خَاتَمُ النَّبِيِّينَ
خَاتَمُ النَّبِيِّينَ . قَالُوا : رُوِّيتُمْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا نَبِيَّ بَعْدِي ، وَلَا أُمَّةَ بَعْدَ أُمَّتِي فَالْحَلَالُ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى لِسَانِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ رُوِّيتُمْ: إِنَّ الْمَسِيحَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَنْزِلُ فَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ وَيَزِيدُ فِي الْحَلَالِ . وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ : قُولُوا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاتَمَ الْأَنْبِيَاءِ ، وَلَا تَقُولُوا : لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ .
وَهَذَا تَنَاقُضٌ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا تَنَاقُضٌ وَلَا اخْتِلَافٌ لِأَنَّ الْمَسِيحَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَبِيٌّ مُتَقَدِّمٌ ، رَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى ثُمَّ يُنْزِلُهُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ عِلْمًا لِلسَّاعَةِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَقَرَأَ بَعْضُ الْقُرَّاءِ : وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ . وَإِذَا نَزَلَ الْمَسِيحُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَنْسَخْ شَيْئًا مِمَّا أَتَى بِهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَتَقَدَّمِ الْإِمَامَ مِنْ أُمَّتِهِ ، بَلْ يُقَدِّمُهُ وَيُصَلِّي خَلْفَهُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَيَزِيدُ فِي الْحَلَالِ فَإِنَّ رَجُلًا قَالَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ : مَا يَزِيدُ فِي الْحَلَالِ إِلَّا النِّسَاءُ ، فَقَالَ : وَذَاكَ ، ثُمَّ ضَحِكَ أَبُو هُرَيْرَةَ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَلَيْسَ قَوْلُهُ : يَزِيدُ الْحَلَّالَ ، أَنَّهُ يُحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَزَوَّجَ خَمْسًا وَلَا سِتًّا ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ الْمَسِيحَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَنْكِحِ النِّسَاءَ حَتَّى رَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ ، فَإِذَا أَهْبَطَهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَزَادَ فِيمَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ ، أَيِ : ازْدَادَ مِنْهُ ، فَحِينَئِذٍ لَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا عَلِمَ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَأَيْقَنَ أَنَّهُ بَشَرٌ . وَأَمَّا قَوْلُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قُولُوا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاتَمَ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا تَقُولُوا لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ .
فَإِنَّهَا تَذْهَبُ إِلَى نُزُولِ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَلَيْسَ هَذَا مِنْ قَوْلِهَا نَاقِضًا لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا نَبِيَّ بَعْدِي لِأَنَّهُ أَرَادَ لَا نَبِيَّ بَعْدِي ، يَنْسَخُ مَا جِئْتُ بِهِ ، كَمَا كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ - تَبْعَثُ بِالنُّسَخِ ، وَأَرَادَتْ هِيَ : لَا تَقُولُوا إِنَّ الْمَسِيحَ لَا يَنْزِلُ بَعْدَهُ .