34 ( حَدِيثٌ ثَانٍ لِابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ ) . مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا يَصِحُّ عَنْ مَالِكٍ ، وَلَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرُ هَذَا الْإِسْنَادِ ، وَقَدْ وَهِمَ فِيهِ عُثْمَانُ الطَّرَائفِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَاجِيَةَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُفَضَّلِ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوَتِرْ . قَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ : هَذَا وَهْمٌ ، وَلَا يَصِحُّ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ وَلَا عَنِ الزُّهْرِيِّ غَيْرُ حَدِيثِ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ ، وَقَدْ رَوَاهُ أُسَيْدُ بْنُ عَاصِمٍ ، عَنْ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَذَلِكَ أَيْضًا خَطَأٌ ، وَالصَّوَابُ مَا فِي الْمُوَطَّأِ . وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي الِاسْتِنْثَارِ ، وَحُكْمِهِ ، وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَقْوَالِ فِي بَابِ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنِ الصَّنَابِحِيِّ ، وَأَمَّا الِاسْتِجْمَارُ فَهُوَ الِاسْتِطَابَةُ بِالْأَحْجَارِ ، وَمَعْنَاهُ إِزَالَةُ الْأَذَى مِنَ الْمَخْرَجِ بِالْأَحْجَارِ ، قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : مَعْنَى الِاسْتِجْمَارِ التَّمَسُّحُ بِالْأَحْجَارِ ، وَالْجِمَارُ عِنْدَ الْعَرَبِ : الْحِجَارَةُ الصِّغَارُ ، وَبِهِ سُمِّيَتْ جِمَارُ مَكَّةَ ، قَالَ : وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الَّذِي يُرْوَى : إِذَا تَوَضَّأْتَ فَانْثُرْ ، وَإِذَا اسْتَجْمَرْتَ فَأَوْتِرْ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا اللَّفْظُ يَرْوِيهِ مَنْصُورٌ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ الْأَشْجَعِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : وَمَعْنَى الْوِتْرِ عِنْدَهُمْ أَنْ يُوتِرَ مِنَ الْجِمَارِ ، وَهِيَ الْحِجَارَةُ الصِّغَارُ يُقَالُ : قَدْ جَمَّرَ الرَّجُلُ يُجَمِّرُ تَجْمِيرًا ، إِذَا رَمَى جِمَارَ مَكَّةَ ، قَالَ عُمَرُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ : فَلَمْ أُرَ كَالتَّجْمِيرِ مَنْظَرَ نَاظِرٍ وَلَا كَلَيَالِي الْحَجِّ أَفْلَتْنَ ذَا هَوَى أَفْلَتْنَ : يَعْنِي أَهْلَكْنَ ، وَالْفَلَتُ بِفَتْحِ اللَّامِ : الْهَلَاكُ ، وَمِنْهُ قِيلَ : الْمُسَافِرُ عَلَى فَلَتٍ إِلَّا مَا وَقَى اللَّهُ مِنْهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَيُرْوَى أُفْتِنَّ ذَا هَوًى ، وَيُفْتِنَّ ذَا هَوًى ، وَهَذَا شِعْرٌ عَرَضَتْ فِيهِ قِصَّةٌ طَرِيفَةٌ لِعُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ مَعَ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ، وَهِيَ حِكَايَةٌ عَجِيبَةٌ حَدَّثَنِيهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ : أَنْبَأَنَا الْعَانِدِيُّ قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الْفَرْغَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَمَّارٍ الثَّقَفِيُّ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيُّ ، عَنْ مُصْعَبٍ الزُّبَيْرِيِّ ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ حَجَّ فِي خِلَافَتِهِ فَأَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ : أَنْتَ الْقَائِلُ : وَكَمْ مِنْ قَتِيلٍ لَا يُبَاءُ بِهِ دَمٌ وَمِنْ غِلْقٍ رَهْنًا إِذَا ضَمَّهُ مِنَى وَمِنْ مَالِئٍ عَيْنَيْهِ مِنْ شَيْءِ غَيْرِهِ إِذَا رَاحَ نَحْوَ الْجَمْرَةِ الْبِيضُ كَالدُّمَا يُسَحِّبْنَ أَذْيَالَ الْمُرُوطِ بِأَسْوُقٍ ( خَوَالٍ إِذَا أَوْلَيْنَ أَعْجَازَهَا رِوَا ؟ ) أَوَانِسُ يَسْلينَ الْحَلِيمَ فُؤَادَهُ فَيَا طُولَ مَا شَوْقٍ وَيَا حُسْنَ مُجْتَلَا فَلَمْ أُرِ كَالتَّجْمِيرِ مَنْظَرَ نَاظِرٍ وَلَا كَلَيَالِي الْحَجِّ أَفْلَتْنَ ذَا هَوَى ( قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : لَا جَرَمَ ، وَاللَّهِ لَا تَشْهَدِ الْحَجَّ مَعَ النَّاسِ الْعَامَ ، وَأَخْرَجَهُ إِلَى الطَّائِفِ ) . وَذَكَرَ هَذَا الْخَبَرَ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ ، أَنْبَأَنَا وَكِيعٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَجَّ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، وَهُوَ خَلِيفَةٌ فَأَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ فَقَالَ لَهُ : أَلَسْتَ الْقَائِلَ : فَكَمْ مِنْ قَتِيلٍ لَا يُبَاءُ بِهِ دَمٌ وَمَنْ غِلْقٍ رَهَنًا إِذَا ضَمَّهُ مِنَى فَذَكَرَ الْأَبْيَاتَ ، وَالْخَبَرَ سَوَاءً إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : يَسْجُنَ أَذْيَالَ الْمُرُوطِ بِأَسْوُقٍ ( خِدَالٍ وَأَعْجَازٍ مَئَاكِمُهَا رِوًى ) ، وَلَمْ يَذْكُرِ الضَّحَّاكَ بْنَ عُثْمَانَ . وَعَرِضَتْ لَهُ فِيهِ أَيْضًا مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قِصَّةٌ يَلِيقُ بِأَهْلِ الدِّينِ الْوُقُوفُ عَلَيْهَا ، ذَكَرَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ كُنَاسَةَ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ قَالَ هَذَا الشِّعْرَ فِي أُمِّ عُمَرَ بِنْتِ مَرْوَانَ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ ، قَالَ الزُّبَيْرُ : وَحَدَّثَنِي مُصْعَبُ بْنُ عُثْمَانَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ لَمْ يَكُنْ لَهُ هَمٌّ إِلَّا عُمَرُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ ، وَالْأَحْوَصُ ، فَكَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ بِالْمَدِينَةِ : إِنِّي قَدْ عَرَفْتُ عُمَرَ ، وَالْأَحْوَصَ بِالْخُبْثِ وَالشَّرِّ ، فَإِذَا أَتَاكَ كِتَابِي هَذَا فَاشَدُدْهُمَا ، وَاحْمِلْهُمَا إِلَيَّ ، فَلَمَّا أَتَاهُ الْكِتَابُ حَمَلَهُمَا إِلَيْهِ ، فَأَقْبَلَ عَلَى عُمَرَ ثُمَّ قَالَ : هِيهِ ؟ فَلَمْ أُرَ كَالتَّجْمِيرِ مَنْظَرَ نَاظِرٍ وَلَا كَلَيَالِي الْحَجِّ أَفْلَتْنَ ذَا هَوَى وَمِنْ مَالِئٍ عَيْنَيْهِ مِنْ شَيْءِ غَيْرِهِ إِذَا رَاحَ نَحْوَ الْجَمْرَةِ الْبَيْضُ كَالدُّمَا أَمَا وَاللَّهِ لَوِ اهْتَمَمْتَ بِحَجِّكَ لَمْ تَنْظُرْ إِلَى شَيْءِ غَيْرِكَ ، فَإِذَا لَمْ يَفْلِتِ النَّاسُ مِنْكَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ فَمَتَى يَفْلِتُونَ ، ثُمَّ أَمَرَ بِنَفْيِهِ فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَوَخَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ ؟ قَالَ : مَا هُوَ ؟ قَالَ : أُعَاهِدُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى أَنْ لَا أَعُودَ لِمِثْلِ هَذَا الشِّعْرِ ، وَلَا أَذْكُرَ النِّسَاءَ فِي شِعْرٍ أَبَدًا ، وَأُجَدِّدُ تَوْبَةً عَلَى يَدَيْكَ قَالَ : أَوَتَفْعَلُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَعَاهَدَ اللَّهَ عَلَى تَوْبَتِهِ ، وَخَلَّاهُ ، ثُمَّ دَعَا بالْأَحْوَصَ فَقَالَ : هِيهِ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَ قَيِّمِهَا يَهْرُبُ مِنِّي بِهَا وَأَتَّبِعُ بَلِ اللَّهُ بَيْنَ قَيِّمِهَا وَبَيْنَكَ ، ثُمَّ أَمَرَ بِنَفْيِهِ ، فَكَلَّمَهُ فِيهِ رِجَالٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ، فَأَبَى ، وَقَالَ : وَاللَّهِ لَا أَرُدُّهُ مَا دَامَ لِي سُلْطَانٌ ; فَإِنَّهُ فَاسِقٌ مُجَاهِرٌ ، وَالتَّجْمِيرُ أَيْضًا فِي لِسَانِ الْعَرَبِ : أَنْ يُرْمَى بِالْجُنْدِ فِي ثَغْرٍ مِنْ ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فِي الرُّجُوعِ ، قَالَ حُمَيْدٌ الْأَرْقَطُ : فَالْيَوْمَ لَا ظُلْمٌ وَلَا تَجْمِيرُ وَلَا لِغَازٍ إِنْ غَزَا تَجْمِيرُ وَقَالَ بَعْضُ الْغُزَاةِ الْمُجَمَّرِينَ : مُعَاوِيُ إِمَّا أَنْ تُجَمِّرَ أَهْلَنَا إِلَيْنَا وَإِمَّا أَنْ نَؤُبَ مُعَاوِيَا أَجَمَّرْتَنَا إِجْمَارَ كِسْرَى جُنُودَهُ وَمَنَّيْتَنَا حَتَّى مَلَلْنَا الْأَمَانِيَا وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي إِزَالَةِ الْأَذَى مِنَ الْمَخْرَجِ بِالْمَاءِ أَوْ بِالْأَحْجَارِ ، هَلْ هُوَ فَرْضٌ وَاجِبٌ ، أَمْ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ ؟ فَذَهَبَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فَرْضًا ، وأنَّهُ سُنَّةٌ لَا يَنْبَغِي تَرْكُهَا ، وَتَارِكُهُا عَمْدًا مُسِيءٌ ، فَإِنْ صَلَّى كَذَلِكَ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا يَسْتَحِبُّ لَهُ الْإِعَادَةَ فِي الْوَقْتِ ، وَعَلَى ذَلِكَ أَصْحَابُهُ ، وَالْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ عِنْدَهُ ، وَلَا عِنْدَ كُلِّ مَنْ قَالَ كَقَوْلِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاكٌ لِمَا فَاتَهُ مِنَ السُّنَّةِ فِي الْوَقْتِ ، وَلَوْ وَجَبَ فِي السُّنَنِ أَنْ تُعَادَ بَعْدَ الْوَقْتِ لَكَانَتْ كَالْفَرَائِضِ فِي وُجُوبِهَا . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَالطَّبَرِيُّ : الِاسْتِنْجَاءُ وَاجِبٌ لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ مَنْ صَلَّى دُونَ أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِالْأَحْجَارِ أَوْ بِالْمَاءِ ، وَمَوْضِعُ الْمَخْرَجِ مَخْصُوصٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ بِالْأَحْجَارِ ، وَأَمَّا سَائِرُ الْبَدَنِ وَالثِّيَابُ فَلَا مَدْخَلَ لِلْأَحْجَارِ فِيهَا . وَيَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِ الِاسْتِنْجَاءُ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ إِذَا ذَهَبَ النَّجَسُ ; لِأَنَّ الْوِتْرَ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ فَمَا فَوْقَهُ ، وَالْوِتْرُ عِنْدَهُمْ مُسْتَحَبٌ ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ ، وَإِذَا كَانَ الِاسْتِنْجَاءُ عِنْدَهُمْ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، فَالْوِتْرُ فِيهِ أَحْرَى بِأَنْ لَا يَكُونَ وَاجِبًا ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ : مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ الْحُصَيْنِ الْحِرَابِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ الْحَدِيثَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ أَنْ يُقْتَصَرَ عَلَى أَقَلِّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو الْفَرَجِ الْمَالِكِيُّ ، وَمِنَ الْحُجَّةِ لِهَذَا الْقَوْلِ : مَا حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : أَنْبَأَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ سَلْمَانَ قَالَ : قَالَ لَهُ رَجُلٌ : إِنَّ صَاحِبَكُمْ لَيُعَلِّمُكُمْ حَتَّى الْخِرَاءَةِ ، قَالَ : أَجَلْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ ، أَوْ بَوْلٍ ، أَوْ نَسْتَنْجِيَ بِأَيْمَانِنَا ، وَنَكْتَفِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ قَالَ : وَأَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ قَالَ : أَخْبَرَنَا الْقَعْقَاعُ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الْوَالِدِ أُعَلِّمُكُمْ ، فَإِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْخَلَاءِ فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ ، وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا ، وَلَا يَسْتَنْجِي بِيَمِينِهِ ، وَكَانَ يَأْمُرُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ ، وَيَنْهَى عَنِ الرَّوْثِ ، وَالرِّمَّةِ . وَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمْ : كُلُّ مَا قَامَ مَقَامَ الْأَحْجَارِ مِنْ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ الطَّاهِرَةِ ، فَجَائِزٌ أَنْ يُسْتَنْجَى بِهِ مَا لَمْ يَكُنْ مَأْكُولًا . وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : كُلُّ طَاهِرٍ وَكُلُّ نَجِسٍ أَزَالَ النَّجَسَ أَجَزَأَ ، وَقَالَ دَاوُدُ ، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ : لَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِغَيْرِ الْأَحْجَارِ الطَّاهِرَةِ ، وَالْأَحْجَارُ عِنْدَهُمْ مَخْصُوصَةٌ بِتَطْهِيرِ الْمَخْرَجِ كَمَا أَنَّ الْمَخْرَجَ مَخْصُوصٌ بِأَنْ يُطَهَّرَ بِالْأَحْجَارِ فَيُجْزِئُ فِيهِ عَنِ الْمَاءِ دُونَ مَا عَدَاهُ . وَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا : إِنِ اسْتَنْجَى بِعَظْمٍ أَجْزَأَهُ ، وَبِئْسَ مَا صَنَعَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُجْزِئُ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى ، عَنِ الرَّوْثِ ، وَالرِّمَّةِ ، وَنَهَى أَنْ يُسْتَنْجَى بِعَظْمٍ ، وَالرِّمَّةُ : الْعِظَامُ ، فَلَمَّا طَابَقَ النَّهْيَ لَمْ يَجُزْ . وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُتَمَسَّحَ بِعَظْمٍ أَوْ بَعْرٍ . وَلَا فَرْقَ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِمَا فِي مَخْرَجِ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ بَيْنَ الْمُعْتَادَاتِ ، وَغَيْرِ الْمُعْتَادَاتِ أَنَّ الْحِجَارَةَ تُجْزِئُ فِيهَا فِي السَّبِيلَيْنِ جَمِيعًا ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ : أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِيمَا عَدَا الْغَائِطَ وَالْبَوْلَ إِلَّا الْمَاءُ قَالَ : وَكَذَلِكَ مَا عَدَا الْمَخْرَجَ وَمَا حَوْلَهُ مِمَّا يُمْكِنُ التَّحَفُّظُ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِيهِ الْأَحْجَارُ ، وَلَا يُجْزِئُ فِيهِ إِلَّا الْمَاءُ ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي الْمَذْيِ ، وَحُكْمِ غَسْلِ الذَّكَرِ مِنْهُ فِي بَابِ أَبِي النَّضْرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَعِنْدَ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَنَّ مَا حَوْلَ الْمَخْرَجِ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي الْأَغْلَبِ وَالْعَادَةِ لَا يُجْزِئُ فِيهِ إِلَّا الْمَاءُ ، وَهَكَذَا حَكَى ابْنُ خُوَازِ بنْدَادَ عَنْهُمْ . وَقَدْ قَالَتْ طَائِفَةٌ : إِنَّ الْأَحْجَارَ تُجْزِئُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ ، لِأَنَّ مَا لَا يُمْكِنُ التَّحَفُّظُ مِنْهُ مِنَ الشَّرَجِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَخْرَجِ ، قَالَ : وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فَقَالُوا مَرَّةً : يُجْزِئُ فِيهِ الأحجار ، ومرة مِثْلَ قَوْلِنَا . وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، فَعَلَى أَصْلِهِمْ أَنَّ النَّجَاسَةَ إِذَا لَمْ تَكُنْ رَطْبَةً تَزُولُ بِكُلِّ مَا أَزَالَ عَيْنَهَا وَأَذْهَبَهَا غَيْرَ الْمَاءِ ، وَقَدْرُ الدِّرْهَمِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ أَصْلًا عِنْدَ جَمِيعِ الْعِرَاقِيِّينَ . وَقَالَ دَاوُدُ : النَّجَاسَةُ لَا يُزِيلُهَا غير الْمَاءُ ، وَإِذَا زَالَتْ بِأَيِّ وَجْهٍ زَالَتْ أَجْزَأَ ، وَلَا يُحَدُّ قَدْرُ الدِّرْهَمِ . قَالَ مَالِكٌ : تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِالِاسْتِنْجَاءِ بِالْأَحْجَارِ ، وَالْمَاءُ أَحَبُّ إِلَيْهِ ، وَيَغْسِلُ مَا هُنَالِكَ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : يَسْتَنْجِي بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ ، فَإِنْ لَمْ تُنْقِ زَادَ حَتَّى يَنْقَى ، وَإِنْ أَنْقَاهُ حَجَرٌ وَاحِدٌ أَجْزَأَهُ ، وَكَذَلِكَ غَسْلُهُ بِالْمَاءِ إِنْ أَنْقَاهُ بِغَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَذَلِكَ فِي الْمَخْرَجِ ، وَمَا عَدَا الْمَخْرَجَ فَإِنَّمَا يُغْسَلُ بِالْمَاءِ ، وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : يَجُوزُ ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ ، وَالْمَاءُ أَطْهَرُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَجُوزُ بِالْأَحْجَارِ مَا لَمْ يَعْدُ الْمَخْرَجَ ، فَإِنْ عَدَا الْمَخْرَجَ لَمْ يَجُزْ إِلَّا الْمَاءُ ، وَالْمُهَاجِرُونَ كَانُوا لَا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ . وَرُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ فَقَالَ : إِذًا لَا تَزَالُ يَدِي فِي نَتْنٍ . وَأَمَّا الْأَنْصَارُ فَكَانُوا يُتْبِعُونَ الْأَحْجَارَ بِالْمَاءِ ، وَأَثْنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَهْلِ قُبَاءٍ . وَالْمَاءُ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْأَنصَارِ أَطْهَرُ وَأَطْيَبُ ، وَالْأَحْجَارُ رُخْصَةٌ تُجْزِئُ ، وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ جَعَلَ الِاسْتِنْجَاءَ وَاجِبًا ، وَسَائِرُ الْعُلَمَاءِ يَسْتَحِبُّونَ الْوِتْرَ ، وَقَدْ رَوَى ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ الشَّامِيُّ ، عَنِ الْحُصَيْنِ الْجَوَّانِيِّ ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنِ اكْتَحَلَ فَلْيُوتِرْ ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوَتِرْ ، وَمَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَهُوَ حَدِيثٌ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ; لِأَنَّ إِسْنَادَهُ لَيْسَ بِالْقَائِمِ ، فِيهِ مَجْهُولُونَ ، ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى الرَّازِيِّ ، عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ ، عَنْ ثَوْرٍ ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ التَّمَّارُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَهْلِ قُبَاءٍ : فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ قَالَ : وَكَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الثَّانِي مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ · ص 12 التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الثَّامِنَ عَشَرَ وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ · ص 247 حَدِيثٌ ثَامِنَ عَشَرَ مِنَ الْبَلَاغَاتَ مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ يَوْمَ مَاتَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ، فَدَعَا بِوَضُوءٍ ، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ : يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَسْبِغِ الْوُضُوءَ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ . هَذَا الْحَدِيثُ يَرْوِيهِ سَالِمٌ الدَّوْسِيُّ ، وَهُوَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى دَوْسٍ ، وَيُقَالُ مَوْلَى النَّصْرِيِّينَ ، وَيُقَالُ : مَوْلَى مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثنانِ النَّصْرِيِّ ، وَهُوَ سَالِمٌ سَبَلَانُ ، فَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ ، وَقِيلَ : بَلِ الِاخْتِلَافُ عَلَى يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ فِي حَدِيثِهِ عَنْ عَائِشَةَ ، وَهُوَ حَدِيثٌ مَدَنِيٌّ حَسَنٌ ، رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى . فَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ ، فَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ بَشِيرٍ ، عَنْ سَالِمٍ سَبْلَانَ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ عَائِشَةَ - رَحِمَهَا اللَّهُ - إِلَى مَكَّةَ ، وَكَانَتْ تَخْرُجَ مَعَهَا بِأَبِي يَحْيَى التَّيْمِيِّ يُصَلِّي بِهَا ، قَالَ : فَأَدْرَكَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، فَأَسَاءَ عِنْدَهَا الْوُضُوءَ ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ : يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَسْبِغِ الْوُضُوءَ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ . وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ سَالِمٍ الدَّوْسِيِّ ، فَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى يَحْيَى ، فَرَوَاهُ عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي سَالِمٌ مَوْلَى الْمَهْرِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ عَائِشَةَ تُنَادِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ : أَسْبِغِ الْوُضُوءَ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ . وَذَكَرَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ أَيْضًا ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ سَالِمٍ مَوْلَى الْمَهْرِيِّ قَالَ : خَرَجْتُ أَنَا وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فِي جَنَازَةِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، فَمَرَرْنَا عَلَى بَابِ حُجْرَةِ عَائِشَةَ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَرَوَاهُ أَيُّوبُ بْنُ عُتْبَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ مُعَيْقِبٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ ، وَهَذَا خَطَأٌ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - وَالصَّوَابُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ مَا رَوَاهُ عَنْهُ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَحَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ ، وَحُسَيْنُ الْمُعَلِّمُ ، وَشَيْبَانُ ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا فِيهِ فَرَوَوْهُ عَنْ يَحْيَى ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، لَا ذِكْرَ فِيهِ لِأَبِي سَلَمَةَ ، وَلَيْسَ حَدِيثُ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ مِمَّا يُرْفَعُ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ ، مِنْ سَالِمٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْ سَالِمٍ ، فَحَدَّثَ بِهِ عَنْهُ ، عَنْ عَائِشَةَ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إِنَّ الْمَقْبُرِيَّ رَوَاهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قِيلَ لَهُ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو سَلَمَةَ أَرْسَلَهُ عَنْ عَائِشَةَ ، وَهُوَ قَدْ سَمِعَهُ مِنْ سَالِمٍ عَنْهَا ، فَإِنْ قِيلَ إِنَّ ابْنَ عَجْلَانَ يَقُولُ فِيهِ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تَقُولُ : يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ ، أَسْبِغِ الْوُضُوءَ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ . قِيلَ لَهُ : لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ مَنْ يُوثَقُ بِحِفْظِهِ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ ، حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : تَوَضَّأَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، عِنْدَ عَائِشَةَ فَقَالَتْ لَهُ : يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَسْبِغِ الْوُضُوءَ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ . فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ تَدُلُّ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - عَلَى أَنَّهُ لم يسمعه أَبُو سَلَمَةَ مِنْ عَائِشَةَ . وَأَمَّا رِوَايَةُ أَيُّوبَ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ مُعَيْقِبٍ فَخَطَأٌ لَا شَكَّ فِيهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - ، وَأَيُّوبُ بْنُ عُتْبَةَ ضَعِيفٌ جِدًّا ، وَالصَّوَابُ فِيهِ مَا رَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ وَمَنْ تَابَعَهُ ، وَرِوَايَةُ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ غَيْرُ مَرْفُوعَةٍ فِي هَذَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَكَمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي حَسَّانَ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ حَبِيبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ سَالِمٍ الدَّوْسِيِّ قَالَ : دَخَلْتُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَلَى عَائِشَةَ ، فَدَعَا بِوَضُوءٍ ، فَقَالَتْ : يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ ، أَسْبِغِ الْوُضُوءَ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ الْمُعَلِّمُ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَرْتِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَا : حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي سَالِمٌ زَادَ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، ثُمَّ اتَّفَقَا الدَّوْسِيُّ قَالَ : دَخَلْتُ أَنَا وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَلَى عَائِشَةَ ، فَدَعَا بِوَضُوءٍ ، قَالَتْ : يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ ، أَسْبِغِ الْوُضُوءَ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شَيْبَانُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ سَالِمٍ مَوْلَى دَوْسٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تَقُولُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى شَدَّادِ بْنِ الْهَادِي حَدَّثَهُ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ ، وَعِنْدَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ حَدِيثِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَمِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عِيسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حُبَابَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ، وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا وَالنَّاسُ يَتَطَهَّرُونَ مِنَ الْمِطْهَرَةِ فَيَقُولُ : أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : وَيْلٌ لِلْعَقِبِ مِنَ النَّارِ . وَرَوَاهُ جَابِرٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلِيفَةَ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَرْثَدٍ ، أَوِ ابْنِ أَبِي مَرْثَدٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي كُرَيْبٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا أَنَّهُ اخْتَلَفَ فِيهِ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، فَطَائِفَةٌ تَرْوِيهِ عَنْهُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلِيفَةَ ، وَطَائِفَةٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَرْثَدٍ ، وَطَائِفَةٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي كُرَيْبٍ ، وَكُلُّهُمْ لَيْسَ بِالْمَشْهُورِ . وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنُ جَزْءٍ الزُّبَيْرِيُّ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ ، وَابْنِ لَهِيعَةَ ، عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ ، سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ صَاحِبَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) يَقُولُ : وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ ، وَبُطُونِ الْأَقْدَامِ مِنَ النَّارِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ ، وَسَعِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ ، عَنِ اللَّيْثِ ، فَذَكَرَهُ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، وَأَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ صَاحِبَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ ، وَبُطُونِ الْأَقْدَامِ مِنَ النَّارِ . وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ بُرَيْدٍ ، والليث ، فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ بُطُونَ الْأَقْدَامِ ، حَدَّثَنَاهُ خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ قَالَا : حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ . وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو مِنْ حَدِيثِ مَنْصُورٍ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ ، عَنْ أَبِي يَحْيَى ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو . رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ ، وَغَيْرُهُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ، وَأَبِي ذَرٍّ ، وَأَبِي أُمَامَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَفِيهَا ضَعْفٌ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ آدَمَ ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْنٍ ثَابِتُ بْنُ نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ سَعِيدِ ابْنِ أَبِي كُرَيْبٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَدَمِ رَجُلٍ نَحْوَ الدِّرْهَمِ لَمْ يَغْسِلْهُ فَقَالَ : وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ . وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ ، وَأَصَحُّ حَدِيثٍ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ : حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ الزُّبَيْرِيِّ ، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي ، ثُمَّ حَدِيثُ عَائِشَةَ ، فَهُوَ مَدَنِيٌّ حَسَنٌ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ ، عَنْ أَبِي يَحْيَى ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْمًا يَتَوَضَّؤونَ ، فَرَأَى أَعْقَابَهُمْ تَلُوحُ فَقَالَ : وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ ، أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عِوَانَةَ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : تَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا فَأَدْرَكَنَا ، وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا الصَّلَاةُ - صَلَاةُ الْعَصْرِ - وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا ، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ : وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ ، مَرَّتَيْنِ ، أَوْ ثَلَاثًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ إِيجَابُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ ، وَفِي ذَلِكَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَبَيَانُ أَنَّهُ أَرَادَ الْغَسْلَ لَا الْمَسْحَ ، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ قُرِئَتْ : وَأَرْجُلِكُمْ بِالْجَرِّ ، فَذَلِكَ مَعْطُوفٌ عَلَى اللَّفْظِ دُونَ الْمَعْنَى ، وَالْمَعْنَى فِيهِ الْغَسْلُ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ - عَزَّ وَجَلَّ - : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ، وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ، وَامْسَحُوا بِرُؤوسِكُمْ . وَالْقِرَاءَتَانِ بِالنَّصْبِ وَالْجَرِّ صَحِيحَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ ، وَالْمَسْحُ ضِدُّ الْغَسْلِ ، وَمُخَالِفٌ لَهُ ، وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ تُبْطَلَ إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالْأُخْرَى مَا وُجِدَ إِلَى تَخْرِيجِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا سَبِيلٌ ، وَقَدْ وَجَدْنَا الْعَرَبَ تَخْفِضُ بِالْجِوَارِ ، كَمَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ : كَبِيرُ أُنَاسٍ فِي بِجَادٍ مُزَمَّلِ فَخَفَضَ بِالْجِوَارِ ، وَإِنَّمَا الْمُزَمَّلُ الرَّجُلُ ، وَإِعْرَابُهُ هَاهُنَا الرَّفْعُ . وَكَمَا قَالَ زُهَيْرٌ : لَعِبَ الزَّمَانُ بِهَا وَغَيَّرَهَا بَعْدِي سُوَافِي الْمَوْرِ وَالْقَطْرِ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : كَانَ الْوَجْهُ الْقَطْرُ بِالرَّفْعِ ، وَلَكِنْ جَرَّهُ عَلَى جِوَارِ الْمَوْرِ كَمَا قَالَتِ الْعَرَبُ : هَذَا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ ، فَجَّرَتْهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ رَفْعٌ ( وَخَفْضُهُ بِالْمُجَاوَرَةِ ) ، وَمِنْ هَذَا قِرَاءَةُ أَبِي عَمْرٍو : يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٍ بِالْجَرِّ ; لِأَنَّ النُّحَاسَ : الدُّخَانُ ، فَعَلَى مَا ذَكَرْنَا تَكُونُ مَعْنَى الْقِرَاءَةِ بِالْجَرِّ النَّصْبُ ، وَيَكُونُ الْخَفْضُ عَلَى اللَّفْظِ لِلْمُجَاوِرَةِ ، وَالْمَعْنَى : الْغَسْلُ ، وَقَدْ يُرَادُ بِلَفْظِ الْمَسْحِ الْغَسْلُ عِنْدَ الْعَرَبِ مِنْ قَوْلِهِمْ : تَمَسَّحْتُ لِلصَّلَاةِ ، وَالْمُرَادُ الْغَسْلُ ، وَيُشِيرُ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ كُلِّهِ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ . وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَالتَّأْوِيلِ جُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، وَجَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ بِالْحِجَازِ ، وَالْعِرَاقِ ، وَالشَّامِ ، مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالرَّأْيِ ، وَإِنَّمَا رُوِيَ مَسْحُ الرِّجْلَيْنِ ، عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ ، وَبَعْضِ التَّابِعِينَ ، وَتَعَلَّقَ بِهِ الطَّبَرِيُّ ، وَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ فِي نَظَرٍ ، وَلَا أَثَرٍ . وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ ، فَخَوَّفَنَا بِذِكْرِ النَّارِ مِنْ مُخَالَفَةِ مُرَادِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُعَذَّبُ بِالنَّارِ إِلَّا عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : فَرَأَى أَعْقَابَنَا تَلُوحُ فَقَالَ : وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ . وَأَوْضَحُ مِنْ هَذَا مَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ : وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ ، وَبُطُونِ الْأَقْدَامِ مِنَ النَّارِ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَسْحَ لَيْسَ شَأْنُهُ الِاسْتِيعَابَ ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِالْمَسْحِ عَلَى الرِّجْلَيْنِ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى ظُهُورِهِمَا لَا عَلَى بُطُونِهِمَا ، فَتَبَيَّنَ بِهَذَا الْحَدِيثِ بُطْلَانُ قَوْلِ مَنْ قَالَ بِمَسْحِ الْقَدَمَيْنِ ، إِذْ لَا مَدْخَلَ لِمَسْحِ بُطُونِهِمَا عِنْدَهُمْ ، وَأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يُدْرَكُ بِالْغَسْلِ لَا بِالْمَسْحِ ، وَدَلِيلٌ آخَرُ مِنَ الْإِجْمَاعِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ غَسَلَ قَدَمَيْهِ أَدَّى الْوَاجِبَ الَّذِي عَلَيْهِ . وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ مَسَحَ قَدَمَيْهِ ، فَالْيَقِينُ : مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ دُونَ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ، وَقَدِ اتَّفَقُوا أَنَّ الْفَرَائِضَ إِنَّمَا يَصْلُحُ أَدَاؤُهَا بِالْيَقِينِ ، وَإِذَا جَازَ عِنْدَ مَنْ قَالَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ أَنَّ يَكُونَ مَنْ غَسَلَ قَدَمَيْهِ قَدْ أَدَّى الْفَرْضَ عِنْدَهُ ، فَالْقَوْلُ فِي هَذَا الْحَالِ بِالِاتِّفَاقِ هُوَ الْيَقِينُ مَعَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مَنْ قَرَأَ : وَأَرْجُلِكُمْ بِالْخَفْضِ أَرَادَ بِهِ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ مَعَ مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْآثَارِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَذَكَرَ أَشْهَبُ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنَ فِي آيَةِ الْوُضُوءِ أَبِالنَّصْبِ أَمْ بِالْخَفْضِ ؟ فَقَالَ : هُوَ الْغَسْلُ ، وَلَا يُجْزِي الْمَسْحُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَنْ قَرَأَ بِالنَّصْبِ فَصَلَ بَيْنَ الْمَسْحِ وَالْغَسْلِ بِالْإِعْرَابِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : اغْسِلُوا ، وُجُوهَكُمْ ، وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ، وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ، وَكَأَنَّ ذَلِكَ أَشْبَهُ بِفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِأَمْرِهِ ، فَأَمَّا فِعْلُهُ ، فَمَا نَقَلَ الْجُمْهُورُ كَافَّةً ، عَنْ كَافَّةٍ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ فِي وُضُوئِهِ مَرَّةَ ، وَاثْنَتَيْنِ ، وَثَلَاثًا حَتَّى يُنَقِّيَهُمَا . وَأَمَّا أَمْرُهُ ، فَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ ، وَقَدْ جَاءَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ وَبُطُونِ الْأَقْدَامِ مِنَ النَّارِ ، وَوَيْلٌ لِلْعَرَاقِيبِ مِنَ النَّارِ . وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْغَسْلُ وَاجِبًا مَا خُوِّفَ مَنْ لَمْ يَغْسِلْ عَقِبَيْهِ وَعُرْقُوبَيْهِ بِالنَّارِ ; لِأَنَّ الْمَسْحَ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ الِاسْتِيعَابُ ، وَلَا يَبْلُغُ بِهِ الْعَرَاقِيبُ ، وَلَا الْأَعْقَابُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْعُرْقُوبُ هُوَ مَجْمَعُ مَفْصَلِ السَّاقِ وَالْقَدَمِ ، وَالْكَعْبُ هُوَ النَّاتِئُ فِي أَصْلِ السَّاقِ ، يَدُلُّكُ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ : أَقْبَلَ ( عَلَيْنَا ) رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِوَجْهِهِ فَقَالَ : أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ ، قَالَ : فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَلْزَقُ كَعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ . وَالْعَقِبُ هُوَ مُؤَخَّرُ الرِّجْلِ تَحْتَ الْعُرْقُوبِ . وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي الْكَعْبَيْنِ ، وَأَوْضَحْنَا الْمَذَاهِبَ عَنِ الْعَرَبِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْعُرْقُوبِ ، وَالْكَعْبِ فِي بَابِ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ تَخْلِيلُ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ فِي الْوُضُوءِ ، وَلَا فِي الْغُسْلِ ، وَلَا خَيْرَ فِي الْجَفَاءِ ، وَالْغُلُوِّ . قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : تَخْلِيلُ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ فِي الْوُضُوءِ مُرَغَّبٌ فِيهِ ، وَلَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ فِي أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ ، وَأَمَّا أَصَابِعُ رِجْلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يُخَلِّلْهَا فَلَا بُدَّ مِنْ إِيصَالِ الْمَاءِ إِلَيْهَا . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ : مَنْ لَمْ يُخَلِّلْ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ تَوَضَّأَ عَلَى نَهْرٍ فَحَرَّكَ رِجْلَيْهِ ، أَنَّهُ لَا يَجْزِيهِ حَتَّى يَغْسِلَهُمَا بِيَدَيْهِ . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَإِنْ قَدَرَ عَلَى غَسْلِ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى أَجْزَأَهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : يُلْزَمُ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْغَسْلَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِمُرُورِ الْيَدَيْنِ أَنْ يَقُولَ : إِنَّهُ لَا يُجْزِيهِ أَنَّ غَسْلَ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ تَخْلِيلَ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِغَسْلِهِمَا وَاحِدٌ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ يُدَلِّكُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخُنْصُرِهِ ، وَهَذَا عِنْدَنَا عَلَى الْكَمَالِ . وَقَدْ مَضَى فِي صِفَةِ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ فِي بَابِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى مَعْنَى هَذَا الْبَابِ ، وَمَضَى فِي بَابِ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى مِنْ هَذَا الْكِتَابِ أَيْضًا الْقَوْلُ فِي غَسْلِ الْمِرْفَقَيْنِ مَعَ الْيَدَيْنِ ، وَالْكَعْبَيْنِ مَع الرِّجْلَيْنِ ، فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَةِ ذَلِكَ هَاهُنَا . وَقَدْ كَانَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي آخِرِ عُمْرِهِ يُدَلِّكُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِأَصَابِعِ يَدَيْهِ لِحَدِيثٍ حَدَّثَهُ ابْنُ وَهْبٍ ( ذَكَرَ أَحْمَدُ بْنُ وَهْبٍ ) قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ : سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ تَخْلِيلِ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ فِي الْوُضُوءِ ، فَقَالَ : أَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ ؟ فَأَمْهَلْتُهُ حَتَّى خَفَّ النَّاسُ عَنْهُ ، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، سَمِعْتُكَ تُفْتِي فِي مَسْأَلَةٍ عِنْدَنَا فِيهَا سُنَّةٌ ، قَالَ : وَمَا هِيَ ؟ قُلْتُ : حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَمْرٍو الْمُعَافِرِيِّ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِّيِّ ، عَنِ الْمُسْتَوَرِدِ بْنِ شَدَّادٍ القرشي قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَوَضَّأُ فَيُخَلِّلُ ( بِخُنْصُرِهِ ) مَا بَيْنَ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ . قَالَ : فَقَالَ لِي مَالِكٌ : إِنَّ هَذَا لَحَسَنٌ ، وَمَا سَمِعْتُ بِهِ قَطُّ إِلَّا السَّاعَةَ . قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : ثُمَّ سَمِعْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ يُسْأَلُ عَنْ تَخْلِيلِ الْأَصَابِعِ فِي الْوُضُوءِ فَيَأْمُرُ بِهِ . وَرَوَى غَيْرُهُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ : فَرَأَيْتُهُ يَعْمَلُ بِهِ ، وَلَمْ يَقُلْ بِأَمْرِهِ .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث أبي هريرة إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء وحديث مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ · ص 46 1327 - قَالَ يَحْيَى : سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْثِرُ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ : إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ . 1328 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَمَضْمَضَ ، وَاسْتَنْشَقَ ، وَاسْتَنْثَرَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ . 1329 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ : فَمَضْمَضَ ، وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ وَهُوَ أَمْرٌ لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا أَنَّهُ مَنْ شَاءَ فَعَلَهُ . 1330 - وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ يَسْتَحْسِنُهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَحِبُّ أَنْ يَسْتَنْشِقَ مِنْ غَيْرِ الْمَاءِ الَّذِي تَمَضْمَضَ مِنْهُ ، وَكُلٌّ قَدْ رُوِيَ .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث عائشة ويل للأعقاب من النار · ص 46 38 - مَالِكٌ ، أَنَّهُ بَلَغَهُ ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ قَدْ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ ، زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْم مَاتَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ، فَدَعَا بِوَضُوءٍ . فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ : يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ ! أَسْبِغِ الْوُضُوءَ . فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ . 1331 - هَذَا الْحَدِيثُ يُرْوَى مُتَّصِلًا مُسْنَدًا عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَمِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَمِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ الزُّبَيْدِيِّ . وَقَدْ ذَكَرْتُهَا كُلَّهَا فِي التَّمْهِيدِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 1332 - وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ لَا عِلَّةَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَسَانِيدِهَا وَلَا مَقَالَ . 1333 - وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ : غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ . 1334 - وَفِي ذَلِكَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ فَرُوِيَتْ بِخَفْضِ أَرْجُلِكُمْ وَنَصْبِهَا ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ غَسْلُ الْأَرْجُلِ لَا مَسْحُهَا ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ لَيْسَ شَأْنُهُ اسْتِيعَابَ الْمَمْسُوحِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ جَرَّ ( الْأَرْجُلَ ) عَطَفَهَا عَلَى اللَّفْظِ لَا عَلَى الْمَعْنَى ، وَالْمَعْنَى فِيهِمَا الْغَسْلُ ، عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ . كَأَنَّهُ قَالَ : فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ، وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ، وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ، وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ . وَالْقِرَاءَتَانِ صَحِيحَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ . 1335 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْغَسْلَ مُخَالِفٌ لِلْمَسْحِ ، وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ تَبْطُلَ إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالْأُخْرَى ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى الْغَسْلَ ، أَوِ الْعَطْفَ عَلَى اللَّفْظِ . 1336 - وَكَذَلِكَ قَالَ أَشْهَبُ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ : وَأَرْجُلِكُمْ بِالْخَفْضِ . فَقَالَ : هُوَ الْغَسْلُ . 1337 - وَهَذَا التَّأْوِيلُ تُعَضِّدُهُ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا بِأَنَّهُ كَانَ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ فِي وُضُوئِهِ مَرَّةً ، وَمَرَّتَيْنِ ، وَثَلَاثًا . 1338 - وَجَاءَ أَمْرُهُ فِي ذَلِكَ مُوَافِقًا لِفِعْلِهِ فَقَالَ : وَيْلٌ لِلْعَرَاقِيبِ مِنَ النَّارِ ، وَيْلٌ لِلْعَرَاقِيبِ وَبُطُونِ الْأَقْدَامِ مِنَ النَّارِ . 1339 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَلْفَاظَ بِهَذِهِ الْآثَارِ مُسْنَدَةً فِي التَّمْهِيدِ . 1340 - وَقَدْ وَجَدْنَا الْعَرَبَ تَخْفِضُ بِالْجِوَارِ وَالْإِتْبَاعِ عَلَى اللَّفْظِ بِخِلَافِ الْمَعْنَى وَالْمُرَادُ عِنْدَهَا الْمَعْنَى ، كَمَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ : كَبِيرُ أُنَاسٍ فِي بِجَادٍّ مُزَمَّلِ فَخَفَّضَ بِالْجِوَارِ ، وَإِنَّمَا الْمُزَمَّلُ الرَّجُلُ وَالْإِعْرَابُ فِيهِ الرَّفْعُ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ أَيْضًا : صَفِيفَ شِوَاءٍ أَوْ قَدِيرٍ مُعَجَّلِ وَكَانَ الْوَجْهُ أَنْ يَقُولَ : أَوْ قَدِيرًا مُعَجَّلًا ، وَلَكِنَّهُ خَفَضَ لِلْإِتْبَاعِ . 1341 - وَكَمَا قَالَ زُهَيْرٌ : لَعِبَ الزَّمَانُ بِهَا وَغَيَّرَهَا بَعْدِي سَوَافِي الْمُورِ وَالْقَطْرِ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : كَانَ الْوَجْهُ ( وَالْقَطْرُ ) بِالرَّفْعِ ، وَلَكِنَّهُ جَرَّهُ بِالْجِوَارِ عَلَى ( الْمُورِ ) ، كَمَا قَالَتِ الْعَرَبُ : هَذَا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ . 1342 - وَمِنْ هَذَا قِرَاءَةُ أَبِي عَمْرٍو : يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٍ بِالْجَرِّ ، لِأَنَّ النُّحَاسَ هُوَ الدُّخَانُ . وَقِرَاءَةُ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ : ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينِ بِالْخَفْضِ . 1343 - وَمِنْ هَذَا أَيْضًا قَوْلُ النَّابِغَةِ : لَمْ يَبْقَ غَيْرَ طَرِيدٍ غَيْرِ مُنْفَلِتٍ أَوْ مُوثَقٌ فِي حِبَالِ الْقَدِّ مَسْلُوبِ فَخَفَضَ . 1344 - وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ الْآخَرُ : فَهَلْ أَنْتَ إِنْ مَاتَتْ أَتَانُكَ رَاحِلٌ إِلَى آلِ بِسِطَامِ بْنِ قَيْسٍ فَخَاطَبِ ؟ بِكَسْرِ الْبَاءِ . 1345 - وَمِنْهُ أَيْضًا قَوْلُ الشَّاعِرِ : حَيِّ دَارًا أَعْلَامُهَا بِالْجَنَابِ مِثْلُ مَا لَاحَ فِي الْأَدِيمِ الْكِتَابِ فَجَرَّ ( الْكِتَابَ ) بِالْجِوَارِ لِ ( الْأَدِيمِ ) وَمَوْضِعُهُ الرَّفْعُ بِ ( لَاحَ ) ، وَقَدْ يَكُونُ ( الْكِتَابُ ) مَخْفُوضًا رَدًّا عَلَى ( مَا ) بَدَلًا مِنْ ( مَا ) . 1346 - وَقَدْ يُرَادُ بِالْمَسْحِ الْغَسْلُ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ : تَمَسَّحْتُ لِلصَّلَاةِ ، وَالْمُرَادُ : الْغَسْلُ . 1347 - وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي إِيجَابِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ، وَجَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْآثَارِ . 1348 - وَإِنَّمَا رُوِيَ مَسْحُ الرِّجْلَيْنِ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ ، وَالتَّابِعِينَ ، وَتَعَلَّقَ بِهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ . 1349 - وَلَوْ كَانَ مَسْحُ الرِّجْلَيْنِ يُجْزِئُ مَا أَتَى الْوَعِيدُ بِالنَّارِ عَلَى مَنْ لَمْ يَغْسِلْ عَقِبَيْهِ وَعُرْقُوبَيْهِ ، أَوْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنْ بُطُونِ قَدَمَيْهِ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُعَذَّبُ بِالنَّارِ إِلَّا عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ . 1350 - وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ مَنْ غَسَلَ قَدَمَيْهِ فَقَدْ أَدَّى الْوَاجِبَ عَلَيْهِ : مَنْ قَالَ مِنْهُمْ بِالْمَسْحِ ، وَمَنْ قَالَ بِالْغَسْلِ ، فَالْيَقِينُ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ . 1351 - وَاخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي دُخُولِ الْكَعْبَيْنِ فِي غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ - كَمَا ذَكَرْنَا فِي دُخُولِ الْمِرْفَقَيْنِ فِي الذِّرَاعَيْنِ ، وَجُمْلَةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَتَلْخِيصُ مَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمِرْفَقَيْنِ إِنْ بَقِيَ شَيْءٌ مِنْهُمَا مَعَ الْقَطْعِ غُسِلَ . 1352 - قَالَ : وَأَمَّا الْكَعْبَانِ إِذَا قُطِعَتِ الرِّجْلُ عَلَى السُّنَّةِ فِي سَرِقَةٍ أَوْ خِرَابَةٍ فَهُمَا بَاقِيَانِ فِي الْقَطْعِ ، وَلَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِمَا مَعَ الرِّجْلَيْنِ . 1353 - وَالْكَعْبَانِ : هُمَا النَّاتِئَانِ فِي طَرَفِ السَّاقِ . 1354 - وَعَلَى هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدِ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَدَاوُدَ فِي الْكَعْبَيْنِ . 1355 - وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : لِلنَّاسِ فِي الْكَعْبَيْنِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : 1356 - فَالَّذِي يَذْهَبُ إِلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ أَنَّ فِي الْقَدَمِ كَعْبًا وَفِي السَّاقِ كَعْبًا ، فَفِي كُلِّ رِجْلٍ كَعْبَانِ . 1357 - قَالَ : وَغَيْرُهُ يَقُولُ : فِي كُلِّ قَدَمٍ كَعْبٌ ، وَمَوْضِعُهُ ظَهْرُ الْقَدَمِ مِمَّا يَلِي السَّاقَ . 1358 - قَالَ : وَآخَرُونَ يَقُولُونَ : الْكَعْبُ : هُوَ الدَّائِرُ بِمَغْرَزِ السَّاقِ ، وَهُوَ مُجْتَمَعُ الْعُرُوقِ مِنْ ظَهْرِ الْقَدَمِ عَلَى الْعَرَاقِيبِ . 1359 - قَالَ : وَالْعَرَبُ تَقُولُ : الْكَعْبَانِ هُمَا الْعُرْقُوبَانِ . 1360 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : احْتَجَّ بَعْضُ مَنْ قَالَ فِي الْكَعْبَيْنِ بِقَوْلِنَا بِحَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ، قَالَ : أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِوَجْهِهِ فَقَالَ : أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ قَالَ : فَلَقَدْ رَأَيْتُ الرَّجُلَ يُلْزِقُ كَعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ . 1361 - وَالْعُرْقُوبُ : هُوَ مَجْمَعُ مَفْصِلِ السَّاقِ وَالْقَدَمِ . وَالْعَقِبُ : هُوَ مُؤَخَّرُ الرِّجْلِ تَحْتَ الْعُرْقُوبِ . 1362 - وَقَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ تَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ مِنْ رِجْلَيْهِ فِي الْوُضُوءِ وَلَا فِي الْغُسْلِ ، وَلَا خَيْرَ فِي الْجَفَاءِ وَالْغُلُوِّ ، رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، وَغَيْرُهُ عَنْهُ . 1363 - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : تَخْلِيلُ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ فِي الْوُضُوءِ مُرَغَّبٌ فِيهِ ، وَلَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ فِي أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ . وَإِنْ لَمْ يُخَلِّلْ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ فَلَا بُدَّ مِنْ إِيصَالِ الْمَاءِ إِلَيْهَا . 1364 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ تَوَضَّأَ فِي نَهْرٍ فَحَرَّكَ رِجْلَيْهِ فِي الْمَاءِ : إِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَغْسِلَهُمَا بِيَدَيْهِ . 1365 - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَإِنْ قَدَرَ عَلَى غَسْلِ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى أَجَزَأَ . 1366 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَلْزَمُ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْغَسْلَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِمُرُورِ الْيَدَيْنِ أَنْ يَقُولَ : لَا يُجْزِئُهُ غَسْلُ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى . 1367 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ يُدَلِّكُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصَرِهِ . 1368 - وَهَذَا عِنْدَنَا مَحْمُولٌ عَلَى الْكَمَالِ . 1369 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ : لَمَّا حَدَّثْتُ مَالِكًا بِحَدِيثِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ كَانَ يُخَلِّلُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ رَأَيْتُهُ يَتَعَهَّدُ ذَلِكَ فِي وُضُوئِهِ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب الْعَمَلِ فِي الْوُضُوءِ · ص 124 34 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ . قَالَ يَحْيَى : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْثِرُ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ : إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ . 34 34 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ ) اسْمُهُ عَائِذُ اللَّهِ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَتَحْتِيَّةٍ وَذَالٍ مُعْجَمَةٍ ، ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وُلِدَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ حُنَيْنٍ وَسَمِعَ كِبَارَ الصَّحَابَةِ ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : كَانَ عَالِمَ الشَّامِ بَعْدَ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَقَالَ مَكْحُولٌ : مَا رَأَيْتُ أَعْلَمَ مِنْهُ مَاتَ سَنَةَ ثَمَانِينَ . ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ ) بِأَنْ يُخْرِجَ مَا فِي أَنْفِهِ بَعْدَ الِاسْتِنْشَاقِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَنْقِيَةِ مَجْرَى النَّفَسِ الَّذِي بِهِ تِلَاوَةُ الْقُرْآنِ وَبِإِزَالَةِ مَا فِيهِ مِنَ الثِّقَلِ تَصِحُّ مَخَارِجُ الْحُرُوفِ ، وَفِيهِ طَرْدُ الشَّيْطَانِ لِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ : إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَتَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثًا ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ أَيْ أَعْلَى أَنْفِهِ ، وَنَوْمُهُ عَلَيْهِ حَقِيقَةٌ أَوِ اسْتِعَارَةٌ لِأَنَّ مَا يَنْعَقِدُ مِنَ الْغُبَارِ وَرُطُوبَةِ الْخَيَاشِيمِ قَذَارَةٌ تُوَافِقُ الشَّيْطَانَ ، فَهُوَ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي نِسْبَةِ الْمُسْتَخْبَثِ وَالْمُسْتَبْشَعِ إِلَى الشَّيْطَانِ ، أَوْ ذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ تَكْسِيلِهِ عَنِ الْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ ، وَلَا مَانِعَ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، وَهَلْ مَبِيتُهُ لِعُمُومِ النَّائِمِينَ أَوْ مَخْصُوصٌ بِمَنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا يَحْتَرِسُ بِهِ فِي مَنَامِهِ كَقِرَاءَةِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ ، الْأَقْرَبُ الثَّانِي ، قَالَ الْحَافِظُ : وَظَاهِرُ الْأَمْرِ فِيهِ الْوُجُوبُ ، فَيَلْزَمُ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الِاسْتِنْشَاقِ لِوُرُودِ الْأَمْرِ بِهِ كَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ وَغَيْرِهِمَا أَنْ يَقُولَ بِهِ فِي الِاسْتِنْثَارِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الْمُغْنِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ ، وَأَنَّ مَشْرُوعِيَّةَ الِاسْتِنْشَاقِ إِنَّمَا تَحْصُلُ بِالِاسْتِنْثَارِ . وَصَرَّحَ ابْنُ بَطَّالٍ بِأَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ قَالَ بِوُجُوبِ الِاسْتِنْثَارِ ، وَفِيهِ تَعَقُّبٌ عَلَى مَنْ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ ، وَاسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ لِلنَّدْبِ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْأَعْرَابِيِّ : تَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ اللَّهُ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ فَأَحَالَهُ عَلَى الْآيَةِ وَلَيْسَ فِيهَا اسْتِنْشَاقٌ وَلَا اسْتِنْثَارٌ ، وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يُرَادَ بِالْأَمْرِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ آيَةِ الْوُضُوءِ فَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِاتِّبَاعِ نَبِيِّهِ ، وَلَمْ يَحْكِ أَحَدٌ مِمَّنْ وَصَفَ وُضُوءَهُ عَلَى الِاسْتِقْصَاءِ أَنَّهُ تَرَكَ الِاسْتِنْشَاقَ بَلْ وَلَا الْمَضْمَضَةَ ، وَهَذَا يَرُدُّ عَلَى مَنْ لَمْ يُوجِبِ الْمَضْمَضَةَ أَيْضًا . وَقَدْ ثَبَتَ الْأَمْرُ بِهَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، وَذَكَرَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَمْ يَحْتَجَّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الِاسْتِنْشَاقِ مَعَ صِحَّةِ الْأَمْرِ بِهِ إِلَّا لِكَوْنِهِ لَا يَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ تَارِكَهُ لَا يُعِيدُ ، وَهَذَا دَلِيلٌ فِقْهِيٌّ فَإِنَّهُ لَا يُحْفَظُ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ إِلَّا عَطَاءٍ ، وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ رَجَعَ عَنِ الْإِعَادَةِ . انْتَهَى . ( وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ ) نَدْبًا لِزِيَادَةِ أَبِي دَاوُدَ ، وَابْنِ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ : مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ ، وَبِهَذَا أَخَذَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَدَاوُدُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ فِي أَنَّ الْإِيتَارَ مُسْتَحَبٌّ فَقَطْ لَا شَرْطَ ، وَلَا يُخَالِفُهُ حَدِيثُ سَلْمَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مَرْفُوعًا : لَا يَسْتَنْجِ أَحَدُكُمْ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ لِحِمْلِهِ عَلَى الْكَمَالِ وَكَذَا أَمْرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِابْنِ مَسْعُودٍ أَنْ يَأْتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ لِأَنَّهُ شَرْطٌ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ لِتَصْرِيحِهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِأَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ لِلْوُجُوبِ ، وَبِهِ حَصَلَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ ، وَحَمْلُهُ عَلَى الزَّائِدِ عَلَى الثَّلَاثَةِ إِنْ لَمْ تُنَقِّ تَحَكُّمٌ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ وَتَابَعَهُ يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، وَمُسْلِمٍ . ( قَالَ يَحْيَى ) بْنُ يَحْيَى اللَّيْثِيُّ ( سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي الرَّجُلِ : يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْثِرُ مِنْ غُرْفَةٍ وَاحِدَةٍ ) فِي السِّتِّ مَرَّاتٍ ( أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ ) أَيْ يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ خِلَافَهُ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب الْعَمَلِ فِي الْوُضُوءِ · ص 126 35 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ قَدْ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ مَاتَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فَدَعَا بِوَضُوءٍ فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ : يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَسْبِغْ الْوُضُوءَ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ . 34 35 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ ) الصِّدِّيقِ شَقِيقَ عَائِشَةَ تَأَخَّرَ إِسْلَامُهُ إِلَى قُبَيْلِ الْفَتْحِ وَشَهِدَ الْيَمَامَةَ وَالْفُتُوحَ قَالَ فِي الْإِصَابَةِ : قَالَ ابْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ : مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ ، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ : سَنَةَ أَرْبَعٍ ، وَقِيلَ : خَمْسٍ ، وَقِيلَ : سِتٍّ حَكَاهَا أَبُو نُعَيْمٍ . وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ : سَنَةَ تِسْعٍ . وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : سَنَةَ ثَمَانٍ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : مَاتَ قَبْلَ عَائِشَةَ وَبَعْدَ سَعْدٍ . انْتَهَى . وَهَذَا الْحَدِيثُ يُؤَيِّدُهُ مَعَ لَحْظِ الْمَشْهُورِ فِي وَفَاةِ سَعْدٍ وَهُوَ صَادِقٌ حَتَّى بِالسَّنَةِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا سَعْدٌ ، وَهَذَا الْبَلَاغُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَلَغَ الْإِمَامَ مِنْ تِلْمِيذِهِ ابْنِ وَهْبٍ أَوْ مِنْ مَخْرَمَةَ ، فَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ أَيْضًا عَنْ حَيْوَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كِلَاهُمَا عَنْ سَالِمٍ مَوْلَى شَدَّادٍ قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ يَوْمَ تُوُفِّيَ سَعْدٌ . ( فَدَخَلَ ) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ( عَلَى عَائِشَةَ ) أُخْتِهِ ( زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ مَاتَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ) مَالِكِ بْنِ وُهَيْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ الزُّهْرِيُّ أَحَدُ الْعَشْرَةِ وَأَوَّلُ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَنَاقِبُهُ كَثِيرَةٌ ، مَاتَ بِالْعَقِيقِ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ عَلَى الْمَشْهُورِ . ( فَدَعَا بِوَضُوءٍ ) أَيْ بِمَا يُتَوَضَّأُ بِهِ ( فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ : يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَسْبِغِ الْوُضُوءَ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مِنَ الْإِسْبَاغِ وَهُوَ إِبْلَاغُهُ مَوَاضِعَهُ وَإِيفَاءُ كُلِّ عُضْوٍ حَقَّهُ وَكَأَنَّهَا رَأَتْ مِنْهُ تَقْصِيرًا أَوْ خَشِيَتْ عَلَيْهِ ذَلِكَ . ( فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : وَيْلٌ ) ، قَالَ النَّوَوِيُّ : أَيْ هَلَكَةٌ وَخَيْبَةٌ . وَقَالَ الْحَافِظُ : اخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ عَلَى أَقْوَالٍ ، أَظْهَرُهَا مَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا : وَيْلٌ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ ( لِلْأَعْقَابِ ) جَمْعُ عَقِبٍ بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِهَا وَهُوَ مُؤَخَّرُ الْقَدَمِ ( مِنَ النَّارِ ) قَالَ الْبَغَوِيُّ : مَعْنَاهُ لِأَصْحَابِ الْأَعْقَابِ الْمُقَصِّرِينَ فِي غَسْلِهَا ، وَقِيلَ : أَرَادَ أَنَّ الْعَقِبَ يَخْتَصُّ بِالْعِقَابِ إِذَا قُصِّرَ فِي غَسْلِهَا ، زَادَ عِيَاضٌ : فَإِنَّ مَوَاضِعَ الْوُضُوءِ لَا تَمَسُّهَا النَّارُ كَمَا فِي أَثَرِ السُّجُودِ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَى النَّارِ ، وَيَلْحَقُ بِالْأَعْقَابِ مَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ الَّتِي قَدْ يَحْصُلُ التَّسَاهُلُ فِي إِسْبَاغِهَا ، وَإِنَّمَا خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِصُورَةِ السَّبَبِ كَمَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي قَالَ : تَخَلَّفَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنَّا فِي سُفْرَةٍ فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا الْعَصْرُ فَجَعَلْنَا نَتَوَضَّأُ وَنَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، وَالْحَاكِمُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ مَرْفُوعًا : وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ وَبُطُونِ الْأَقْدَامِ مِنَ النَّارِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَهَذَا الْحَدِيثُ وَرَدَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَأَصَحُّهَا مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ ثَلَاثَةٌ : حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنُ عَمْرٍو يَعْنِي وَهُمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جُزْءٍ الزُّبَيْدِيِّ وَقَدْ رَأَيْتُ مَنْ رَوَاهُ ، ثُمَّ حَدِيثُ عَائِشَةَ فَهُوَ مَدَنِيٌّ حَسَنٌ . انْتَهَى . وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ كَمَا عُلِمَ ، وَفِيهِ أَنَّ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ وَاجِبٌ إِذْ لَوْ أَجْزَأَ الْمَسْحُ لَمَا تَوَعَّدَ بِالنَّارِ ، فَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِ الشِّيعَةِ الْوَاجِبُ الْمَسْحُ لَظَاهِرِ قَوْلِهِ : وَأَرْجُلَكُمْ ( سُورَةُ الْمَائِدَةِ : الْآيَةُ 6 ) بِالْخَفْضِ ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ عَلَى الْمُجَاوَرَةِ ، وَقَدْ تَوَاتَرَتِ الْأَخْبَارُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صِفَةِ وُضُوئِهِ أَنَّهُ غَسَلَ رِجْلَيْهِ وَهُوَ الْمُبَيِّنُ لِأَمْرِ اللَّهِ . وَقَالَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَغَيْرِهِ مُطَوَّلًا : ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ . وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ خِلَافَ ذَلِكَ إِلَّا عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَنَسٍ وَثَبَتَ عَنْهُمُ الرُّجُوعُ عَنْ ذَلِكَ . قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى : أَجْمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ رَوَاهُ سَعيد بْنُ مَنْصُورٍ ، وَادَّعَى الطَّحَاوِيُّ ، وَابْنُ حَزْمٍ أَنَّ الْمَسْحَ مَنْسُوخٌ .