَّابِع إِلَى التَّاسِع يَا رَسُول الله اقْضِ بَيْننَا بِكِتَاب الله
الحَدِيث الرَّابِع إِلَى التَّاسِع ثمَّ قَالَ الرَّافِعِي : وَمِنْهُم من قَالَ : إِنَّا لَا ننسخ الْكتاب بِالسنةِ إِذا لم تتواتر ، وَالرَّجم مِمَّا اشْتهر عَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فِي قصَّة مَاعِز والغامدية واليهوديين ، وَعَلَى ذَلِك جَرَى الْخُلَفَاء بعده وَبلغ حد التَّوَاتُر ، فَعَن أبي هُرَيْرَة ، وَزيد بن خَالِد الْجُهَنِي - رضي الله عنهما - أَن رجلَيْنِ اخْتَصمَا إِلَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ أَحدهمَا : يَا رَسُول الله ، اقْضِ بَيْننَا بِكِتَاب الله .. . الحَدِيث الَّذِي تقدم فِي اللّعان ، وَفِي آخِره : فَأمر أنيسًا الْأَسْلَمِي أَن يَغْدُو عَلَى امْرَأَة الآخر ؛ فَإِن اعْترفت فارجمها ، فَأَتَاهَا فَاعْترفت فرجمها وَرُوِي : أَن مَاعِز بن مَالك الْأَسْلَمِي اعْترف بِالزِّنَا عِنْد رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فرجمه . وَعَن بُرَيْدَة أَن امْرَأَة من غامد اعْترفت بِالزِّنَا ، فَأمر رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - برجمها .
وَعَن عمرَان بن حُصَيْن - رضي الله عنه - مثل ذَلِك فِي امْرَأَة من جُهَيْنَة . هَذَا آخر مَا ذكره الرَّافِعِي ، وَهُوَ مُشْتَمل عَلَى خَمْسَة أَحَادِيث ، أما حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَزيد بن خَالِد فَتقدم بيانهما مَبْسُوطا فِي اللّعان ، وَأما حَدِيث الْيَهُودِيين فَسَيَأْتِي حَيْثُ ذكره المُصَنّف ، وَأما حَدِيث مَاعِز فَأخْرجهُ مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث بُرَيْدَة - رضي الله عنه - قَالَ : جَاءَ مَاعِز بن مَالك إِلَى النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، طهرني . فَقَالَ : وَيحك ، ارْجع واستغفر الله وَتب إِلَيْهِ .
قَالَ : فَرجع غير بعيد ، ثمَّ جَاءَ فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، طهرني . فَأَعَادَ القَوْل عَلَيْهِ ، فَأَعَادَ هُوَ حَتَّى إِذا كَانَت الرَّابِعَة قَالَ لَهُ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : مِم أطهرك ؟ قَالَ : من الزِّنَا . فَسَأَلَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : أبه جُنُون ؟ فَأخْبر أَنه لَيْسَ بمجنون ، فَقَالَ : أشربت خمرًا ؟ فَقَامَ رجل فاستنكهه فَلم يجد مِنْهُ ريح خمر ، فَقَالَ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - : أزنيت ؟ قَالَ : نعم .
فَأمر بِهِ فرجم ، وَكَانَ النَّاس فِيهِ فرْقَتَيْن : فَقَائِل يَقُول : قد هلك ، لقد أحاطت بِهِ خطيئته . وَقَائِل يَقُول : مَا تَوْبَة أفضل من تَوْبَة مَاعِز ، إِنَّه جَاءَ إِلَى النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - فَوضع يَده فِي يَده فَقَالَ : اقتلني بِالْحِجَارَةِ . قَالَ : فلبثوا بذلك يَوْمَيْنِ وَثَلَاثَة ، ثمَّ جَاءَ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - وهم جُلُوس فَسلم ثمَّ جلس فَقَالَ : اسْتَغْفرُوا لماعز بن مَالك .
فَقَالُوا : غفر الله لماعز بن مَالك . فَقَالَ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - : لقد تَابَ تَوْبَة لَو قسمت بَين أمة لوسعتهم . هَذَا لفظ مُسلم فِي إحدي روايتيه .
وَفِي سنَن أبي دَاوُد : وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ ، إِنَّه الْآن لفي أَنهَار الْجنَّة ينغمس فِيهَا . وَرَوَى قصَّة مَاعِز الشَّيْخَانِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ، وَابْن عَبَّاس وَمُسلم من حَدِيث جَابر بن سَمُرَة ، وَأبي سعيد الْخُدْرِي وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث جَابر : أَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - لما رجم مَاعِز بن مَالك قَالَ : لقد رَأَيْته يتخضخض فِي أَنهَار الْجنَّة . وَرَوَاهُ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَنه - عليه السلام - أَمر بِهِ فطرد فِي الثَّلَاث مَرَّات الأول .
فَائِدَة : مَاعِز هَذَا هُوَ ابْن مَالك ، وَهُوَ أسلمي قَالَ ابْن عبد الْبر : هُوَ مَعْدُود فِي الْمَدَنِيين ، كتب لَهُ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - كتابا بِإِسْلَام قومه ، رَوَى عَنهُ ابْنه عبد الله حَدِيثا وَاحِدًا . وَحَكَى الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم خلف بن عبد الْملك الْقُرْطُبِي ، عَن أبي عَلّي بن السّكن ، وَأبي الْوَلِيد ابن الفرضي : أَن ماعزًا لقب لَهُ ، وَأَن اسْمه غَرِيب بن مَالك . وَأما حَدِيث الغامدية : فَأخْرجهُ مُسلم فِي صَحِيحه عقب حَدِيث مَاعِز من رِوَايَة بُرَيْدَة قَالَ : ثمَّ جَاءَت امْرَأَة من غامد من الأزد ، فَقَالَت : يَا رَسُول الله ، طهرني .
قَالَ : وَيحك ، ارجعي فاستغفري الله وتوبي إِلَيْهِ . فَقَالَت : أَرَاك تُرِيدُ أَن ترددني كَمَا رددت مَاعِز بن مَالك . قَالَ : وَمَا ذَاك ؟ قَالَت : إِنَّهَا حُبلى من الزِّنَا ، فَقَالَ : آنت ؟ قَالَت : نعم .
فَقَالَ لَهَا : حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنك . قَالَ : فكفلها رجل من الْأَنْصَار حَتَّى وضعت ، قَالَ : فَأتي النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - حِين وضعت ، فَقَالَ : وضعت الغامدية يَا رَسُول الله ، قَالَ : إِذا لَا نرجمها وَنَدع وَلَدهَا صَغِيرا ، لَيْسَ لَهُ من يرضعه . فَقَامَ رجل من الْأَنْصَار فَقَالَ : إلي رضاعه يَا رَسُول الله .
فرجمها هَذَا لفظ إِحْدَى روايتي مُسلم ، وَقد سلف فِي بَاب السُّكْنَى للمعتدة الِاخْتِلَاف فِي اسْمهَا . وَفِي علل ابْن أبي حَاتِم : سُئِلَ أبي عَن هَذَا الحَدِيث فَذكره وَفِيه : أَنَّهَا قَالَت : أقِم علي الْحَد ، فَقَالَ : حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنك . فَلَمَّا وضعت جَاءَت فَقَالَت : قد وضعت قَالَ : فاذهبي فأرضعيه حَتَّى تفطميه .
فَذَهَبت فأرضعته حَتَّى فَطَمته ، ثمَّ جَاءَت فَقَالَ : قد فَطَمته . قَالَ : اذهبي فاكفليه . فَذَهَبت ، ثمَّ جَاءَت هِي وَأُخْت لَهَا تماشيان ، فَقَالَت : هَذِه أُخْتِي تكفله .
فَجعل رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يعجب مِنْهَا ، وَمن أُخْتهَا ، ثمَّ أَمر بهَا أَن ترْجم ، ثمَّ قَالَ : إِذا وضعتموها فِي حفرتها فليذهب رجل مِنْكُم من بَين يَديهَا كَأَنَّهُ يُرِيد أَن يرميها حَتَّى إِذا شغلها فليذهب بِرَجُل مِنْكُم من خلفهَا بِحجر عَظِيم فليرم بِهِ رَأسهَا . قَالَ ابْن أبي حَاتِم : قَالَ أبي : هَذَا حَدِيث مُنكر . وَأما حَدِيث عمرَان : فَأخْرجهُ مُسلم فِي صَحِيحه أَيْضا عَنهُ : أَن امْرَأَة من جُهَيْنَة أَتَت النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - وَهِي حُبلى من الزِّنَا ، فَقَالَت : يَا نَبِي الله ، أصبت حدًّا فأقمه علي .
قَالَ : فَدَعَا نَبِي الله - صلى الله عليه وسلم - وَليهَا ، فَقَالَ : أحسن إِلَيْهَا ، فَإِذا وضعت فائتني بهَا . فَفعل ، فَأمر بهَا النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - فشكت عَلَيْهَا ثِيَابهَا ، ثمَّ أَمر بهَا فرجمت ، ثمَّ صَلَّى عَلَيْهَا ، فَقَالَ لَهُ عمر : تصلي عَلَيْهَا يَا نَبِي الله وَقد زنت ؟ ! فَقَالَ لي : يَا عمر ، لقد تابت تَوْبَة لَو قسمت بَين سبعين من أهل الْمَدِينَة لوسعتهم ، وَهل وجدت تَوْبَة أفضل من أَن جَادَتْ بِنَفسِهَا إِلَى الله - عز وجل - ؟ . وَفِي النَّسَائِي : حضر رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - رَجمهَا ورماها بِحجر قدر الحمصة ، وَهُوَ رَاكب عَلَى بغلته ، ثمَّ قَالَ للنَّاس : ارموا ، وَإِيَّاكُم وَجههَا .
وَفِي الطَّبَرَانِي : لقد تابت تَوْبَة لَو قَامَ بهَا أهل الْمَدِينَة لقبل مِنْهُم .