الحَدِيث الثَّامِن عشر الْإِسْلَام يَعْلُو وَلَا يعْلى عَلَيْهِ
الحَدِيث الثَّامِن عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : الْإِسْلَام يَعْلُو وَلَا يعْلى عَلَيْهِ . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أَصْغَر معاجمه من حَدِيث عمر بن الْخطاب فِي حَدِيث الْأَعرَابِي الَّذِي صَاد ضبًّا ، وَأَن الضَّب حكم للنَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (وَشهد لَهُ بالرسالة ، وَأَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ للأعرابي : الْحَمد لله الَّذِي هداك إِلَى هَذَا الدَّين الَّذِي يَعْلُو وَلَا يعْلى . وَهُوَ حَدِيث طَوِيل .
قَالَ الطَّبَرَانِيّ : ثَنَا [ مُحَمَّد ] بن عَلّي بن الْوَلِيد السُلمي الْبَصْرِيّ ، ثَنَا مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيّ ، ثَنَا مُعْتَمر بن سُلَيْمَان ، ثَنَا كهمس بن الْحسن ، ثَنَا دَاوُد بن أبي هِنْد ، عَن الشّعبِيّ ، عَن عبد الله بن عمر ، عَن أَبِيه عمر بْن الْخطاب [ بِحَدِيث ] الضَّب ، أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ فِي محفل من أَصْحَابه ؛ إِذْ جَاءَ أَعْرَابِي من بني سُليم قد صَاد ضبًّا ، وَجعله فِي كمه ، فَذهب بِهِ إِلَى رَحْله (فَأَتَى) جمَاعَة فَقَالَ : عَلَى من هَذِه الْجَمَاعَة ؟ فَقَالُوا : عَلَى الَّذِي يزْعم أَنه نَبِي ، فشق النَّاس ، ثمَّ أقبل عَلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : يَا مُحَمَّد ، مَا اشْتَمَلت (الدُّنْيَا) عَلَى ذِي لهجة أكذب مِنْك وَأبْغض [ إليَّ مِنْك ] ، وَلَوْلَا أَن يسميني قومِي عجولاً لعجلت عَلَيْك فقتلتك ، فسررت بقتلك النَّاس أَجْمَعِينَ . فَقَالَ عمر : يَا رَسُول الله ، دَعْنِي أَقتلهُ . فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أما علمت أَن الْحَلِيم كَاد يكون نبيًّا .
ثمَّ أقبل عَلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : وَاللات والعزى لَا آمَنت بك . وَقد قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : يَا أَعْرَابِي ، مَا حملك عَلَى أَن قلت مَا قلت ، وَقلت غير الْحق ، وَلم تكرم مجلسي ؟ قَالَ : وتكلمني أَيْضا - اسْتِخْفَافًا برَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَاللات والعزى لَا آمَنت بك ، أَو يُؤمن [ بك ] هَذَا الضَّب . فَأخْرج الضَّب من كمه ، فطرحه بَين يَدي النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَقَالَ : إِن آمن بك هَذَا الضَّب آمَنت بك .
فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : يَا ضَب ، فَتكلم الضَّب ﴿بِلِسَان عَرَبِيّ مُبين ﴾يفهمهُ الْقَوْم جَمِيعًا : لبيْك وَسَعْديك يَا رَسُول رب الْعَالمين . فَقَالَ لَهُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : من تعبد ؟ قَالَ : الَّذِي فِي السَّمَاء عَرْشه ، وَفِي الأَرْض سُلْطَانه ، وَفِي الْبَحْر سَبيله ، وَفِي الْجنَّة رَحمته ، وَفِي النَّار عَذَابه ، قَالَ : فَمن أَنا يَا ضَب ؟ فَقَالَ : أَنْت رَسُول الله رب الْعَالمين وَخَاتم النَّبِيين ، قد أَفْلح من صدقك ، وَقد خَابَ من كَذبك . فَقَالَ الْأَعرَابِي : أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنَّك رَسُول الله حقًّا ، وَالله لقد أَتَيْتُك وَمَا عَلَى وَجه الأَرْض أحد هُوَ أبْغض إليَّ مِنْك ، وَالله [ لأَنْت ] السَّاعَة أحب إليَّ من نَفسِي ، وَمن وَلَدي ، (وَقد آمَنت بك بشعري) ، وبشري ، وداخلي ، وخارجي ، وسري وعلانيتي .
فَقَالَ لَهُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : الْحَمد لله الَّذِي هداك [ إِلَى ] هَذَا الدَّين الَّذِي يَعْلُو وَلَا يعْلى ، لَا يقبله الله إِلَّا بِصَلَاة ، وَلَا يقبل الصَّلَاة إِلَّا بقرآن . فَعلمه رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - الْحَمد ، و ﴿قل هُوَ الله أحد ﴾ ، فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، وَالله مَا سَمِعت [ فِي ] الْبَسِيط وَلَا فِي الرجز أحسن من هَذَا ، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِن هَذَا كَلَام رب الْعَالمين ، وَلَيْسَ بِشعر [ و ] إِذا قَرَأت ﴿قل هُوَ الله أحد ﴾ مرّة فَكَأَنَّمَا قَرَأت ثلث الْقُرْآن ، وَإِذا قَرَأت ﴿قل هُوَ الله أحد ﴾ مرَّتَيْنِ فَكَأَنَّمَا قَرَأت ثُلثي الْقُرْآن ، وَإِذا قَرَأت ﴿قل هُوَ الله أحد ﴾ ثَلَاث مَرَّات فَكَأَنَّمَا قَرَأت الْقُرْآن كُله . فَقَالَ الْأَعرَابِي : نِعْمَ (إِلَه) إلهنا ؛ يقبل الْيَسِير وَيُعْطِي الجزيل ، ثمَّ قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أعْطوا الْأَعرَابِي ، فَأَعْطوهُ حَتَّى أبطروه ، فَقَامَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، إِنِّي أُرِيد أَن أعْطِيه نَاقَة أَتَقَرَّب بهَا إِلَى الله - عَزَّ وَجَلَّ - دون البختي وَفَوق الْأَعرَابِي وَهِي عشراء .
فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : [ إِنَّك ] قد [ وصفت ] مَا تُعْطِي فأصف لَك مَا يعطيك الله - عَزَّ وَجَلَّ - جَزَاء ؟ قَالَ : نعم . قَالَ : لَك نَاقَة من درة جوفاء ، قَوَائِمهَا من زبرجد أَخْضَر ، وعنقها من زبرجد أصفر ، عَلَيْهَا هودج ، وَعَلَى الهودج السندس والإستبرق ، تمر بك عَلَى الصِّرَاط كالبرق الخاطف . فَخرج الْأَعرَابِي من عِنْد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَلَقِيَهُ ألف أَعْرَابِي عَلَى ألف دَابَّة بِأَلف رمح وَألف سيف ، فَقَالَ لَهُم : أَيْن تُرِيدُونَ ؟ فَقَالُوا : نُقَاتِل هَذَا الَّذِي يكذب وَيَزْعُم أَنه نَبِي ، فَقَالَ الْأَعرَابِي : أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله ، فَقَالُوا : صبوت ؟ ! فَقَالَ : مَا صبوت ، وَحَدَّثَهُمْ هَذَا الحَدِيث ، فَقَالُوا بأجمعهم : لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله .
فَبلغ ذَلِك النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَتَلقاهُمْ [ فِي رِدَاء ] فنزلوا عَن ركبهمْ [ يقبلُونَ ] مَا ولوا مِنْهُ وهم يَقُولُونَ : لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله ، فَقَالُوا : مرنا [ بِأَمْرك ] يَا رَسُول الله ، فَقَالَ : تدخلون تَحت راية خَالِد بن الْوَلِيد . قَالَ : وَلَيْسَ أحد من الْعَرَب آمن مِنْهُم ألف جَمِيعًا إِلَّا بَنو سليم . قَالَ الطَّبَرَانِيّ : لم يروه عَن دَاوُد بن أبي هِنْد بِهَذَا التَّمام إِلَّا كهمس ، وَلَا عَن كهمس إِلَّا مُعْتَمر ، تفرد بِهِ مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى .
قلت : وَأخرجه أَبُو نعيم وَالْبَيْهَقِيّ فِي كِتَابَيْهِمَا دَلَائِل النُّبُوَّة . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : الْحمل فِيهِ عَلَى السّلمِيّ . قَالَ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان : صدق وَالله الْبَيْهَقِيّ فَإِنَّهُ خبر بَاطِل .