الحَدِيث التَّاسِع عشر أَن رجلا نذر أَن ينْحَر إبِلا فِي مَوضِع سَمَّاهُ
الحَدِيث التَّاسِع عشر أَن رجلا نذر أَن ينْحَر إبِلا فِي مَوضِع - سَمَّاهُ - فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : هَل فِيهِ وثن من أوثان الْجَاهِلِيَّة يعبد ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : أوف بِنَذْرِك . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم ، كل رِجَاله أَئِمَّة ، مجمع عَلَى عدالتهم من رِوَايَة ثَابت بن الضَّحَّاك ، قَالَ : نذر رجل عَلَى عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن ينْحَر [ إبِلا ببوانة ، فَأَتَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : إِنِّي نذرت أَن أنحر إبِلا ] ببوانة .
فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : هَل كَانَ فِيهَا وثن من أوثان الْجَاهِلِيَّة يعبد ؟ قَالُوا : لَا ، قَالَ : فَهَل فِيهَا عيد من أعيادهم ؟ قَالُوا : لَا . فَقَالَ رَسُول الله : أوف بِنَذْرِك ؛ فَإِنَّهُ لَا وَفَاء لنذر فِي مَعْصِيّة الله وَلَا فِيمَا لَا يملكهُ ابْن آدم . وَرَوَاهُ أَحْمد بِسَنَدِهِ من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن ابْنة كردم ، عَن أَبِيهَا : أَنه سَأَلَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : إِنِّي نذرت أَن أنحر ثَلَاثَة من إبلي .
فَقَالَ : إِن كَانَ عَلَى جمع من جمع الْجَاهِلِيَّة ، أَو عَلَى عيد من أعياد الْجَاهِلِيَّة ، أَو عَلَى وثن من أوثان الْجَاهِلِيَّة فَلَا ، وَإِن كَانَ عَلَى [ غير ] ذَلِك فَاقْض نذرك . قَالَ : يَا رَسُول الله ، إِن عَلَى أم هَذِه الْجَارِيَة مشيًا ، أفأمشي ، عَنْهَا ؟ قَالَ : نعم . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من رِوَايَة ابْن عَبَّاس : أَن رجلا جَاءَ إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، إِنِّي نذرت أَن أنحر ببوانة ؟ فَقَالَ : فِي نَفسك شَيْء من أَمر الْجَاهِلِيَّة ؟ قَالَ : لَا .
قَالَ : أوف بِنَذْرِك . وَرَوَاهُ أَيْضا من رِوَايَة مَيْمُونَة بنت كردم الثقفية : أَن أَبَاهَا لَقِي النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وهى رديفة كردم ، فَقَالَ : إِنِّي نذرت أَن أنحر ببوانة . فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : هَل فِيهَا وثن ؟ قَالَ : لَا .
قَالَ : أوف بِنَذْرِك وإسنادهما حسن . وَفِي رِوَايَة لأبي نعيم تعْيين المنحور خلاف مَا وَقع فِي مُسْند أَحْمد ، وَهَذَا لَفظه : إِنِّي نذرت أَن أذبح عددا من الْغنم . قَالَ : لَا أعلم إِلَّا [ خمسين ] شَاة عَلَى رَأس بوانة .
الحَدِيث . تَنْبِيهَات : أَحدهَا : ذكر ابْن دحْيَة فِي كتاب الْآيَات الْبَينَات هَذَا الحَدِيث من طَرِيق أَحْمد ، وَفِيه زِيَادَة أنكرها ، فعقب ذَلِك بِأَن قَالَ : هَذَا حَدِيث بَاطِل بِيَقِين ؛ إِذْ لم يَنْقُلهُ أحد من ثِقَات الْمُسلمين . وَهَذَا الْإِطْلَاق لَيْسَ بجيد مِنْهُ .
ثَانِيهَا : بُوانة - بِضَم أَوله وبالنون عَلَى بِنَاء فعالة - : مَوضِع بَين الشَّام وَبَين ديار بني عَامر . كَذَا ضَبطه أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي مُعْجَمه ، وَكَذَا الْحَازِمِي ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي كتاب الْمُخْتَلف والمؤتلف فِي أَسمَاء الْأَمَاكِن : بوان بِضَم الْبَاء . وَكَذَا النَّوَوِيّ فِي مُخْتَصر المبهمات قَالَ : بوانة ، أَولهَا بَاء مُوَحدَة مَضْمُومَة ، وَألف ثمَّ نون ثمَّ هَاء .
وَحَكَى ابْن الْأَثِير فِي نهايته ، ثمَّ الْمُنْذِرِيّ فتح الْبَاء أَيْضا . قَالَ الْجَوْهَرِي فِي صحاحه : وَيُقَال : بوان . بِلَا هَاء ، قَالَ ابْن الْأَثِير ، ثمَّ الْمُنْذِرِيّ : وبوانة هضبة من وَرَاء يَنْبع قَرْيَة من سَاحل الْبَحْر ، وَقَالَ الْبَغَوِيّ : بوانة أَسْفَل مَكَّة أَسْفَل يَلَمْلَم .
ثَالِثهَا : هَذَا الرجل هُوَ كردم بن سُفْيَان ، كَمَا سلف عَن رِوَايَة ابْن ماجه ، وَقد نبه عَلَيْهِ الْخَطِيب فِي مبهماته أَيْضا . رَابِعهَا - وَهُوَ مُهِمّ - : وَهُوَ أَن صَاحب الْمُهَذّب ذكر فِي هَذَا الْموضع من كِتَابه حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن امْرَأَة قَالَت : يَا رَسُول الله ، إِنِّي نذرت أَن أذبح مَكَان كَذَا وَكَذَا - مَكَان يذبح فِيهِ أهل الْجَاهِلِيَّة - قَالَ : لصنم ؟ قَالَت : لَا . قَالَ : لوثن ؟ قَالَت : لَا .
قَالَ : أوف بِنَذْرِك فَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : هَذَا الحَدِيث غَرِيب ، وَلَكِن مَعْنَاهُ مَشْهُور من رِوَايَة ثَابت بن الضَّحَّاك . ثمَّ سَاق الحَدِيث السالف ، وَهَذَا من أغرب مَا اتّفق لَهُ ؛ فَحَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب هَذَا الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه حَدِيث ثَابت فِي كل النّسخ ، و الْأَطْرَاف للمزي وَغَيرهمَا من كتب الْأَحْكَام ؛ فَتنبه لذَلِك .