حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تأويل مختلف الحديث

الرُّخْصَةُ فِي الْمَعَارِيضِ

الرُّخْصَةُ فِي الْمَعَارِيضِ : وَجَاءَتِ الرُّخْصَةُ فِي الْمَعَارِيضِ وَقِيلَ: إِنَّ فِيهَا عَنِ الْكَذِبِ مَنْدُوحَةً . فَمِنَ الْمَعَارِيضِ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي امْرَأَتِهِ : إِنَّهَا أُخْتِي يُرِيدُ : أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ إِخْوَةٌ . وَقَوْلُهُ : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ أَرَادَ : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ ، فَجَعَلَ النُّطْقَ شَرْطًا لِلْفِعْلِ وَهُوَ لَا يَنْطِقُ وَلَا يَفْعَلُ .

وَقَوْلُهُ إِنِّي سَقِيمٌ يُرِيدُ سَأَسْقَمُ لِأَنَّ مَنْ كُتِبَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ وَالْفَنَاءُ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَسْقَمَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ . وَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَيِّتًا فِي وَقْتِهِ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ: إِنَّكَ سَتَمُوتُ وَسَيَمُوتُونَ . فَأَيْنَ كَانَ عَنْ طَلَبِ الْمَخْرَجِ لَهُ مِنْ وَجْهٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ ، وَقَدْ نَبَّهَهُ عَلَى أَنَّ لَهُ مَخْرَجًا بِقَوْلِهِ: أَشْتَرِي دِينِي بَعْضَهُ بِبَعْضٍ ، فَإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تَعْلَمَ كَيْفَ يَكُونُ طَلَبُ الْمُخْرِجِ خَبَّرْنَاكَ بِأَمْثَالِ ذَلِكَ ، فَمِنْهَا أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْخَوَارِجِ لَقِيَ رَجُلًا مِنَ الرَّوَافِضِ فَقَالَ لَهُ : وَاللَّهِ لَا أُفَارِقُكَ حَتَّى تَبْرَأَ مِنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ أَوْ أَقْتُلُكَ ، فَقَالَ: أَنَا وَاللَّهِ مِنْ عَلِيٍّ ، وَمِنْ عُثْمَانَ بَرِيءٌ ، فَتَخَلَّصَ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ: أَنَا مِنْ عَلِيٍّ يُرِيدُ أَنَّهُ يَتَوَلَّاهُ وَمِنْ عُثْمَانَ بَرِيءٌ فَكَانَتْ بَرَاءَتُهُ مِنْ عُثْمَانَ وَحْدَهُ .

وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ السُّلْطَانِ سَأَلَ رَجُلًا كَانَ يَتَّهِمُهُ بِبُغْضِ السُّلْطَانِ وَالْقَدْحِ فِيهِ عَنِ السَّوَادِ الَّذِي يَلْبَسُهُ أَصْحَابُ السُّلْطَانِ ، فَقَالَ لَهُ : النُّورُ وَاللَّهِ فِي السَّوَادِ ، فَرَضِيَ بِذَلِكَ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ نُورَ الْعَيْنِ فِي سَوَادِ الْحَدَقَةِ فَلَمْ يَكُنْ فِي يَمِينِهِ آثِمًا وَلَا حَانِثًا . وَمِنْهَا أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خَطَبَ فَقَالَ : ( لَئِنْ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ قَتَلَ عُثْمَانَ لَا أَدْخُلُهَا ، وَلَئِنْ لَمْ يَدْخُلِ النَّارَ إِلَّا مَنْ قَتَلَ عُثْمَانَ لَا أَدْخُلُهَا ) . فَقِيلَ لَهُ : مَا صَنَعْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ فَرَّقْتُ النَّاسَ ، فَخَطَبَهُمْ وَقَالَ : إِنَّكُمْ قَدْ أَكْثَرْتُمْ عَلَيَّ فِي قَتْلِ عُثْمَانَ أَلَا إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَتَلَهُ وَأَنَا مَعَهُ .

فَأَوْهَمَهُمْ أَنَّهُ قَتَلَهُ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَتَلَهُ وَسَيَقْتُلُنِي مَعَهُ . وَمِنْهَا أَنَّ شُرَيْحًا دَخَلَ عَلَى زِيَادٍ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ ، فَلَمَّا خَرَجَ بَعَثَ إِلَيْهِ مَسْرُوقٌ يَسْأَلُهُ ، كَيْفَ تَرَكْتَ الْأَمِيرَ ؟ قَالَ : تَرَكْتُهُ يَأْمُرُ وَيَنْهَى ، فَقَالَ : إِنَّ شُرَيْحًا صَاحِبٌ عَوِيصٌ فَاسْأَلُوهُ ، فَقَالَ : تَرَكْتُهُ يَأْمُرُ بِالْوَصِيَّةِ وَيَنْهَى عَنِ الْبُكَاءِ . وَسُئِلَ شُرَيْحٌ عَنِ ابْنٍ لَهُ وَقَدْ مَاتَ ، فَقَالُوا : كَيْفَ أَصْبَحَ مَرِيضُكَ يَا أَبَا أُمَيَّةَ ؟ فَقَالَ : الْآنَ سَكَنَ عَلَزُهُ وَرَجَاهُ أَهْلُهُ .

يَعْنِي: رَجَوْا ثَوَابَهُ . وَهَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحِيطَ بِهِ . وَلَيْسَ يَخْلُو حُذَيْفَةُ فِي قَوْلِهِ لِعُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَا قَالَ مِنْ تَوْرِيَةٍ إِلَى شَيْءٍ فِي يَمِينِهِ ، وَقَوْلِهِ: وَلَمْ يُحْكَ لَنَا الْكَلَامُ فَنَتَأَوَّلُهُ ، وَإِنَّمَا جَاءَ مُجْمَلًا .

وَسَنَضْرِبُ لَهُ مَثَلًا ؛ كَأَنَّ حُذَيْفَةَ قَالَ : وَالنَّاسُ يَقُولُونَ عِنْدَ الْغَضَبِ أَقْبَحَ مَا يَعْلَمُونَ ، وَعِنْدَ الرِّضَا أَحْسَنَ مَا يَعْلَمُونَ . إِنَّ عُثْمَانَ خَالَفَ صَاحِبَيْهِ ، وَوَضَعَ الْأُمُورَ فِي غَيْرِ مَوَاضِعِهَا ، وَلَمْ يُشَاوِرْ أَصْحَابَهُ فِي أُمُورِهِ ، وَدَفَعَ الْمَالَ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ ، هَذَا وَأَشْبَاهُهُ . فَوَشَى بِهِ إِلَى عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَاشٍ فَغَلَّظَ الْقَوْلَ ، وَقَالَ : ذُكِرَ أَنَّكَ تَقُولُ : إِنِّي ظَالِمٌ خَائِنٌ ، هَذَا وَمَا أَشْبَهُهُ .

فَحَلَفَ حُذَيْفَةُ بِاللَّهِ تَعَالَى مَا قَالَ ذَلِكَ ، وَصَدَقَ حُذَيْفَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ : إِنَّ عُثْمَانَ خَائِنٌ ظَالِمٌ ، وَأَرَادَ بِيَمِينِهِ اسْتِلَالَ سَخِيمَتِهِ ، وَإِطْفَاءَ سَوْرَةَ غَضَبِهِ وَكَرِهَ أَنْ يَنْطَوِيَ عَلَى سُخْطِهِ عَلَيْهِ ، وَسُخْطُ الْإِمَامِ عَلَى رَعِيَّتِهِ كَسُخْطِ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ ، وَالسَّيِّدِ عَلَى عَبْدِهِ ، وَالْبَعْلِ عَلَى زَوْجِهِ . بَلْ سُخْطُ الْإِمَامِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ حُوبًا ؛ فَاشْتَرَى الْأَعْظَمَ مِنْ ذَلِكَ بِالْأَصْغَرِ وَقَالَ : أَشْتَرِي بَعْضَ دِينِي بِبَعْضٍ .

موقع حَـدِيث