4 حَدِيثٌ رَابِعٌ وَأَرْبَعُونَ لِيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيُصَلِّي الصُّبْحَ ، فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّفَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ . فِي هَذَا الْحَدِيثِ التَّغْلِيسُ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ ، وَهُوَ الْأَفْضَلُ عِنْدَنَا ; لِأَنَّهَا كَانَتْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، أَلَا تَرَى إِلَى كِتَابِ عُمَرَ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ صَلُّوا الصُّبْحَ وَالنُّجُومُ بَادِيَةٌ مُشْتَبِكَةٌ . وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَعَامَّةُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَقَدْ رُوِّينَا : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ كَانُوا يُغَلِّسُونَ بِالصُّبْحِ ، فَلَمَّا قُتِلَ عُمَرُ أَسْفَرَ بِهَا عُثْمَانُ . وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ التَّغْلِيسَ أَفْضَلُ مِنَ الإسفار بصلاة الصُّبْحِ حَدِيثُ أُمِّ فَرْوَةَ : ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ غَنَّامٍ ، عَنْ بَعْضِ أُمَّهَاتِهِ أَوْ جَدَّاتِهِ ، عَنْ أُمِّ فَرْوَةَ ، وَكَانَتْ قَدْ بَايَعَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا . وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ ، عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيِّ جَمِيعًا ، عَنِ الْعُمَرِيِّ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ غَنَّامٍ ، عَنْ بَعْضِ أُمَّهَاتِهِ ، عَنْ أُمِّ فَرْوَةَ قَالَتْ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا . وَذَهَبَ الْعِرَاقِيُّونَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا إِلَى الْإِسْفَارِ بِهَا ، وَقَالُوا : الْإِسْفَارُ بِهَا أَفْضَلُ . وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَهُمْ بِحَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ . وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ ، فَكُلَّمَا أَسْفَرْتُمْ ، فَهُوَ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ ، فَكُلَّمَا أَسَفَرْتُمْ ، فَهُوَ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْحَدِيثُ إِنَّمَا يَدُورُ عَلَى عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ ، وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ عَاصِمِ ابْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَسْفِرُوا بِصَلَاةِ الْغَدَاةِ ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِأَجْرِكُمْ . وَذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ - بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ - إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : أَصْبِحُوا بِالصُّبْحِ ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِأُجُورِكُمْ . وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ ، فَإِنَّهُ كُلَّمَا أَسَفَرْتُمْ كَانَ أَعْظَمَ لِلْأَجْرِ . وَحَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ ، فَكُلَّمَا أَسَفَرْتُمْ ، فَهُوَ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ - أَيْضًا - ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ الطَّائِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ : سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ لِمُؤَذِّنِهِ : أَسْفِرْ ، أَسْفِرْ ، يَعْنِي بِصَلَاةِ الصُّبْحِ . وَعَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ : كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُسْفِرُ بِصَلَاةِ الْغَدَاةِ . . قَالَ أَبُو عُمَرَ : عَلَى مَذْهَبِ عَلِيٍّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ فِي هَذَا الْبَابِ - جَمَاعَةُ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَطَاوُسٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ فُقَهَاءُ الْكُوفِيِّينَ ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْإِسْفَارُ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ ، يُرَادُ بِهِ وُضُوحُ الْفَجْرِ وَبَيَانُهُ ، فَإِذَا انْكَشَفَ الْفَجْرُ ، فَذَلِكَ الْإِسْفَارُ الْمُرَادُ ، - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الْعَرَبِ : أَسْفَرَتِ الْمَرْأَةُ عَنْ وَجْهِهَا إِذَا كَشَفَتْهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ كَانَ شَأْنُهُ التَّغْلِيسَ جِدًّا لَمْ يُؤمَنْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ قَبْلَ الْوَقْتِ ، فَلِهَذَا قِيلَ لَهُمْ : أَسْفِرُوا أَيْ تَبَيَّنُوا ، وَإِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فِي الْإِسْفَارِ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ : أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَدَاوُدُ . حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَارُودِ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ : قُلْتُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : مَا الْإِسْفَارُ ؟ فَقَالَ : الْإِسْفَارُ أَنْ يَتَّضِحَ الْفَجْرُ ، فَلَا تَشُكُّ فِيهِ أَنَّهُ قَدْ طَلَعَ الْفَجْرُ ، قَالَ إِسْحَاقُ كَمَا قَالَ . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ : قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ - : كَانَ أَبُو نُعَيْمٍ يَقُولُ فِي حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ : أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ وَكُلَّمَا أَسْفَرْتُمْ بِهَا ، فَهُوَ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ فَقَالَ : نَعَمْ كُلُّهُ سَوَاءٌ ، إِنَّمَا هُوَ إِذَا تَبَيَّنَ الْفَجْرُ ، فَقَدْ أَسْفَرَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَنْتَفِي التَّعَارُضُ وَالتَّدَافُعُ فِي الْأَحَادِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَهُوَ أَوْلَى مَا حُمِلَتْ عَلَيْهِ ، وَالْأَحَادِيثُ فِي التَّغْلِيسِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ أَثْبَتُ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ ، وَعَلَيْهَا فُقَهَاءُ الْحِجَازِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ عِنْدَ أَوَّلِ الْفَجْرِ الْآخِرِ . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : أَيُّ حِينٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ أُصَلِّيَ الصُّبْحَ إِمَامًا وَخِلْوًا ؟ قَالَ : حِينَ يَنْفَجِرُ الْفَجْرُ الْآخِرُ ، ثُمَّ يُطَوِّلُ فِي الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ حَتَّى يَنْصَرِفَ مِنْهَا وَقَدْ تَبَلَّجَ النَّهَارُ وَتَتَآمَ النَّاسُ قَالَ : وَلَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهَا حِينَ يَنْفَجِرُ الْفَجْرُ الْآخِرُ ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ بِسُورَةِ يُوسُفَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِنَّمَا ذَكَرْنَا هَاهُنَا مَذَاهِبَ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَفْضَلِ مِنَ التَّغْلِيسِ بِالصُّبْحِ وَالْإِسْفَارِ بِهَا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَوْقَاتَ الصَّلَوَاتِ مُجْمَلَةً وَمُفَسَّرَةً فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ ، وَجَرَى ذِكْرُ وَقْتِ صَلَاةِ الصُّبْحِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ شُهُودُ النِّسَاءِ فِي الصَّلَوَاتِ فِي الْجَمَاعَةِ ، وَيُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ : لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ . وَسَيَأْتِي هَذَا الْمَعْنَى مَبْسُوطًا مُمَهَّدًا فِي بَابِ يَحْيَى ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَوْلُهَا : لَوْ أَدْرَكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ بَعْدَهُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسْجِدَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : مُتَلَفِّفَاتٍ بِالْفَاءِ ، فَهِيَ رِوَايَةُ يَحْيَى ، وَتَابَعَهُ جَمَاعَةٌ ، وَرَوَاهُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ مُتَلَفِّعَاتٍ بِالْعَيْنِ ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ . وَالْمُرُوطُ : أَكْسِيَةُ الصُّوفِ ، وَقَدْ قِيلَ : الْمِرْطُ : كِسَاءُ صُوفٍ مُرَبَّعٌ سُدَاهُ شَعَرٌ . وَفِي انْصِرَافِ النِّسَاءِ مِنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصُّبْحَ ، وَهُنَّ لَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ لَمْ تَكُنْ بِالسُّوَرِ الطِّوَالِ جِدًّا ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَمْ يَنْصَرِفْ إِلَّا مَعَ الْإِسْفَارِ . وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنْ لَا تَوْقِيتَ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ ، إِلَّا أَنَّهُمْ يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَكُونَ الصُّبْحُ وَالظُّهْرُ أَطْوَلَ قِرَاءَةً مِنْ غَيْرِهِمَا ، وَالْغَلَسُ بَقِيَّةُ اللَّيْلِ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ ، وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا جَعَلَ آخِرَ اللَّيْلِ طُلُوعَ الشَّمْسِ ، وُضَوْءَ الْفَجْرِ مِنَ الشَّمْسِ ، - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَالْغَبَشُ بِالشِّينِ الْمَنْقُوطَةِ وَالْبَاءِ : النُّورُ الْمُخْتَلِطُ بِالظُّلْمَةِ ، وَالْغَلَسُ وَالْغَبَشُ سَوَاءٌ ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَكُونُ الْغَلَسُ إِلَّا فِي آخِرِ اللَّيْلِ ، وَقَدْ يَكُونُ الْغَبَشُ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ وَفِي آخِرِهِ . وَأَمَّا الْغَبَسُ بِالْبَاءِ وَالسِّينِ ، فَغَلَطٌ عِنْدَهُمْ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ لَيُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّفَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ · ص 385 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث عائشة في انصراف النساء من صلاة الصبح بغلس · ص 215 4 حَدِيثٌ ثَالِثٌ 4 - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهَا قَالَتْ : إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيُصَلِّي الصُّبْحَ ، فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٌ بِمُرُوطِهِنَّ ، مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ . 255 - وَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى : مُتَلَفِّفَاتٌ بِالْفَاءِ ، وَتَابَعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّإِ ، وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ عَلَى مُتَلَفِّعَاتٍ بِالْعَيْنِ ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ ، وَالْمُرُوطُ : أَكْسِيَةُ الصُّوفِ ، وَقَدْ قِيلَ : الْمِرْطُ كِسَاءُ صُوفٍ سَدَاهُ شَعْرٌ . 256 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ : التَّغْلِيسُ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ ، وَهُوَ الْأَفْضَلُ عِنْدَنَا ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ، وَأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ . وَلَفْظُ حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ الْأَغْلَبَ مِنْ فِعْلِهِ ، وَالَّذِي كَانَ يُدَاوِمُ عَلَيْهِ ; لِقَوْلِهَا : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُصَلِّي الصُّبْحَ فِي وَقْتِ كَذَا ، أَوْ عَلَى صِفَةِ كَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فَعَلَهُ دَهْرَهُ ، أَوْ أَكْثَرَ دَهْرِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 257 - وَإِلَى التَّغْلِيسِ بِهَا ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَعَامَّةُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ ، وَهُوَ الْأَفْضَلُ عِنْدَهُمْ ، وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ . 258 - وَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ إِلَى الْإِسْفَارِ بِهَا عَلَى مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ عَنْهُمْ ، وَهُوَ أَفْضَلُ عِنْدَهُمْ مِنْ قَوْلِ طَاوُسٍ ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَجَمَاعَةٍ . 259 - وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : إِنَّمَا تَتَّفِقُ مَعَانِي آثَارِ هَذَا الْبَابِ بِأَنْ يَكُونَ دُخُولُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مُغَلِّسًا ، ثُمَّ يُطِيلُ الْقِرَاءَةَ حَتَّى يَنْصَرِفَ عَنْهَا مُسْفِرًا . 260 - وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ عَائِشَةَ ; لِأَنَّهَا حَكَتْ أَنَّ انْصِرَافَ النِّسَاءِ كَانَ وَهُنَّ لَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ . 261 - وَلَوْ قَرَأَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالسُّورِ الطُّوَالِ مَا انْصَرَفَ النَّاسُ إِلَّا وَهُمْ قَدْ أَسَفَرُوا بَلْ دَخَلُوا فِي الْإِسْفَارِ جِدًّا . 262 - أَلَا تَرَى إِلَى أَبِي بَكْرٍ حِينَ قَرَأَ بِالْبَقَرَةِ فِي رَكْعَتَيْ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَانْصَرَفَ ، فَقِيلَ لَهُ : كَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَطْلُعَ ، فَقَالَ : لَوْ طَلَعَتْ لَمَا وَجَدَتْنَا غَافِلِينَ ؟ 263 - وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَغَيْرُهُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّهُ صَلَّى خَلَفَ أَبِي بَكْرٍ ، فَذَكَرَهُ . 264 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : أَيُّ حِينٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ : أَنْ أُصَلِّيَ الصُّبْحَ إِمَامًا وَخِلْوًا ؟ قَالَ : حِينَ يَنْفَجِرُ الْفَجْرُ الْآخَرُ ، ثُمَّ تَطُولُ الْقِرَاءَةُ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ حَتَّى تَنْصَرِفَ مِنْهَا وَقَدْ تَبَلَّجَ النَّهَارُ وَتَتَامَّ النَّاسُ . 265 - وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يُصَلِّيهَا حِينَ يَنْفَجِرُ الْفَجْرُ الْآخَرُ ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ بِسُورَةِ يُوسُفَ . 266 - وَأَمَّا قَوْلُ عَطَاءٍ : الْفَجْرُ الْآخَرُ ، فَهُوَ مَأْخُوذٌ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - مِنْ حَدِيثٍ مُرْسَلٍ ذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ : هُمَا فَجْرَانِ : فَأَمَّا الَّذِي كَأَنَّهُ ذَنَبُ السِّرْحَانِ فَإِنَّهُ لَا يُحِلُّ شَيْئًا وَلَا يُحَرِّمُ ، وَأَمَا الْمُسْتَطِيرُ الَّذِي يَأْخُذُ الْأُفُقَ فَبِهِ تَحِلُّ الصَّلَاةُ وَيَحْرُمُ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِمِ . 267 - وَقَدْ غَلِطَ بَعْضُ مَنْ أَلَّفَ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّإِ فَزَعَمَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ رَوَاهُ ثَوْبَانُ ، عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَهَذَا غَلَطٌ بَيِّنٌ ، أَرْسَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ نَسَبٌ . 268 - وَرُوِيَ الْإِسْفَارُ وَالتَّنْوِيرُ بِالْفَجْرِ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَصْحَابِهِمَا ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ . 269 - وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قَالَ : صَلَّى بِنَا مُعَاوِيَةُ بِغَلَسٍ ، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : أَسْفِرُوا بِهَذِهِ الصَّلَاةِ ، فَإِنَّهُ أَفْقَهُ لَكُمْ . 270 - وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ : سَأَلْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَنِ الْإِسْفَارِ مَا هُوَ ؟ فَقَالَ : الْإِسْفَارُ أَنْ يَتَّضِحَ الْفَجْرُ ، فَلَا تَشُكَّ أَنَّهُ طَلَعَ الْفَجْرُ . 271 - قَالَ : وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ : هُوَ كَمَا قَالَ أَحْمَدُ . 272 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الْمُغِلِّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَارُودِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ الْكَوْسَجُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ . . فَذَكَرَهُ . قَالَ : وَقَالَ لِي إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ مِثْلَهُ . 273 - وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ مَسَائِلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ كُلُّهَا فِي هَذَا الْكِتَابِ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب وُقُوتِ الصَّلَاةِ · ص 80 4 - وَحَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ : إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ مَا يُعْرَفْنَ مِنْ الْغَلَسِ . 4 4 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ ) بْنِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيِّ أَبِي سَعِيدٍ الْمَدَنِيِّ قَاضِيهَا ، رَوَى عَنْ أَنَسٍ ، وَعَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ وَخَلْقٍ ، وَعَنْهُ مَالِكٌ وَالسُّفْيَانَانِ وَأَبُو حَنِيفَةَ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ مِنَ الْحُفَّاظِ ، قَالَ أَحْمَدُ : أَثْبَتُ النَّاسِ ، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ ، أَوْ بَعْدَهَا أَوْ قَبْلَهَا بِسَنَةٍ . ( عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ الْمَدَنِيَّةِ ، ثِقَةٌ حُجَّةٌ ، كَانَتْ فِي حِجْرِ عَائِشَةَ وَأَكْثَرَتْ عَنْهَا . قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ : هِيَ أَحَدُ الثِّقَاتِ الْعُلَمَاءِ بِعَائِشَةَ الْأَثْبَاتِ فِيهَا ، وَهِيَ وَالِدَةُ أَبِي الرِّجَالِ مَاتَتْ قَبْلَ الْمِائَةِ وَيُقَالُ بَعْدَهَا . ( عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهَا قَالَتْ : إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ النُّونِ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ وَاسْمُهَا ضَمِيرُ الشَّأْنِ وَاللَّامُ فِي ( لَيُصَلِّي الصُّبْحَ ) هِيَ الْفَارِقَةُ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ بَيْنَ الْمُخَفَّفَةِ وَالنَّافِيَةِ ، الْكُوفِيُّونَ يَجْعَلُونَهَا بِمَعْنَى إِلَّا وَإِنْ نَافِيَةً . ( فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ ) حَالُ كَوْنِهِنَّ ( مُتَلَفِّعَاتٍ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : رَوَاهُ يَحْيَى وَجَمَاعَةٌ بِفَاءَيْنِ ، وَرَوَاهُ كَثِيرُونَ بِفَاءٍ ثُمَّ عَيْنٍ مُهْمَلَةٍ ، وَعَزَاهُ عِيَاضٌ لِأَكْثَرِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ ، قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : التَّلَفُّعُ أَنْ يَشْتَمِلَ بِالثَّوْبِ حَتَّى يُجَلِّلَ بِهِ جَسَدَهُ . وَفِي النِّهَايَةِ : اللِّفَاعُ ثَوْبٌ يُجَلَّلُ بِهِ الْجَسَدُ كُلُّهُ ثَوْبًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ ، وَتَلَفَّعَ بِالثَّوْبِ اشْتَمَلَ بِهِ . وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ : التَّلَفُّعُ أَنْ يُلْقِيَ الثَّوْبَ عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ يَلْتَفَّ بِهِ لَا يَكُونُ الِالْتِفَاعُ إِلَّا بِتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ ، وَأَخْطَأَ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ مِثْلُ الِاشْتِمَالِ ، وَأَمَّا التَّلَفُّفُ فَيَكُونُ مَعَ تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ وَكَشْفِهِ ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُ عُبَيْدِ بْنِ الْأَبْرَصِ : كَيْفَ يَرْجُونَ سِقَاطِي بَعْدَمَا لَفَعَ الرَّأْسُ مَشِيبٌ وَصَلَعْ وَفِي شَرْحِ الْمُسْنَدِ لِلرَّافِعِيِّ : التَّلَفُّعُ بِالثَّوْبِ الِاشْتِمَالُ بِهِ . وَقِيلَ : الِالْتِحَافُ مَعَ تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ . ( بِمُرُوطِهِنَّ ) بِضَمِّ الْمِيمِ جَمْعُ مِرْطٍ - بِكَسْرِهَا - أَكْسِيَةٌ مِنْ صُوفٍ أَوْ خَزٍّ كَانَ يُؤْتَزَرُ بِهَا قَالَ : تَسَاهَمَ ثَوْبَاهَا فَفِي الدِّرْعِ دارة وَفِي الْمِرْطِ لَفَّاوَانِ رِدْفُهُمَا عَبْلُ قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ . وَقَالَ الرَّافِعِيُّ : كِسَاءٌ مِنْ صُوفٍ أَوْ خَزٍّ أَوْ كَتَّانٍ عَنِ الْخَلِيلِ ، وَيُقَالُ : هُوَ الْإِزَارُ ، وَيُقَالُ دِرْعُ الْمَرْأَةِ . وَفِي الْمُحْكَمِ : هُوَ الثَّوْبُ الْأَخْضَرُ . وَفِي مَجْمَعِ الْغَرَائِبِ : الْمُرُوطُ أَكْسِيَةٌ مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ ، وَعَنِ الْخَلِيلِ : أَكْسِيَةٌ مُعَلَّمَةٌ ، وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : هِيَ الْإِزَارُ . وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : لَا يَكُونُ الْمِرْطُ إِلَّا دِرْعًا وَهُوَ مِنْ خَزٍّ أَخْضَرَ ، وَلَا يُسَمَّى الْمِرْطَ إِلَّا الْأَخْضَرَ ، وَلَا يَلْبَسُهُ إِلَّا النِّسَاءُ . زَادَ بَعْضُهُمْ : أَنْ تَكُونَ مُرَبَّعَةً وَسَدَاهَا مِنْ شَعْرٍ . وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : كِسَاءُ صُوفٍ رَقِيقٌ خَفِيفٌ مُرَبَّعٌ كَانَ النِّسَاءُ يَأْتَزِرْنَ بِهِ وَيَتَلَفَّعْنَ . ( مَا يُعْرَفْنَ ) أَهُنَّ نِسَاءٌ أَمْ رِجَالٌ ؟ قَالَهُ الدَّاوُدِيُّ وَتَعَقَّبَ بِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ إِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْأَعْيَانِ ، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْمُرَادَ لَعَبَّرَ بِنَفْيِ الْعِلْمِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : يُحْتَمَلُ لَا تُعْرَفُ أَعْيَانُهُنَّ وَإِنْ عُرِفْنَ أَنَّهُنَّ نِسَاءٌ وَإِنْ كُنَّ مُكَشِّفَاتِ الْوُجُوهِ حَكَاهُ عِيَاضٌ ، وَحَذَفَ النَّوَوِيُّ الْجُمْلَةَ الْأَخِيرَةَ وَقَالَ : هَذَا ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّ الْمُتَلَفِّعَةَ فِي النَّهَارِ أَيْضًا لَا يُعْرَفُ عَيْنُهَا ، فَلَا يَبْقَى فِي الْكَلَامِ فَائِدَةٌ . قَالَ السُّيُوطِيُّ : وَمَعَ تَتِمَّةِ الْكَلَامِ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ لَا يَتَأَتَّى هَذَا الِاعْتِرَاضُ . وَفِي الْفَتْحِ مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ مِنْ أَنَّ الْمُتَلَفِّعَةَ بِالنَّهَارِ لَا تُعْرَفُ عَيْنُهَا ، فِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ امْرَأَةٍ هَيْئَةً غَيْرَ هَيْئَةِ الْأُخْرَى فِي الْغَالِبِ وَلَوْ كَانَ بَدَنُهَا مُغَطًّى . وَقَالَ الْبَاجِيُّ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُنَّ كُنَّ سَافِرَاتٍ ؛ إِذْ لَوْ كُنَّ مُتَنَقِّبَاتٍ لَمَنَعَ تَغْطِيَةُ الْوَجْهِ مِنْ مَعْرِفَتِهِنَّ لَا الْغَلَسُ . قُلْتُ : وَفِيهِ مَا فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاشْتِبَاهِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ النَّوَوِيُّ . وَأَمَّا إِنْ قُلْنَا : إِنَّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ هَيْئَةً غَالِبًا فَلَا يَلْزَمُ مَا ذَكَرَ ، انْتَهَى . ( مِنْ ) ابْتِدَائِيَّةٌ أَوْ تَعْلِيلِيَّةٌ ( الْغَلَسِ ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ بَقَايَا ظُلْمَةِ اللَّيْلِ يُخَالِطُهَا ظَلَامُ الْفَجْرِ ، قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَالْخَطَّابِيُّ ، وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : ظُلْمَةُ آخِرِ اللَّيْلِ إِذَا اخْتَلَطَتْ بِضَوْءِ الصَّبَاحِ ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ بَرْزَةَ : أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ لِأَنَّ هَذَا مَعَ التَّأَمُّلِ لَهُ أَوْ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ ، وَذَاكَ فِي نِسَاءٍ مُغَطِّيَاتِ الرُّءُوسِ بَعِيدَاتٍ عَنِ الرِّجَالِ ، قَالَهُ عِيَاضٌ وَفِيهِ نَدْبُ الْمُبَادَرَةِ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ أَوَّلَ وَقْتِهَا . وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ فَقَدْ حَمَلَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ عَلَى تَحَقُّقِ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَا تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ ، وَآخَرُونَ عَلَى اللَّيَالِي الْمُقْمِرَةِ فَإِنَّ الصُّبْحَ لَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا فَأَمَرَ بِالِاحْتِيَاطِ ، وَحَمَلَهُ الطَّحَاوِيُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْأَمْرُ بِتَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الصَّلَاةِ مُسْفِرًا ، وَأَبْعَدَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ نَاسِخٌ لِلصَّلَاةِ فِي الْغَلَسِ ، وَيَرُدُّهُ حَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ : أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْفَرَ بِالصُّبْحِ مَرَّةً ثُمَّ كَانَتْ صَلَاتُهُ بَعْدَ الْغَلَسِ حَتَّى مَاتَ لَمْ يَعُدْ إِلَى أَنْ يُسْفِرَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ مُغِيثِ بْنِ سُمَيٍّ قَالَ : صَلَّيْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الصُّبْحَ بِغَلَسٍ فَلَمَّا سَلَّمْتُ أَقْبَلْتُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ فَقُلْتُ : مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ ؟ قَالَ : هَذِهِ كَانَتْ صَلَاتُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، فَلَمَّا طُعِنَ عُمَرُ أَسْفَرَ بِهَا عُثْمَانُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ : مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّاهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا غَيْرَ ذَلِكَ الْيَوْمِ يَعْنِي الْفَجْرَ يَوْمَ الْمُزْدَلِفَةِ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ دَخَلَ فِيهَا مَعَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ ، فَفِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مَا يُشْعِرُ بِتَأْخِيرٍ يَسِيرٍ لَا أَنَّهُ صَلَّاهَا قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ ، وَفِيهِ جَوَازُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ لِشُهُودِ الصَّلَاةِ فِي اللَّيْلِ ، وَأُخِذَ مِنْهُ جَوَازُهُ نَهَارًا بِالْأَوْلَى لِأَنَّ اللَّيْلَ مَظِنَّةُ الرِّيبَةِ أَكْثَرُ ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يُخْشَ عَلَيْهِنَّ أَوْ بِهِنَّ فِتْنَةٌ ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى جَوَازِ صَلَاةِ الْمَرْأَةِ مُخْتَمِرَةَ الْأَنْفِ وَالْفَمِ فَكَأَنَّهُ جَعَلَ التَّلَفُّعَ صِفَةً لِشُهُودِ الصَّلَاةِ ، وَرَدَّهُ عِيَاضٌ بِأَنَّهَا إِنَّمَا أَخْبَرَتْ عَنْ هَيْئَةِ الِانْصِرَافِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَعْنِ بْنِ عِيسَى ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ .