مَا حَكَاهُ النَّظَّامُ عَنْ حُذَيْفَةَ
مَا حَكَاهُ النَّظَّامُ عَنْ حُذَيْفَةَ : وَأَمَّا مَا حَكَاهُ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ حَلَفَ عَلَى أَشْيَاءَ لِعُثْمَانَ مَا قَالَهَا ، وَقَدْ سَمِعُوهُ قَالَهَا فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ: إِنِّي أَشْتَرِي دِينِي بَعْضَهُ بِبَعْضٍ مَخَافَةَ أَنْ يَذْهَبَ كُلَّهُ . فَكَيْفَ حَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى أَقْبَحِ وُجُوهِهِ؟ وَلَمْ يَتَطَلَّبْ لَهُ الْعُذْرَ وَالْمَخْرَجَ ، وَقَدْ أَخْبَرَ بِهِ وَذَلِكَ قَوْلُهُ : أَشْتَرِي دِينِي بَعْضَهُ بِبَعْضٍ ، أَفَلَا تَفَهَّمَ عَنْهُ مَعْنَاهُ ، وَتَدَبَّرَ قَوْلَهُ ؟ وَلَكِنَّ عَدَاوَتَهُ لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا احْتَمَلَهُ مِنَ الضِّغْنِ عَلَيْهِمْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّظَرِ . وَالْعَدَاوَةُ وَالْبُغْضُ يُعْمِيَانِ وَيُصِمَّانِ ، كَمَا أَنَّ الْهَوَى يُعْمِي وَيُصِمُّ .
وَاعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ أَنَّ الْكَذِبَ وَالْحِنْثَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ أَوْلَى بِالْمَرْءِ وَأَقْرَبُ إِلَى اللَّهِ مِنَ الصِّدْقِ فِي الْقَوْلِ وَالْبِرِّ فِي الْيَمِينِ . أَلَّا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ رَأَى سُلْطَانًا ظَالِمًا وَقَادِرًا قَاهِرًا يُرِيدُ سَفْكَ دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهَدٍ بِغَيْرِ حَقٍّ ، أَوِ اسْتِبَاحَةَ حُرَمِهِ ، أَوْ إِحْرَاقِ مَنْزِلِهِ فَتَخَرَّصَ قَوْلًا كَاذِبًا يُنْجِيهِ بِهِ ، أَوْ حَلَفَ يَمِينًا فَاجِرَةً كَانَ مَأْجُورًا عِنْدَ اللَّهِ مَشْكُورًا عِنْدَ عِبَادِهِ ؟ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا حَلَفَ: لَا يَصِلُ رَحِمًا ، وَلَا يُؤَدِّي زَكَاةً ثُمَّ اسْتَفْتَى الْفُقَهَاءَ لَأَفْتَوْهُ جَمِيعًا بِأَنْ لَا يَبَرَّ فِي يَمِينِهِ وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ : وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ . يُرِيدُ : لَا تَجْعَلُوا الْحَلِفَ بِاللَّهِ مَانِعًا لَكُمْ مِنَ الْخَيْرِ إِذَا حَلَفْتُمْ أَنْ لَا تَأْتُوهُ ، وَلَكِنْ كَفِّرُوا وَائْتُوا الَّذِي هُوَ خَيْرٌ .
وَكَذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ ، فَرَأَى غَيْرَهُ خَيْرًا مِنْهُ فَلْيُكَفِّرْ ، وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ . وَقَدْ رُخِّصَ فِي الْكَذِبِ فِي الْحَرْبِ لِأَنَّهَا خُدْعَةٌ وَفِي الْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ وَفِي إِرْضَاءِ الرَّجُلِ أَهْلَهُ وَرُخِّصَ لَهُ أَنْ يُوَرِّيَ فِي يَمِينِهِ إِلَى شَيْءٍ إِذَا ظُلِمَ أَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ ، وَالتَّوْرِيَةُ: أَنْ يَنْوِيَ غَيْرَ مَا نَوَى مُسْتَحْلِفُهُ . كَأَنْ كَانَ مُعْسِرًا ، أَحْلَفَهُ رَجُلٌ عِنْدَ حَاكِمٍ عَلَى حَقٍّ لَهُ عَلَيْهِ ، فَخَافَ الْحَبْسَ ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِإِنْظَارِهِ ؛ فَيَقُولُ : وَاللَّهِ مَا لِهَذَا عَلَيَّ شَيْءٌ ، وَيَقُولُ فِي نَفْسِهِ يَوْمِي هَذَا .
أَوْ يَقُولُ : وَالَّلاهِ ، يُرِيدُ مِنَ اللَّهْوِ إِلَّا أَنَّهُ حَذَفَ الْيَاءَ وَأَبْقَى الْكَسْرَةَ مِنْهَا دَلِيلًا عَلَيْهَا ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا وَ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ وَيُنَادِ الْمُنَادِ . أَوْ يَقُولُ : كُلُّ مَا لَا أَمْلِكُهُ صَدَقَةٌ ، يُرِيدُ كُلُّ مَا لَنْ أَمْلِكَهُ أَيْ: لَيْسَ أَمْلِكُهُ . وَأَنْ يُحْلِفَهُ رَجُلٌ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ بَابِ هَذِهِ الدِّيَارِ - وَهُوَ لَهُ ظَالِمٌ - فَيَتَسَوَّرُ الْحَائِطَ وَيَخْرُجُ ، مُتَأَوِّلًا بِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ بَابِ الدَّارِ ، وَإِنْ كَانَتْ نِيَّةُ الْمُسْتَحْلِفِ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْهَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ فَهَذَا وَمَا أَشْبَهُهُ مِنَ التَّوْرِيَةِ .