الآثار
وَأما الْأَثر الثَّانِي فَهُوَ : أَنه رُوِي " أَنه شهد عِنْد عمر عَلَى الْمُغيرَة بن شُعْبَة بِالزِّنَا ، أَبُو بكرَة وَنَافِع ونفيع وَلم يُصَرح بِهِ زِيَاد - وَكَانَ رابعهم - فجلد عمر الثَّلَاثَة ، وَكَانَ بِمحضر من الصَّحَابَة وَلم يُنكر عَلَيْهِ أحد " .
هَذَا الْأَثر إِيرَاده هَكَذَا غَرِيب ؛ فَإِن نفيعًا هُوَ اسْم أبي بكرَة ، وَصَوَابه مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِي من طَرِيق قسَامَة بن زُهَيْر قَالَ : " لما كَانَ من شَأْن أبي بكرَة والمغيرة مَا كَانَ ... " وَذكر الحَدِيث قَالَ : " فَدَعَا الشُّهُود فَشهد أَبُو بكرَة وشبل بن معبد وَأَبُو عبد الله نَافِع ، فَقَالَ عمر - رضي الله عنه - حِين شهد هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة ، شقّ عَلَى عمر شَأْنه ، فَلَمَّا قَامَ زِيَاد قَالَ : إِن تشهد إِن شَاءَ الله إِلَّا بِحَق . قَالَ زِيَاد : أما الزِّنَا فَلَا أشهد بِهِ ، وَلَكِن رَأَيْت أمرا قبيحًا . فَقَالَ عمر : الله أكبر ، حدوهم فجلدهم قَالَ : فَقَالَ أَبُو بكرَة بَعْدَمَا ضربه : أشهد أَنه زَان . فهم عمر - رضي الله عنه - أَن يُعِيد عَلَيْهِ الْحَد ، فَنَهَاهُ عَلّي
- رضي الله عنه - وَقَالَ : إِن جلدت فارجم صَاحبك . فَتَركه وَمَا جلده " .
وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن سعيد عَن قَتَادَة " أَن أَبَا بكرَة وَنَافِع بن الْحَارِث بن كلدة وشبل بن معبد شهدُوا عَلَى الْمُغيرَة بن شُعْبَة أَنهم رَأَوْهُ يولجه ويخرجه ، وَكَانَ زِيَاد رابعهم وَهُوَ الَّذِي أفسد عَلَيْهِم وَأما الثَّلَاثَة فَشَهِدُوا بذلك ، فَقَالَ أَبُو بكرَة وَالله لكَأَنِّي ثَائِر فِي فَخذهَا . فَقَالَ عمر حِين رَأَى زيادًا : إِنِّي لأرَى غُلَاما كيسًا لَا يَقُول إِلَّا جدًّا ، وَلم يكن ليكتمني شَيْئا . فَقَالَ زِيَاد : لم أر مَا قَالَ هَؤُلَاءِ ، وَلَكِنِّي رَأَيْت رِيبَة وَسمعت نفسا عَالِيا . قَالَ : فجلدهم عمر - رضي الله عنه - وخلى عَن زِيَاد " قَالَ الْبَيْهَقِي : وَقد رَوَيْنَاهُ من وَجه آخر مَوْصُولا .
قَالَ : وَفِي رِوَايَة ابْن زيد عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة " أَن أَبَا بكرَة وزيادًا ونافعًا وشبل بن معبد كَانُوا فِي غرفَة والمغيرة فِي أَسْفَل الدَّار فَهبت ريح ففتحت الْبَاب وَرفعت السّتْر ، فَإِذا الْمُغيرَة بَين رِجْلَيْهَا ، فَقَالَ بَعضهم : قد ابتلينا ... " فَذكر الْقِصَّة ، قَالَ : " فَشهد أَبُو بكرَة وَنَافِع وشبل ، وَقَالَ زِيَاد : لَا أَدْرِي نَكَحَهَا أم لَا . فجلدهم عمر - رضي الله عنه - إِلَّا زيدا ، فَقَالَ أَبُو بكرَة : أَلَيْسَ قد
جلدتموني قَالَ : بلَى . قَالَ : فَأَنا أشهد بِاللَّه لقد فعل . فَأَرَادَ عمر أَن يجلده أَيْضا . فَقَالَ عَلّي : إِن كَانَت شَهَادَة أبي بكرَة بِشَهَادَة رجلَيْنِ فارجم صَاحبك ، وَإِلَّا فقد جلدتموه - يَعْنِي لَا يجلد ثَانِيًا بِإِعَادَة الْقَذْف " .
وَفِي رِوَايَة لِلْحَافِظِ أبي مُوسَى الْأَصْبَهَانِي فِي كِتَابه " معرفَة الصَّحَابَة " عَن أبي عُثْمَان النَّهْدِي قَالَ : " شهد أَبُو بكرَة وَنَافِع - يَعْنِي ابْن عَلْقَمَة - وشبل بن معبد عَلَى الْمُغيرَة أَنهم نظرُوا كَمَا ينظرُونَ المرود فِي المكحلة ، فجَاء زِيَاد ، فَقَالَ عمر : رجل لَا يشْهد إِلَّا بِالْحَقِّ . فَقَالَ : رَأَيْت مَجْلِسا قبيحًا وابتهارًا فجلدهم عمر الْحَد " .
قَالَ الْحَافِظ أَبُو نعيم : هم الْأَرْبَعَة الَّذين شهدُوا عَلَى الْمُغيرَة إخْوَة لأم اسْمهَا سميَّة ، وَرَأَيْت ذَلِك فِي " مَعْرفَته " فِي تَرْجَمَة شبْل بن معبد أَنهم أَرْبَعَة إخْوَة لأم ، وَذكر الْحَاكِم فِي " مُسْتَدْركه " قصَّة الْمُغيرَة مستوفاة من طَرِيق عبد الْعَزِيز بن أبي بكرَة وَذكر فِيهِ أَن الشُّهُود شبْل بن معبد ونافعًا وَأَبا بكرَة وزيادًا ، كَمَا سلف فِي رِوَايَات الْبَيْهَقِي ، وَزَاد : " أَن الْمَرْأَة يُقَال لَهَا : أم جميل " . وَفِي البُخَارِي طَرِيق من هَذِه الْقِصَّة فِي الشَّهَادَات فَقَالَ :
" وَجلد عمر أَبَا بكرَة وشبل بن معبد ونافعًا " . كَمَا سلف فِي رِوَايَات الْبَيْهَقِي ، وَزَاد : " أَن الْمَرْأَة يُقَال لَهَا : أم جميل . فقذف الْمُغيرَة ثمَّ استتابهم ، وَقَالَ : من تَابَ قبلت شَهَادَته " .
تَنْبِيه : الصَّحَابَة كلهم عدُول أَي مجردها كَافِيَة عَن عدالتهم إِنَّهَا من تحقق قيام الْمَانِع ، والمغيرة كَانَ يرَى نِكَاح السِّرّ وَفعله فِي هَذِه الْقِصَّة بعد شَهَادَتهم قيل : وَمَا تفعل ؟ قَالَ : أقيم الْبَيِّنَة أَنَّهَا زَوْجَتي .