تَفْنِيدُ مَطَاعِنِهِ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ
تَفْنِيدُ مَطَاعِنِهِ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ : ثُمَّ طَعْنُهُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – بِقَوْلِهِ: إِنَّ الْقَمَرَ انْشَقَّ وَأَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ ، ثُمَّ نَسَبَهُ فِيهِ إِلَى الْكَذِبِ . وَهَذَا لَيْسَ بِإِكْذَابٍ لِابْنِ مَسْعُودٍ ، وَلَكِنَّهُ بَخْسٌ لِعَلَمِ النُّبُوَّةِ وَإِكْذَابٌ لِلْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ﴾فَإِنْ كَانَ الْقَمَرُ لَمْ يَنْشَقَّ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، وَكَانَ مُرَادُهُ: سَيَنْشَقُّ الْقَمَرُ فِيمَا بَعْدُ ، فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ : ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ﴾بِعَقِبِ هَذَا الْكَلَامِ ؟ . أَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قَوْمًا رَأَوْهُ مُنْشَقًّا فَقَالُوا : هَذَا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ مِنْ سِحْرِهِ ، وَحِيلَةٌ مِنْ حِيَلِهِ كَمَا قَدْ كَانُوا يَقُولُونَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَعْلَامِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ .
وَكَيْفَ صَارَتِ الْآيَةُ مِنْ آيَاتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْعَلَمُ مِنْ أَعْلَامِهِ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ أَنْ يَرَاهَا الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ وَالنَّفَرُ دُونَ الْجَمِيعِ ؟ أَوَلَيْسَ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يُخْبِرَ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانُ وَالنَّفَرُ وَالْجَمِيعُ ، كَمَا أَخْبَرَ مُكَلِّمُ الذِّئْبِ ، بِأَنَّ ذِئْبًا كَلَّمَهُ ، وَأَخْبَرَ آخَرُ بِأَنَّ بَعِيرًا شَكَا إِلَيْهِ ، وَأَخْبَرَ آخَرُ أَنَّ مَقْبُورًا لَفَظَتْهُ الْأَرْضُ . وَطَعْنُهُ عَلَيْهِ لِجَحْدِهِ سُورَتَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ يَعْنِي الْمُعَوِّذَتَيْنِ فَإِنَّ لِابْنِ مَسْعُودٍ فِي ذَلِكَ سَبَبًا ، وَالنَّاسُ قَدْ يَظُنُّونَ وَيَزِلُّونَ ، وَإِذَا كَانَ هَذَا جَائِزًا عَلَى النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ فَهُوَ عَلَى غَيْرِهِمْ أَجْوَزُ . وَسَبَبُهُ فِي تَرْكِهِ إِثْبَاتِهِمَا فِي مُصْحَفِهِ أَنَّهُ كَانَ يَرَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعَوِّذُ بِهِمَا الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ ، وَيُعَوِّذُ غَيْرَهُمَا ، كَمَا كَانَ يُعَوِّذُهُمَا بـِ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ فَظَنَّ أَنَّهُمَا لَيْسَتَا مِنَ الْقُرْآنِ ، فَلَمْ يُثْبِتْهُمَا فِي مُصْحَفِهِ .
وَبِنَحْوِ هَذَا السَّبَبِ أَثْبَتَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ فِي مُصْحَفِهِ افْتِتَاحَ دُعَاءِ الْقُنُوتِ ، وَجَعَلَهُ سُورَتَيْنِ لِأَنَّهُ كَانَ يَرَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْعُو بِهِمَا فِي الصَّلَاةِ دُعَاءً دَائِمًا ، فَظَنَّ أَنَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ . وَأَمَّا التَّطْبِيقُ فَلَيْسَ مِنْ فَرْضِ الصَّلَاةِ ، وَإِنَّمَا الْفَرْضُ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا . فَمَنْ طَبَّقَ فَقَدْ رَكَعَ ، وَمَنْ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَدْ رَكَعَ ، وَإِنَّمَا وَضْعُ الْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ أَوِ التَّطْبِيقُ مِنْ آدَابِ الرُّكُوعِ .
وَقَدْ كَانَ الْاخْتِلَافُ فِي آدَابِ الصَّلَاةِ ، فَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ يُقْعِي ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْتَرِشُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَوَرَّكُ ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ وَإِنْ كَانَ مُخْتَلِفًا . وَأَمَّا نِسْبَتُهُ إِيَّاهُ إِلَى الْكَذِبِ فِي حَدِيثِهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ، وَالسَّعِيدُ مَنْ سَعِدَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ . فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكْذِبَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ الْجَلِيلِ الْمَشْهُورِ ، وَيَقُولُ: حَدَّثَنِي الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ ، وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَوَافِرُونَ ، وَلَا يُنْكِرُهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ؟ وَلِأَيِّ مَعْنًى يَكْذِبُ مِثْلُهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَمْرٍ لَا يَجْتَذِبُ بِهِ إِلَى نَفْسِهِ نَفْعًا ، وَلَا يَدْفَعُ عَنْهُ ضُرًّا وَلَا يُدْنِيهِ مِنْ سُلْطَانٍ وَلَا رَعِيَّةٍ ، وَلَا يَزْدَادُ بِهِ مَالًا إِلَى مَالِهِ ؟ وَكَيْفَ يَكْذِبُ فِي شَيْءٍ قَدْ وَافَقَهُ عَلَى رِوَايَتِهِ عَدَدٌ ، مِنْهُمْ أَبُو أُمَامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَبَقَ الْعِلْمُ وَجَفَّ الْقَلَمُ ، وَقُضِيَ الْقَضَاءُ ، وَتَمَّ الْقَدَرُ بِتَحْقِيقِ الْكِتَابِ ، وَتَصْدِيقِ الرُّسُلِ بِالسَّعَادَةِ لِمَنْ آمَنَ وَاتَّقَى ، وَالشَّقَاءِ لِمَنْ كَذَّبَ وَكَفَرَ .
وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : ابْنَ آدَمَ بِمَشِيئَتِي كُنْتَ أَنْتَ الَّذِي تَشَاءُ لِنَفْسِكَ مَا تَشَاءُ ، وَبِإِرَادَتِي كُنْتَ . أَنْتَ الَّذِي تُرِيدُ لِنَفْسِكَ مَا تُرِيدُ ، وَبِفَضْلِي وَرَحْمَتِي أَدَّيْتَ إِلَيَّ فَرَائِضِي ، وَبِنِعْمَتِي قَوِيتَ عَلَى مَعْصِيَتِي . وَهَذَا الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَرْوِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ لَهُ : يَا غُلَامُ احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ ، وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ تَجِدْهُ أَمَامَكَ ، وَتَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ ، وَأَنَّ الْقَلَمَ قَدْ جَفَّ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .
وَكَيْفَ يَكْذِبُ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي أَمْرٍ يُوَافِقُهُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ ؟! يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ أَيْ جَعَلَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيْمَانَ كَمَا قَالَ فِي الرَّحْمَةِ: فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ الْآيَةَ . أَيْ سَأَجْعَلُهَا ، وَمَنْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَلْبِهِ الْإِيْمَانَ فَقَدْ قَضَى لَهُ بِالسَّعَادَةِ . وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ لِرَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ : إِنَّكَ لَا تُسَمِّي مَنْ أَحْبَبْتَ هَادِيًا ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَمِّي مَنْ يَشَاءُ هَادِيًا .
وَقَالَ : وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ كَمَا قَالَ : ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى ﴾وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَمَّى فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ ضَالِّينَ وَمَا سَمَّاهُمْ مُهْتَدِينَ . وَقَالَ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ . وَقَالَ : ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾وَأَشْبَاهُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ يَكْثُرُ وَيَطُولُ .
وَلَمْ يَكُنْ قَصْدُنَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْاحْتِجَاجَ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ فَنَذْكُرُ مَا جَاءَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ ، وَنَذْكُرُ فَسَادَ تَأْوِيلَاتِهِمْ وَاسْتِحَالَتَهَا ، وَقَدْ ذَكَرْتُ هَذَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كُتُبِي فِي الْقُرْآنِ . وَكَيْفَ يَكْذِبُ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي أَمْرٍ تُوَافِقُهُ عَلَيْهِ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ ، قَالَ بَعْضُ الرُّجَّازِ : يَا أَيُّهَا الْمُضْمِرُ هَمًّا لَا تُهَمْ إِنَّكَ إِنْ تُقْدَرْ لَكَ الْحُمَّى تُحَمْ وَلَوْ عَلَوْتَ شَاهِقًا مِنَ الْعَلَمِ كَيْفَ تَوَقِّيكَ وَقَدْ جَفَّ الْقَلَمْ وَقَالَ آخَرُ : هِيَ الْمَقَادِيرُ فَلُمْنِي أَوْ فَذَرْ إِنْ كُنْتُ أَخْطَأْتُ فَمَا أَخَطَا الْقَدَرْ وَقَالَ لَبِيَدٌ : إِنَّ تَقْوَى رَبِّنَا خَيْرُ نَفَلْ وَبِأَمْرِ اللَّهِ رَيْثِي وَعَجَلْ مَنْ هَدَاهُ سُبُلَ الْخَيْرِ اهْتَدَى نَاعِمَ الْبَالِ وَمَنْ شَاءَ أَضَلْ وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ : نَدِمْتُ نَدَامَةَ الْكُسَعِيِّ لَمَّا غَدَتْ مِنِّي مَطْلَقَةً نَوَارُ وَكَانَتْ جَنَّةً فَخَرَجْتُ مِنْهَا كَآدَمَ حِينَ أَخْرَجَهُ الضِّرَارُ وَلَوْ ضَنَّتْ يَدَايَ بِهَا وَنَفْسِي لَكَانَ عَلَيَّ لِلْقَدَرِ الْخِيَارُ وَقَالَ النَّابِغَةُ : وَلَيْسَ امْرُؤٌ نَائِلًا مِنْ هَوَاهُ شَيْئًا إِذَا هُوَ لَمْ يُكْتَبْ وَكَيْفَ يَكْذِبُ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي أَمْرٍ تُوَافِقُهُ عَلَيْهِ كُتُبُ اللَّهِ تَعَالَى؟! وَهَذَا وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ يَقُولُ : قَرَأْتُ فِي اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ كِتَابًا مِنْ كُتُبِ اللَّهِ تَعَالَى ، اثْنَانِ وَعِشْرُونَ مِنْهَا مِنَ الْبَاطِنِ وَخَمْسُونَ مِنَ الظَّاهِرِ ، أَجِدُ فِيهَا كُلَّهَا أَنَّ مَنْ أَضَافَ إِلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِنَ الْاسْتِطَاعَةِ فَقَدْ كَفَرَ . وَهَذِهِ التَّوْرَاةُ فِيهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِمُوسَى : ( اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ فَقُلْ لَهُ أَخْرِجْ إِلَيَّ بَنِي بَكْرِيٍّ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ أَرْضِ كَنْعَانَ إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ لِيَحْمَدُونِي ، وَيُمَجِّدُونِي وَيُقَدِّسُونِي ، اذْهَبْ إِلَيْهِ فَأَبْلِغْهُ وَأَنَا أُقْسِي قَلْبَهُ حَتَّى لَا يَفْعَلَ ) .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : بَكْرِيٌّ أَيْ : هُوَ لِي بِمَنْزِلَةِ أَوْلَادِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ ، وَهُوَ بَكْرِيٌّ أَيْ : أَوَّلُ مَنِ اخْتَرْتُهُ . وَقَالَ حَمَّادٌ رِوَايَةً عَنْ مُقَاتِلٍ : قَالَ لِي عَمْرُو بْنُ فَائِدٍ : يَأْمُرُ اللَّهُ بِالشَّيْءِ ، وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، أَمَرَ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنْ يَذْبَحَ ابْنَهُ وَهُوَ لَا يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَ ، قَالَ : إِنَّ تِلْكَ رُؤْيَا . قُلْتُ : رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ أَلَمْ تَسْمَعْهُ يَقُولُ : يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ وَهَذِهِ أُمَمُ الْعَجَمِ كُلُّهَا ، تَقُولُ بِالْإِثْبَاتِ بِالْقَدَرِ .
فَالْهِنْدُ تَقُولُ فِي كِتَابِ ( كَلِيلَةَ وَدِمْنَةَ ) وَهُوَ مِنْ جَيِّدِ كُتُبِهِمُ الْقَدِيمَةِ : الْيَقِينُ بِالْقَدَرِ لَا يَمْنَعُ الْحَازِمَ تَوَقِّيَ الْمَهَالِكِ ، وَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ النَّظَرُ فِي الْقَدَرِ الْمُغَيَّبِ ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِالْحَزْمِ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَنَحْنُ نَجْمَعُ تَصْدِيقًا بِالْقَدَرِ وَأَخْذًا بِالْحَزْمِ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَقَرَأْتُ فِي كُتُبِ الْعَجَمِ أَنَّ هُرْمُزَ سُئِلَ عَنِ السَّبَبِ الَّذِي بَعَثَ فَيْرُوزَ عَلَى غَزْوِ الْهَيَاطِلَةِ ، ثُمَّ الْغَدْرِ بِهِمْ فَقَالَ : إِنَّ الْعِبَادَ يَجْرُونَ مِنْ قَدَرِ رَبِّنَا وَمَشِيئَتِهِ ، فِيمَا لَيْسَ لَهُمْ صُنْعٌ مَعَهُ ، وَلَا يَمْلِكُونَ تَقَدُّمًا وَلَا تَأَخُّرًا عَنْهُ .
فَمَنْ كَانَتْ مَسْأَلَتُهُ عَمَّا سَأَلَ عَنْهُ وَهُوَ مُسْتَشْعِرٌ لِلْمَعْرِفَةِ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ ذَلِكَ لَا يَقْصِدُ بِمَسْأَلَتِهِ إِلَّا عَنِ الْعِلَّةِ الَّتِي جَرَى بِهَا الْمِقْدَارُ عَلَى مَنْ جَرَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ ، وَالسَّبَبُ الظَّاهِرُ الَّذِي أَدْرَكَتْهُ الْأَعْيُنُ مِنْهُ مُتَّبِعٌ لِمَا جَرَى عَلَيْهِ النَّاسُ فِي قَوْلِهِمْ : مَا صَنَعَ فُلَانٌ ؟ وَهُمْ يُرِيدُونَ مَا صُنِعَ بِهِ أَوْ صُنِعَ عَلَى يَدَيْهِ . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ : مَاتَ فُلَانٌ ، أَوْ عَاشَ فُلَانٌ . وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ فُعِلَ بِهِ ، فَذَلِكَ الْقَصْدُ مِنْ مَسْأَلَتِهِ وَمَنْ تَعَدَّى ذَلِكَ كَانَ الْجَهْلُ أَوْلَى بِهِ .
وَلَيْسَ حَمْلُنَا مَا حَمَلْنَا عَلَى الْمَقَادِيرِ فِي قِصَّتِهِ تَحَرِّيًا لِمَعْذِرَتِهِ ، وَلَا طَلَبًا لِتَحْسِينِ أَمْرِهِ ، وَلَا إِنْكَارًا أَنْ يَكُونَ مَا قُدِّرَ عَلَى الْمَخْلُوقِ مِنْ آثَارِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَسْتَطِيعُ دَفْعَ مَكْرُوهِهَا ، وَلَا اجْتِلَابَ مَحْمُودِهَا إِلَى نَفْسِهِ هُوَ السَّبَبُ الَّذِي يَجْرِي بِهِ مَا غُيِّبَ عَنَّا مِنْ ثَوَابِهِ وَعِقَابِهِ بِمَا حَتَمَ بِهِ عَدْلُ الْمُبْتَدِي لِخَلْقِهِ . وَأَمَّا حَدِيثُهُ الْآخَرُ الَّذِي نَسَبَهُ فِيهِ إِلَى الْكَذِبِ ، فَقَالَ : رَأَى قَوْمًا مِنَ الزُّطِّ ، فَقَالَ : هَؤُلَاءِ أَشْبَهُ مَنْ رَأَيْتُ بِالْجِنِّ لَيْلَةَ الْجِنَّ ، ثُمَّ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقِيلَ لَهُ : كُنْتَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ الْجِنِّ ؟ فَقَالَ: مَا شَهِدَهَا مِنَّا أَحَدٌ . فَادَّعَى فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ شَهِدَهَا ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ وَتَصْحِيحُهُ الْخَبَرَيْنِ عَنْهُ ، فَكَيْفَ يَصِحُّ هَذَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَعَ ثَاقِبِ فَهْمِهِ ، وَبَارِعِ عِلْمِهِ ، وَتَقَدُّمِهِ فِي السِّتَّةِ الَّذِينَ انْتَهَى إِلَيْهِمُ الْعِلْمُ بِهَا ، وَاقْتَدَتْ بِهِمُ الْأُمَّةُ مَعَ خَاصَّتِهِ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلُطْفِ مَحِلِّهِ .
وَكَيْفَ يَجُوزُ عَلَيْهِ أَنَّ يُقِرَّ بِالْكَذِبِ هَذَا الْإِقْرَارَ؟ فَيَقُولُ: الْيَوْمَ شَهِدْتُ وَيَقُولُ غَدًا: لَمْ أَشْهَدْ ، وَلَوْ جَهَدَ عَدُّوهُ أَنْ يَبْلُغَ مِنْهُ مَا بَلَغَهُ مِنْ نَفْسِهِ مَا قَدَرَ ، وَلَوْ كَانَ بِهِ خَبَلٌ أَوْ عَتَهٌ أَوْ آفَةٌ ، مَا زَادَ عَلَى مَا وَسَمَ بِهِ نَفْسَهُ . وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ لَا يُثْبِتُونَ حَدِيثَ الزُّطِّ ، وَمَا ذَكَرَ مِنْ حُضُورِهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ الْجِنِّ ، وَهُمُ الْقُدْوَةُ عِنْدَنَا فِي الْمَعْرِفَةِ بِصَحِيحِ الْأَخْبَارِ وَسَقِيمِهَا ، لِأَنَّهُمْ أَهْلُهَا وَالْمَعْنِيُّونَ بِهَا . وَكُلُّ ذِي صِنَاعَةٍ أَوْلَى بِصِنَاعَتِهِ .
غَيْرَ أَنَّا لَا نَشُكُّ فِي بُطْلَانِ أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ يُخْبِرُ النَّاسَ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ قَدْ كَذَبَ ، وَلَا تَسْقُطُ عِنْدَهُمْ مَرْتَبَتُهُ وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَقِيلَ لَهُ: فَلِمَ خَبَّرْتَنَا أَمْسِ بِأَنَّكَ شَهِدْتَ ؟ . فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَالَ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ فَقَدْ سَقَطَ الْخَبَرُ الْأَوَّلُ ، وَإِنْ كَانَ الْحَدِيثَانِ جَمِيعًا صَحِيحَيْنِ فَلَا أَرَى النَّاقِلَ لِلْخَبَرِ الثَّانِي إِلَّا وَقَدْ أَسْقَطَ مِنْهُ حَرْفًا وَهُوَ ( غَيْرِي ) ، يَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ : قِيلَ لَهُ : أَكُنْتَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ الْجِنِّ ؟ فَقَالَ : مَا شَهِدَهَا أَحَدٌ مِنَّا غَيْرِي . فَأَغْفَلَ الرَّاوِي غَيْرِي إِمَّا بِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ ، أَوْ بِأَنَّهُ سَمِعَهُ فَنَسِيَهُ ، أَوْ بِأَنَّ النَّاقِلَ عَنْهُ أَسْقَطَهُ .
وَهَذَا وَأَشْبَاهُهُ قَدْ يَقَعُ وَلَا يُؤْمَنُ . وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : هَلْ كُنْتَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ الْجِنِّ ؟ فَقَالَ : مَا شَهِدَهَا أَحَدٌ مِنَّا . وَلَيْسَ هَذَا جَوَابًا لِقَوْلِهِ: هَلْ كُنْتَ ؟ وَإِنَّمَا هُوَ جَوَابٌ لِقَوْلِ السَّائِلِ : هَلْ كُنْتُمْ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ الْجِنِّ ؟ وَإِذَا كَانَ قَوْلُ السَّائِلِ: هَلْ كُنْتَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ الْجِنِّ ؟ حَسَنٌ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ مَا شَهِدَهَا أَحَدٌ مِنَّا غَيْرِي ، يُؤَكِّدُ ذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ مُتَقَدِّمِ قَوْلِهِ .