الحَدِيث الثَّالِث اشمي وَلَا تنهكي
الحَدِيث الثَّالِث أنَّه - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لأم عَطِيَّة وَكَانَت خافضة : اشمي وَلَا تنهكي . هَذَا الحَدِيث يرْوَى من طرق : أَحدهَا : من حَدِيث مُحَمَّد بن حسان ، قَالَ عبد الْوَهَّاب الْكُوفِي ، عَن عبد الْملك بن عُمَيْر ، عَن أم عَطِيَّة أَن امْرَأَة كَانَت تختن بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - : لَا تنهكي فَإِن ذَلِك أحظى للْمَرْأَة ، وَأحب للبعل ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه من حَدِيث مُحَمَّد بن حسان ثمَّ قَالَ : مُحَمَّد بن حسان مَجْهُول الحَدِيث ، ضَعِيف . قلت : أما جَهَالَة مُحَمَّد بن حسان فَلَا نسلمها لَهُ ؛ لِأَنَّهُ الشَّامي المصلوب فِي الزندقة التَّالِف ، وَقد اسْتَفَدْت ذَلِك من كتاب إِيضَاح الْإِشْكَال لِلْحَافِظِ عبد الْغَنِي حَيْثُ قَالَ : بَاب مُحَمَّد بن سعيد الشَّامي المصلوب فِي الزندقة ، ثمَّ ذكر لَهُ حَدِيثا ، ثمَّ قَالَ : وَهُوَ مُحَمَّد بن أبي قيس ، وَذكر لَهُ حَدِيثا ، ثمَّ قَالَ : وَهُوَ مُحَمَّد بن الطَّبَرِي ، وَذكر لَهُ حَدِيثا ثمَّ قَالَ : وَهُوَ مُحَمَّد بن حسان وَرَوَى لَهُ هَذَا الحَدِيث وَذكر لَهُ حَدِيثا آخر وَهَذَا نَفِيس يتَعَيَّن عَلَى طَالب الحَدِيث الْوُقُوف عَلَيْهِ ، وَقد تبع أَبُو دَاوُد فِي ذَلِك ابْن عدي فَقَالَ فِي كَامِله : مُحَمَّد بن حسان لَهُ أَحَادِيث لَا يُوَافق عَلَيْهَا ثمَّ أورد هَذَا الحَدِيث ، ثمَّ قَالَ : مُحَمَّد هَذَا لَيْسَ بِمَعْرُوف وَلَا يعرف إِلَّا من هَذَا الطَّرِيق قَالَ : وَلم أر لمُحَمد غير هَذَا الحَدِيث وَحَدِيث آخر ، وَكَذَا الْبَيْهَقِي فِي الْمعرفَة فَقَالَ : رَوَاهُ أَيْضا مَرْوَان ابْن مُحَمَّد عَن مُحَمَّد بن حسان ، ثمَّ ادَّعَى جهالته وَقد عرفت عَيبه وَأَنه كَذَّاب وَضاع وَأما قَوْله الحَدِيث ضَعِيف فَهُوَ كَمَا قَالَ .
قَالَ ابْن الْقطَّان : يشْتَبه أَن عبد الْوَهَّاب لَا يعرف . قلت : يَكْفِي فِي ضعفه مُحَمَّد بن حسان السالف التَّالِف ، قَالَ أَبُو دَاوُد : وَقد رُوِي أَيْضا عَن عبد الله بن عَمْرو عَن عبد الْملك بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ وَلَيْسَ هُوَ بِالْقَوِي ، وَقد رُوِي مُرْسلا . الطَّرِيق الثَّانِي : من حَدِيث عبيد الله بن عَمْرو قَالَ : حَدثنِي رجل من أهل الْكُوفَة عَن عبد الْملك بن عُمَيْر ، عَن الضَّحَّاك بن قيس قَالَ : كَانَ بِالْمَدِينَةِ امْرَأَة يُقَال لَهَا : أم عَطِيَّة تخْفض الْجَوَارِي ، فَقَالَ لَهَا رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : يَا أم عَطِيَّة اخفظي وَلَا تنهكي فَإِنَّهُ أَسْرَى للْوَجْه وأحظى عِنْد الزَّوْج رَوَاهُ الْبَيْهَقِي كَذَلِك وَالطَّبَرَانِي وَلَفظه : أَنْضَرُ بدل أَسْرَى وَذكره أَبُو نعيم فِي تَرْجَمَة الضَّحَّاك ابْن قيس الفِهري ، ثمَّ قَالَ : وَرُوِي بِإِسْقَاط الْكُوفِي ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه فِي تَرْجَمَة الضَّحَّاك ، وَقَالَ بدل رجل من أهل الْكُوفَة : عَن زيد بن أبي أنيسَة عَن عبد الْملك بِهِ بِلَفْظ الطَّبَرَانِي .
وَقَالَ الْمفضل بن غَسَّان العلائي : سَأَلت أَبَا زَكَرِيَّا - يَعْنِي : يَحْيَى بن معِين - عَن هَذَا الحَدِيث ، فَقَالَ : الضَّحَّاك بن قيس هَذَا لَيْسَ بالفهري . قلت : قد ذكره أَبُو نعيم فِي تَرْجَمته كَمَا مر وَذكره الْحَاكِم فِي تَرْجَمَة الضَّحَّاك بن قيس الْأَكْبَر ، ثمَّ ذكر الْوَاقِدِي أَنه قَالَ : أَن الضَّحَّاك هَذَا لم يسمع من رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : وَالصَّوَاب قَول ابْن جرير أَنه سمع مِنْهُ فقد صَحَّ لَهُ عَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - رِوَايَات ذكر فِيهَا سَمَاعه من رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - وَذكر أَحَادِيث مِنْهَا هَذَا الحَدِيث . الطَّرِيق الثَّالِث : من حَدِيث زَائِدَة عَن ثَابت عَن أنس مَرْفُوعا بِمثل مَا سلف رَوَاهُ ابْن عدي وَالطَّبَرَانِي فِي أَصْغَر معاجمه من حَدِيث أبي خَليفَة مُحَمَّد بن سَلام الجُمَحِي عَن زَائِدَة بِهِ ، قَالَ ابْن عدي : هَذَا يرويهِ عَن ثَابت زَائِدَة بن أبي الرقاد لَا أعلم يرويهِ عَنهُ غَيره .
قلت : وزائدة مُنكر الحَدِيث كَمَا قَالَه البُخَارِي ، وَقَالَ الطَّبَرَانِي : لم يروه عَن ثَابت إِلَّا زَائِدَة تفرد بِهِ مُحَمَّد بن سَلام الجُمَحِي . قلت : وَاخْتلف فِي متن هَذَا الحَدِيث فَفِي لفظ : يَا أم عَطِيَّة إِذا خفظت فأشمي وَلَا تنهكي فَإِنَّهُ أَضْوَأ للْوَجْه ، وأحظى عِنْد الزَّوْج وَفِي آخر ذكره ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الْقِتَال إِذا خفظت فأشمي وَلَا تنهكي فَإِنَّهُ أَسْرَى للْوَجْه وأحظى عِنْد الزَّوْج قَالَ أَبُو الْعَبَّاس : ثَعْلَب : رَأَيْت يَحْيَى بن معِين بَين يَدي مُحَمَّد بن سَلام فَسَأَلَهُ عَن هَذَا الحَدِيث وَجَمَاعَة مَعَه . الطَّرِيق الرَّابِع : عَن حَدِيث عَطِيَّة الْقرظِي - رضي الله عنه - قَالَ : بِالْمَدِينَةِ خافضة تحفض النِّسَاء يُقَال لَهَا : أم عَطِيَّة - رضي الله عنها - فَقَالَ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - : أشمي وَلَا تخفي فَإِنَّهُ أَسْرَى للْوَجْه وأحظى عِنْد الزَّوْج رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِي فِي كِتَابه معرفَة الصَّحَابَة من حَدِيث الْوَلِيد بن صَالح ، عَن عبيد الله بن عَمْرو ، عَن عبد الْملك بن عُمَيْر ، عَن عَطِيَّة بِهِ ، ثمَّ قَالَ : هَذَا الحَدِيث مَرْوِي بِغَيْر هَذَا الْإِسْنَاد .
قلت : قد مر وَسَيَأْتِي أَيْضا ، قَالَ : وَأم عَطِيَّة هَذِه أظنها نسيبة الْأَنْصَارِيَّة . الطَّرِيق الْخَامِس : من حَدِيث سَالم ، عَن أَبِيه ، عَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - أَنه قَالَ : يَا معشر الْأَنْصَار اختضبن غمسًا ، واختفضن وَلَا تنهكن فَإِنَّهُ أَسْرَى للْوَجْه وأحظى عِنْد الزَّوْج . رَوَاهُ ابْن عدي وَفِيه خَالِد بن عَمْرو الْقرشِي وَهُوَ ضَعِيف جدا فِي حد من يتهم ، وَرَوَاهُ الْبَزَّار من حَدِيث نَافِع عَن ابْن عمر قَالَ : دخل عَلَى النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - نسْوَة من الْأَنْصَار فَقَالَ : يَا نسَاء الْأَنْصَار اختضبن غمسًا ، واختفضن وَلَا تنهكن فَإِنَّهُ أحظى عِنْد أزواجكن ، وإياكن وكفران النعم ، قَالَ منْدَل : - يَعْنِي الْأزْوَاج ومندل هَذَا ضَعِيف فتلخص أَن طرقه كلهَا ضَعِيفَة ، وَقد صرح ابْن الْقطَّان الْحَافِظ فِي كِتَابه أَحْكَام النّظر أَيْضا بِأَنَّهُ لَا يَصح مِنْهَا شَيْء .
تَنْبِيهَات : أَحدهَا : أم عَطِيَّة هَذِه قد تقدم عَن الْحَافِظ أبي نعيم أَنه قَالَ : أظنها نسيبة ، وَكَذَا قَالَ الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِي : أظنها نسيبة - يَعْنِي أم عَطِيَّة الْمَشْهُورَة - ثمَّ أورد بِإِسْنَادِهِ مثل مَا أوردهُ أَبُو نعيم سَوَاء ، وَوَقع فِي بعض نسخ الرَّافِعِي أَن الخافضة - وَهِي بِفَتْح الْخَاء وَالضَّاد المعجمتين أَي : الخاتنة - أم طيبَة بدل أم عَطِيَّة ، وَصَوَابه أم عَطِيَّة ، وَقد أصلح فِي بعض النّسخ الْمُعْتَمدَة . ثَانِيهَا : قَوْله : أشمي - هُوَ بشين مُعْجمَة - مَأْخُوذ من الشمم وَهُوَ ارتداع أَصله مَعَ اسْتِوَاء أَعْلَاهُ فَإِن كَانَ فِيهَا إحديداب فَهُوَ القنا تَقول رجل أَشمّ أَي طَوِيل الرَّأْس . وَقَوله : وَلَا تنهكي هُوَ من قَوْلهم نهكت الثَّوْب انهكه نهكًا عَلَى وزن دفعت أدفعه دفعا أَي لبسته حَتَّى خلق وبلي قَالَ الرَّافِعِي : مَعْنَاهُ اتركي الْموضع أَشمّ ، وَهُوَ الْمُرْتَفع وَلَا تبالغي فِي الْقطع ، وَقَالَ أَبُو عبيد : قَوْله لَا تنهكي تَفْسِير لقَوْله أشمي ، تَقول لَا تستقصي وَلَا تستأصلي وَلَا تبالغي فِي إسحابه وَقَالَ الْخطابِي قَوْله : لَا تنهكي مَعْنَاهُ لَا تبالغي فِي الْخَفْض والنهك الْمُبَالغَة فِي الضَّرْب وَالْقطع والشم وَغير ذَلِك ، وَقد نهكته الْحمى إِذا بلغت بِهِ ، واضرت بِهِ .
ثَالِثهَا : قَوْله - عليه السلام - لَا تنهكي قيد النَّوَوِي فِي شرح الْمُهَذّب فِي آخر بَاب السِّوَاك بِفَتْح التَّاء وَالْهَاء قَالَ : وَمَعْنَاهُ لَا تبالغي فِي الْقطع ورأيته مضبوطًا فِي نُسْخَة مُعْتَمدَة من مُخْتَصر السّنَن لِلْمُنْذِرِي الْحَافِظ قُرِئت كلهَا عَلَيْهِ بِضَم التَّاء ضبط الْكَاتِب ، وَكَذَا رَأَيْته فِي نُسْخَة مُعْتَمدَة من الْبَيْهَقِي . رَابِعهَا : قَالَ الْمَاوَرْدِي فِي حاويه فِي قَوْله : أَسْرَى للْوَجْه تَأْوِيلَانِ أَحدهمَا : أصفى للون ، وَثَانِيهمَا : مَا يحصل لَهَا فِي نَفْس الزَّوْج من الحظوة ، وَقَالَ الْغَزالِي فِي الْإِحْيَاء : أَي أَكثر لماء الْوَجْه ، وَدَمه وَأحسن فِي جِمَاعهَا . فَائِدَة : قَالَ ابْن الْمُنْذر : لَيْسَ فِي الْخِتَان خبر يرجع إِلَيْهِ وَلَا سنة تتبع والأشياء عَلَى الْإِبَاحَة .