الحَدِيث الرَّابِع لَا يَجْزِي ولدٌ وَالِده إِلَّا أَن يجده مَمْلُوكا فيشتريه فيعتقه
الحَدِيث الرَّابِع عَن أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا يَجْزِي ولدٌ وَالِده إِلَّا أَن يجده مَمْلُوكا فيشتريه فيعتقه . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، (أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه ) بِهَذَا اللَّفْظ ، وَقد ذكره الرَّافِعِيّ فِي بَاب خِيَار الْمجْلس أَيْضا كَمَا عَلمته هُنَاكَ ، وَورد حَدِيث عَام فِي ذَلِك لَهُ طَرِيقَانِ جيدان (كَانَ رُوِيَ من طَرِيق عَائِشَة بِإِسْنَاد ضَعِيف ، [ و ] من حَدِيث عَلّي بإسنادٍ ساقطٍ) . الطَّرِيق الأول : عَن الْحسن ، عَن سَمُرَة مَرْفُوعا : من ملك ذَا رحم محرم فهر حر .
رَوَاهُ أَحْمد وَالْأَرْبَعَة ، وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد : فَهُوَ عَتيق ، وَقد سلف الْكَلَام فِي سَماع الْحسن من سَمُرَة وَاضحا فِي آخر بَاب كَيْفيَّة الصَّلَاة ، قَالَ أَبُو دَاوُد : لم يحدث بِهَذَا الحَدِيث عَن الْحسن إِلَّا حَمَّاد بن سَلمَة ، وَقد شكّ فِيهِ . قَالَ : وَشعْبَة أحفظ من حَمَّاد ، يَعْنِي أَن شُعْبَة رَوَاهُ مُرْسلا . قَالَ الْخطابِيّ : أَرَادَ أَبُو دَاوُد من هَذَا [ أَن ] الحَدِيث لَيْسَ بمرفوع ، أَو لَيْسَ بِمُتَّصِل إِنَّمَا هُوَ عَن الْحسن عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا الحَدِيث لَا نعرفه مُسْندًا إِلَّا من حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة .
ثمَّ يشك فِيهِ ، ثمَّ يُخَالِفهُ غَيره فِيهِ ، من هم أحفظ مِنْهُ وَجب التَّوَقُّف فِيهِ ، وَقد أَشَارَ البُخَارِيّ إِلَى تَضْعِيف هَذَا الحَدِيث ، وَقَالَ عَلّي ابن الْمَدِينِيّ : هَذَا حَدِيث مُنكر . الطَّرِيق الثَّانِي : عَن ضَمرَة بن ربيعَة ، عَن سُفْيَان ، عَن عبد الله بن دِينَار ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمُتَقَدّم ، رَوَاهُ ابْن مَاجَه كَذَلِك ، وَالنَّسَائِيّ بِلَفْظ : من ملك ذَا رحم فَهُوَ عَتيق ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث مُنكر ، وَلَا نَعْرِف أحدا رَوَاهُ عَن سُفْيَان غير ضَمرَة بن ربيعَة ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : لم يُتَابع ضَمرَة عَلَى هَذَا الحَدِيث ، وَهُوَ حَدِيث خطأ عِنْد أهل الحَدِيث . وَأما الْبَيْهَقِيّ فَقَالَ إِثْر الطَّرِيقَة الْمُتَقَدّمَة : وَرُوِيَ بِإِسْنَاد آخر وهم فِيهِ رَاوِيه .
ثمَّ ذكره من حَدِيث ضَمرَة عَن الثَّوْريّ كَمَا تقدم ، ثمَّ قَالَ : قَالَ سُلَيْمَان - يَعْنِي الطَّبَرَانِيّ - : لم يروه عَن سُفْيَان إِلَّا ضَمرَة ، ثمَّ قَالَ : هَذَا وهم فَاحش ، وَالْمَحْفُوظ بِهَذَا الْإِسْنَاد حَدِيث : نهَى عَن بيع الْوَلَاء وَعَن هِبته . وَلقَائِل أَن يَقُول : لَيْسَ انْفِرَاد ضَمرَة بِهِ دَلِيلا عَلَى أَنه غير مَحْفُوظ ، وَلَا يُوجب ذَلِك عَلَيْهِ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ من الثِّقَات المأمونين لم يكن بِالشَّام رجل يُشبههُ ، كَذَا قَالَ ابْن حَنْبَل ، وَقَالَ ابْن سعد : كَانَ ثِقَة مَأْمُونا لم يكن أفضل مِنْهُ ، وَقَالَ أَبُو سعيد بن يُونُس : كَانَ فَقِيه أهل فلسطين فِي زَمَانه . والْحَدِيث إِذا انْفَرد بِهِ [ ثِقَة ] كَانَ صَحِيحا وَلَا يضرّهُ تفرده ، فَلَا أَدْرِي من أَيْن وهم فِي هَذَا الحَدِيث رَاوِيه .
وَيُؤَيّد هَذَا أَن الْحَاكِم أَبَا عبد الله شيخ الْبَيْهَقِيّ أخرج حَدِيث ضَمرَة هَذَا ، ثمَّ قَالَ : وَحدثنَا أَبُو عَلّي بِإِسْنَادِهِ سَوَاء : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن بيع الْوَلَاء وَعَن هِبته ، ثمَّ قَالَ : هما محفوظان ، وَحَدِيث ضَمرَة صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ ، وَشَاهده حَدِيث سَمُرَة ، وَقَالَ : وَهُوَ مَحْفُوظ صَحِيح ، وَقَالَ عبد الْحق فِي أَحْكَامه : علل هَذَا الحَدِيث بِأَن ضَمرَة تفرد بِهِ وَلم يُتَابع عَلَيْهِ . قَالَ : وَقَالَ بعض الْمُتَأَخِّرين : لَيْسَ انْفِرَاد ضَمرَة بِهِ عِلّة فِيهِ ؛ لِأَن ضَمرَة ثِقَة ، والْحَدِيث صَحِيح إِذا أسْندهُ ثِقَة . قَالَ ابْن الْقطَّان : وَهَذَا صَوَاب ، وعني عبد الْحق بِبَعْض الْمُتَأَخِّرين ابْن حزم فَإِنَّهُ قَالَ : هَذَا خبر صَحِيح تقوم بِهِ الْحجَّة ؛ كل من رُوَاته ثِقَات ، وَإِذا انْفَرد بِهِ ضَمرَة كَانَ لَا يضر ، فَإِذا ادعوا أَنه أَخطَأ فِيهِ فَبَاطِل ؛ لِأَنَّهُ دَعْوَى بِلَا برهَان ، وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الْإِلْمَام : رَوَى ضَمرَة هَذَا الحَدِيث .
وخطئ [ فِيهِ ] وَلم يلْتَفت بَعضهم لذَلِك لكَون ضَمرَة ثِقَة لَا يضر انْفِرَاده بِهِ . قلت : فَإِن قيل : قد رَوَى ابْن مَاجَه وَالنَّسَائِيّ هَذَا الحَدِيث مَوْقُوفا أَيْضا . قلت : الرّفْع مقدم ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَة .
فَإِن قيل : قد روياه أَيْضا عَن قَتَادَة عَن عمر وَهَذَا مُرْسل ؛ لِأَن قَتَادَة لم يسمع من عمر ، فَإِن [ وَفَاة ] قَتَادَة بعد وَفَاة عمر بنيف وَثَلَاثِينَ سنة . قلت : قد علم مَا فِي تعَارض الْوَصْل والإرسال ، وَالصَّحِيح أَن الْوَصْل مقدم ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَة وَهِي مَقْبُولَة مُوَافقَة .