الحَدِيث الرَّابِع عشر أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم نهَى أَن يضحى بالمصفرة
الحَدِيث الرَّابِع عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى أَن يضحى بالمصفرة . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالْحَاكِم ، وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة أبي حميد الرعيني قَالَ : أَخْبرنِي يزِيد ذُو مِصْر - بِكَسْر الْمِيم ، وَإِسْكَان الصَّاد الْمُهْملَة ، هَذَا هُوَ الصَّوَاب فِي ضَبطه ، وَمِمَّنْ ضَبطه كَذَلِك ابْن الْأَثِير فِي جَامعه ، وَقَيده الْمُنْذِرِيّ فِي حَوَاشِي السّنَن بِضَم الْمِيم ، وَفتح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَبعدهَا رَاء مُهْملَة ، وَهُوَ غَرِيب مِنْهُ - قَالَ : أتيت عتبَة بن عبد السّلمِيّ ، فَقلت : يَا أَبَا الْوَلِيد ، خرجت ألتمس الضَّحَايَا فَلم أجد شَيْئا يُعجبنِي غير ثرماء فَمَا تَقول ؟ قَالَ : أَفلا جئتني أضحي بهَا . قَالَ : سُبْحَانَ الله ، تجوز عَنْك وَلَا تجوز عني ؟ ! قَالَ : نعم ، أَنْت تشك وَأَنا لَا أَشك ، إِنَّمَا نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن المصفرة والمستأصلة والبخقاء [ والمشيعة ] والكسراء .
والمصفرة : الَّتِي تستأصل أذنها حَتَّى يَبْدُو صماخها ، والمستأصلة [ هي الَّتِي استؤصل ] قرنها من أَصله ، والبخقاء : الَّتِي تُبْخق عينهَا ، والمشيَّعة : الَّتِي لَا تتبع الْغنم ، والكسراء : الكسير . وَلم يُضعفهُ أَبُو دَاوُد فَهُوَ صَالح الِاحْتِجَاج بِهِ عِنْده ، وَقَالَ الْحَاكِم فِي أَوَاخِر كتاب الْحَج : إِسْنَاده صَحِيح ، وَقَالَ فِي هَذَا الْبَاب : إِنَّه حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ . وَفِي رِوَايَة الْحَاكِم عَن يزِيد بن خَالِد بدل يزِيد ذُو مصر ، وَأعله عبد الْحق فَقَالَ : أَبُو حميد وَيزِيد ليسَا بمشهورين - فِيمَا أعلم - وَلَا أعلم رَوَى عَن يزِيد إِلَّا أَبُو حميد ، وَلَا عَن [ أبي ] حميد إِلَّا ثَوْر بن يزِيد .
قلت : تبع فِي ذَلِك ابْن حزم فَإِنَّهُ أعله بهما لَكِن صحَّفها فَقَالَ فِي محلاه : وَجَاء خبر أَنه لَا تُجزئ المستأصلة قرنها ، وَلَا يَصح ؛ لِأَنَّهُ من طَرِيق أبي جميل الرعيني ، عَن أبي مصر ، وهما مَجْهُولَانِ . هَذَا كَلَامه . وَكَذَا فِي نُسْخَة مُعْتَمدَة مِنْهُ - وَصَوَابه عَن أبي حميد - بِالْحَاء وَالدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ - عَن يزِيد ذِي مصر - كَمَا قَدمته - وَيزِيد هَذَا رَوَى عَنهُ أَبُو حميد الرعيني وَغَيره ، وَذكره ابْن حبَان فِي ثقاته ، وَهُوَ أحد الْأَشْرَاف ، وَعَن صَفْوَان بن عَمْرو ، عَن أمه قَالَت : قدم يزِيد ذُو مصر عَلَى مُعَاوِيَة فِي ثَلَاثَة آلَاف فَقَالَ : من هَؤُلَاءِ ؟ فَقَالَ : عَبِيدِي وموالي .
فَقَالَ : إِنِّي لأمير الْمُؤمنِينَ وَمَا لي هَذَا . وَأَبُو حميد قد أخرج الْحَاكِم لَهُ ، وَصحح حَدِيثه كَمَا تقدم ، فَهُوَ مُؤذن بِالْوُقُوفِ عَلَى معرفَة حَاله . فَائِدَة : فِي بَيَان مَا وَقع فِيهِ من الْغَرِيب : الثرماء بِالْمدِّ : (الَّذِي) ذهب بعض أسنانها .
وَقيل : هُوَ سُقُوط الثَّنية . وَقيل : لَا يُقَال ذَلِك إِلَّا لمن سنه من قُدَّام كالثنية والرباعية . وَقيل : أَن تنقلع السن من أَصْلهَا .
والمصفرة - بِضَم الْمِيم وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء - سميت بذلك ؛ لِأَن صماخيها صَفِرا من الْأذن أَي : خلوا . قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ : هِيَ من أصفره إِذا أخلاه ، وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي نهايته : وَإِن رويت المصفرة بِالتَّشْدِيدِ فللتكثير . قَالَ : وَقيل : هِيَ المهزولة لخلوها من السّمن .
وَلِهَذَا جزم الْمَاوَرْدِيّ حَيْثُ قَالَ : الهزيلة الَّتِي اصفر لَوْنهَا من الهزال ، قَالَ الْأَزْهَرِي : وَرَوَاهُ شمر بالغين ، وَفَسرهُ عَلَى مَا فِي الحَدِيث وَلَا أعرفهُ . قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ : رَوَاهُ شمر بالغين ، وَهِي حِينَئِذٍ من الصغار . والبخقاء : العوراء ، وَقيل : البخق أَن يذهب الْبَصَر بِفَتْح الْعين .
قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ : البخقاء : العوراء ، وَقيل : البخق أَن يذهب الْبَصَر وَتَبقى الْعين قَائِمَة منفتحة . والمشيِّعة - بِكَسْر الْيَاء - : هِيَ الَّتِي لَا تزَال تتبع الْغنم ، فَهِيَ أبدا تمشي وَرَاءَهَا . وَأما من فتح الْبَاء فَلِأَنَّهَا تحْتَاج إِلَى من يسقيها أَو يَسُوقهَا لتأخرها عَن الْغنم .