الحَدِيث الْخَامِس أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم لما أَرَادَ أَن يبْعَث معَاذًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْه إِلَى الْيمن
الحَدِيث الْخَامِس رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لما أَرَادَ أَن يبْعَث معَاذًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْه إِلَى الْيمن قَالَ لَهُ : كَيفَ تقضي إِذا غلبك قَضَاء ؟ قَالَ : أَقْْضِي بِكِتَاب الله قَالَ : فَإِن لم تَجِد فِي كتاب الله ؟ قَالَ : بِسنة رَسُول الله . قَالَ : فَإِن لم تَجِد ؟ قَالَ : أجتهد برأيي وَلَا آلو . فَضرب صَدره وَقَالَ : الْحَمد لله الَّذِي وفْق رَسُول رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لما يرضاه رَسُول الله .
هَذَا الحَدِيث كثيرا مَا يتَكَرَّر فِي كتب الْفُقَهَاء وَالْأُصُول والمحدثين ويعتمدون عَلَيْهِ ، وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف بِإِجْمَاع أهل النَّقْل - فِيمَا أعلم - وَقد أخرجه أَبُو دَاوُد من حَدِيث الْحَارِث بن عَمْرو ، عَن أنَاس من أهل حمص من أَصْحَاب معَاذ ، أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لما أَرَادَ أَن يبْعَث معَاذًا إِلَى الْيَمين . فَذكره بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، ثمَّ رَوَاهُ من رِوَايَة الْحَارِث ابن عَمْرو ، عَن أنَاس من أَصْحَاب [ معَاذ ، عَن ] معَاذ بن جبل : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لما بَعثه إِلَى الْيَمن . بِمَعْنَاهُ .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث الْحَارِث بن عَمْرو عَن [ رجال ] من أَصْحَاب معَاذ : [ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ] من حَدِيث الْحَارِث أَيْضا عَن أنَاس من أهل حمص ، عَن معَاذ ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث الْحَارِث بن عَمْرو عَن معَاذ ، كَذَا وجدت فِي النُّسْخَة الَّتِي نظرت مِنْهَا . وَأخرجه أَحْمد كَمَا أخرجه أَبُو دَاوُد ثَانِيًا .
قَالَ ابْن عدي فِي كَامِله : قَالَ البُخَارِيّ فِي التَّارِيخ : الْحَارِث بن عَمْرو ابن أخي الْمُغيرَة بن شُعْبَة الثَّقَفِيّ ، عَن أَصْحَاب معَاذ ، عَن معَاذ ، وَرَوَى عَنهُ أَبُو عون ، وَلَا يَصح وَلَا يعرف إِلَّا بِهَذَا ، وَهُوَ مُرْسل . قَالَ ابْن عدي : والْحَارث بن عَمْرو وَهُوَ مَعْرُوف بِهَذَا الحَدِيث الَّذِي ذكره البُخَارِيّ عَن معَاذ لما وَجهه النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَى الْيمن ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا الحَدِيث لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه ، وَلَيْسَ إِسْنَاده عِنْدِي مُتَّصِل . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : رَوَاهُ شُعْبَة ، عَن أبي عون ، عَن الْحَارِث بن عَمْرو ، عَن أَصْحَاب معَاذ ، عَن مُعاذ .
وأرسله عبد الرَّحْمَن ابن مهْدي وجماعات ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد عَن شُعْبَة: قَالَ مرّة : عَن معَاذ ، وَأكْثر مَا كَانَ يحدثنا عَن أَصْحَاب معَاذ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، وَرُوِيَ [ عَن مسعر ] عَن أبي عون مُرْسلا ، والمرسل أصح ، وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد بن حزم فِي كِتَابه الْمُحَلَّى شرح المجلى : هَذَا حَدِيث لَا يَصح ؛ لِأَنَّهُ لم يروه أحد إِلَّا الْحَارِث بن عَمْرو - وَهُوَ مَجْهُول لَا نَدْرِي من هُوَ - عَن رجال من أهل حمص - لم يسمهم - عَن معَاذ ، وَقَالَ فِي رسَالَته فِي إبِْطَال الْقيَاس : هَذَا الحَدِيث الْمَأْثُور وَهُوَ عمدتهم ، وَهُوَ حَدِيث غير صَحِيح ؛ لِأَنَّهُ عَن الْحَارِث بن عَمْرو الْهُذلِيّ [ ابن ] أخي الْمُغيرَة بن شُعْبَة الثَّقَفِيّ ، وَلَا يدْرِي أحد من هُوَ ، وَلَا يعرف لَهُ غير هَذَا الحَدِيث . ذكر ذَلِك البُخَارِيّ فِي تَارِيخه الْأَوْسَط فِي الطَّبَقَات ثمَّ هُوَ أَيْضا عَن رجال من أهل حمص من أَصْحَاب معَاذ ، وَلَا يجوز الْأَخْذ بِالدّينِ عَمَّن لَا يُدْرَى من هُوَ ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذ عَن الثِّقَات المعروفين . قَالَ : وَقد اتّفق الْجَمِيع عَلَى أَنه لَا يجوز شَهَادَة من لَا يُدْرَى حَاله ، وَنقل الحَدِيث شَهَادَة من أعظم الشَّهَادَات ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَة عَلَى الله وَعَلَى رَسُوله ، فَلَا يحل أَن يتساهل فِي ذَلِك أصلا .
قَالَ : وقدموه قوم لم ينألوا بِالْكَذِبِ فَقَالُوا : إِن هَذَا الْخَبَر مَنْقُول نقل التَّوَاتُر . وَهَذَا كذب ظَاهر ؛ لِأَن نقل التَّوَاتُر هُوَ أَن يكون نَقله فِي عصر متواتر من مبتدئه إِلَى مبلغه ، وَأما مَا رَجَعَ من مبدئه إِلَى وَاحِد مَجْهُول فَهَذَا ضد التَّوَاتُر ، وَهَذَا لم يعرف قطّ قَدِيما ، وَلَا ذكره أحد من الصَّحَابَة عَنْهُم وَلَا من التَّابِعين عَن مسلمة عَن أبي عون حَتَّى يعلق بِهِ الْمُتَأَخّرُونَ ، فانبثق إِلَى أتباعهم ومقلديهم فعرفوه ، وَمَا احْتج بِهِ قطّ أحد من الْمُتَقَدِّمين ؛ لِأَن مخرجه واه ضَعِيف ، وَرَوَاهُ مَعَ ذَلِك عَن أبي عون شُعْبَة ، وَأبي إِسْحَاق : سُلَيْمَان بن فَيْرُوز الشَّيْبَانِيّ فَقَط لم يروه غَيرهمَا ، وَكِلَاهُمَا ثِقَة حَافظ ، وَاخْتلفَا فِيهِ فَرَوَاهُ شُعْبَة ، عَن أبي عون ، عَن نَاس من أَصْحَاب معَاذ من أهل حمص : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - . ، وَرَوَاهُ أَبُو إِسْحَاق ، عَن مُحَمَّد بن عبيد الله الثَّقَفِيّ - هُوَ أَبُو عون - قَالَ : لما بعث رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - .
الحَدِيث ، قَالَ : وَأَيْضًا فَمن الْبَاطِل الْمَقْطُوع بِهِ أَن يُضَاف مثل هَذَا إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَهُوَ أَن يَقُول عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام لِمعَاذ : إِن لم تَجِد فِي كتاب الله - تَعَالَى - وَلَا فِي سنة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، وَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ قد سُئِلَ عَن الحمُرُ فَقَالَ : مَا أنزل الله عَلّي فِيهَا شَيْء إِلَّا هَذِه الْآيَة الفاذة : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴾فَلم يحكم فِيهَا عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ بِحكم ألْبَتَّةَ بِغَيْر الْوَحْي ، فَكيف يُجِيز ذَلِك لغيره وَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ قد أَتَانَا بقوله من ربه الصَّادِق : مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى : لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ فَلَا سَبِيل إِلَى وجود شَرِيعَة لله - تَعَالَى - فَرضهَا فِي الْكتاب وَلم يسنها رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - . قَالَ : فصح أَن هَذَا اللَّفْظ لَا يجوز أَن يَقُوله رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - . هَذَا آخر كَلَام الْحَافِظ أبي مُحَمَّد بن حزم مُلَخصا .
وَقَالَ عبد الْحق فِي أَحْكَامه : هَذَا الحَدِيث لَا يسند وَلَا يُوجد من وَجه صَحِيح . فَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي كتاب الْوَهم وَالْإِيهَام : الْحَارِث هَذَا لَا يعرف لَهُ حَال ، وَلَا نَدْرِي رَوَى عَنهُ غير أبي عون مُحَمَّد بن عبيد الله الثَّقَفِيّ ، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله : هَذَا حَدِيث لَا يَصح وَإِن كَانَ الْفُقَهَاء كلهم يذكرُونَهُ فِي كتبهمْ ويعتمدون عَلَيْهِ . قَالَ : (ولعمري مَعْنَاهُ صَحِيح) إِنَّمَا ثُبُوته لَا يعرف ؛ لِأَن الْحَارِث بن عَمْرو مَجْهُول ، وَأَصْحَاب معَاذ من أهل حمص لَا يعْرفُونَ ، وَمَا هَذَا طَرِيقه فَلَا وَجه لثُبُوته .
وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو الْفضل بن طَاهِر فِي المُصَنّف الَّذِي لَهُ عَلَى هَذَا الحَدِيث : اعْلَم أنني فحصت عَن هَذَا الحَدِيث فِي المسانيد الْكِبَار وَالصغَار ، وَسَأَلت من لَقيته من أهل الْعلم بِالنَّقْلِ عَنهُ ، فَلم أجد لَهُ غير طَرِيقين : أَحدهمَا : مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، عَن حَفْص بن عمر ، عَن شُعْبَة ، عَن أبي عون ، عَن الْحَارِث بن عَمْرو ابن أخي الْمُغيرَة بن شُعْبَة ، عَن أنَاس من أهل حمص من أَصْحَاب معَاذ ، عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - . وَثَانِيهمَا : عَن مُحَمَّد بن جَابر اليمامي ، عَن أَشْعَث بن أبي الشعْثَاء ، عَن رجل من ثَقِيف ، عَن معَاذ ، عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - . وَالطَّرِيق الأول مَدَاره عَلَى الْحَارِث بن عَمْرو وَهُوَ مَجْهُول .
وأناس من حمص لَا يعْرفُونَ ، وَلم يبين أَنهم سَمِعُوهُ من معَاذ . قَالَ : وبمثل هَذَا الْإِسْنَاد لَا يعْتَمد فِي أصل من أصُول الشَّرِيعَة ، وَيحمل بذا الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع . وَالطَّرِيق الثَّانِي : رَوَاهُ مُحَمَّد بن جَابر اليمامي - عَلَى ضعفه - عَن أَشْعَث ، عَن رجل من ثَقِيف وَرجل لَا يعرف لَا يعْتَمد عَلَيْهِ .
ثمَّ نقل كَلَام ابْن عدي فِي كَامِله الَّذِي قدمْنَاهُ أَولا ، ثمَّ قَالَ : وأقبح مَا رَأَيْت عَلَى هَذَا الحَدِيث قَول الْجُوَيْنِيّ فِي كِتَابه أصُول الْفِقْه فِي بَاب إِثْبَات الْقيَاس : والعمدة فِي هَذَا الْبَاب عَلَى حَدِيث معَاذ . قَالَ : وَهَذِه زلَّة مِنْهُ آفتها التَّقْلِيد ، وَلَو كَانَ عَالما بِالنَّقْلِ لم يرتكب هَذِه الْجَهَالَة ؛ لِأَنَّهُ جعل عمدته حَدِيثا بِهَذَا الْوَهم الْوَاضِح . قَالَ : ثمَّ يَقُول : قد رَأينَا الْأَحَادِيث الْوَاضِحَة الْمُتَّصِلَة المخرجة فِي الْكتب الْمَعْرُوفَة تصرح بِخِلَاف هَذَا ؛ فَمن ذَلِك حَدِيث أبي مُوسَى أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لما بعث معَاذًا إِلَى الْيمن وَأَبا مُوسَى قَالَ لَهما : يسرا وَلَا تعسرا ، وتطاوعا وَلَا تنفرا .
فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى : إِن لنا شرابًا يصنع بأرضنا من الْعَسَل يُقَال لَهُ : البتع ، وَمن الشّعير يُقَال : المزر ؟ فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : كل مُسكر حرَام . حَدِيث مخرج فِي الصَّحِيح وَغَيرهَا من الْكتب ، لم يخْتَلف فِي صِحَّته اثْنَان من أهل الْمعرفَة فيظن بِخِلَاف مَا ورد فِي الحَدِيث الْمُتَقَدّم الْمَقْطُوع الْمَجْهُول رُوَاته ، وَأَن الْوَصِيَّة كَانَت لَهما ، وَلَيْسَ فِيهِ شَيْء من ذَلِك . قَالَ : وَمِمَّا يدل عَلَى إبِْطَال حَدِيث معَاذ أَيْضا أَنا وجدنَا معَاذًا لما سُئِلَ لما لم يكن عِنْده فِيهِ نَص توقف وَلم يجْتَهد رَأْيه ، من ذَلِك مَا رَوَى طَاوس عَنهُ قَالَ : أُتِي معَاذ بن جبل بوقص الْبَقر وَالْعَسَل حسب ، فَقَالَ : لم يَأْمُرنِي النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فيهمَا بِشَيْء ، وَرَوَى التِّرْمِذِيّ فِي سننه ( وعن موسى بن طلحة ) عن عيسى بن طلحة ، عن معاذ ، أنه كتب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يسأله عَن الخضراوات وهي الْبُقُول ، فَقَالَ : لَيْسَ فِيهَا شَيْء قَالَ : وَمِمَّا يدل عَلَى بُطْلَانه مَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه عَن عبد الرَّحْمَن بن غنم ، عَن معَاذ قَالَ : لما بَعَثَنِي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا تقضين وَلَا تفصلن إِلَّا بِمَا تعلم ، فَإِن أشكل عَلَيْك أَمر فقف حَتَّى تبينه أَو تكْتب إِلَيّ فِيهِ .
قَالَ ابْن طَاهِر : فقد صَحَّ عِنْدِي فَسَاد حَدِيث معَاذ الْمَذْكُور لما أوضحته من وَهن إِسْنَاده ، وَبِمَا أتبعته من الْأَحَادِيث الْمُتَّصِلَة المخرجة فِي الصَّحِيح ، وَوَجَب ترك الِاحْتِجَاج بِهِ . هَذَا ملخص كَلَامه فِي التَّأْلِيف الْمَذْكُور . الحَدِيث الَّذِي أوردهُ من طَرِيق ابْن مَاجَه عجبت مِنْهُ سُكُوته عَلَى إِسْنَاده ، وَفِيه مُحَمَّد بْن (سعيد) المصلوب وَهُوَ كَذَّاب وَضاع كَمَا أسلفته فِي كتاب الْجِنَايَات ، وَقَالَ أَبُو عمر وَعُثْمَان بن الإِمَام أبي عَلّي حسن بن عَلّي بن دحْيَة إرشاد البائنية وَالرَّدّ عَلَى المعتدي مِمَّا وهم فِيهِ الْفَقِيه أَبُو بكر ابْن الْعَرَبِيّ : هَذَا الحَدِيث لَا أصل لَهُ ، وَرِجَاله مَجْهُولُونَ ، وَلَا يَصح عِنْد أحد من الْأَئِمَّة النقاد ، وَهُوَ حَدِيث مَشْهُور عِنْد ضعفاء أهل الْفِقْه لَا أصل لَهُ ، يُوجب إطراحه .
وَقَالَ : أحسن مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَاب مَا رَوَاهُ الشّعبِيّ عَن شُرَيْح القَاضِي أَنه كتب إِلَى عمر بن الْخطاب يسْأَله فَكتب إِلَيْهِ عمر أَن اقْضِ بِمَا [ فِي ] كتاب الله ، فَإِن لم يكن فِي كتاب الله فَفِي سنة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَإِن لم [ يكن ] فِي سنة رَسُول الله ، وَإِلَّا فبمَا قَضَى بِهِ الصالحون ، فَإِن لم يكن فِي كتاب الله وَلَا سنة رَسُول الله فَإِن شِئْت فَقدم وَإِن شِئْت فَأخر ، وَلَا أرَى لنا خيرا إِلَّا خيرا لَك وَالسَّلَام عَلَيْك ، فقد اتَّضَح بِحَمْد الله وَمِنْه ضعف هَذَا الحَدِيث ، وَصَحَّ دعوانا الْإِجْمَاع فِي ذَلِك ، وَالْحَمْد لله عَلَى ذَلِك وَأَمْثَاله . وَلم يصب بعض العصريين فِيمَا وَضعه عَلَى أَدِلَّة التَّنْبِيه حَيْثُ قَالَ : عقب قَول التِّرْمِذِيّ إِنَّه لَيْسَ بِمُتَّصِل : بل هُوَ حَدِيث مَشْهُور ، اعْتمد عَلَيْهِ أَئِمَّة الْإِسْلَام فِي إِثْبَات الْقيَاس . وَكَأَنَّهُ جنح إِلَى قَول إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَان أَن الشَّافِعِي احْتج ابْتِدَاء عَلَى إِثْبَات الْقيَاس بِهِ ، ثمَّ وهم الإِمَام فَقَالَ : والْحَدِيث مدون فِي الصِّحَاح مُتَّفق عَلَى صِحَّته لَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ تَأْوِيل .
هَذَا كَلَامه وَهُوَ من الْأَعَاجِيب . فَائِدَة : مِمَّا يدل عَلَى إِبَاحَة المقايسات فِي الدَّين كَمَا نبه عَلَيْهِ ابْن حبَان فِي صَحِيحه الحَدِيث الصَّحِيح عَن أبي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : مثل الجليس الصَّالح وَمثل جليس السوء كحامل الْمسك ونافخ الْكِير ، فحامل الْمسك إِمَّا أَن تبْتَاع مِنْهُ ، وَإِمَّا أَن تَجِد [ مِنْهُ ] ريحًا طيبَة ، ونافخ الْكِير إِمَّا أَن يحرق ثِيَابك ، وَإِمَّا أَن تَجِد مِنْهُ ريحًا خبيثة .