الرَّدُّ عَلَى مَا قِيلَ فِي أَبِي هُرَيْرَةَ
الرَّدُّ عَلَى مَا قِيلَ فِي أَبِي هُرَيْرَةَ : وَأَمَّا طَعْنُهُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ بِتَكْذِيبِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَعَائِشَةَ لَهُ ، فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِ سِنِينَ وَأَكْثَرَ الرِّوَايَةَ عَنْهُ ، وَعَمَّرَ بَعْدَهُ نَحْوًا مِنْ خَمْسِينَ سَنَةً . وَكَانَتْ وَفَاتُهُ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ ، وَفِيهَا تُوُفِّيَتْ أُمُّ سَلَمَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتُوُفِّيَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَبْلَهُمَا بِسَنَةٍ ، فَلَمَّا أَتَى مِنَ الرِّوَايَةِ عَنْهُ مَا لَمْ يَأْتِ بِمِثْلِهِ مَنْ صَحِبَهُ مِنْ جُلَّةِ أَصْحَابِهِ وَالسَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ إِلَيْهِ اتَّهَمُوهُ ، وَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ ، وَقَالُوا : كَيْفَ سَمِعْتَ هَذَا وَحْدَكَ ؟ وَمَنْ سَمِعَهُ مَعَكَ ؟ . وَكَانَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَشَدَّهُمْ إِنْكَارًا عَلَيْهِ لِتَطَاوُلِ الْأَيَّامِ بِهَا وَبِهِ .
وَكَانَ عُمَرُ أَيْضًا شَدِيدًا عَلَى مَنْ أَكْثَرَ الرِّوَايَةَ ، أَوْ أَتَى بِخَبَرٍ فِي الْحُكْمِ لَا شَاهِدَ لَهُ عَلَيْهِ . وَكَانَ يَأْمُرُهُمْ بِأَنْ يُقِلُّوا الرِّوَايَةَ ، يُرِيدُ بِذَلِكَ: أَنْ لَا يَتَّسِعَ النَّاسُ فِيهَا ، وَيَدْخُلُهَا الشَّوْبُ ، وَيَقَعُ التَّدْلِيسُ وَالْكَذِبُ مِنَ الْمُنَافِقِ وَالْفَاجِرِ وَالْأَعْرَابِيِّ . وَكَانَ كَثِيرٌ مِنْ جُلَّةِ الصَّحَابَةِ ، وَأَهْلِ الْخَاصَّةِ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَأَبِي بَكْرٍ وَالزُّبَيْرِ وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يُقِلُّونَ الرِّوَايَةَ عَنْهُ .
بَلْ كَانَ بَعْضُهُمْ لَا يَكَادُ يَرْوِي شَيْئًا كَسَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ ، وَهُوَ أَحَدُ الْعَشْرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ . وَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : كُنْتُ إِذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثًا نَفَعَنِي اللَّهُ بِمَا شَاءَ مِنْهُ ، وَإِذَا حَدَّثَنِي عَنْهُ مُحَدِّثٌ اسْتَحْلَفْتُهُ ، فَإِنْ حَلَفَ لِي صَدَّقْتُهُ ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ حَدَّثَنِي وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ . ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ .
أَفَمَا تَرَى تَشْدِيدَ الْقَوْمِ فِي الْحَدِيثِ وَتَوَقِّيَ مَنْ أَمْسَكَ ، كَرَاهِيَةَ التَّحْرِيفِ أَوِ الزِّيَادَةِ فِي الرِّوَايَةِ أَوِ النُّقْصَانِ؛ لِأَنَّهُمْ سَمِعُوهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَقُولُ : مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ . وَهَكَذَا رُوِيَ عَنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ رَوَاهُ وَقَالَ: أَرَاهُمْ يَزِيدُونَ فِيهِ مُتَعَمِّدًا وَاللَّهِ مَا سَمِعْتُهُ قَالَ : مُتَعَمِّدًا . وَرَوَى مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عُمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ : وَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأَرَى أَنِّي لَوْ شِئْتُ لَحَدَّثْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ، وَلَكِنْ بَطَّأَنِي عَنْ ذَلِكَ أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعُوا كَمَا سَمِعْتُ ، وَشَهِدُوا كَمَا شَهِدْتُ ، وَيُحَدِّثُونَ أَحَادِيثَ مَا هِيَ كَمَا يَقُولُونَ ، وَأَخَافُ أَنْ يُشَبَّهَ لِي كَمَا شُبِّهَ لَهُمْ ، فَأُعْلِمُكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَغْلَطُونَ لَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَعَمَّدُونَ .
فَلَمَّا أَخْبَرَهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ بِأَنَّهُ كَانَ أَلْزَمَهُمْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِخِدْمَتِهِ وَشَبِعَ بَطْنُهُ ، وَكَانَ فَقِيرًا مُعْدَمًا ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَشْغَلَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَرْسُ الْوَدِيِّ وَلَا الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ ، يُعَرِّضُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَصَرَّفُونَ فِي التِّجَارَاتِ وَيَلْزَمُونَ الضِّيَاعَ فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ ، وَهُوَ مُلَازِمٌ لَهُ لَا يُفَارِقُهُ ، فَعَرَفَ مَا لَمْ يَعْرِفُوا ، وَحَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظُوا - أَمْسَكُوا عَنْهُ ، وَكَانَ مَعَ هَذَا يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَذَا ، وَإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنَ الثِّقَةِ عِنْدَهُ ، فَحَكَاهُ . وَكَذَلِكَ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَفْعَلُ ، وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَلَيْسَ فِي هَذَا كَذِبٌ - بِحَمْدِ اللَّهِ - وَلَا عَلَى قَائِلِهِ - إِنْ لَمْ يَفْهَمْهُ السَّامِعُ - جُنَاحٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : قَالَ خَلِيلِي ، وَسَمِعْتُ خَلِيلِي ، يَعْنِي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ لَهُ : مَتَى كَانَ خَلِيلَكَ ؟ فَإِنَّ الْخُلَّةَ بِمَعْنَى الصَّدَاقَةِ وَالْمُصَافَاةِ ، وَهِيَ دَرَجَتَانِ ، إِحْدَاهُمَا أَلْطَفُ مِنَ الْأُخْرَى ، كَمَا أَنَّ الصُّحْبَةَ دَرَجَتَانِ إِحْدَاهُمَا أَلْطَفُ مِنَ الْأُخْرَى .
أَلَّا تَرَى أَنَّ الْقَائِلَ : أَبُو بَكْرٍ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُرِيدُ بِهَذَا الْقَوْلِ مَعْنَى صُحْبَةِ أَصْحَابِهِ لَهُ ؟ لِأَنَّهُمْ جَمِيعًا صَحَابَةٌ ، فَأَيَّةُ فَضِيلَةٍ لِأَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي هَذَا الْقَوْلِ ؟ وَإِنَّمَا يُرِيدُ أَنَّهُ أَخَصُّ النَّاسِ بِهِ . وَكَذَلِكَ الْأُخُوَّةُ الَّتِي جَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ أَصْحَابِهِ هِيَ أَلْطَفُ مِنَ الْأُخُوَّةِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ فَقَالَ : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ وَهَكَذَا الْخُلَّةُ . فَمِنَ الْخُلَّةِ الَّتِي هِيَ أَخَصُّ ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا ، يُرِيدُ : لَاتَّخَذْتُهُ خَلِيلًا ، كَمَا اتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا .
وَأَمَّا الْخُلَّةُ الَّتِي تَعُمُّ فَهِيَ الْخُلَّةُ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ : ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ﴾. فَلَمَّا سَمِعَ عَلِيٌّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : ( قَالَ خَلِيلِي وَسَمِعْتُ خَلِيلِي ) وَكَانَ سَيِّئَ الرَّأْيِ فِيهِ ، قَالَ : مَتَى كَانَ خَلِيلَكَ ؟ يَذْهَبُ إِلَى الْخُلَّةِ الَّتِي لَمْ يُتَّخَذْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ جِهَتِهَا خَلِيلًا ، وَأَنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِأَحَدٍ لَفَعَلَهُ بِأَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَذَهَبَ أَبُو هُرَيْرَةَ إِلَى الْخُلَّةِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْوِلَايَةِ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ خَلِيلُ كُلِّ مُؤْمِنٍ ، وَوَلِيُّ كُلِّ مُسْلِمٍ .
وَإِلَى مِثْلِ هَذَا يُذْهَبُ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ يُرِيدُ أَنَّ الْوِلَايَةَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ أَلْطَفُ مِنَ الْوِلَايَةِ الَّتِي بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ ، فَجَعَلَهَا لِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلَوْ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ مَا كَانَ لِعَلِيٍّ فِي هَذَا الْقَوْلِ فَضْلٌ ، وَلَا كَانَ فِي الْقَوْلِ دَلِيلٌ عَلَى شَيْءٍ ؛ لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ، وَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِيُّ كُلِّ مُسْلِمٍ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ وَلِيٍّ وَمَوْلًى . وَكَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَيَّةُ امْرَأَةٍ نُكِحَتْ بِغَيْرِ أَمْرِ مَوْلَاهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ . فَهَذِهِ أَقَاوِيلُ النَّظَّامِ قَدْ بَيَّنَّاهَا ، وَأَجَبْنَاهُ عَنْهَا .
وَلَهُ أَقَاوِيلُ فِي أَحَادِيثَ يَدَّعِي عَلَيْهَا أَنَّهَا مُنَاقِضَةٌ لِلْكِتَابِ ، وَأَحَادِيثَ يَسْتَبْشِعُهَا مِنْ جِهَةِ حُجَّةِ الْعَقْلِ . وَذَكَرَ أَنَّ حُجَّةِ الْعَقْلِ قَدْ تَنْسَخُ الْأَخْبَارَ ، وَأَحَادِيثَ يَنْقُضُ بَعْضُهَا بَعْضًا . وَسَنَذْكُرُهَا فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .