25 حَدِيثٌ ثَامِنٌ لِابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ ( بْنِ الْمُسَيَّبِ ) ( مُرْسَلٌ ) مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قَفَلَ مِنْ خَيْبَرَ أَسْرَى حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ عَرَّسَ ، وَقَالَ لِبِلَالٍ : اكْلَأْ لَنَا الصُّبْحَ وَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ ، وَكَلَأَ بِلَالٌ مَا قُدِّرَ لَهُ ، ثُمَّ اسْتَنَدَ إِلَى رَاحِلَتِهِ وَهُوَ مُقَابِلُ الْفَجْرِ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ ، فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا بِلَالٌ ، وَلَا أَحَدٌ مِنَ الرَّكْبِ حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ فَفَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ بِلَالٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اقْتَادُوا فَبَعَثُوا رَوَاحِلَهُمْ وَاقْتَادُوا شَيْئًا ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَالًا ، فَأَقَامَ الصَّلَاةَ ، فَصَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ ، ثُمَّ قَالَ حِينَ قَضَى الصَّلَاةَ : مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ ، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا ، فَإِنَّ اللَّهَ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - يَقُولُ : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي . هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ ، عَنْ مَالِكٍ مُرْسَلًا جَمَاعَةُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ عَنْهُ ، لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَمَعْمَرٌ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْهُ ( ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ) مُرْسَلًا كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ . وَقَدْ وَصَلَهُ أَبَانُ ( الْعَطَّارُ ) ، عَنْ مَعْمَرٍ وَوَصَلَهُ الْأَوْزَاعِيُّ أَيْضًا وَيُونُسُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ أَثْبَتُ فِي مَعْمَرٍ مِنْ أَبَانَ الْعَطَّارِ . وَقَدْ وَصَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِيمَا ، حَدَّثَنَا بِهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ( قَالَ ) : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الرَّافِقِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو شُعَيْبٍ صَالِحُ بْنُ زِيَادٍ السُّوسِيُّ بِالرَّقَّةِ ، حَدَّثَنَا يَعْلَى ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ خَيْبَرَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ أَرَادَ التَّعْرِيسَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ ، فَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَسْنَدَ بِلَالٌ ظَهْرَهُ إِلَى بَعِيرِهِ ، فَاسْتَقْبَلَ الشَّرْقَ فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ فَنَامَ ، فَلَمْ يُوقِظْهُ إِلَّا الشَّمْسُ فَكَانَ أَوَّلَهُمْ رَفَعَ رَأْسَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَاذَا صَنَعْتَ ( بِنَا ) يَا بِلَالُ ؟ قَالَ : أَخَذَ بِنَفْسِي يَا رَسُولَ اللَّهِ الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ فَقَالَ : صدقت فَاقْتَادَ غَيْرَ كَبِيرٍ فَتَوَضَّأَ وَتَوَضَّأَ النَّاسُ ، ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ : إِذَا نَسِيتُمُ الصَّلَاةَ ، فَصَلُّوهَا إِذَا ذَكَرْتُمُوهَا ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ( وَأَمَّا حَدِيثُ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قَفَلَ مِنْ خَيْبَرَ سَارَ لَيْلَهُ حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْكَرَى عَرَّسَ ، وَقَالَ لِبِلَالٍ : اكْلَأْ لَنَا الصُّبْحَ وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ إِلَى آخِرِهِ ، قَالَ يُونُسُ : وَسَمِعْتُ ابْنَ شِهَابٍ يَقْرَؤُهَا لِلذِّكْرَى . وَوَصَلَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَمَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلَهُ : مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي نَوْمِهِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ آثَارٌ كَثِيرَةٌ مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى رَوَاهَا عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ مِنْهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وأبو مسعود وَأَبُو قَتَادَةَ ، وَذُو مِخْبَرٍ الْحَبَشِيُّ ، وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ . وَبَعْضُهُمْ ذَكَرَ أَنَّهُ أَذَّنَ وَأَقَامَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ وَبَعْضُهُمْ ذَكَرَ أَنَّهُ رَكَعَ رَكْعَتِيِ الْفَجْرِ وَبَعْضُهُمْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ ، وَالْحُجَّةُ فِي قَوْلِ مَنْ ذَكَرَ لَا فِي قَوْلِ مَنْ قَصَّرَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِيهِ فِي بَابِ مُرْسَلِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَةِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَاهُنَا . وَقَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قَفَلَ مِنْ خَيْبَرَ أَصَحُّ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّ ذَلِكَ ( كَانَ ) مَرْجِعَهُ مِنْ حُنَيْنٍ ، لِأَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَعْلَمُ ( النَّاسِ ) بِالسِّيَرِ وَالْمَغَازِي ، وَكَذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَلَا يُقَاسُ بِهِمَا الْمُخَالِفُ ( لَهُمَا ) فِي ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ ، وَأَهْلُ السِّيَرِ أَنَّ نَوْمَهُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي سَفَرِهِ كَانَ فِي ( حِينِ ) قُفُولِهِ مِنْ خَيْبَرَ ، وَقَدِ اخْتُلِفَ ، عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ فَرُوِيَ عَنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حِينَ قَفَلَ مِنْ خَيْبَرَ ، وَالْقُفُولُ الرُّجُوعُ مِنَ السَّفَرِ ، وَلَا يُقَالُ : ( قَفَلَ ) إِذَا سَافَرَ مُبْتَدِئًا ، قَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ : قَفَلَ الْجُنْدُ قُفُولًا وَقَفْلًا إِذَا رَجَعُوا ، وَقَفَلْتُهُمْ أَنَا أَيْضًا هَكَذَا ( عَلَى وَزْنِ ضَرَبْتُهُمْ ) وَهُمُ الْقَفْلُ . وَفِيهِ أَيْضًا خُرُوجُ الْإِمَامِ بِنَفْسِهِ فِي الْغَزَوَاتِ وَذَلِكَ سُنَّةٌ ، وَكَذَلِكَ إِرْسَالُهُ السَّرَايَا كُلُّ ذَلِكَ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ أَسْرَى ، فَفِيهِ لُغَتَانِ : سَرَى وَأَسْرَى ، قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَهَذَا رُبَاعِيٌّ ، وَقَالَ : امْرِؤُ الْقَيْسِ : سَرَيْتُ بِهِمْ حَتَّى تَكِلَّ مَطِيُّهُمْ وَحَتَّى الْجِيَادُ مَا يَقُدْنَ بِأَرْسَانِ وَهَذَا ثُلَاثِيٌّ وَقُرِئَ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي بِالْوَصْلِ وَالْقَطْعِ عَلَى الثُّلَاثِيِّ وَالرُّبَاعِيِّ جَمِيعًا ، وَقَالَ النَّابِغَةُ : ( أَسْرَتْ ) عَلَيْهِ مِنَ الْجَوْزَاءِ سَارِيَةٌ تُزْجِي الشَّمَالُ عَلَيْهِ جَامِدَ الْبَرَدِ فَجَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ ، وَالسُّرَى : مَشْيُ اللَّيْلِ وَسَيْرُهُ وَهِيَ لَفْظَةٌ مُؤَنَّثَةٌ ، قَالَ الشَّاعِرُ : وَلَيْلٍ وَصَلْنَا بَيْنَ قُطْرَيْهِ بِالسُّرَى وَقَدْ جَدَّ شَوْقُ مُطْمَعٍ فِي وِصَالِكِ أَرْبَتْ عَلَيْنَا مِنْ دُجَاهُ حَنَادِسُ أَعَدْنَ الطَّرِيقَ النَّهْجَ وَعْرَ الْمَسَالِكِ وَقَالَ غَيْرُهُ : يَفُوتُ الْغِنَى مَنْ لَا يَنَامُ عَنِ السُّرَى وَآخَرُ يَأْتِي رِزْقُهُ وَهُوَ نَائِمُ وَلَا يُقَالُ لِمَشْيِ النَّهَارِ سُرًى ، وَمِنْهُ الْمَثَلُ السَّائِرُ عند الصباح : يَحْمَدُ ( الْقَوْمُ ) السُّرَى . فَأَمَّا قَوْلُهُ : حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ عَرَّسَ ، فَالتَّعْرِيسُ : النُّزُولُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ ، وَلَا تُسَمِّي الْعَرَبُ نُزُولَ اللَّيْلِ تَعْرِيسًا ، كَذَلِكَ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ ، وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ حَتَّى إِذَا كَانَ آخَرُ ( اللَّيْلِ ) نَزَلُوا لِلتَّعْرِيسِ ، فَكُلُّهُمْ قَالَ آخِرُ اللَّيْلِ ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْعَرَبِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : اكْلَأْ لَنَا الصُّبْحَ فَمَعْنَاهُ : ارْقُبْ لَنَا الصُّبْحَ وَاحْفَظْ عَلَيْنَا وَقْتَ صَلَاتِنَا وَأَصْلُ الْكِلَايَةِ الْحِفْظُ وَالرِّعَايَةُ وَالْمَنْعُ ، وَهِيَ كَلِمَةٌ مَهْمُوزَةٌ مِنْها قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ وَمِنْهَا قَوْلُ ابْنِ هَرْمَةَ : إِنَّ سُلَيْمَى وَاللَّهُ يَكْلَؤُهَا ضَنَّتْ بِشَيْءٍ مَا كَانَ يَرْزَؤُهَا وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا إِبَاحَةُ الْاسْتِخْدَامِ بِالصَّاحِبِ فِي السَّفَرِ ، وَإِنْ كَانَ حُرًّا ، لِأَنَّ بِلَالًا كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ حُرًّا كَانَ أَبُو بَكْرٍ اشْتَرَاهُ بِمَكَّةَ ، فَأَعْتَقَهُ وَلَهُ وَلَاؤُهُ وَذَلِكَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ ، وَكَانَتْ خَيْبَرُ فِي سَنَةِ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ . - وَفِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَنَامُ أَحْيَانًا نَوْمًا يُشْبِهُ ( نَوْمَ ) الْآدَمِيِّينَ ، وَذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ مِنْهُ غِبًّا لِمَعْنَى يُرِيدُ اللَّهُ إِحْدَاثَهُ ، وَلَيْسَ لِأُمَّتِهِ سُنَّةً تَبْقَى بَعْدَهُ ، يَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنِّي لَأَنْسَى ، أَوْ أُنَسَّى لِأَسُنَّ ، وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ الْعَلَاءِ بْنِ خَبَّابٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَيْقَظَنَا ، وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ تَكُونَ سُنَّةً ) لِمَنْ بَعْدَكُمْ . وَأَمَّا طَبْعُهُ وَجِبِلَّتُهُ ، وَعَادَتُهُ الْمَعْرُوفَةُ مِنْهُ وَمِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ فَمَا حَكَاهُ عَنْ نَفْسِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ ، وَلَا يَنَامُ قَلْبِي ، فَأَطْلَقَ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ إِطْلَاقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِوَقْتٍ . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ : إِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ تَنَامُ أَعْيُنُنَا ، وَلَا تَنَامُ قُلُوبُنَا فَأَخْبَرَ أَنَّ كُلَّ الْأَنْبِيَاءِ كَذَلِكَ ، وَمِمَّا يُصَحِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَصْحَابِهِ : تَرَاصُّوا فِي الصَّفِّ ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي فَهَذِهِ جِبِلَّتُهُ وَخِلْقَتُهُ وَعَادَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَّا نَوْمُهُ فِي السَّفَرِ عَنِ الصَّلَاةِ فَكَانَ خَرْقَ عَادَتِهِ لِيَسُنَّ لِأُمَّتِهِ وَيُعَرِّفَهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَى مَنْ نَامَ مِنْهُمْ عَنْ صَلَاتِهِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا وَكَيْفَ الْعَمَلُ فِي ذَلِكَ ، وَجَعَلَ اللَّهُ نَوْمَهُ سَبَبًا بِمَا جَرَى لَهُ فِي ذَلِكَ النَّوْمِ مِنْ تَعْلِيمِهِ أُمَّتَهُ وَتَبْصِيرِهِمْ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ الْوَارِدَةَ فِي هَذَا الْمَعْنَى فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى حَمْلِهَا عَلَى الْائْتِلَافِ وَالِاتِّفَاقِ إِلَّا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَغَيْرُ جَائِزٍ حَمْلُ أَخْبَارِهِ إِذَا صَحَّتْ عَنْهُ عَلَى التَّنَاقُضِ عِنْدَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِيهَا النَّسْخُ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الطَّحَاوِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُزَنِيُّ ، قَالَ : سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ : رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ ، وَقَدْ رُوِّينَا ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ وَتَلَا : إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قُلُوبَهُمْ لَا تَنَامُ أَلَا تَرَى إِلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَامَ حَتَّى نَفَخَ ، ثُمَّ صَلَّى ، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ ، وَلَا يَنَامُ قَلْبِي ، وَالنَّوْمُ إِنَّمَا يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِ الْحَدَثِ إِذَا خَمَرَ الْقَلْبَ وَخَامَرَهُ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُخَامِرُ النَّوْمُ قَلْبَهُ وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي أَبِيتُ أُطْعَمُ وَأُسْقَى وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إِنَّ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ يَكْلَأُ لَنَا الصُّبْحَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ عَادَتَهُ النَّوْمُ ، قِيلَ لَهُ : لَمْ تُمْعِنِ النَّظَرَ ، وَلَوْ أَمْعَنْتَهُ لَعَلِمْتَ أَنَّ الْمَعْنَى ( مَنْ ) يَرْقُبُ لَنَا انْفِجَارَ الصُّبْحِ فَيُشْعِرُنَا بِهِ فِي أَوَّلِ طُلُوعِهِ ، لِأَنَّ مَنْ نَامَتْ عَيْنَاهُ لَمْ يَرَ هَذَا فِي أَوَّلِهِ وَنَوْمُ الْعَيْنِ يَمْنَعُ مِنْ مِثْلِ هَذَا لَا نَوْمُ الْقَلْبِ ، وَكَانَ شَأْنَهُ التَّغْلِيسُ بِالصُّبْحِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ بِلَالٌ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِذَلِكَ ، فَلِذَلِكَ أَمَرَهُ بِمُرَاقَبَةِ الْفَجْرِ لَا أَنَّ عَادَتَهُ كَانَتِ النَّوْمَ الْمَعْرُوفَ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ( أَبُو بَكْرٍ ) ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ( قَالَ ) : مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ . وَذَكَرَهُ أَيْضًا ، عَنْ عُبَيْدَةَ بْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهَذَا عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّهُ أَعْلَمَ أُمَّتَهُ أَنَّ مُرَادَ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الصَّلَاةِ أَنْ تُقْضَى فِي وَقْتٍ آخَرَ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الصِّيَامِ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَلَيْسَ كَالْحَجِّ ، وَعَرَفَةَ ، وَالضَّحَايَا ، وَالْجِمَارِ ، وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي كِتَابِ الْاسْتِذْكَارِ ، وَلَيْسَ فِي تَخْصِيصِ النَّائِمِ وَالنَّاسِي بِالذِّكْرِ فِي قَضَاءِ الصَّلَاةِ مَا يُسْقِطُ قَضَاءَهَا عَنِ الْعَامِدِ لِتَرْكِهَا حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا بَلْ فِيهِ أَوْضَحُ الدَّلَائِلِ عَلَى أَنَّ الْعَامِدَ ( الْمَأْثُومَ ) أَوْلَى أَنْ يُؤْمَرَ بِالْقَضَاءِ مِنَ النَّاسِي الْمُتَجَاوَزِ عَنْهُ وَ ( النَّائِمِ ) الْمَعْذُورِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ النَّائِمَ وَالنَّاسِيَ لِئَلَّا يَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٌ أَنَّهُمَا لَمَّا رُفِعَ عَنْهُمَا الْإِثْمُ سَقَطَ الْقَضَاءُ عَنْهُمَا فِيمَا وَجَبَ عَلَيْهِمَا ، فَأَبَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُسْقِطٍ عَنْهُمَا قَضَاءَ الصَّلَاةِ ، وَإِنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِمَا مَتَى مَا ذَكَرَاهَا ، وَالْعَامِدُ لَا مَحَالَةَ ذَاكِرٌ لَهَا فَوَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا ، وَالْاسْتِغْفَارُ مِنْ تَأْخِيرِهَا لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي وَقَدْ قَضَاهَا عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ ، وَلَا نَوْمٍ إِلَّا أَنَّهُ شُغِلَ عَنْهَا ، وَأَجَازَ لِمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ أَنْ يُصَلِّيَ تَمَامَهَا بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا ، وَقَدْ زِدْنَا هَذَا بَيَانًا وَإِيضَاحًا فِي كِتَابِ الْاسْتِذْكَارِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَفِي فَزَعِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَادَتِهِ مُنْذُ بُعِثَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّ فَزَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( كَانَ ) مِنْ أَجْلِ الْعَدُوِّ الَّذِي يَتْبَعُهُمْ ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَتْبَعْهُ عَدُوٌّ فِي انْصِرَافِهِ مِنْ خَيْبَرَ ، وَلَا فِي انْصِرَافِهِ مِنْ حُنَيْنٍ ، وَلَا ذَكَرَ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَغَازِي بَلْ كَانَ مُنْصَرَفُهُ فِي كِلْتَا الْغَزْوَتَيْنِ غَانِمًا ظَافِرًا قَدْ هَزَمَ عَدُوَّهُ وَظَفِرَ بِهِ وَقَمَعَهُ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَأَمَّا فَزَعُ أَصْحَابِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَلِمَا رَأَوْا مِنْ فَزَعِهِ ، وَقَدْ فَزِعُوا حِينَ قَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ يُصَلِّي لَهُمْ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ حِينَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ، وَانْتَظَرُوهُ وَخَشُوا فَوَاتَ الْوَقْتِ فَقَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ يَؤُمُّهُمْ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ صَلَّى بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ رَكْعَةً فَفَزِعَ النَّاسُ ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَحْسَنْتُمْ يَغْبِطُهُمْ أَنْ صَلَّوُا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا . هَكَذَا نَقَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَقَدْ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى صَلَاةِ الْكُسُوفِ فَزِعًا يَجُرُّ ثَوْبَهُ . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَزَعُهُمْ شَفَقَةً وَتَأَسُّفًا عَلَى مَا فَاتَهُمْ مِنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ وَلَعَلَّهُمْ حَسِبُوا أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ فَاتَتْهُمْ أَصْلًا فَلَحِقَهُمُ الْفَزَعُ وَالْحُزْنُ لِفَوْتِ الْأَجْرِ وَالْفَضْلِ ، وَلَمْ يَعْرِفُوا أَنَّ خُرُوجَ الْوَقْتِ يُسْقِطُ فَرْضَ الصَّلَاةِ حَتَّى قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ ، أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا لِوَقْتِهَا . فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهَا غَيْرُ سَاقِطَةٍ عَنْهُمْ ، وَإِذَا لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُمْ صَلَّوْهَا ، وَإِذَا صَلَّوْهَا أَدْرَكُوا أَجْرَهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَأَعْلَمَهُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ الْإِثْمَ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ سَاقِطٌ بِقَوْلِهِ : لَيْسَ التَّفْرِيطُ فِي النَّوْمِ ، وَإِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ . وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ ( حَدِيثِ ) أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ الصَّلَاةَ لَا تَفُوتُ النَّائِمَ إِنَّمَا تَفُوتُ الْيَقْظَانَ ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى بِهِمْ ، وَفِي هَذَا ( الْحَدِيثِ ) تَخْصِيصٌ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : رُفِعَ الْقَلَمُ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَبَيَانُ ( ذَلِكَ ) أَنَّ رَفْعَ الْقَلَمِ ( عَنْهُ ) هَاهُنَا مِنْ جِهَةِ رَفْعِ الْمَأْثَمِ لَا مِنْ جِهَةِ رَفْعِ الْفَرْضِ عَنْهُ . وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ : وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ جَاءَ فِي أَثَرٍ وَاحِدٍ فَقِفْ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ ، وَأَمَّا قَوْلُ بِلَالٍ أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ يَقُولُ : إِذَا كُنْتَ أَنْتَ فِي مَنْزِلَتِكَ مِنَ اللَّهِ قَدْ غَلَبَتْكَ عَيْنُكَ وَقُبِضَتْ نَفْسُكَ فَأَنَا أَحْرَى بِذَلِكَ ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى طَلَبِ الْحُجَّةِ ، وَالْإِدْلَاءِ بِهَا . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ، قَالَ : دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ ، وَهُمَا نَائِمَانِ فَقَالَ : أَلَا تُصَلُّوا ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَهَا بَعَثَهَا ، فَانْصَرَفَ عَنْهُمَا ، وَهُوَ يَقُولُ : وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا وَرَوَاهُ اللَّيْثُ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ حَدَّثَهُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِي آخِرِهِ : فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قُلْتُ لَهُ ذَلِكَ فَسَمِعْتُهُ وَهُوَ مُدْبِرٌ يَضْرِبُ فَخِذَهُ وَهُوَ يَقُولُ : وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا وَأَمَّا قَوْلُ بِلَالٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ فَمَعْنَاهُ : قَبَضَ نَفْسِي الَّذِي قَبَضَ نَفْسَكَ ، وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ أَيْ تَوَفَّى نَفْسِي مُتَوَفِّي نَفْسِكَ ، وَالتَّوَفِّي هُوَ الْقَبْضُ نَفْسُهُ يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - قَبَضَ نَفْسَهُ ، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ جَعَلَ النَّفْسَ الرُّوحَ وَجَعَلَهُمَا شَيْئًا وَاحِدًا ، لِأَنَّهُ قَدْ قَالَ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا ( فَنَصَّ ) عَلَى أَنَّ الْمَقْبُوضَ هُوَ الرُّوحُ ، وَفِي الْقُرْآنِ : اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ( وَمَنْ قَالَ : إِنَّ النَّفْسَ غَيْرُ الرُّوحِ تَأَوَّلَ قَوْلَ بِلَالٍ أَخَذَ بِنَفْسِي مِنَ النَّوْمِ مَا أَخَذَ بِنَفْسِكَ مِنْهُ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي النَّفْسِ وَالرُّوحِ مُسْتَوْعَبًا فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ ، فَأَمَّا قَوْلُهُ : اقْتَادُوا شَيْئًا فَمَعْنَاهُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَا ذَكَرَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ فِي حَدِيثِهِ : وَهُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي هَذَا فِي بَابِ مُرْسَلِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ : مَعْنَى اقْتِيَادِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ رَوَاحِلَهُمْ حَتَّى خَرَجُوا مِنَ الْوَادِي إِنَّمَا كَانَ تَأْخِيرًا لِلصَّلَاةِ ، لِأَنَّهُمُ انْتَبَهُوا فِي وَقْتٍ لَا تَجُوزُ فِيهِ صَلَاةٌ ، وَذَلِكَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ( وَزَعَمُوا أَنَّ نَهْيَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ) وَعِنْدَ غُرُوبِهَا يَقْتَضِي الْفَرِيضَةَ وَالنَّافِلَةَ ، وَكُلُّ صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ وَمَسْنُونَةٍ ، وَاحْتَجُّوا مِنَ الْآثَارِ بِنَحْوِ حَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ : إِذَا بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ ، فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَبْرُزَ ، وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ ، فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَغِيبَ وَتَأَوَّلُوا هَذَا عَلَى الْفَرَائِضِ وَغَيْرِهَا ، وَقَدْ مَضَى الرَّدُّ عَلَيْهِمْ فِي تَأْوِيلِهِمْ هَذَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ . وَمِمَّا يُبَيِّنُ لَكَ أَنَّ خُرُوجَ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخُرُوجَ أَصْحَابِهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي لَمْ يَكُنْ كَمَا ذَكَرَهُ الْعِرَاقِيُّونَ أَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَيْقِظُوا حَتَّى ضَرَبَهُمْ حَرُّ الشَّمْسِ ، وَالشَّمْسُ لَا تَكُونُ لَهَا حَرَارَةٌ إِلَّا وَقَدِ ارْتَفَعَتْ وَحَلَّتِ الصَّلَاةُ . وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ مَحْفُوظَةٌ فِي حَدِيثٍ لِلزُّهْرِيِّ ، وَفِي غَيْرِ مَا حَدِيثٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ فِي نَوْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الصَّلَاةِ . مِنْهَا حَدِيثُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ ، وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، قَالَ : لَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ خَيْبَرَ أَسْرَى لَيْلَةً حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ عَدَلَ عَنِ الطَّرِيقِ ، ثُمَّ عَرَّسَ ، وَقَالَ : مَنْ يَحْفَظُ عَلَيْنَا الصُّبْحَ ؟ فَقَالَ بِلَالٌ : أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَجَلَسَ يَحْفَظُ عَلَيْهِمْ فَنَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( وَأَصْحَابُهُ ) فَبَيْنَمَا بِلَالٌ جَالِسٌ غَلَبَتْهُ عَيْنُهُ ، فَمَا أَيْقَظَهُمْ إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ فَفَزِعُوا فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنِمْتَ يَا بِلَالُ ؟ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَخَذَ نَفْسِي الَّذِي أَخَذَ أَنْفُسَكُمْ ، قَالَ : فَاقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ وَارْتَحَلُوا عَنِ الْمَكَانِ الَّذِي أَصَابَتْهُمْ فِيهِ الْغَفْلَةُ ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ : مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ ، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا ، فَإِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - يَقُولُ : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي قَالَ مَعْمَرٌ : وَكَانَ الْحَسَنُ يُحَدِّثُ نَحْوَ هَذَا الْحَدِيثِ وَيَذْكُرُ أَنَّهُمْ رَكَعُوا رَكْعَتِيِ ( الْفَجْرِ ) ثُمَّ صَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ . فَفِي قَوْلِهِ : فَمَا أَيْقَظَهُمْ إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ ، وَقَوْلِهِ : ارْتَحَلُوا عَنِ الْمَكَانِ الَّذِي أَصَابَتْهُمْ فِيهِ الْغَفْلَةُ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ . وَدَلِيلٌ آخَرُ وَهُوَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسَرَّةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ، قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى الزَّمِنُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا ( مُحَمَّدُ ) بْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ خِلَاسٍ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا أَدْرَكْتَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ ( الْفَجْرِ ) قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، فَصَلِّ إِلَيْهَا أُخْرَى . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأُخْرَى مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَأَيُّ شَيْءٍ أَبْيَنُ مِنْ هَذَا . وَدَلِيلٌ آخَرُ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ عَطَاءٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكَعَ فِي ذَلِكَ الْوَادِي رَكْعَتِيِ الْفَجْرِ ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ، ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ وَقْتٍ تَجُوزُ فِيهِ النَّافِلَةُ يَجُوزُ فِيهِ قَضَاءُ الْمَنْسِيَّةِ الْمَفْرُوضَةِ ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ . وَدَلِيلٌ آخَرُ لَا مَدْفَعَ لَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ ، أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا . فَهَذَا إِطْلَاقٌ أَنْ يُصَلِّيَ الْمُنْتَبِهُ وَالذَّاكِرُ فِي كُلِّ وَقْتٍ عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ صَلَاتَهُ الَّتِي انْتَبَهَ إِلَيْهَا وَذَكَرَهَا . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى فِيمَنْ ذَكَرَ الصَّلَاةَ فَاتَتْهُ ، وَهُوَ فِي آخِرِ وَقْتِ صَلَاةٍ ، أَوْ ذَكَرَ صَلَاةً وَهُوَ فِي صَلَاةٍ فَجُمْلَةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ مَنْ ذَكَرَ صَلَاةً ، وَقَدْ حَضَرَ وَقْتُ صَلَاةٍ أُخْرَى بَدَأَ بِالَّتِي نَسِيَ إِذَا كَانَ ذَلِكَ خَمْسُ صَلَوَاتٍ فَأَدْنَى ، وَإِنْ فَاتَ وَقْتُ هَذِهِ ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ بَدَأَ بِالَّتِي حَضَرَ وَقْتُهَا ، وَعَلَى نحو هَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ والليث إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابَهُ ، قَالُوا : التَّرْتِيبُ عِنْدَنَا وَاجِبٌ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ إِذَا كَانَ فِي الْوَقْتِ سَعَةٌ لِلْفَائِتَةِ وَلِصَلَاةِ الْوَقْتِ ، فَإِنْ خَشِيَ فَوَاتَ صَلَاةِ الْوَقْتِ بَدَأَ بِهَا ، فَإِنْ زَادَ عَلَى صَلَاةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَمْ يَجِبِ التَّرْتِيبُ عِنْدَهُمْ ، وَالنِّسْيَانُ عِنْدَهُمْ يُسْقِطُ التَّرْتِيبَ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : مَنْ ذَكَرَ صَلَاةً فَائِتَةً وَهُوَ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى مِنَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَكْثَرُ مِنْ خَمْسِ صَلَوَاتٍ مَضَى فِيمَا هُوَ فِيهِ ، ثُمَّ قَضَى الَّتِي عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ قَطَعَ مَا هُوَ فِيهِ وَصَلَّى الَّتِي ذَكَرَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي آخِرِ وَقْتِ الَّتِي دَخَلَ ( فِيهَا ) يَخَافُ فَوْتَهَا إِنْ تَشَاغَلَ بِغَيْرِهَا ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ أَتَمَّهَا ثُمَّ قَضَى الَّتِي ذَكَرَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ : إِنْ ذَكَرَ الْوِتْرَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ فَسَدَتْ عَلَيْهِ ، وَإِنْ ذَكَرَ فِيهَا رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ لَمْ تَفْسُدْ عَلَيْهِ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : لَا تَفْسُدُ عَلَيْهِ بِذِكْرِ الْوِتْرِ ، وَلَا بِرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ وَبِهِ أَخَذَ الطَّحَاوِيُّ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الثَّوْرِيِّ وُجُوبُ التَّرْتِيبِ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ، وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الِاخْتِيَارُ أَنْ يَبْدَأَ بِالْفَائِتَةِ مَا لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ هَذِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَبَدَأَ بِصَلَاةِ الْوَقْتِ أَجْزَأَهُ . وَذَكَرَ الْأَثْرَمُ أَنَّ التَّرْتِيبَ عِنْدَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَاجِبٌ فِي صَلَاةِ سِتِّينَ سَنَةً وَأَكْثَرَ ، وَقَالَ : لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ ( صَلَاةً ) وَهُوَ ذَاكِرٌ لِمَا قَبْلَهَا ، لِأَنَّهَا تَفْسُدُ عَلَيْهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : ثُمَّ نَقَضَ هَذَا الْأَصْلَ فَقَالَ : أَنَا آخُذُ بِقَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَيُعْجِبُنِي فِي الَّذِي يَذْكُرُ صَلَاةً فِي وَقْتِ صَلَاةٍ كَرَجُلٍ ذَكَرَ الْعِشَاءَ فِي آخِرِ وَقْتِ الْفَجْرِ ، قَالَ : يُصَلِّي الْفَجْرَ ، وَلَا يُضَيِّعُ صَلَاتَيْنِ ، أَوْ قَالَ : يُضَيِّعُ مَرَّتَيْنِ ، وَقَالَ : إِذَا خَافَ طُلُوعَ الشَّمْسِ ، فَلَا يُضَيِّعُ هَذِهِ لِقَوْلِ سَعِيدِ ( بْنِ الْمُسَيَّبِ ) : يُضَيِّعُ مَرَّتَيْنِ . فَهَذَا يُصَلِّي الصُّبْحَ ، وَهُوَ ذَاكِرٌ الْعِشَاءَ ، وَفِي ذَلِكَ نَقْضٌ لِأَصْلِهِ . وَقَالَ دَاوُدُ ، وَالطَّبَرِيُّ : التَّرْتِيبُ غَيْرُ وَاجِبٍ ، وَهُوَ تَحْصِيلُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ . ذَكَرَ الْأَثْرَمُ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَبِيعَةَ يَقُولُ فِي الَّذِي يَنْسَى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ حَتَّى لَا يَجِدَ إِلَّا مَوْضِعَ سَجْدَةٍ قَبْلَ الْغُرُوبِ ( قَالَ ) : يُصَلِّي الْعَصْرَ ، ثُمَّ يُصَلِّي الظُّهْرَ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا يُونُسُ ، وَمَنْصُورٌ ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِيمَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ، فَاسْتَيْقَظَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، قَالَ : يُصَلِّي الْفَجْرَ ، ثُمَّ يُصَلِّي الْعِشَاءَ ، قَالَ : وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ : أَمَّا الْحَسَنُ فَيَقُولُ : يُصَلِّي تِلْكَ ، وَإِنْ فَاتَتْ هَذِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَأَمَّا الَّذِي يَذْكُرُ صَلَاةً ، وَهُوَ وَرَاءَ إِمَامٍ فَكُلُّ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ ، وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ فِيمَا عَلِمْتُ يَقُولُ : يَتَمَادَى مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يُكْمِلَ صَلَاتَهُ ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : يُصَلِّي الَّتِي ذَكَرَ ، ثُمَّ يُعِيدُ الَّتِي صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا أَكْثَرُ مِنْ خَمْسِ صَلَوَاتٍ عَلَى مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ عَنِ الْكُوفِيِّينَ ، وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ الْمَدَنِيِّينَ ، وَذَكَرَ الْخِرَقِيُّ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ ذَكَرَ صَلَاةً ، وَهُوَ فِي أُخْرَى أَتَمَّهَا وَقَضَى الْمَذْكُورَةَ وَأَعَادَ الصَّلَاةَ الَّتِي كَانَ فِيهَا إِذَا كَانَ الْوَقْتُ مُبْقًى ، فَإِنْ خَشِيَ خُرُوجَ الْوَقْتِ اعْتَقَدَ وَهُوَ فِيهَا أَنْ لَا يُعِيدَهَا ، وَقَدْ أَجْزَأَتْهُ وَيَقْضِي الَّتِي عَلَيْهِ . قَالَ الْأَثْرَمُ : قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَقُولُ : إِذَا دَخَلْتَ فِي صَلَاةٍ فَأَحْرَمْتَ بِهَا ثُمَّ ذَكَرْتَ صَلَاةً نَسِيتَهَا لَمْ تَقْطَعِ الَّتِي دَخَلْتَ فِيهَا ، وَلَكِنَّكَ إِذَا فَرَغْتَ مِنْهَا قَضَيْتَ الَّتِي نَسِيتَ وَلَيْسَ عَلَيْكَ إِعَادَةُ هَذِهِ ، فَأَنْكَرَهُ ، وَقَالَ : مَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِهَذَا ، إِنَّمَا أَعْرِفُ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ : أَنَا أَقْطَعُ ، وَإِنْ كُنْتُ خَلْفَ الْإِمَامِ وَأُصَلِّي الَّتِي ذَكَرْتُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا ، قَالَ : وَهَذَا شَنِيعٌ أَنْ يَقْطَعَ ، وَهُوَ خَلْفَ الْإِمَامِ ، قِيلَ لَهُ : فَمَا تَقُولُ أَنْتَ ؟ قَالَ : يَتَمَادَى مَعَ الْإِمَامِ ، وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ قَطَعَ . وَذَكَرَ الْأَثْرَمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا هِقْلٌ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، قَالَ : سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ فِي الَّذِي يَنْسَى الظُّهْرَ وَلَا يَذْكُرُهَا حَتَّى يَدْخُلَ فِي الْعَصْرِ ، قَالَ : يَمْضِي فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ ، فَإِذَا انْصَرَفَ اسْتَقْبَلَ الظُّهْرَ فَصَلَّاهَا ، ثُمَّ يُصَلِّي الْعَصْرَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا ابْنُ شِهَابٍ يُفْتِي بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ ، وَهُوَ الَّذِي يَرْوِي قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي وَقَدْ رَأَى تَمَادِيَهُ مَعَ الْإِمَامِ ، ثُمَّ رَأَى إِعَادَتَهَا ( لَا ) أَدْرِي إِنْ كَانَ اسْتِحْبَابًا أَوْ إِيجَابًا ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ ( هَذَا ) الْحَدِيثُ إِيجَابَ التَّرْتِيبِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ الْإِعْلَامَ بِأَنَّهَا غَيْرُ سَاقِطَةٍ بِالنَّوْمِ وَالنِّسْيَانِ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ فِيمَا كَثُرَ غَيْرُ وَاجِبٍ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ فِي الْقَلِيلِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَيَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُمُ اسْتِحْبَابٌ ، لِأَنَّهُمْ يَأْمُرُونَهُ إِذَا ذَكَرَهَا ، وَهُوَ وَحْدَهُ فِي صَلَاةٍ أَنْ يَقْطَعَهَا ، وَإِنْ ذَكَرَهَا وَرَاءَ إِمَامٍ تَمَادَى مَعَ الْإِمَامِ ، وَالْأَصْلُ فِي التَّمَادِي مَعَ الْإِمَامِ عِنْدَ أَكْثَرِهِمُ اتِّبَاعُ ابْنِ عُمَرَ ( وَحَدِيثُهُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ) كَانَ يَقُولُ : مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلَمْ يَذْكُرْهَا إِلَّا وَهُوَ مَعَ الْإِمَامِ ، فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ ، فَلْيُصَلِّ الصَّلَاةَ الَّتِي نَسِيَ ، ثُمَّ لِيُصَلِّ ( بَعْدَهَا ) الصَّلَاةَ الْأُخْرَى ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ مَعَ دَلَالَةِ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا . وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُمُعَةَ ، وَاسْمُهُ حَبِيبُ بْنُ سِبَاعٍ وَلَهُ صُحْبَةٌ ، قَالَ : صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَغْرِبَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ ، فَلَمَّا سَلَّمَ ، قَالَ : هَلْ عَلِمَ أَحَدٌ مِنْكُمْ أَنِّي صَلَّيْتُ الْعَصْرَ ؟ قَالُوا : لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : فَصَلَّى الْعَصْرَ ، ثُمَّ أَعَادَ الْمَغْرِبَ ، وَهَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ يَرْوِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ مَجْهُولِينَ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالطَّبَرِيُّ وَدَاوُدُ : يَتَمَادَى مَعَ الْإِمَامِ ، ثُمَّ يُصَلِّي الَّتِي ذَكَرَ ، وَلَا يُعِيدُ هَذِهِ . وَلَيْسَ التَّرْتِيبُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ بِوَاجِبٍ فِيمَا قَلَّ وَلَا فِيمَا كَثُرَ . وَمِنْ حُجَّتِهِمْ ( أَنَّ ) التَّرْتِيبَ إِنَّمَا يَجِبُ فِي الْيَوْمِ وَأَوْقَاتِهِ ، فَإِذَا خَرَجَ الْوَقْتُ سَقَطَ التَّرْتِيبُ اسْتِدْلَالًا بِالْإِجْمَاعِ ( عَلَى ) أَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ تَجِبُ الرُّتْبَةُ فِيهِ وَالنَّسَقُ لِوَقْتِهِ ، فَإِذَا انْقَضَى سَقَطَتِ الرُّتْبَةُ عَمَّنْ كَانَ عَلَيْهِ ( مِنْهُ شَيْءٌ بِسَفَرٍ أَوْ عِلَّةٍ ) وَجَائِزٌ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ عَلَى غَيْرِ نَسَقٍ وَلَا رُتْبَةٍ مُتَفَرِّقًا ، فَكَذَلِكَ الصَّلَوَاتُ الْمَذْكُورَاتُ الْفَوَائِتُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاحْتَجَّ دَاوُدُ ، وَأَصْحَابُهُ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ ذَاكِرًا لِلصُّبْحِ فِي حِينِ نَوْمِهِ فِي سَفَرِهِ ، قَالُوا : فَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ ذَاكِرٌ صَلَاةً وَاجِبَةً عَلَيْهِ - رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ وَهُمَا غَيْرُ وَاجِبَتَيْنِ عَلَيْهِ ، وَهَذَا عِنْدِي لَا حُجَّةَ فِيهِ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ صَلَاةً قَبْلَهَا ، وَإِنَّمَا الْمُرَاعَاةُ أَنْ يَذْكُرَ فِي الصَّلَاةِ مَا قَبْلَهَا ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حُجَجٌ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ فِي أَكْثَرِهَا تَشْعِيبٌ وَتَطْوِيلٌ ، وَفِيمَا ذَكَرْتُ لَكَ مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ مَا تَقِفُ بِهِ عَلَى الْمُرَادِ مِنْ مَعْنَى حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ : ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلَاةَ ، يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَأَقَامَ وَلَمْ يُؤَذِّنْ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَقَامَ الصَّلَاةَ بِمَا تُقَامُ بِهِ مِنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالطَّهَارَةِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وُجُوهٍ أَنَّهُ أَمَرَ بِلَالًا ، فَأَذَّنَ وَأَقَامَ فِي حِينِ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا ، وَقَدْ رَوَى أَبَانُ الْعَطَّارُ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَذَكَرَ فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ ، ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا ، فَأَقَامَ ، فَصَلَّى الْفَجْرَ ، وَهَذَا لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ أَبَانَ الْعَطَّارِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، وَأَبَانُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ ، وَلَا تُقْبَلُ زِيَادَتُهُ عَلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، لِأَنَّ عَبْدَ الرَّزَّاقِ أَثْبَتُ النَّاسِ فِي مَعْمَرٍ عِنْدَهُمْ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَذَانِ لِمَا فَاتَ مِنَ الصَّلَوَاتِ ، وَالْحُجَّةَ لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا . وَذَكَرَ أَبُو قُرَّةَ ، عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ أَنَّهُ لَا يَرْكَعُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ ، وَلَا يَبْدَأُ بِشَيْءٍ قَبْلَ الْفَرِيضَةِ . قَالَ مَالِكٌ : لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ حِينَ نَامَ عَنِ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكَعَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ وَجْهٍ يَصِحُّ ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ صَحِيحَةٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهَا وَلِجَمِيعِ مَعَانِي هَذَا الْبَابِ مُسْتَوْعَبَةً مَبْسُوطَةً فِي بَابِ مُرْسَلِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا فَلِذَلِكَ اخْتَصَرْنَاهَا فِي هَذَا الْبَابِ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الثَّامِنُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَفَلَ مِنْ خَيْبَرَ أَسْرَى · ص 385 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارمرسل ابن المسيب حين قفل رسول الله من خيبر · ص 290 25 ( 6 ) بَابُ النَّوْمِ عَنِ الصَّلَاةِ 23 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قَفَلَ مِنْ خَيْبَرَ أَسْرَى حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ عَرَّسَ . وَقَالَ لِبِلَالٍ : اكْلَأْ لَنَا الصُّبْحَ . وَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ ، وَكَلَأَ بِلَالٌ مَا قُدِّرَ لَهُ ، ثُمَّ اسْتَنَدَ إِلَى رَاحِلَتِهِ وَهُوَ مُقَابِلُ الْفَجْرِ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ ، فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا بِلَالٌ ، وَلَا أَحَدٌ مِنَ الرَّكْبِ ، حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ . فَفَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . فَقَالَ بِلَالٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اقْتَادُوا . فَبَعَثُوا رَوَاحِلَهُمْ ، وَاقْتَادُوا شَيْئًا ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلَاةَ ، فَصَلَّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصُّبْحَ . ثُمَّ قَالَ حِينَ قَضَى الصَّلَاةَ : مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا ، فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي . 639 - هَذَا الْحَدِيثُ مُرْسَلٌ فِي الْمُوَطَّإ عِنْدَ جَمِيعِ رُوَاتِهِ فِيمَا عَلِمْتُ . 640 - وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي التَّمْهِيدِ مَنْ تَابَعَ مَالِكًا ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي إِرْسَالِهِ ، وَمَنْ وَصَلَهُ فَأَسْنَدَهُ . 641 - وَذَكَرْتُ هُنَاكَ مَنْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ أَصْحَابِهِ : نَوْمَهُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي سَفَرِهِ ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ ذَكَرْتُهَا فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنَ التَّمْهِيدِ . 642 - وَقَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قَفَلَ مِنْ خَيْبَرَ أَسْرَى - أَصَحُّ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّ ذَلِكَ كَانَ مَرْجِعَهُ مِنْ غَزَاةِ حُنَيْنٍ . 643 - وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ : أَنَّ نَوْمَهُ ذَلِكَ كَانَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَذَلِكَ فِي زَمَنِ خَيْبَرَ . 644 - وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ ، وَأَهْلُ السِّيَرِ : إِنَّ نَوْمَهُ عَنِ الصَّلَاةِ كَانَ حِينَ قُفُولِهِ مِنْ خَيْبَرَ . 645 - وَالْقُفُولُ : الرُّجُوعُ مِنَ السَّفَرِ ، وَلَا يُقَالُ : قَفَلَ إِذَا سَارَ مُبْتَدِئًا . 646 - قَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ : قَفَلَ الْجَيْشُ قُفُولًا وَقَفْلًا : إِذَا رَجَعُوا ، وَقَفَلْتُهُمْ أَنَا هَكَذَا ، وَهُوَ الْقُفُولُ ، وَالْقَفْلُ . 647 - وَخُرُوجُ الْإِمَامِ بِنَفْسِهِ فِي الْغَزَوَاتِ مِنَ السُّنَنِ ، وَكَذَلِكَ إِرْسَالُهُ السَّرَايَا ، كُلُّ ذَلِكَ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ . 648 - وَالسُّرَى : سَيْرُ اللَّيْلِ وَمَشْيُهُ ، وَهِيَ لَفْظَةٌ مُؤَنَّثَةٌ ، وَسَرَى وَأَسْرَى : لُغَتَانِ قُرِئَ بِهِمَا ، وَلَا يُقَالُ لِسَيْرِ النَّهَارِ : سُرًى . وَمِنْهُ الْمَثَلُ السَّائِرُ : عِنْدَ الصَّبَاحِ : يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى . 649 - وَالتَّعْرِيسُ : نُزُولُ آخِرِ اللَّيْلِ ، وَلَا تُسَمِّي الْعَرَبُ نُزُولَ أَوَّلِ اللَّيْلِ تَعْرِيسًا . 650 - وَقَوْلُهُ : اكْلَأْ لَنَا الصُّبْحَ ، أَيِ ارْقُبْ لَنَا الصُّبْحَ ، وَاحْفَظْ عَلَيْنَا وَقْتَ صَلَاتِهِ . 651 - وَأَصْلُ الْكَلْءِ : الْحِفْظُ ، وَالْمَنْعُ ، وَالرِّعَايَةُ ، وَهِيَ لَفْظَةٌ مَهْمُوزَةٌ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، أَيْ : يَحْفَظُكُمْ . 652 - وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ هَرْمَةَ : إِنَّ سُلَيْمَى وَاللَّهُ يَكْلَؤُهَا 653 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إِبَاحَةُ الْمَشْيِ عَلَى الدَّوَابِّ بِاللَّيْلِ ، وَذَلِكَ عَلَى قَدْرِ الِاحْتِمَالِ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَصِلَ الْمَشْيَ عَلَيْهَا لَيْلًا وَنَهَارًا ، وَقَدْ أَمَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالرِّفْقِ بِهَا ، وَأَنْ يُنْجَى عَلَيْهَا بِنِقْيِهَا . 654 - وَفِيهِ أَمْرُ الرَّفِيقِ بِمَا خَفَّ مِنَ الْخِدْمَةِ وَالْعَوْنِ فِي السَّفَرِ ، وَذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الْعُرْفِ فِي مِثْلِهِ . 655 - وَإِنَّمَا قُلْنَا : بِالرَّفِيقِ ، وَلَمْ نَقُلْ بِالْمَمْلُوكِ ; لِأَنَّ بِلَالًا كَانَ حُرًّا يَوْمَئِذٍ قَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْتَقَهُ بِمَكَّةَ ، وَكَانَتْ خَيْبَرُ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ . 656 - وَقَدْ أَوْضَحْنَا فِي التَّمْهِيدِ مَعْنَى نَوْمِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ صَلَاتِهِ فِي سَفَرِهِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ مَعَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : إِنَّ عَيْنِي تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي . 657 - وَالنُّكْتَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ ; وَلِذَلِكَ كَانَتْ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيًا ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ ، وَتَلَا افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ . 658 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ : إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ تَنَامُ أَعْيُنُنَا وَلَا تَنَامُ قُلُوبُنَا . 659 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْحَدِيثَ بِذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ . 660 - وَقَالَ تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ نَبِيِّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ لِابْنِهِ : إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ . 661 - وَنَوْمُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي سَفَرِهِ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ : إِنِّي لَأَنْسَى أَوْ أُنَسَّى لِأَسُنَّ . فَخَرَقَ نَوْمُهُ ذَلِكَ عَادَتَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ; لِيَسُنَّ لِأُمَّتِهِ . 662 - أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْعَلَاءِ بْنِ خَبَّابٍ : لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَيْقَظَنَا ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ تَكُونَ سُنَّةً لِمَنْ بَعْدَكُمْ . 663 - وَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ عُبَيْدَةَ بْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِيَ الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا بِصَلَاةِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الصُّبْحَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ . 664 - وَكَانَ مَسْرُوقٌ يَقُولُ ذَلِكَ أَيْضًا . 665 - قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الْوَارِثِ : أَنَّ قَاسِمًا حَدَّثَهُمْ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْأَصْبَهَانِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ تَمِيمٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ فَعَرَّسُوا مِنَ اللَّيْلِ ، فَلَمْ يَسْتَيْقِظُوا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ . قَالَ : فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ . 666 - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَمَا يَسُرُّنِي بِهِمَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا يَعْنِي الرُّخْصَةَ . 667 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَذَلِكَ عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّهُ كَانَ سَبَبًا إِلَى أَنْ عَلِمَ أَصْحَابُهُ الْمُبَلِّغُونَ عَنْهُ إِلَى سَائِرِ أُمَّتِهِ أَنَّ مُرَادَ اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ الصَّلَاةُ ، وَإِنْ كَانَتْ مُؤَقَّتَةً ، أَنَّ مَنْ لَمْ يُصَلِّهَا فِي وَقْتِهَا فَإِنَّهُ يَقْضِيهَا أَبَدًا مَتَى مَا ذَكَرَهَا : نَاسِيًا كَانَ لَهَا ، أَوْ نَائِمًا عَنْهَا ، أَوْ مُتَعَمِّدًا لِتَرْكِهَا . 668 - أَلَا تَرَى أَنَّ حَدِيثَ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا . 669 - وَالنِّسْيَانُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ : يَكُونُ التَّرْكَ عَمْدًا ، وَيَكُونُ ضِدَّ الذِّكْرِ . 670 - قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - : نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ أَيْ : تَرَكُوا طَاعَةَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالْإِيمَانَ بِمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُهُ ، فَتَرَكَهُمُ اللَّهُ مِنْ رَحْمَتِهِ . 671 - وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ ، وَلَا يَجْهَلُهُ مَنْ لَهُ أَقَلُّ عِلْمٍ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ . 672 - فَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ خَصَّ النَّائِمَ وَالنَّاسِيَ بِالذِّكْرِ فِي قَوْلِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ : مَنْ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا ؟ 673 - قِيلَ : خَصَّ النَّائِمَ وَالنَّاسِيَ لِيَرْتَفِعَ التَّوَهُّمُ وَالظَّنُّ فِيهِمَا لِرَفْعِ الْقَلَمِ فِي سُقُوطِ الْمَأْثَمِ عَنْهُمَا بِالنَّوْمِ وَالنِّسْيَانِ . 674 - فَأَبَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنَّ سُقُوطَ الْإِثْمِ عَنْهُمَا غَيْرُ مُسْقِطٍ لِمَا لَزِمَهُمَا مِنْ فَرْضِ الصَّلَاةِ ، وَأَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِمَا عِنْدَ الذِّكْرِ لَهَا ، يَقْضِيهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا إِذَا ذَكَرَهَا . 675 - وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى ذِكْرِ الْعَامِدِ مَعَهُمَا ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ الْمُتَوَهَّمَةَ فِي النَّاسِي وَالنَّائِمِ لَيْسَتْ فِيهِ ، وَلَا عُذْرَ لَهُ فِي تَرْكِ فَرْضٍ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاتِهِ إِذَا كَانَ ذَاكِرًا لَهُ . 676 - وَسَوَّى اللَّهُ - تَعَالَى - فِي حُكْمِهِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ بَيْنَ حُكْمِ الصَّلَاةِ الْمَوْقُوتَةِ وَالصِّيَامِ الْمَوْقُوتِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ - بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُقْضَى بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهِ . 677 - فَنَصَّ عَلَى النَّائِمِ وَالنَّاسِي فِي الصَّلَاةِ لِمَا وَصَفْنَا ، وَنَصَّ عَلَى الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ فِي الصَّوْمِ . 678 - وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ ، وَنَقَلَتِ الْكَافَّةُ فِيمَنْ لَمْ يَصُمْ رَمَضَانَ عَامِدًا وَهُوَ مُؤْمِنٌ بِفَرْضِهِ ، وَإِنَّمَا تَرَكَهُ أَشَرًا وَبَطَرًا ، تَعَمَّدَ ذَلِكَ ، ثُمَّ تَابَ عَنْهُ - أَنَّ عَلَيْهِ قَضَاءَهُ ، فَكَذَلِكَ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ عَامِدًا . 679 - فَالْعَامِدُ وَالنَّاسِي فِي الْقَضَاءِ لِلصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ سَوَاءٌ ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْإِثْمِ ، كَالْجَانِي عَلَى الْأَمْوَالِ الْمُتْلِفِ لَهَا عَامِدًا وَنَاسِيًا ، إِلَّا فِي الْإِثْمِ ، وَكَانَ الْحُكْمُ فِي هَذَا الشَّرْعَ بِخِلَافِ رَمْيِ الْجِمَارِ فِي الْحَجِّ الَّتِي لَا تُقْضَى فِي غَيْرِ وَقْتِهَا لِعَامِدٍ وَلَا لِنَاسٍ ، فَوُجُوبُ الدَّمِ فِيهَا يَنُوبُ عَنْهَا ، وَبِخِلَافِ الضَّحَايَا أَيْضًا ; لِأَنَّ الضَّحَايَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ فَرْضًا . 680 - وَالصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ كِلَاهُمَا فَرْضٌ وَاجِبٌ ، وَدَيْنٌ ثَابِتٌ يُؤَدَّى أَبَدًا ، وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ الْمُؤَجَّلُ لَهُمَا . 681 - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : دَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى 682 - وَإِذَا كَانَ النَّائِمُ وَالنَّاسِي لِلصَّلَاةِ - وَهُمَا مَعْذُورَانِ - يَقْضِيَانِهَا بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا كَانَ الْمُتَعَمِّدُ لِتَرْكِهَا الْمَأْثُومُ فِي فِعْلِهِ ذَلِكَ أَوْلَى بِأَلَّا يَسْقُطَ عَنْهُ فَرْضُ الصَّلَاةِ ، وَأَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِالْإِتْيَانِ بِهَا ; لِأَنَّ التَّوْبَةَ مِنْ عِصْيَانِهِ فِي تَعَمُّدِ تَرْكِهَا هِيَ أَدَاؤُهَا ، وَإِقَامَةُ تَرْكِهَا مَعَ النَّدَمِ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ تَرْكِهِ لَهَا فِي وَقْتِهَا . 683 - وَقَدْ شَذَّ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ ، وَأَقْدَمَ عَلَى خِلَافِ جُمْهُورِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَسَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَقَالَ : لَيْسَ عَلَى الْمُتَعَمِّدِ لِتَرْكِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا أَنْ يَأْتِيَ بِهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا ; لِأَنَّهُ غَيْرُ نَائِمٍ وَلَا نَاسٍ . 684 - وَإِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا . 685 - قَالَ : وَالْمُتَعَمِّدُ غَيْرُ النَّاسِي وَالنَّائِمِ . 686 - قَالَ : وَقِيَاسُهُ عَلَيْهِمَا غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَنَا ، كَمَا أَنَّ مَنْ قَتَلَ الصَّيْدَ نَاسِيًا لَا يُجْزِئُهُ عِنْدَنَا . 687 - فَخَالَفَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ، وَظَنَّ أَنَّهُ يَسْتَتِرُ فِي ذَلِكَ بِرِوَايَةٍ جَاءَتْ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ ، شَذَّ فِيهَا عَنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ . 688 - وَهُوَ مَحْجُوجٌ بِهِمْ ، مَأْمُورٌ بِاتِّبَاعِهِمْ . 689 - فَخَالَفَ هَذَا الظَّاهِرَ عَنْ طَرِيقِ النَّظَرِ وَالِاعْتِبَارِ ، وَشَذَّ عَنْ جَمَاعَةِ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ ، وَلَمْ يَأْتِ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ بِدَلِيلٍ يَصِحُّ فِي الْعُقُولِ . 690 - وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ تُصَلَّى وَتُقْضَى بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا كَالصَّائِمِ سَوَاءً - وَإِنْ كَانَ إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ الَّذِينَ أُمِرَ مَنْ شَذَّ مِنْهُمْ بِالرُّجُوعِ إِلَيْهِمْ وَتَرْكِ الْخُرُوجِ . عَنْ سَبِيلِهِمْ يُغْنِي عَنِ الدَّلِيلِ فِي ذَلِكَ - قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ . وَلَمْ يَخُصَّ مُتَعَمِّدًا مِنْ نَاسٍ . 691 - وَنَقَلَتِ الْكَافَّةُ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ الْغُرُوبِ صَلَّى تَمَامَ صَلَاتِهِ بَعْدَ الْغُرُوبِ ، وَذَلِكَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ عِنْدَ الْجَمِيعِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ عَمَلِ صَلَاةِ الْعَصْرِ كُلِّهَا لِمَنْ تَعَمَّدَ أَوْ نَسِيَ أَوْ فَرَّطَ ، وَبَيْنَ عَمَلِ بَعْضِهَا فِي نَظَرٍ وَلَا اعْتِبَارٍ . 692 - وَدَلِيلٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُصَلِّ هُوَ وَلَا أَصْحَابُهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ صَلَاةَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ لِشُغْلِهِ بِمَا نَصَبَهُ الْمُشْرِكُونَ لَهُ مِنَ الْحَرْبِ وَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ نَاسِيًا وَلَا نَائِمًا ، وَلَا كَانَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ حَرْبٌ قَائِمَةٌ مُلْتَحِمَةٌ ، وَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ فِي اللَّيْلِ . 693 - وَدَلِيلٌ آخَرُ : وَهُوَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ بِالْمَدِينَةِ لِأَصْحَابِهِ يَوْمَ انْصِرَافِهِ مِنَ الْخَنْدَقِ : لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَخَرَجُوا مُتَبَادِرِينَ وَصَلَّى بَعْضُهُمُ الْعَصْرَ فِي ( طَرِيقِ ) بَنِي قُرَيْظَةَ خَوْفًا مِنْ خُرُوجِ وَقْتِهَا الْمَعْهُودِ ، وَلَمْ يُصَلِّهَا بَعْضُهُمْ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، فَلَمْ يُعَنِّفْ رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ ، وَكُلُّهُمْ غَيْرُ نَاسٍ وَلَا نَائِمٍ ، وَقَدْ أَخَّرَ بَعْضُهُمُ الصَّلَاةَ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا ثُمَّ صَلَّاهَا ، وَقَدْ عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ ذَلِكَ . فَلَمْ يَقُلْ لَهُمْ : إِنَّ الصَّلَاةَ لَا تُصَلَّى إِلَّا فِي وَقْتِهَا ، وَلَا تُقْضَى بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا . 694 - وَدَلِيلٌ آخَرُ : وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : سَيَكُونُ بَعْدِي أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ مِيقَاتِهَا . قَالُوا : أَفَنُصَلِّيهَا مَعَهُمْ ؟ قَالَ : نَعَمْ . 695 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَرْبِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ يُوسُفُ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ ، عَنْ أَبِي الْمُثَنَّى الْحِمْصِيِّ ، عَنْ أَبِي أُبَيِّ ابْنِ امْرَأَةِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَقَالَ : إِنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدِي أُمَرَاءُ تَشْغَلُهُمْ أَشْيَاءُ حَتَّى لَا يُصَلُّوا الصَّلَاةَ لِمِيقَاتِهَا قَالُوا : نُصَلِّيهَا مَعَهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . 696 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَبُو الْمُثَنَّى الْحِمْصِيُّ هُوَ الْأُمْلُوكِيُّ ، ثِقَةٌ ، رَوَى عَنْ عُتْبَةَ ، وَأُبَيِّ ابْنِ أُمِّ حَرَامٍ ، وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ . 697 - وَأَبُو أُبَيِّ ابْنُ أُمِّ حَرَامٍ رَبِيبُ عُبَادَةَ لَهُ صُحْبَةٌ ، وَقَدْ سَمَّاهُ وَكِيعٌ وَغَيْرُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الْكُنَى . 698 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَاحَ الصَّلَاةَ بَعْدَ خُرُوجِ مِيقَاتِهَا ، وَلَمْ يَقُلْ : إِنَّ الصَّلَاةَ لَا تُصَلَّى إِلَّا فِي وَقْتِهَا . 699 - وَالْأَحَادِيثُ فِي تَأْخِيرِ الْأُمَرَاءِ الصَّلَاةَ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا كَثِيرَةٌ جِدًّا ، وَقَدْ كَانَ الْأُمَرَاءُ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ أَوْ أَكْثَرُهُمْ يُصَلُّونَ الْجُمُعَةَ عِنْدَ الْغُرُوبِ . 700 - وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الْأُخْرَى . 701 - وَقَدْ أَعْلَمَهُمْ أَنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ فِي الْحَضَرِ مَا لَمْ يَخْرُجْ وَقْتُ الْعَصْرِ . 702 - رُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ ، قَدْ ذَكَرْتُ بَعْضَهَا فِي صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ فِي الْمَوَاقِيتِ . 703 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُوِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ - عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَحِينَ وَقْتُ الْأُخْرَى . 704 - فَقَدْ سَمَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ فَعَلَ هَذَا مُفَرِّطًا ، وَالْمُفَرِّطُ لَيْسَ بِمَعْذُورٍ ، وَلَيْسَ كَالنَّائِمِ ، وَلَا النَّاسِي عِنْدَ الْجَمِيعِ مِنْ جِهَةِ الْعُذْرِ . 705 - وَقَدْ أَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاتَهُ عَلَى مَا كَانَ مِنْ تَفْرِيطِهِ . 706 - وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ هَذَا : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : وَإِذَا كَانَ الْغَدُ فَلْيُصَلِّهَا لِمِيقَاتِهَا . 707 - وَهَذَا أَبْعَدُ وَأَوْضَحُ فِي أَدَاءِ الْمُفَرِّطِ الصَّلَاةَ عِنْدَ الذِّكْرِ ، وَبَعْدَ الذِّكْرِ . 708 - وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ هَذَا صَحِيحُ الْإِسْنَادِ ، إِلَّا أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى قَدْ عَارَضَهُ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ فِي نَوْمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ فِي سَفَرِهِ ، وَفِيهِ : قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَا نُصَلِّيهَا مِنَ الْغَدِ ؟ قَالَ : لَا . إِنَّ اللَّهَ ( لَا ) يَنْهَاكُمْ عَنِ الرِّبَا ثُمَّ يَقْبَلُهُ مِنْكُمْ . 709 - وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - . 710 - وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلْقَمَةَ الثَّقَفِيُّ - وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الصَّحَابَةِ - قَالَ : قَدِمَ وَفْدُ ثَقِيفٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ فَشَغَلُوهُ ، فَلَمْ يُصَلِّ يَوْمَئِذٍ الظُّهْرَ إِلَّا مَعَ الْعَصْرِ . 711 - وَأَقَلُّ مَا فِي هَذَا أَنَّهُ أَخَّرَهَا عَنْ وَقْتِهَا الَّذِي كَانَ يُصَلِّيهَا فِيهِ بِشُغْلٍ اشْتَغَلَ بِهِ . 712 - وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلْقَمَةَ مِنْ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ . 713 - وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ عَامِدًا حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا عَاصٍ لِلَّهِ ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا كَبِيرَةٌ مِنَ الْكَبَائِرِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مَذْكُورًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ فِي الْكَبَائِرِ . 714 - وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ عَلَى الْعَاصِي أَنْ يَتُوبَ مِنْ ذَنْبِهِ بِالنَّدَمِ عَلَيْهِ ، وَاعْتِقَادُ تَرْكِ الْعَوْدَةِ إِلَيْهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . 715 - وَمَنْ لَزِمَهُ حَقٌّ لِلَّهِ ، أَوْ لِعِبَادِهِ ، لَزِمَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ . 716 - وَقَدْ شَبَّهَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ، وَقَالَ : دَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى . 717 - وَالْعَجَبُ مِنْ هَذَا الظَّاهِرِيِّ فِي نَقْضِهِ أَصْلَهُ وَأَصْلَ أَصْحَابِهِ فِيمَا وَجَبَ مِنَ الْفَرَائِضِ بِإِجْمَاعٍ : أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ إِلَّا بِإِجْمَاعِ مِثْلِهِ ، أَوْ سُنَّةٍ ثَابِتَةٍ لَا تَنَازُعَ فِي قَبُولِهَا ، وَالصَّلَوَاتُ الْمَكْتُوبَاتُ وَاجِبَاتٌ بِإِجْمَاعٍ . 718 - ثُمَّ جَاءَ مِنَ الِاخْتِلَافِ بِشُذُوذٍ خَارِجٍ عَنْ أَقْوَالِ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ وَأَتْبَعُهُ دُونَ سَنَدٍ رُوِيَ فِي ذَلِكَ ، وَأَسْقَطَ بِهِ الْفَرِيضَةَ الْمُجْتَمَعَ عَلَى وُجُوبِهَا ، وَنَقَضَ أَصْلَهُ ، وَنَسِيَ نَفْسَهُ ، وَاللَّهَ أَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ لِمَا يَرْضَاهُ ، وَالْعِصْمَةَ مِمَّا بِهِ ابْتَلَاهُ . 719 - وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْمُغَلِّسِ فِي كِتَابِهِ : الْمُوَضَّحِ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الظَّاهِرِ قَالَ : فَإِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ فِي مِصْرٍ فِي حَشٍّ أَوْ مَوْضِعٍ نَجِسٍ ، أَوْ كَانَ مَرْبُوطًا عَلَى خَشَبَةٍ وَلَمْ تُمْكِنْهُ الطَّهَارَةُ وَلَا قَدَرَ عَلَيْهَا ، لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ حَتَّى يَقْدِرَ عَلَى الْوُضُوءِ ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الطَّهَارَةِ تَطَهَّرَ وَصَلَّى مَتَى مَا قَدَرَ عَلَى الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ . 720 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا غَيْرُ نَاسٍ وَلَا نَائِمٍ ، وَقَدْ أَوْجَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ عَلَيْهِ الصَّلَاةَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ ، وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ الْمُغَلِّسِ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الظَّاهِرِ فِي ذَلِكَ . 721 - وَهَذَا الظَّاهِرِيُّ يَقُولُ : لَا يُصَلِّي أَحَدٌ الصَّلَاةَ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا إِلَّا النَّائِمُ وَالنَّاسِي ; لِأَنَّهُمَا خُصَّا بِذَلِكَ ، وَنُصَّ عَلَيْهِمَا . 722 - فَإِنْ قَالَ : هَذَا مَعْذُورٌ كَمَا أَنَّ النَّائِمَ وَالنَّاسِيَ مَعْذُورَانِ ، وَقَدْ جَمَعَهُمَا الْعُذْرُ - قِيلَ لَهُ : قَدْ تَرَكْتَ مَا أَصَّلْتَ فِي نَفْيِ الْقِيَاسِ وَاعْتِبَارِ الْمَعَانِي وَأَلَّا يُتَعَدَّى النَّصُّ ، مَعَ أَنَّ الْعُقُولَ تَشْهَدُ أَنَّ غَيْرَ الْمَعْذُورِ أَوْلَى بِإِلْزَامِ الْقَضَاءِ مِنَ الْمَعْذُورِ . 723 - وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَاوُدِيُّ الْبَغْدَادِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُتَرْجِمِ بِجَامِعِ مَذْهَبِ أَبِي سُلَيْمَانَ : دَاوُدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ خَلَفٍ الْأَصْبَهَانِيِّ فِي بَابِ صَوْمِ الْحَائِضِ وَصَلَاتِهَا مِنْ كِتَابِ الطَّهَارَةِ - قَالَ : كُلُّ مَا تَرَكَتِ الْحَائِضُ مِنْ صَلَاتِهَا حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا فَعَلَيْهَا إِعَادَتُهَا . 724 - قَالَ : وَلَوْ تَرَكَتِ الصَّلَاةَ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا ( وَتَرَيَّثَتْ ) عَنِ الْإِتْيَانِ بِهَا حَتَّى حَاضَتْ أَعَادَتْ تِلْكَ الصَّلَاةَ بِعَيْنِهَا إِذَا طَهُرَتْ . 725 - فَهَذَا قَوْلُ دَاوُدَ ، وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ الظَّاهِرِ ، فَمَا أَرَى هَذَا الظَّاهِرِيَّ إِلَّا قَدْ خَرَجَ عَنْ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ، وَخَالَفَ جَمِيعَ فِرَقِ الْفُقَهَاءِ ، وَشَذَّ عَنْهُمْ ، وَلَا يَكُونُ إِمَامًا فِي الْعِلْمِ مَنْ أَخَذَ بِالشَّاذِّ مِنَ الْعِلْمِ . 726 - وَقَدْ أَوْهَمَ فِي كِتَابِهِ أَنَّ لَهُ سَلَفًا مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينِ تَجَاهُلًا مِنْهُ أَوْ جَهْلًا ، فَذَكَرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَمَسْرُوقٍ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا قَالُوا : أَخَّرُوهَا عَنْ مَوَاقِيتِهَا . قَالُوا : وَلَوْ تَرَكُوهَا لَكَانُوا بِتَرْكِهَا كُفَّارًا . وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ بِكُفْرِ تَارِكِ الصَّلَاةِ عَمْدًا ، وَلَا يَقُولُونَ بِقَتْلِهِ إِذَا كَانَ مُقِرًّا بِهَا ، فَكَيْفَ يُحْتَجُّ بِهِمْ عَلَى أَنَّ مَنْ قَضَى الصَّلَاةَ فَقَدْ تَابَ مِنْ تَضْيِيعِهَا ؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى . 727 - وَلَا تَصِحُّ لِمُضَيِّعِ الصَّلَاةِ تَوْبَةٌ إِلَّا بِأَدَائِهَا ، كَمَا لَا تَصِحُّ التَّوْبَةُ مِنْ دَيْنِ الْآدَمِيِّ إِلَّا بِأَدَائِهِ . 728 - وَمَنْ قَضَى صَلَاةً فَرَّطَ فِيهَا فَقَدْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا ، وَاللَّهُ لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا . 729 - وَذُكِرَ عَنْ سُلَيْمَانَ أَنَّهُ قَالَ : الصَّلَاةُ مِكْيَالٌ ، فَمَنْ وَفَّى وُفِّيَ لَهُ ، وَمَنْ طَفَّفَ فَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمُطَفِّفِينَ . 730 - وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُطَفِّفَ قَدْ يَكُونُ الَّذِي لَمْ يُكْمِلْ صَلَاتَهُ بِرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا وَحُدُودِهَا وَإِنْ صَلَّاهَا فِي وَقْتِهَا . 731 - وَذُكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا . 732 - وَكَذَلِكَ نَقُولُ : لَا صَلَاةَ لَهُ كَامِلَةٌ ، كَمَا لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ ، وَلَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ . 733 - وَمَنْ قَضَى الصَّلَاةَ فَقَدْ صَلَّاهَا وَتَابَ مِنْ سَيِّئِ عَمَلِهِ فِي تَرْكِهَا ، وَكُلُّ مَا ذَكَرَ فِي هَذَا الْمَعْنَى فَغَيْرُ صَحِيحٍ ، وَلَا لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ حُجَّةٌ ; لِأَنَّ ظَاهِرَهُ خِلَافُ مَا تَأَوَّلَهُ . وَاللَّهَ أَسْأَلُهُ الْعِصْمَةَ وَالتَّوْفِيقَ . 734 - وَأَمَّا فَزَعُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ فَزَعًا مِنْهُ وَإِشْفَاقًا وَحُزْنًا عَلَى مَا فَاتَهُ مِنْ صَلَاتِهِ فِي وَقْتِهَا بِالنَّوْمِ الْغَالِبِ عَلَيْهِ ، وَحِرْصًا عَلَى بُلُوغِ الْغَايَةِ مِنْ طَاعَةِ رَبِّهِ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ ، كَمَا فَزِعَ حِينَ قَامَ إِلَى صَلَاةِ الْكُسُوفِ فَزِعًا يَجُرُّ رِدَاءَهُ ، وَكَانَ فَزَعُ أَصْحَابِهِ فِي انْتِبَاهِهِمْ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا حُكْمَ مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاتِهِ فِي رَفْعِ الْمَأْثَمِ عَنْهُ ، وَإِبَاحَةِ الْقَضَاءِ لَهُ . 735 - وَلِذَلِكَ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا ، وَلَوْ شَاءَ لَرَدَّهَا إِلَيْنَا فِي حِينٍ غَيْرِ هَذَا . 736 - وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَزَعُهُمْ لِمَا رَأَوْهُ مِنْ فَزَعِهِ حِينَ انْتِبَاهِهِ ، إِشْفَاقًا وَفَزَعًا ، كَفَزَعِهِمْ حِينَ صَلَّى بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الصُّبْحَ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُشْتَغِلٌ بِطُهُورِهِ ، ثُمَّ أَتَى فَأَدْرَكَ مَعَهُمْ رَكْعَةً ، فَلَمَّا سَمِعُوا تَكْبِيرَة فَزِعُوا . فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ : أَحْسَنْتُمْ . 737 - وَلَمْ يَكُنْ فَزَعُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ عَدُوٍّ خَافَهُ كَمَا زَعَمَ بَعْضُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي مَعَانِي الْمُوَطَّإ . 738 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ تَخْصِيصُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : رُفِعَ الْقَلَمُ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَبَيَانُ أَنَّهُ إِنَّمَا رُفِعَ عَنْهُ الْإِثْمُ فِي تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ لِمَا يَغْلِبُهُ مِنَ النَّوْمِ ، وَلَمْ يُرْفَعْ عَنْهُ وُجُوبُ الْإِتْيَانِ بِهَا إِذَا انْتَبَهَ وَذَكَرَهَا ، وَكَذَلِكَ النَّاسِي . 739 - وَفِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : حَتَّى يَسْتَيْقِظَ فِي النَّائِمِ ، وَفِي السَّاهِي : فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا - بَيَانُ مَا قُلْنَا . وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا . 740 - وَأَمَّا قَوْلُ بِلَالٍ : أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ - يَعْنِي مِنَ النَّوْمِ - فَصِنْفٌ مِنَ الِاحْتِجَاجِ لَطِيفٌ يَقُولُ : إِذَا كُنْتَ فِي مَنْزِلَتِكَ مِنَ اللَّهِ قَدْ غَلَبَتْكَ عَيْنُكَ ، وَقُبِضَتْ نَفْسُكَ فَأَنَا أَحْرَى بِذَلِكَ . 741 - وَقَدْ رَوَى ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ قَالَ : دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَفَاطِمَةَ ، وَهُمَا نَائِمَانِ فَقَالَ : أَلَا تُصَلُّونَ ! أَلَا تُصَلُّونَ ! فَقَالَ عَلِيٌّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَهَا بَعَثَهَا ، فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَقْرَأُ : وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا . 742 - وَفِي قَوْلِ عَلِيٍّ : إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ ، وَقَوْلِ بِلَالٍ : أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ ، مَعَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا ، وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ : إِنَّكُمْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْكُمْ أَرْوَاحَكُمْ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى : اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا - دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ الرُّوحَ وَالنَّفْسَ شَيْءٌ وَاحِدٌ . 743 - وَقَدْ أَثْبَتْنَا بِمَا بَيَّنَّا فِي النَّفْسِ وَالرُّوحِ عَنِ السَّلَفِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ بِمَا فِيهِ شِفَاءٌ فِي مُرْسَلِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنَ التَّمْهِيدِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 744 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فَبَعَثُوا رَوَاحِلَهُمْ وَاقْتَادُوا شَيْئًا - فَإِنَّهُ أَرَادَ : أَثَارُوا جِمَالَهُمْ ، وَاقْتَادُوا سَيْرًا قَلِيلًا ، وَالْإِبِلُ إِذَا كَانَ عَلَيْهَا الْأَوْقَارُ فَهِيَ الرَّوَاحِلُ . 745 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى اقْتِيَادِهِمْ وَخُرُوجِهِمْ مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي : فَقَالَ أَهْلُ الْحِجَازِ : إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْوَقْتَ قَدْ كَانَ خَرَجَ فَلَمْ يَخَفْ فَوْتًا آخَرَ ، وَتَشَاءَمَ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي نَابَهُمْ فِيهِ ، فَقَالَ : هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ . كَمَا قَالَ تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ . 746 - وَقَدْ رَوَى مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : فَاقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ وَارْتَحَلُوا عَنِ الْمَكَانِ الَّذِي أَصَابَتْهُمْ فِيهِ الْغَفْلَةُ . 747 - وَذَكَرَ وَكِيعٌ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَامَ عَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : تَزَحْزَحُوا عَنِ الْمَكَانِ الَّذِي أَصَابَتْكُمْ فِيهِ الْغَفْلَةُ ، فَصَلَّى ثُمَّ قَالَ : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي . 748 - وَذَلِكَ كُلُّهُ نَحْوٌ مِمَّا أَشَرْنَا إِلَيْهِ ، وَلَيْسَ مِنْ بَابِ الطِّيَرَةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْكَرَاهَةِ . 749 - وَأَمَّا أَهْلُ الْعِرَاقِ فَزَعَمُوا أَنَّ تَأْخِيرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِتِلْكَ الصَّلَاةِ حَتَّى خَرَجَ مِنَ الْوَادِي إِنَّمَا كَانَ لِأَنَّهُ انْتَبَهَ فِي حِينِ طُلُوعِ الشَّمْسِ . 750 - قَالُوا : وَمِنْ سُنَّتِهِ أَلَّا يُصَلِّيَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبِهَا . 751 - وَمِنْ حُجَّتِهِمْ مَا أَنْبَأَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالُوا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ عَلْقَمَةَ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ يَكْلَؤنَا اللَّيْلَةَ ؟ فَقَالَ بِلَالٌ : أَنَا . فَنَامُوا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ ، فَقَالَ : افْعَلُوا كَمَا كُنْتُمْ تَفْعَلُونَ ، فَفَعَلْنَا . قَالَ : كَذَلِكَ فَافْعَلُوا ، ثَمَّ نَامَ أَوْ نَسِيَ . 752 - وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : إِذَا بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَبْرُزَ ، وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَغِيبَ . 753 - وَبِالْآثَارِ الَّتِي رَوَاهَا الصُّنَابِحِيُّ وَغَيْرُهُ فِي النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي حِينِ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَحِينَ غُرُوبِهَا . 754 - وَحَمَلُوا ذَلِكَ عَلَى الْفَرَائِضِ وَعَلَى النَّوَافِلِ ، وَقَالُوا : لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى لَا يُؤَدَّى فِيهِمَا صِيَامُ رَمَضَانَ وَلَا نَفْلٌ ; لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صِيَامِهِمَا ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ الْأَوْقَاتُ لَا تُصَلَّى فِيهَا فَرِيضَةٌ وَلَا نَافِلَةٌ ; لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا . 755 - وَهَذَا يَرُدُّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ . 756 - وَرَوَى أَبُو رَافِعٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ : إِذَا أَدْرَكْتَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَصَلِّ إِلَيْهَا أُخْرَى . 757 - وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ فِي التَّمْهِيدِ . 758 - وَهَذِهِ إِبَاحَةٌ مِنْهُ لِصَلَاةِ الْفَرِيضَةِ فِي حِينِ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَحِينِ غُرُوبِهَا ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ نَهْيَهُ الْمَذْكُورَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي حِينِ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَحِينِ غُرُوبِهَا لَمْ يَكُنْ عَنِ الْفَرَائِضِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ التَّطَوُّعَ وَالنَّافِلَةَ . 759 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلَاةَ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْأَذَانِ ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِالْإِقَامَةِ فَقَطْ . 760 - وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّإ فِي الصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ : أَنَّهَا تُقَامُ بِغَيْرِ أَذَانٍ ، وَأَنَّهُ لَا يُؤَذَّنُ لِصَلَاةِ فَرِيضَةٍ إِلَّا فِي وَقْتِهَا . 761 - وَيَحْتِمَلُ أَنْ يَكُونَ أَمَرُهُ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ بِمَا تُقَامُ بِهِ مِنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ . 762 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ حِينَ نَامَ عَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي سَفَرِهِ أَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ ، وَفِي بَعْضِهَا : أَنَّهُ أَمَرَهُ فَأَقَامَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَذَانًا . 763 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِلصَّلَوَاتِ الْفَوَائِتِ : 764 - فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ : مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ أَوْ صَلَوَاتٌ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا أَقَامَ لِكُلِّ صَلَاةٍ إِقَامَةً إِقَامَةً ، وَلَمْ يُؤَذِّنْ . 765 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : لَيْسَ عَلَيْهِ فِي الْفَوَائِتِ أَذَانٌ وَلَا إِقَامَةٌ . 766 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ صَلَّاهَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ . 767 - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : إِذَا فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ فَإِنْ صَلَّاهُنَّ بِإِقَامَةِ إِقَامَةٍ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَحَسَنٌ ، وَإِنْ أَذَّنَ وَأَقَامَ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَحَسَنٌ ، وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ . 768 - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوَدُ : يُؤْذِّنُ وَيُقِيمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَاتَتْهُ عَلَى مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حِينَ نَامَ فِي سَفَرِهِ عَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ . 769 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَأَنَّهُمْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ مَا ذَكَرَ الصَّحَابَةُ وَالرُّوَاةُ فِي أَحَادِيثِ نَوْمِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي سَفَرِهِ مِنَ الْأَذَانِ مَعَ الْإِقَامَةِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَذْكُرْ ، إِلَّا مَا ذَكَرْنَا مِنِ احْتِمَالِ لَفْظِ الْإِقَامَةِ فِي التَّأْوِيلِ . 770 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَحَادِيثَ بِذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ . 771 - ( مِنْهَا ) : مَا أَنْبَأَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ : سَرَيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ عَرَّسَ بِنَا مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ ، قَالَ : فَاسْتَيْقَظْنَا وَقَدْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ ، قَالَ : فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَثُورُ إِلَى طُهُورِهِ دَهِشًا فَازِعًا ، فَقَالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : ارْتَحِلُوا قَالَ : فَارْتَحَلْنَا حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ نَزَلْنَا فَقَضَيْنَا مِنْ حَوَائِجِنَا ، ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ فَصَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ ، فَصَلَّى بِنَا النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ : فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! أَفَنَقْضِيهَا لِمِيقَاتِهَا مِنَ الْغَدِ ؟ فَقَالَ : لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الرِّبَا وَيَأْخُذُهُ مِنْكُمْ . 772 - وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْفَائِتَةَ يُقَامُ لَهَا وَلَا يُؤْذَّنُ - حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ يَوْمِ الْخَنْدَقِ : فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُبِسَ يَوْمَئِذٍ عَنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ إِلَى هَوِيٍّ مِنَ اللَّيْلِ ثُمَّ أَقَامَ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَذَانًا . 773 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْخُرَاسَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ . ( ح ) . 774 - وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمَيْمُونُ بْنُ حَمْزَةَ الْخُشَنِيُّ ، حَدَّثَنَا الطَّحَاوِيُّ ، حَدَّثَنَا الْمُزَنِيُّ ، حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي بُدَيْلٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : حُبِسْنَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى كَانَ هَوِيٌّ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى كُفِينَا ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ : وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَالًا فَأَقَامَ ، فَصَلَّى الظُّهْرَ كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا ، ثُمَّ أَقَامَ الْعَصْرَ فَصَلَّاهَا كَذَلِكَ ، ثُمَّ أَقَامَ الْمَغْرِبَ فَصَلَّاهَا ، ثُمَّ أَقَامَ الْعِشَاءَ فَصَلَّاهَا كَذَلِكَ ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ : فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا . مَعْنَى حَدِيثِهِمَا سَوَاءٌ . 775 - وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ ، عن مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحُبِسْنَا عَنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ، قَالَ : فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ بِلَالًا فَأَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعِشَاءَ ، ثُمَّ قَالَ : مَا عَلَى الْأَرْضِ عِصَابَةٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ غَيْرُكُمْ . 776 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَعْنِي الصَّلَاةَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ حُجَّةٌ فِي أَنَّ الْفَوَائِتَ يُقَامُ لَهَا وَلَا يُؤَذَّنُ . 777 - وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّهَا يُؤْذَّنُ لَهَا وَيُقَامُ بِمَا فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ : ثُمَّ أَقَامَ لِلْعِشَاءِ فَصَلَّاهَا ، وَالْعِشَاءُ مَفْعُولَةٌ فِي وَقْتِهَا لَيْسَتْ بِفَائِتَةٍ ، وَلَا بُدَّ لَهَا مِنَ الْأَذَانِ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ : ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعِشَاءَ إِنَّمَا أَرَادَ إِقَامَتَهَا بِمَا تُقَامُ بِهِ عَلَى سُنَّتِهَا مِنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ . 778 - قَالَ : فَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا ذُكِرَ مَعَهَا مِنَ الصَّلَوَاتِ . 779 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْعِشَاءُ صُلِّيَتْ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ ؛ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ : هَوِيٌّ مِنَ اللَّيْلِ وَذَلِكَ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا ، فَكَانَ حُكْمُهَا فِي ذَلِكَ حُكْمَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ عَلَى مَا فِي الْأَحَادِيثِ الْمُسْنَدَةِ . 780 - وَإِذَا احْتُمِلَ ذَلِكَ فَهِيَ فَائِتَةٌ ، حُكْمُهَا حُكْمُ غَيْرِهَا مِمَّا ذُكِرَ مِنَ الصَّلَاةِ مَعَهَا . 781 - وَصَحَّ بِظَاهِرِ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ الْفَوَائِتَ يُقَامُ لَهَا وَلَا يُؤَذَّنُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 782 - وَأَمَّا صَلَاةُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ لِمَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَلَمْ يَنْتَبِهْ لَهَا إِلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ : يَبْدَأُ بِالْمَكْتُوبَةِ ، وَلَمْ يَعْرِفْ مَا ذُكِرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ يَوْمَئِذٍ . 783 - وَذَكَرَ أَبُو قُرَّةَ مُوسَى بْنُ طَارِقٍ فِي سَمَاعِهِ مِنْ مَالِكٍ : قَالَ : قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ : إِنَّهُ لَا يَرْكَعُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ ، وَلَا يَبْدَأُ بِشَيْءٍ قَبْلَ الْفَرِيضَةِ . 784 - قَالَ : وَقَالَ مَالِكٌ : لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ حِينَ نَامَ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ . 785 - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : سُئِلَ مَالِكٌ : هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ نَامَ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ رَكَعَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ ؟ قَالَ : مَا عَلِمْتُ . 786 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكَعَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فِي ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا صَارَ فِي ذَلِكَ إِلَى مَا رَوَى . 787 - وَعَلَى مَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ إِلَّا أَشْهَبَ ، وَعَلِيَّ بْنَ زِيَادٍ فَإِنَّهُمَا قَالَا : يَرْكَعُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الصُّبْحَ قَالَا : وقَدْ بَلَغَنَا ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ صَلَّاهُمَا يَوْمَئِذٍ . 788 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ : يَرْكَعُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ إِنْ شَاءَ ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَدَعَهُمَا . 789 - وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوَدُ لِمَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَغَيْرِهِ . 790 - وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي بَابِ مُرْسَلِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنَ التَّمْهِيدِ . 791 - وَقَدْ كَانَ يَجِبُ عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ أَنْ يُرْكَعَهُمَا قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الصُّبْحَ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ : مَنْ أَتَى مَسْجِدًا قَدْ صُلِّيَ فِيهِ لَا بَأْسَ أَنْ يَتَطَوَّعَ قَبْلَ الْمَكْتُوبَةِ إِذَا كَانَ فِي سَعَةٍ مِنَ الْوَقْتِ . 792 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنِ انْتَبَهَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لَا يَخَافُ مِنْ فَوْتِ الْوَقْتِ أَكْثَرَ مِمَّا هُوَ فِيهِ . 793 - وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَدَاوَدُ : يَتَطَوَّعُ إِذَا كَانَ فِي الْوَقْتِ سَعَةٌ . 794 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : ابْدَأْ بِالْمَكْتُوبَةِ ، ثُمَّ تَطَوَّعْ بِمَا شِئْتَ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ . 795 - وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : كُلُّ وَاجِبٍ مِنْ صَلَاةِ فَرِيضَةٍ ، أَوْ صَلَاةِ نَذْرٍ ، أَوْ صِيَامٍ - يُبْدَأُ بِهِ قَبْلَ النَّفْلِ . 796 - رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ خِلَافَ ذَلِكَ : قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : سَمِعْتُ اللَّيْثَ يَقُولُ فِي الَّذِي يُدْرِكُ الْإِمَامَ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ وَلَمْ يُصَلِّ الْعِشَاءَ : إنَّهُ يُصَلِّي مَعَهُمْ بِصَلَاتِهِمْ ، فَإِذَا فَرَغَ صَلَّى الْعِشَاءَ قَالَ : وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُمْ فِي الْقِيَامِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْمَسْجِدِ فَوَجَدَ مَكَانًا طَاهِرًا فَلْيُصَلِّ الْعِشَاءَ ثُمَّ يَدْخُلُ مَعَهُمْ فِي الْقِيَامِ . 797 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ : مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي فَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا مِنْ وُجُوهٍ قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي التَّمْهِيدِ ، وَفِي بَعْضِهَا : فَذَلِكَ وَقْتُهَا . 798 - وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ مَنْ ذَكَرَ صَلَاةً وَهُوَ فِي صَلَاةٍ فَسَدَتْ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ الَّتِي هُوَ فِيهَا حَتَّى يُصَلِّيَ الَّتِي ذَكَرَ قَبْلَهَا مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ - بِقَوْلِهِ هَذَا : فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا . 799 - قَالُوا : فَهُوَ مَأْمُورٌ بِإِقَامِ الصَّلَاةِ الْمَذْكُورَةِ فِي حِينِ الذِّكْرِ ، فَصَارَ ذَلِكَ وَقْتًا لَهَا ، فَإِذَا ذَكَرَهَا وَهُوَ فِي صَلَاةٍ فَكَأَنَّهَا مَعَ صَلَاةِ الْوَقْتِ صَلَاتَانِ مِنْ يَوْمٍ وَاحِدٍ اجْتَمَعَتَا عَلَيْهِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ . 800 - فَالْوَاجِبُ أَنْ يَبْدَأَ بِالْأُولَى مِنْهُمَا ، فَلِذَلِكَ فَسَدَتْ عَلَيْهِ الَّتِي هُوَ فِيهَا ، كَمَا لَوْ صَلَّى الْعَصْرَ قَبْلَ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ . 801 - وَفَسَادُهَا مِنْ جِهَةِ التَّرْتِيبِ ، إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ يَقُولُ بِقَوْلِهِمْ لَا تَجِبُ إِلَّا مَعَ الذِّكْرِ وَحُصُولِ الْوَقْتِ بِالتَّرْتِيبِ وَقِلَّةِ الْعَدَدِ ، وَذَلِكَ صَلَاةُ يَوْمٍ فَمَا دُونَ . 802 - فَإِذَا خَرَجَ الْوَقْتُ سَقَطَ الترتيب ، وَكَذَلِكَ سَقَطَ التَّرْتِيبُ مَعَ كَثْرَةِ الْعَدَدِ ; لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَشَقَّةِ ، وَمَا لَا يُطَاقُ عَلَيْهِ ، وَيَفْحُشُ الْقِيَاسُ فِيهِ ; لِأَنَّهُ لَوْ ذَكَرَ صَلَاةَ عَامٍ فَرَّطَ فِيهَا ، أَوْ ذَكَرَ صَلَاةً بَيْنَ وَقْتِهَا وَبَيْنَ صَلَاةِ وَقْتِهِ عَامٌ قَبُحَ بِالْمُفْتِي أَنْ يَأْمُرَهُ بِصَلَاةِ عَامٍ وَنَحْوِهِ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ وَقْتِهِ . 803 - وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ فِي وُجُوبِ التَّرْتِيبِ بِحَدِيثِ أَبِي جُمُعَةَ ، وَاسْمُهُ حَبِيبُ بْنُ سِبَاعٍ وَلَهُ صُحْبَةٌ قَالَ : صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَغْرِبَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ : هَلْ عَلِمَ أَحَدٌ مِنْكُمْ أَنِّي صَلَّيْتُ الْعَصْرَ ؟ قَالُوا : لَا ، يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : فَصَلَّى الْعَصْرَ ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ . 804 - وَهَذَا حَدِيثٌ لَا يُعْرَفُ إِلَّا عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، عَنْ مَجْهُولِينَ لَا تَقُومُ بِهِمْ حُجَّةٌ . 805 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَدَاوَدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَأَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ : لَا يَلْزَمُ التَّرْتِيبُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ . 806 - وَقَالُوا فِيمَنْ ذَكَرَ صَلَاةً وَهُوَ فِي صَلَاةٍ غَيْرِهَا وَحْدَهُ أَوْ وَرَاءَ إِمَامٍ : يَتَمَادَى فِي صِلَاتِهِ ، فَإِذَا أَتَمَّهَا صَلَّى الَّتِي ذَكَرَ وَلَمْ يُعِدِ الْأُخْرَى بَعْدَهَا . 807 - وَلَيْسَ التَّرْتِيبُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ بِوَاجِبٍ فِيمَا قَلَّ وَلَا فِيمَا كَثُرَ إِلَّا فِي صَلَاةِ الْيَوْمِ بِعَيْنِهِ . 808 - وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ التَّرْتِيبَ إِنَّمَا يَجِبُ فِي الْيَوْمِ وَأَوْقَاتِهِ ، كَمَا يَجِبُ تَرْتِيبُ أَيَّامِ رَمَضَانَ فِي رَمَضَانَ لَا فِي غَيْرِهِ ، فَإِذَا خَرَجَ الْوَقْتُ سَقَطَ التَّرْتِيبُ . 809 - أَلَا تَرَى أَنَّ رَمَضَانَ تَجِبُ الرُّتْبَةُ فِيهِ وَالنَّسَقُ لِوَقْتِهِ ، فَإِذَا انْقَضَى سَقَطَتِ الرُّتْبَةُ ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَى الَّذِي لَمْ يَصُمْهُ فِي وَقْتِهِ لِمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ إِلَّا عِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ؟ 810 - وَكَذَلِكَ مَنْ عَلَيْهِ أَيَّامٌ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فَلَمْ يَصُمْهَا حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانٌ آخَرُ أَنَّهُ يَصُومُهُ ، ثُمَّ يَصُومُ الْأَيَّامَ مِنَ الْأَوَّلِ بَعْدَهُ وَلَا يُعِيدُهُ . 811 - وَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْإِطْعَامِ مَعَ قَضَاءِ الْأَيَّامِ لِمَنْ فَرَّطَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الصِّيَامِ . 812 - فَأَمَّا دَاوُدُ وَمَنْ نَفَى الْقِيَاسَ فَإِنَّهُمُ احْتَجُّوا فِي سُقُوطِ التَّرْتِيبِ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ يَوْمَئِذٍ وَهُوَ ذَاكِرٌ لِلصُّبْحِ . 813 - قَالُوا : فَقَدْ صَلَّى صَلَاةَ سُنَّةٍ وَهُوَ ذَاكِرٌ فِيهَا لِصَلَاةِ فَرِيضَةٍ فَلَمْ تَفْسُدْ عَلَيْهِ ، فَأَحْرَى أَلَّا تَفْسُدَ عَلَيْهِ صَلَاةُ فَرِيضَةٍ إِذَا ذَكَرَ فِيهَا أُخْرَى قَبْلَهَا . 814 - وَهَذَا عِنْدِي احْتِجَاجٌ فَاسِدٌ غَيْرُ لَازِمٍ مِنْ وُجُوهٍ : 815 - ( مِنْهَا ) : أَنْ لَا تَرْتِيبَ بَيْنَ السُّنَنِ وَالْفَرَائِضِ . 816 - ( وَمِنْهَا ) : أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ صَلَاةً قَبْلَهَا ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَاكِرًا فِيهَا صَلَاةً بَعْدَهَا . 817 - وَهَذَا لَا خَفَاءَ فِيهِ لِمَنْ أَنْصَفَ نَفْسَهُ . 818 - وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي عِنْدَ مَنْ لَا يَرَى التَّرْتِيبَ إِلَّا إِيجَابَ الصَّلَاةِ عَلَى كُلِّ مَنْ نَامَ عَنْهَا أَوْ تَرَكَهَا أَوْ نَسِيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا ، وَأَنَّهُ لَازِمٌ لِكُلِّ مَنْ ذَكَرَ صَلَاةً لَمْ يُصَلِّهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا ، وَأَنَّ النَّائِمَ عَنْهَا وَالنَّاسِي لَهَا إِذَا ذَكَرَهَا فِي حُكْمِ مَنْ ذَكَرَهَا فِي وَقْتِهَا ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ عِنْدَهُمْ إِيجَابُ تَرْتِيبٍ . 819 - وَقَدْ أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ : أَنَّ مَنْ ذَكَرَ صَلَوَاتٍ كَثِيرَةً كَصَلَاةِ شَهْرٍ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ مَا زَادَ عَلَى صَلَاةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، لَمْ يَلْزَمْهُ تَرْتِيبُ ذَلِكَ مَعَ صَلَاةِ وَقْتِهِ ، فَكَذَلِكَ الْقَلِيلُ مِنَ الصَّلَوَاتِ فِي الْقِيَاسِ وَالنَّظَرِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 820 - وَسَيَأْتِي مِنْ هَذَا الْمَعْنَى زِيَادَةُ مَسَائِلَ عَنِ الْعُلَمَاءِ يَزِيدُ النَّاظِرُ فِيهَا بَيَانًا وَعِلْمًا عِنْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ مَالِكٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 821 - وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ؛ فَإِنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا : مَعْنَاهُ أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلَاةَ إِذَا ذَكَرَهَا . 822 - هَذَا قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ . 823 - وَقَدْ قُرِئَتْ : ( لِلذِّكْرَى ) عَلَى هَذَا الْمَعْنَى ، وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ . 824 - وَقَالَ مُجَاهِدٌ : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي : أَنْ يَذْكُرَ فِيهَا . قَالَ : فَإِذَا صَلَّى عَبْدٌ ذَكَرَ رَبَّهُ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب النَّوْمِ عَنْ الصَّلَاةِ · ص 101 6 - بَاب النَّوْمِ عَنْ الصَّلَاةِ 25 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَفَلَ مِنْ خَيْبَرَ أَسْرَى حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ عَرَّسَ وَقَالَ لِبِلَالٍ : اكْلَأْ لَنَا الصُّبْحَ وَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ وَكَلَأَ بِلَالٌ مَا قُدِّرَ لَهُ ، ثُمَّ اسْتَنَدَ إِلَى رَاحِلَتِهِ وَهُوَ مُقَابِلُ الْفَجْرِ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا بِلَالٌ وَلَا أَحَدٌ مِنْ الرَّكْبِ حَتَّى ضَرَبَتْهُمْ الشَّمْسُ ، فَفَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ بِلَالٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اقْتَادُوا فَبَعَثُوا رَوَاحِلَهُمْ وَاقْتَادُوا شَيْئًا ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلَاةَ فَصَلَّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصُّبْحَ ، ثُمَّ قَالَ حِينَ قَضَى الصَّلَاةَ : مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا ، فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه : 14] . 6 - بَابُ النَّوْمِ عَنِ الصَّلَاةِ أَيْ مَا حُكْمُهُ ؟ هَلْ كَالْإِغْمَاءِ أَوْ لَا ، فَتَجِبُ إِذَا انْتَبَهَ . 25 25 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) الزُّهْرِيِّ ( عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ) بْنِ حَزْنِ بْنِ أَبِي وَهْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عمران بْنِ مَخْزُومٍ الْقُرَشِيِّ الْمَخْزُومِيِّ أَحَدِ الْعُلَمَاءِ الْأَثْبَاتِ الْفُقَهَاءِ الْكِبَارِ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ ، وَأَبُوهُ وَجَدُّهُ صَحَابِيَّانِ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مُرْسَلَاتِهِ أَصَحُّ الْمَرَاسِيلِ ، وَقَالَ عَلِيُّ ابْنُ الْمَدِينِيِّ : لَا أَعْلَمُ فِي التَّابِعِينَ أَوْسَعَ عِلْمًا مِنْهُ ، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ ، وَقِيلَ : ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَقَدْ نَاهَزَ الثَمَانِينَ ، وَهَذَا مُرْسَلٌ عِنْدَ جَمِيعِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ ، وَقَدْ تَبَيَّنَ وَصْلُهُ ، فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) وَرِوَايَةُ الْإِرْسَالِ لَا تَضُرُّ فِي رِوَايَةِ مَنْ وَصَلَهُ لِأَنَّ يُونُسَ مِنِ الثِّقَاتِ الْحُفَّاظِ ، احْتَجَّ بِهِ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ ، وَتَابَعَهُ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَابْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَتَابَعَ مَالِكًا عَلَى إِرْسَالِهِ مَعْمَرٌ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْهُ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، وَوَصَلَهُ فِي رِوَايَةِ أَبَانٍ الْعَطَّارِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، لَكِنَّ عَبْدَ الرَّزَّاقِ أَثْبَتُ فِي مَعْمَرٍ مَنْ أَبَانٍ . وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدٍ مُرْسَلًا ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الزُّهْرِيَّ حَدَّثَ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ مُرْسَلًا وَمَوْصُولًا . ( حِينَ قَفَلَ ) أَيْ رَجَعَ ، وَالْقُفُولُ الرُّجُوعُ مِنَ السَّفَرِ ، وَلَا يُقَالُ لِمَنْ سَافَرَ مُبْتَدِئًا : قَفَلَ إِلَّا الْقَافِلَةُ تَفَاؤُلًا . ( مِنْ ) غَزْوَةِ ( خَيْبَرَ ) بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَرَاءٍ آخِرَهُ كَمَا رَوَاهُ يَحْيَى ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَابْنُ بُكَيْرٍ ، وَالْقَعْنَبِيُّ وَغَيْرُهُمْ . قَالَ الْبَاجِيُّ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُمَا : وَهُوَ الصَّوَابُ . وَقَالَ الْأَصِيلِيُّ : إِنَّمَا هُوَ مِنْ حُنَيْنٍ بِمُهْمَلَةٍ وَنُونٍ يَعْنِي حَتَّى لَا يُخَالِفَ قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ لِأَنَّ طَرِيقَهَا غَيْرُ طَرِيقِ خَيْبَرَ ، وَرَّدَهُ أَبُو عُمَرَ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ طَرِيقَهُمَا مِنَ الْمَدِينَةِ وَاحِدٌ فَلَا خُلْفَ ، فَلَا يُحْتَاجُ لِدَعْوَى التَّصْحِيفِ ، وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ : مَا قَالَهُ الْأَصِيلِيُّ غَرِيبٌ ضَعِيفٌ . انْتَهَى . وَالْمُرَادُ مِنْ خَيْبَرَ وَمَا اتَّصَلَ بِهَا مِنْ فَتْحِ وَادِي الْقُرَى لِأَنَّ النَّوْمَ كَانَ حِينَ قَرُبَ مِنَ الْمَدِينَةِ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عِمْرَانَ ، وَأَبِي قَتَادَةَ : كُنَّا فِي سَفَرٍ بِالْإِبْهَامِ . وَفِي مُسْلِمٍ ، وَأَبِي دَاوُدَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : أَقْبَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ لَيْلًا . وَيَأْتِي مِنْ مُرْسَلِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ ، وَلِعَبْدِ الرَّزَّاقِ مِنْ مُرْسَلِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، وَالْبَيْهَقِيِّ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، وَالطَّبَرَانِيِّ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو بِطَرِيقِ تَبُوكَ . قَالَ الْحَافِظُ : فَاخْتِلَافُ الْمَوَاطِنِ يَدُلُّ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ ، وَاخْتُلِفَ هَلْ كَانَ نَوْمُهُمْ عَنِ الصُّبْحِ مَرَّةً أَوْ أَكْثَرَ ؟ فَجَزَمَ الْأَصِيلِيُّ بِأَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ ، وَرَدَّهُ عِيَاضٌ بِمُغَايَرَةِ قِصَّةِ أَبِي قَتَادَةَ لِقِصَّةِ عِمْرَانَ وَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَحَاوَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْجَمْعَ بِأَنَّ زَمَانَ رُجُوعِهِمْ مِنْ خَيْبَرَ قَرِيبٌ مِنْ زَمَانِ رُجُوعِهِمْ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَطَرِيقُ مَكَّةَ تَصْدُقُ بِهَا وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ ، وَرِوَايَةُ غَزْوَةِ تَبُوكَ تَرُدُّ عَلَيْهِ . انْتَهَى . لَكِنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ ذَكَرَهَا وَقَالَ : إِنَّهَا مُرْسَلَةٌ مِنْ عَطَاءٍ لَا تَصِحُّ لِأَنَّ الْآثَارَ الصِّحَاحَ الْمُسْنَدَةَ عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِ . انْتَهَى . وَلَعَلَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى حَدِيثَيْ عُقْبَةَ ، وَابْنِ عَمْرٍو ، أَوْ لَمْ يَصِحَّا عِنْدَهُ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : اخْتُلِفَ هَلْ كَانَ النَّوْمُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ؟ وَرَجَّحَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ . ( أَسْرَى ) سَارَ لَيْلًا ، يُقَالُ : سَرَى وَأَسْرَى لُغَتَانِ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مُصْعَبٍ أَسْرَعَ ، وَفِي مُسْلِمٍ سَارَ لَيْلَةً ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ ذِي مِخْبَرٍ : وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِقِلَّةِ الزَّادِ فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ انْقَطَعَ النَّاسُ وَرَاءَكَ ، فَحَبَسَ وَحَبَسَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى تَكَامَلُوا إِلَيْهِ فَقَالَ : هَلْ لَكُمْ أَنْ نَهْجَعَ هَجْعَةً . فَنَزَلَ وَنَزَلُوا . ( حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ ) ، وَفِي مُسْلِمٍ : حَتَّى أَدْرَكَهُ الْكَرَى وَهُوَ بِزِنَةِ عَصَا : النُّعَاسُ ، وَقِيلَ : أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ بَيْنَ النَّوْمِ وَالْيَقَظَةِ ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو : حَتَّى إِذَا كَانَ مَعَ السَّحَرِ . ( عَرَّسَ ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ ، قَالَ الْخَلِيلُ وَالْجُمْهُورُ : التَّعْرِيسُ نُزُولُ الْمُسَافِرِ آخِرَ اللَّيْلِ لِلنَّوْمِ وَالِاسْتِرَاحَةِ ، وَلَا يُسَمَّى نُزُولُ أَوَّلِ اللَّيْلِ تَعْرِيسًا ، وَيُقَالُ : لَا يَخْتَصُّ بِزَمَنٍ بَلْ مُطْلَقُ نُزُولِ الْمُسَافِرِ لِلرَّاحَةِ ، ثُمَّ يَرْتَحِلُ لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا . وَفِي حَدِيثِ عِمْرَانَ : حَتَّى إِذَا كُنَّا فِي آخِرِ اللَّيْلِ وَقَعْنَا وَقْعَةً وَلَا وَقْعَةَ أَحْلَى عِنْدَ الْمُسَافِرِ مِنْهَا . وَفِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ : سِرْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ عَرَّسْتَ بِنَا ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَخَافُ أَنْ تَنَامُوا عَنِ الصَّلَاةِ . فَقَالَ بِلَالٌ : أَنَا أُوقِظُكُمْ . ( وَقَالَ ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( لِبِلَالِ ) بْنِ رَبَاحٍ الْمُؤَذِّنِ ، وَهُوَ ابْنُ حَمَامَةَ وَهِيَ أُمُّهُ ، مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ ، مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ وَشَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ ، مَاتَ بِالشَّامِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ أَوْ ثَمَانِ عَشْرَةَ ، وَقِيلَ : سَنَةَ عِشْرِينَ وَلَهُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ سَنَةً . ( اكْلَأْ ) بِالْهَمْزَةِ ، قَالَ تَعَالَى : قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ ( سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ : الْآيَةُ 42 ) أَيْ يَحْفَظُكُمْ أَيِ احْفَظْ وَارْقُبْ ( لَنَا الصُّبْحَ ) بِحَيْثُ إِذَا طَلَعَ تُوقِظُنَا . وَفِي مُسْلِمٍ ( اللَّيْلَ ) أَيْ بِحَيْثُ إِذَا تَمَّ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ تُوقِظُنَا . ( وَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ وَكَلَأَ بِلَالٌ ) ، وَفِي مُسْلِمٍ : فَصَلَّى بِلَالٌ ( مَا قُدِّرَ ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ مَا يَسَرَّهُ اللَّهُ لَهُ . ( ثُمَّ اسْتَنَدَ إِلَى رَاحِلَتِهِ وَهُوَ مُقَابِلُ الْفَجْرِ ) أَيْ مُوَاجِهُ الْجِهَةِ الَّتِي يَطْلُعُ مِنْهَا . ( فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ ) زَادَ فِي مُسْلِمٍ : وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ . ( فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا بِلَالٌ وَلَا أَحَدٌ مِنَ الرَّكْبِ ) ، وَفِي مُسْلِمٍ : وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ( حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ ) ، قَالَ عِيَاضٌ : أَيْ أَصَابَهُمْ شُعَاعُهَا وَحَرُّهَا ، وَزَادَ فِي مُسْلِمٍ : فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوَّلَهُمُ اسْتِيقَاظًا . ( فَفَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : أَيِ انْتَبَهَ وَقَامَ ، وَقَالَ الْأَصِيلِيُّ : فَزِعَ لِأَجْلِ عَدُوِّهِمْ خَوْفَ أَنْ يَكُونَ اتَّبَعَهُمْ فَيَجِدُهُمْ بِتِلْكَ الْحَالِ مِنَ النَّوْمِ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَأَسُّفًا عَلَى مَا فَاتَهُمْ مِنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ ، قَالَ : وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَادَتِهِ مُنْذُ بُعِثَ ، قَالَ : وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ الْأَصِيلِيِّ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَتْبَعْهُ عَدُوٌّ ، وَفِي انْصِرَافِهِ مِنْ خَيْبَرَ وَلَا مِنْ حُنَيْنٍ وَلَا ذَكَرَ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَغَازِي ، بَلِ انْصَرَفَ مِنْ كِلْتَا الْغَزْوَتَيْنِ ظَافِرًا غَانِمًا . وَفِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ : فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا بِلَالُ أَيْنَ مَا قُلْتَ ؟ قَالَ : مَا أُلْقِيَتْ عَلَيَّ نَوْمَةٌ مِثْلُهَا قَطُّ ، وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ ذَلِكَ تَنْبِيهًا لَهُ عَلَى اجْتِنَابِ الدَّعْوَى وَالثِّقَةِ بِالنَّفْسِ وَحُسْنِ الظَّنِّ بِهَا ، وَلَا سِيَّمَا فِي مَظَانِّ الْغَلَبَةِ وَسَلْبِ الِاخْتِيَارِ . وَفِي مُسْلِمٍ : فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيْ بِلَالُ . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ : مَاذَا صَنَعْتَ بِنَا يَا بِلَالُ ؟ ( فَقَالَ بِلَالٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخَذَ بِنَفْسِيِ الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ ) قَالَ ابْنُ رَشِيقٍ : أَيْ إِنَّ اللَّهَ اسْتَوْلَى بِقُدْرَتِهِ عَلَيَّ كَمَا اسْتَوْلَى عَلَيْكَ مَعَ مَنْزِلَتِكَ . قَالَ : وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ النَّوْمُ غَلَبَنِي كَمَا غَلَبَكَ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَيْ إِذَا كُنْتَ أَنْتَ فِي مَنْزِلَتِكَ مِنَ اللَّهِ قَدْ غَلَبَتْكَ عَيْنُكَ وَقُبِضَتْ نَفْسُكَ فَأَنَا أَحْرَى بِذَلِكَ ، وَمَعْنَاهُ قَبَضَ نَفْسِي الَّذِي قَبَضَ نَفْسَكَ فَالْبَاءُ زَائِدَةٌ ، قَالَ : وَهَذَا قَوْلُ مَنْ جَعَلَ النَّفْسَ وَالرُّوحَ شَيْئًا وَاحِدًا ، لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا ، فَنَصَّ عَلَى أَنَّ الْمَقْبُوضَ هُوَ الرُّوحُ ، وَفِي الْقُرْآنِ : اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ( سُورَةُ الزُّمَرِ : الْآيَةُ 42 ) الْآيَةَ . وَمَنْ قَالَ : النَّفْسُ غَيْرُ الرُّوحِ تَأَوَّلَ أَخَذَ بِنَفْسِي مِنَ النَّوْمِ الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ مِنْهُ . زَادَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ : قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَدَقْتَ . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَّ الَّذِي كَلَأَ الْفَجْرَ بِلَالٌ . وَمِثْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَفِيهِمَا مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ أَنَّ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ فُلَانٌ ثُمَّ فُلَانٌ ثُمَّ عُمَرُ الرَّابِعُ فَكَبَّرَ حَتَّى اسْتَيْقَظَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ : أَنَّ الْعُمَرَيْنِ لَمْ يَكُونَا مَعَهُ لَمَّا نَامَ . وَفِي قِصَّةِ عِمْرَانَ أَنَّهُمَا كَانَا مَعَهُ . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ سَبَبَهَا بِقِصَّةِ عِمْرَانَ وَفِيهِ : أَنَّ الَّذِي كَلَأَ الْفَجْرَ ذُو مِخْبَرٍ وَهُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَلَأَ لَهُمُ الْفَجْرَ ، قَالَ الْحَافِظُ : فَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ وَمَعَ ذَلِكَ فَالْجَمْعُ مُمْكِنٌ ، وَلَا سِيَّمَا مَعَ مَا فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَبَاحٍ رَاوِي الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ذَكَرَ أَنَّ عِمْرَانَ سَمِعَهُ وَهُوَ يُحَدِّثُ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ ، فَقَالَ : انْظُرْ كَيْفَ تُحَدِّثُ فَإِنِّي كَنْتُ شَاهِدَ الْقِصَّةِ فَمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَدِيثِ شَيْئًا ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اتِّحَادِهَا ، لَكِنْ لِمُدَّعِي التَّعَدُّدِ أَنْ يَقُولَ : يُحْتَمَلُ أَنَّ عِمْرَانَ حَضَرَ الْقِصَّتَيْنِ فَحَدَّثَ بِإِحْدَاهُمَا وَصَدَّقَ ابْنَ رَبَاحٍ لَمَّا حَدَّثَ بِالْأُخْرَى . انْتَهَى . فَلْيُتَأَمَّلِ الْجَمْعُ بِمَاذَا مَعَ هَذَا التَّغَايُرِ فِي الَّذِي كَلَأَ وَأَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ ، وَأَنَّ الْعُمَرَيْنِ مَعَهُ فِي قِصَّةِ عِمْرَانَ دُونَ قِصَّةِ أَبِي قَتَادَةَ ، وَسَبَقَ اخْتِلَافٌ آخَرُ فِي مَحَلِّ النَّوْمِ ، فَالْمُتَّجِهُ مَا رَجَّحَهُ عِيَاضٌ أَنَّ النَّوْمَ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ وَإِلَيْهِ أَوْمَى الْحَافِظُ قَبْلَ ذَلِكَ كَمَا مَرَّ ، وَلِذَا قَالَ السُّيُوطِيُّ : لَا يُجْمَعُ إِلَّا بِتَعَدُّدِ الْقِصَّةِ . ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اقْتَادُوا ) بِالْقَافِ وَالْفَوْقِيَّةِ أَيِ ارْتَحِلُوا ، وَبِهِ عَبَّرَ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ ، زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : فَإِنَّ هَذَا مَنْزِلٌ حَضَرَنَا فِيهِ الشَّيْطَانُ . وَيَأْتِي فِي رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَقَالَ : إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ فَعَلَّلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَذَا وَلَا يَعْلَمُهُ إِلَّا هُوَ ، قَالَ عِيَاضٌ : وَهَذَا أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ فِي تَعْلِيلِهِ وَيَأْتِي لَهُ مَزِيدٌ فِي التَّالِي . ( فَبَعَثُوا رَوَاحِلَهُمْ ) أَثَارُوهَا لِتَقُومَ ( وَاقْتَادُوا شَيْئًا ) قَلِيلًا ، وَفِي حَدِيثِ عِمْرَانَ : فَسَارَ غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ نَزَلَ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الِارْتِحَالَ وَقَعَ عَلَى خِلَافِ سَيْرِهِمُ الْمُعْتَادِ . وَفِي مُسْلِمٍ : ثُمَّ تَوَضَّأَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَتَوَضَّأَ النَّاسُ . ( ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلَاةَ ) قَالَ عِيَاضٌ : أَكْثَرُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ عَلَى فَأَقَامَ ، وَبَعْضُهُمْ قَالَ : فَأَذَّنَ أَوْ أَقَامَ بِالشَّكِّ ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ ذِي مِخْبَرٍ : فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ ثُمَّ قَامَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ وَهُوَ غَيْرُ عَجِلٍ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ . ( فَصَلَّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصُّبْحَ ) ، زَادَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ : فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنُعِيدُهَا مِنَ الْغَدِ لِوَقْتِهَا ؟ قَالَ : نَهَانَا اللَّهُ عَنِ الرِّبَا وَيَقْبَلُهُ مِنَّا . وَعِنْدَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الرِّبَا وَيَقْبَلُهُ مِنْكُمْ . ( ثُمَّ قَالَ حِينَ قَضَى الصَّلَاةَ مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ ) ، زَادَ فِي رِوَايَةِ الْقَعْنَبِيِّ : أَوْ نَامَ عَنْهَا ، وَبِهِ يُطَابِقُ التَّرْجَمَةَ ( فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا ) وَلِأَبِي يَعْلَى ، وَالطَّبَرَانِيِّ ، وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ، ثُمَّ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّكُمْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْكُمْ أَرْوَاحَكُمْ فَمَنْ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا اسْتَيْقَظَ ، وَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا : مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ ، وَبِهَذَا كُلِّهِ عُلِمَ أَنَّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ اخْتِصَارًا مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ ، فَزَعْمُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالنِّسْيَانِ مُطْلَقَ الْغَفْلَةِ عَنِ الصَّلَاةِ لِنَوْمٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ النَّوْمَ أَصْلًا لِأَنَّهُ أَظْهَرُ فِي الْعُمُومِ الَّذِي أَرَادَهُ فَاسِدٌ نَشَأَ مِنْ عَدَمِ الْوُقُوفِ عَلَى الرِّوَايَاتِ . ( فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي قَالَ عِيَاضٌ : قَالَ بَعْضُهُمْ : فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى ثُبُوتِ هَذَا الْحُكْمِ وَأَخْذِهِ مِنَ الْآيَةِ الَّتِي تَضَمَّنَتِ الْأَمْرَ لِمُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَأَنَّهُ مِمَّا يَلْزَمُنَا اتِّبَاعُهُ . وَقَالَ غَيْرُهُ : اسْتُشْكِلَ وَجْهُ أَخْذِ الْحُكْمِ مِنَ الْآيَةِ فَإِنَّ مَعْنَى الذِّكْرَى إِمَّا لِذِكْرِي فِيهَا وَإِمَّا لِأُذَكِّرُكَ عَلَيْهَا عَلَى اخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ فِي تَأْوِيلِهَا وَعَلَى كُلٍّ فَلَا يُعْطَى ذَلِكَ . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ حِينَ تَذَكُّرِهَا لَكَانَ التَّنْزِيلُ لِذِكْرِهَا ، وَأَصَحُّ مَا أُجِيبَ بِهِ أَنَّ الْحَدِيثَ فِيهِ تَغْيِيرٌ مِنَ الرَّاوِي وَإِنَّمَا هُوَ لِلذِّكْرَى بِلَامِ التَّعْرِيفِ وَأَلِفِ الْقَصْرِ كَمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ، وَفِيهِ وَفِي مُسْلِمٍ زِيَادَةٌ ، وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ يَقْرَؤُهَا لِلذِّكْرَى فَبَانَ بِهَذَا أَنَّ اسْتِدْلَالَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا كَانَ بِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ فَإِنَّ مَعْنَاهَا لِلتَّذَكُّرِ أَيْ لِوَقْتِ التَّذَكُّرِ ، قَالَ عِيَاضٌ : وَذَلِكَ هُوَ الْمُنَاسِبُ لِسِيَاقِ الْحَدِيثِ ، وَعُرِفَ أَنَّ التَّغْيِيرَ صَدَرَ مِنَ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ أَوْ مِمَّنْ دُونَهُمْ لَا مِنْ مَالِكٍ وَلَا مِمَّنْ فَوْقَهُ . قَالَ فِي الصِّحَاحِ : الذِّكْرَى نَقِيضُ النِّسْيَانِ . انْتَهَى . وَقَدْ جَمَعَ الْعُلَمَاءُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي بِأَنَّ الْقَلْبَ إِنَّمَا يُدْرِكُ الْحِسِّيَّاتِ الْمُتَعَلِّقَةَ بِهِ كَالْحَدَثِ وَالْأَلَمِ وَنَحْوِهِمَا وَلَا يُدْرِكُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ لِأَنَّهَا نَائِمَةٌ وَالْقَلْبُ يَقْظَانٌ . قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَلَا يُقَالُ الْقَلْبُ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ مِنْ رُؤْيَةِ الْفَجْرِ مَثَلًا لَكِنَّهُ يُدْرِكُ إِذَا كَانَ يَقْظَانًا مُرُورَ الْوَقْتِ الطَّوِيلِ ، فَإِنَّ مِنِ ابْتِدَاءِ الْفَجْرِ إِلَى أَنْ حَمِيَتِ الشَّمْسُ مُدَّةً لَا تَخْفَى عَلَى مَنْ لَمْ يَسْتَغْرِقْ لِأَنَّا نَقُولُ : يُحْتَمَلُ أَنَّ قَلْبَهُ كَانَ مُسْتَغْرِقًا بِالْوَحْيِ وَلَا يَلْزَمُ وَصْفُهُ بِالنَّوْمِ كَمَا كَانَ يَسْتَغْرِقُ حَالَةَ إِلْقَاءِ الْوَحْيِ يَقَظَةً ، وَحِكْمَةُ ذَلِكَ بَيَانُ التَّشْرِيعِ بِالْفِعْلِ لِأَنَّهُ أَوْقَعُ فِي النَّفْسِ كَمَا فِي سَهْوِهِ فِي الصَّلَاةِ ، قَالَ : وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا جَوَابُ ابْنِ الْمُنِيرِ بِأَنَّ السَّهْوَ قَدْ يَحْصُلُ لَهُ فِي الْيَقَظَةِ لِمَصْلَحَةِ التَّشْرِيعِ ، فَفِي النَّوْمِ أَوْلَى أَوْ عَلَى السَّوَاءِ ، وَجُمِعَ أَيْضًا بِأَنَّهُ كَانَ لَهُ حَالَانِ : أَحَدُهُمَا يَنَامُ فِيهِ الْقَلْبُ فَصَادَفَ هَذَا الْمَوْضِعَ ، وَالثَّانِي لَا يَنَامُ وَهُوَ الْغَالِبُ مِنْ أَحْوَالِهِ وَهَذَا ضَعِيفٌ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ كَمَا بَسَطَهُ فِي فَتْحِ الْبَارِي .