43 حَدِيثٌ ثَانٍ لِصَفْوَانِ بْنِ سُلَيْمٍ ، مُسْنَدٌ مَالِكُ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ - مِنْ آلِ بَنِي الْأَزْرَقِ - عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ - وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ - أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا ، أَفَنَتَوَضَّأُ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ مَضَى ذِكْرُ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ وَحَالُهُ فِي أَوَّلِ بَابِهِ ، أَمَّا سَعِيدُ بْنُ سَلَمَةَ فَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ - فِيمَا عَلِمْتُ - إِلَّا صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . يُقَالُ : إِنَّهُ مَخْزُومِيٌّ مِنْ آلِ ابْنِ الْأَزْرَقِ أَوْ بَنِي الْأَزْرَقِ ، وَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ حَالَهُ فَهُوَ مَجْهُولٌ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ عِنْدَهُمْ ، وَأَمَا الْمُغِيرَةُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ فَهُوَ الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ، قِيلَ : إِنَّهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي حَمَلَةِ الْعِلْمِ كَسَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ ، وَقِيلَ : لَيْسَ بِمَجْهُولٍ . قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ : رَوَى عَنْهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، وَرَوَى صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْهُ ، وَرَوَى الْجُلَاحُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ الْمَخْزُومِيِّ عَنْهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْمُغِيرَةُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ وَجَدْتُ ذِكْرَهُ فِي مَغَازِي مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ بِالْمَغْرِبِ ، وَكَانَ مُوسَى يَسْتَعْمِلُهُ عَلَى الْخَيْلِ ، وَفَتَحَ اللَّهُ لَهُ فِي بِلَادِ الْبَرْبَرِ فُتُوحَاتٍ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ، وَقَدْ سَأَلَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيَّ عَنْ حَدِيثِ مَالِكٍ هَذَا عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ ، فَقَالَ : هُوَ عِنْدِي حَدِيثٌ صَحِيحٌ . قَالَ أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى التِّرْمِذِيُّ : فَقُلْتُ لِلْبُخَارِيِّ : هُشَيْمٌ يَقُولُ فِيهِ : الْمُغِيرَةُ بْنُ أَبِي بِرَزَةَ ؟ فَقَالَ : وَهِمَ فِيهِ ، إِنَّمَا هُوَ الْمُغِيرَةُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ . قَالَ : وَهُشَيْمٌ رُبَّمَا وَهِمَ فِي الْإِسْنَادِ ، وَهُوَ فِي الْمُقَطَّعَاتِ أَحْفَظُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَدْرِي مَا هَذَا مِنَ الْبُخَارِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ صَحِيحًا لَأَخْرَجَهُ فِي مُصَنَّفِهِ الصَّحِيحِ عِنْدَهُ ، وَلَمْ يَفْعَلْ لِأَنَّهُ لَا يُعَوِّلُ فِي الصَّحِيحِ إِلَّا عَلَى الْإِسْنَادِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا يَحْتَجُّ أَهْلُ الْحَدِيثِ بِمِثْلِ إِسْنَادِهِ ، وَهُوَ عِنْدِي صَحِيحٌ ; لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ تَلَقَّوْهُ بِالْقَبُولِ لَهُ وَالْعَمَلِ بِهِ ، وَلَا يُخَالِفُ فِي جُمْلَتِهِ أَحَدٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي بَعْضِ مَعَانِيهِ عَلَى مَا نَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَأَبُو عُثْمَانَ النَّحْوِيُّ ، قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمِ بْنِ خَلِيلٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّيْبُلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَغْرِبِ يُقَالُ لَهُ : الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ أَنَّ نَاسًا مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا نَرْكَبُ أَرْمَاتًا فِي الْبَحْرِ ، وَيَحْمِلُ أَحَدُنَا مُوَيْهًا لِسَقْيِهِ ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا ، وَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِمَاءِ الْبَحْرِ وَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَرْسَلَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ، لَمْ يَذْكُرْ أَبَا هُرَيْرَةَ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ فِي الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ ، وَلَيْسَ يُقَاسُ بِهِ سَعِيدُ بْنُ سَلَمَةَ وَلَا أَمْثَالُهُ ، وَهُوَ أَحْفَظُ مِنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ ، وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَعِيدَ بْنَ سَلَمَةَ لَمْ يَكُنْ بِمَعْرُوفٍ مِنَ الْحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِهِ ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالصَّوَابُ فِيهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ : مَا رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ مُرْسَلًا كَمَا ذَكَرْنَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ الْفِرَاسِيِّ . رَجُلٍ مِنْ بَنِي فِرَاسٍ مَذْكُورٍ فِي الصَّحَابَةِ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عُتْبَةَ الرَّازِيُّ بِمِصْرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنْبَاعِ رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ الْقَطَّانُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ مَخْشِيٍّ أَنَّهُ حُدِّثَ أَنَّ الْفِرَاسِيَّ قَالَ : كُنْتُ أَصِيدُ فِي الْبَحْرِ الْأَخْضَرِ عَلَى أَرْمَاثٍ ، وَكُنْتُ أَحْمِلُ قِرْبَةً فِيهَا مَاءٌ ، فَإِذَا لَمْ أَتَوَضَّأْ مِنَ الْقِرْبَةِ رَفَقَ ذَلِكَ بِي وَبَقِيَتْ لِي ، فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَقُلْتُ : أَنَتَوَضَّأُ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ : هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ . وَقَدْ أَجْمَعَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَجَمَاعَةُ أَئِمَّةِ الْفُتْيَا بِالْأَمْصَارِ مِنَ الْفُقَهَاءِ ، أَنَّ الْبَحْرَ طَهُورٌ مَاؤُهُ ، وَأَنَّ الْوُضُوءَ جَائِزٌ بِهِ ، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا كَرِهَا الْوُضُوءَ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ ، وَلَمْ يُتَابِعْهُمَا أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَا عَرَّجَ عَلَيْهِ ، وَلَا الْتَفَتَ إِلَيْهِ ; لِحَدِيثِ هَذَا الْبَابِ عَنِ النَّبِيِّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى اسْتِشْهَارِ الْحَدِيثِ عِنْدَهُمْ ، وَعَمَلِهِمْ بِهِ ، وَقَبُولِهِمْ لَهُ ، وَهَذَا أَوْلَى عِنْدَهُمْ مِنَ الْإِسْنَادِ الظَّاهِرِ الصِّحَّةِ بِمَعْنًى تَرُدُّهُ الْأُصُولُ . وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَقَدْ خَالَفَهُمَا ابْنُ عَبَّاسٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَامِعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ مُوسَى بْنِ خَلَفٍ الْعَمِّيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ الْهُذَلِيِّ ، قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ ، وَقَالَ : هُمَا الْبَحْرَانِ فَلَا تُبَالِي بِأَيِّهِمَا تَوَضَّأْتَ . وَفِي حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ مِنَ الْفِقْهِ : إِبَاحَةُ رُكُوبِ الْبَحْرِ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَوْ كَرِهَ رُكُوبَهُ لَنَهَى عَنْهُ الَّذِينَ قَالُوا : إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ ، وَقَوْلُهُمْ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ كَثِيرًا مَا يَرْكَبُونَهُ ; لِطَلَبِ الرِّزْقِ مِنْ أَنْوَاعِ التِّجَارَةِ وَغَيْرِهَا ، وَلِلْجِهَادِ وَسَائِرِ مَا فِيهِ إِبَاحَةٌ أَوْ فَضِيلَةٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . فَلَمْ يَنْهَهُمْ عَنْ رُكُوبِهِ ، وَهَذَا عِنْدِي إِنَّمَا يَكُونُ لِمَنْ سَهُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ وَيَصْعُبْ بِهِ كَالْمَائِدِ الْمُفْرِطِ الْمَيْدِ ، أَوْ مَنْ لَا يَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى أَدَاءِ فُرُوضِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا مِنَ الْفَرَائِضِ ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ رُكُوبُ الْبَحْرِ فِي حِينِ ارْتِجَاجِهِ ، وَلَا فِي الزَّمَنِ الَّذِي الْأَغْلَبُ مِنْهُ عَدَمُ السَّلَامَةِ فِيهِ وَالْعَطَبُ وَالْهَلَاكُ ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ رُكُوبُهُ فِي زَمَانٍ تَكُونُ السَّلَامَةُ فِيهِ الْأَغْلَبَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ وَدَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ فِي إِبَاحَةِ رُكُوبِ الْبَحْرِ إِذَا كَانَ كَمَا وَصَفْنَا . وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا . وَأَمَّا مَا جَاءَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَغَيْرِهِمَا مِنَ السَّلَفِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَنْهَوْنَ عَنْ رُكُوبِ الْبَحْرِ ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى الِاحْتِيَاطِ وَتَرْكِ التَّغْرِيرِ بِالْمُهَجِ فِي طَلَبِ الِاسْتِكْثَارِ مِنَ الدُّنْيَا وَالرَّغْبَةِ فِي الْمَالِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَإِذَا جَازَ رُكُوبُ الْبَحْرِ فِي الْجِهَادِ وَطَلَبِ الْمَعِيشَةِ ، فَرُكُوبُهُ لِلْحَجِّ فِي أَدَاءِ الْفَرْضِ أَجْوَزُ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ وَسَهُلَ عَلَيْهِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ : مَا يَبِينُ لِي أَنْ أُوجِبَ الْحَجَّ عَلَى مَنْ وَرَاءَ الْبَحْرِ ، وَلَا أَدْرِي كَيْفَ اسْتِطَاعَتُهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مِنَ اللُّصُوصِ وَالْفِتَنِ مَا يَقْطَعُ الطَّرِيقَ وَيَخَافُ مِنْهُ فِي الْأَغْلَبِ ذَهَابَ الْمُهْجَةِ وَالْمَالِ - فَلَيْسَ مِمَّنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ، فَكَذَلِكَ أَهْوَالُ الْبَحْرِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مِنَ الْمَاءِ إِلَّا مَا يَكْفِيهِ لِشُرْبِهِ ، وَمَا لَا غِنَى بِهِ عَنْهُ لِشَفَتِهِ ، أَنَّهُ جَائِزٌ لَهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَتْرُكَ ذَلِكَ الْمَاءَ لِنَفْسِهِ حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْحِلُّ مَيْتَتُهُ . يُقَالُ : حِلٌّ وَحَلَالٌ ، وَحِرْمٌ وَحَرَامٌ - بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ مَالِكٌ : يُؤْكَلُ مَا فِي الْبَحْرِ مِنَ السَّمَكِ وَالدَّوَابِّ ، وَسَائِرِ مَا فِي الْبَحْرِ مِنَ الْحَيَوَانِ ، وَسَوَاءٌ اصْطِيدَ أَوْ وُجِدَ مَيِّتًا طَافِيًا وَغَيْرَ طَافٍ ، قَالَ : وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ يَحْتَاجُ إِلَى ذَكَاةٍ ; لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ وَكَرِهَ مَالِكٌ خِنْزِيرَ الْمَاءِ مِنْ جِهَةِ اسْمِهِ ، وَلَمْ يُحَرِّمْهُ ، وَقَالَ : أَنْتُمْ تَقُولُونَ خِنْزِيرٌ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : أَنَا أَتَّقِيهِ وَلَا أَرَاهُ حَرَامًا . وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : لَا بَأْسَ بِأَكْلِ كُلِّ شَيْءٍ يَكُونُ فِي الْبَحْرِ مِنَ الضُّفْدُعِ وَالسَّرَطَانِ وَحَيَّةِ الْمَاءِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ فِي رِوَايَةِ الْأَشْجَعِيِّ . وَرَوَى عَنْهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ أَنَّهُ قَالَ : لَا يُؤْكَلُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ إِلَّا السَّمَكُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : لَا يُؤْكَلُ السَّمَكُ الطَّافِي ، وَيُؤْكَلُ مَا سِوَاهُ مِنَ السَّمَكِ ، وَلَا يُؤْكَلُ شَيْءٌ مِنْ حَيَوَانِ الْبَحْرِ إِلَّا السَّمَكُ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : صَيْدُ الْبَحْرِ كُلُّهُ حَلَالٌ ، وَرَوَاهُ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَكَرِهَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ أَكْلَ الطَّافِي مِنَ السَّمَكِ ، وَقَالَ اللَّيْثُ ابْنُ سَعْدٍ : لَيْسَ بِمَيْتَةِ الْبَحْرِ بَأْسٌ ، قَالَ : وَكَذَلِكَ كَلْبُ الْمَاءِ وَتُرْسُ الْمَاءِ . قَالَ : وَلَا يُؤْكَلُ إِنْسَانُ الْمَاءِ وَلَا خِنْزِيرُ الْمَاءِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : مَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ - وَأَخْذُهُ ذَكَاتُهُ - وَلَا بَأْسَ بِخِنْزِيرِ الْمَاءِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالُوا : طَعَامُهُ مَا أَلْقَى وَقَذَفَ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : طَعَامُهُ مَيْتَتُهُ . وَهُوَ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : طَعَامُهُ مُلَيْحُهُ . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَ : كُلُّ دَابَّةٍ فِي الْبَحْرِ فَقَدْ ذَبَحَهَا اللَّهُ لَكُمْ . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ مَوْلًى لِأَبِي بَكْرٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، قَالَ : كُلُّ دَابَّةٍ فِي الْبَحْرِ قَدْ ذَبَحَهَا اللَّهُ لَكَ فَكُلْهَا قَالَ : وَأَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَشِيرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَشْهَدُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ : السَّمَكَةُ الطَّافِيَةُ حَلَالٌ لِمَنْ أَرَادَ أَكْلَهَا . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ كَرِهَ الطَّافِيَ مِنَ السَّمَكِ ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَرِهَ أَكْلَ الْجَرِي مِنْ وَجْهٍ لَا يَثْبُتُ ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَكْلِ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَهُوَ أَصَحُّ عَنْهُ . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : الْجَرَادُ وَالْحِيتَانُ ذَكِيٌّ كُلُّهُ فَعَلِيٌّ مُخْتَلَفٌ عَنْهُ فِي أَكْلِ الطَّافِي مِنَ السَّمَكِ ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ كَرِهَ أَكْلَ الطَّافِي مِنَ السَّمَكِ ، وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، وَاحْتَجَّ لَهُمْ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ بِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ الطَّائِفِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا أَلْقَى الْبَحْرُ أَوْ جَزَرَ عَنْهُ فَكُلُوهُ ، وَمَا مَاتَ فِيهِ وَطُفِيَ فَلَا تَأْكُلُوهُ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَأَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، وَحُجَّةُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْبَحْرِ : هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ وَأَصَحُّ مَا فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ مِمَّا هُوَ حُجَّةٌ لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ، حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ وَحَدِيثُ جَابِرٍ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو ثَابِتٍ الْمَدَنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، أَنَّ نَافِعًا حَدَّثَهُ ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ : غَزَوْنَا ، فَجُعْنَا حَتَّى إِنَّا لَنَقْسِمُ التَّمْرَةَ وَالتَّمْرَتَيْنِ ، فَبَيْنَمَا نَحْنُ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ ، إِذْ رَمَى الْبَحْرُ بِحُوتٍ مَيْتَةٍ ، فَاقْتَطَعَ النَّاسُ مِنْهُ مَا شَاءُوا مِنْ شَحْمٍ وَلَحْمٍ وَهُوَ مِثْلُ الطَّرِبِ ، فَبَلَغَنِي أَنَّ النَّاسَ لَمَّا قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرُوهُ فَقَالَ : هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ ؟ . وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ : فَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَرِيَّةٍ وَأَمَّرَ عَلَيْنَا أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ ، وَزَوَّدَنَا جِرَابًا مِنْ تَمْرٍ ، فَكَانَ يُقَسِّمُهُ بَيْنَنَا قَبْضَةً قَبْضَةً ، ثُمَّ أَقَامَ ذَلِكَ حَتَّى صَارَ تَمْرَةً تَمْرَةً ، فَلَمَّا فَقَدْنَاهَا وَجَدْنَا فَقْدَهَا ، فَمَرَرْنَا بِسَاحِلِ الْبَحْرِ ، فَإِذَا حُوتٌ يُقَالُ لَهُ : الْعَنْبَرُ . مَيِّتٌ ، فَأَرَدْنَا أَنْ نُجَاوِزَهُ ، ثُمَّ قُلْنَا : نَحْنُ جَيْشُ رَسُولِ اللَّهِ ، فَأَقَمْنَا عَلَيْهِ عِشْرِينَ لَيْلَةً نَأْكُلُ مِنْهُ ، وَادَّهَنَّا مِنْ ذَلِكَ الشَّحْمِ ، وَلَقَدْ قَعَدَ فِي عَيْنِهِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنَّا ، فَلَمَّا قَدِمْنَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : رِزْقٌ سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ، فَهَلْ عِنْدَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ ؟ . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ - وَهُوَ مِنْ أَثْبَتِ الْأَحَادِيثِ - دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا قَذَفَ الْبَحْرُ أَوْ مَاتَ فِيهِ مِنْ دَابَّةٍ وَسَمَكَةٍ - حَلَالٌ كُلُّهُ ، وَلِهَذَا الْحَدِيثِ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ ، قَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَفِيهِ مَا يُصَحِّحُ حَدِيثَ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ ، وَأَنَّ حَدِيثَ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ لَهُ أَصْلٌ فِي رِوَايَةِ الثِّقَاتِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمَّرَ عَلَيْنَا أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ يُعْطِينَا تَمْرَةً تَمْرَةً ، كُنَّا نَمُصُّهَا كَمَا يَمُصُّ الصَّبِيُّ ، ثُمَّ نَشْرَبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَاءِ ، فَتَكْفِينَا يَوْمَنَا إِلَى اللَّيْلِ ، وَكُنَّا نَضْرِبُ بِعِصِيِّنَا الْخَبَطَ ثُمَّ نَبُلُّهُ بِالْمَاءِ فَنَأْكُلُهُ ، قَالَ : فَانْطَلَقْنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ ، فَرُفِعَ لَنَا كَهَيْئَةِ الْكَثِيبِ الضَّخْمِ ، فَأَتَيْنَاهُ فَإِذَا هُوَ دَابَّةٌ تُدْعَى الْعَنْبَرُ ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : مَيْتَةٌ وَلَا تَحِلُّ لَنَا ، ثُمَّ قَالَ : لَا بَلْ نَحْنُ رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَقَدِ اضْطُرِرْتُمْ فَكُلُوا ، فَأَقَمْنَا عَلَيْهَا شَهْرًا - وَنَحْنُ ثَلَاثُمِائَةٍ - حَتَّى سَمِنَّا ، فَلَمَّا قَدِمْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ : هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللَّهُ لَكُمْ ، فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ فَتُعْطُونَا ؟ فَأَرْسَلْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُ فَأَكَلَ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الثَّانِي هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ · ص 217 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث أبي هريرة هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ · ص 92 43 ( 3 ) بَابُ الطَّهُورِ لِلْوُضُوءِ . 43 - مَالِكٌ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ ، مِنْ آلِ بَنِي الْأَزْرَقِ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ، وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ . أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ ، وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا ، أَفَنَتَوَضَّأُ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ . 1554 - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ ، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى التِّرْمِذِيُّ : سَأَلْتُ الْبُخَارِيَّ عَنْهُ فَقَالَ : حَدِيثٌ صَحِيحٌ . 1555 - فَقُلْتُ لَهُ : إِنَّ هُشَيْمًا يَقُولُ فِيهِ : الْمُغِيرَةُ بْن أَبِي بَرْزَةَ . 1556 - فَقَالَ : وَهِمَ فِيهِ ، إِنَّمَا هُوَ الْمُغِيرَةُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ . 1557 - وَهُشَيْمٌ إِنَّمَا وَهِمَ فِي الْإِسْنَادِ ، وَهُوَ فِي الْمُقَطَّعَاتِ أَحْفَظُ . 1558 - وَقَالَ غَيْرُ الْبُخَارِيِّ : سَعِيدُ بْنُ سَلَمَةَ رَجُلٌ مَجْهُولٌ ، لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ وَحْدَهُ . 1559 - قَالَ : وَلَمْ يَرْوِ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ غَيْرُ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ . 1560 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رَوَى عَنْهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، رَوَاهُ عَنْهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُ . 1561 - ذَكَرَ ابْنُ أَبِي عَمْرٍو الْحُمَيْدِيُّ وَالْمَخْزُومِيُّ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَغْرِبِ يُقَالُ لَهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ : أَنَّ نَاسًا مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ . 1562 - وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي التَّمْهِيدِ ، وَهُوَ مُرْسَلٌ لَا يَصِحُّ فِيهِ الِاتِّصَالُ . 1563 - وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ أَحْفَظُ مِنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ وَأَثْبَتُ مِنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ . 1564 - وَلَيْسَ إِسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ مِمَّا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالنَّقْلِ ، لِأَنَّ فِيهِ رَجُلَيْنِ غَيْرَ مَعْرُوفَيْنِ بِحَمْلِ الْعِلْمِ فِي رِوَايَةِ صَفْوَانِ بْنِ سُلَيْمٍ ، وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ نَحْوُ ذَلِكَ فِي الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ . 1565 - وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ أَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ حَدِيثِ الْفِرَاسِيِّ : رَجُلٌ مِنْ بَنِي فِرَاسٍ مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ بِإِسْنَادٍ لَيْسَ بِالْقَائِمِ أَيْضًا فِي حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ . 1566 - وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي التَّمْهِيدِ . 1567 - وَالْفِرَاسِيُّ مَذْكُورٌ فِي الصَّحَابَةِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ . 1568 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْمُغِيرَةُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ كَانَ مَعَ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ فِي مَغَازِيهِ بِالْمَغْرِبِ ، وَكَانَ مُوسَى يُؤَمِّرُهُ عَلَى الْجُيُوشِ هُنَالِكَ . وَفَتَحَ فِي الْمَغْرِبِ فُتُوحَاتٍ . 1569 - وَهَذَا إِسْنَادٌ وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْهُ أَصْحَابُ الصِّحَاحِ فَإِنَّ فُقَهَاءَ الْأَمْصَارِ وَجَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ مَاءَ الْبَحْرِ طَهُورٌ ، بَلْ هُوَ أَصْلٌ عِنْدَهُمْ فِي طَهَارَةِ الْمِيَاهِ الْغَالِبَةِ عَلَى النَّجَاسَاتِ الْمُسْتَهْلِكَةِ لَهَا . وَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحُ الْمَعْنَى ، يُتَلَقَّى بِالْقَبُولِ وَالْعَمَلِ الَّذِي هُوَ أَقْوَى مِنَ الْإِسْنَادِ الْمُنْفَرِدِ . 1570 - وَاخْتَلَفَ رُوَاةُ الْمُوَطَّأِ : فَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : مِنْ آلِ بَنِي الْأَزْرَقِ كَمَا قَالَ يَحْيَى ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : مِنْ آلِ الْأَزْرَقِ ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْقَعْنَبِيُّ ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : مِنْ آلِ ابْنِ الْأَزْرَقِ وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ بُكَيْرٍ . وَهَذَا كُلُّهُ غَيْرُ مُتَضَادٍّ . 1571 - وَقَدْ جَاءَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ : كَرَاهِيَةُ الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ . 1572 - وَلَيْسَ فِي أَحَدٍ حُجَّةٌ مَعَ خِلَافِ السُّنَّةِ . 1573 - وَقَدْ رَوَى قَتَادَةُ عَنْ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ الْهُذَلِيِّ قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ ، فَقَالَ : هُمَا الْبَحْرَانِ ، يُرِيدُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى : هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ لَا تُبَالِ بِأَيِّهِمَا تَوَضَّأْتَ . 1573 - وَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ الَّذِينَ تَدُورُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى اتباعِهِمُ الْفَتْوَى . وَكَذَلِكَ عِنْدَهُمْ كُلُّ مَاءٍ مُسْتَبْحِرٍ كَثِيرٍ غَيْرِ مُتَغَيِّرٍ بِمَا يَقَعُ فِيهِ مِنَ الْأَنْجَاسِ . 1574 - وَهَذَا مَوْضِعُ الْقَوْلِ فِي الْمَاءِ وَاخْتِلَافِ مَا فِيهِ لِلْعُلَمَاءِ . 1575 - فَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ فَالنَّجَاسَةُ تُفْسِدُ عِنْدَهُمْ قَلِيلَ الْمَاءِ وَكَثِيرَهُ إِذَا حَلَّتْ فِيهِ إِلَّا الْمَاءَ الْمُسْتَبْحِرَ الَّذِي لَا يَقْدِرُ آدَمِيٌّ عَلَى تَحْرِيكِ جَمِيعِهِ قِيَاسًا عَلَى الْبَحْرِ الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ : هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ . 1576 - وَأَمَّا مَالِكٌ فَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ : فَرَوَى الْمِصْرِيُّونَ عَنْهُ خِلَافَ رِوَايَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . 1577 - فَأَمَّا رِوَايَةُ أَصْحَابِهِ الْمِصْرِيِّينَ عَنْهُ فَإِنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ رَوَى عَنْ مَالِكٍ فِي الْجُنُبِ يَغْتَسِلُ فِي حَوْضٍ مِنَ الْحِيَاضِ الَّتِي تُسْقَى فِيهَا الدَّوَابُّ ، وَلَمْ يَكُنْ غُسِلَ مَا بِهِ مِنَ الْأَذَى : أَنْ قَدْ أَفْسَدَ الْمَاءَ ، وَكَذَلِكَ جَوَابُهُ فِي إِنَاءِ الْوُضُوءِ يَقَعُ فِيهِ مِثْلُ الْإِبَرِ مِنَ الْبَوْلِ : إِنَّهُ يُفْسِدُهُ . 1578 - وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْجُنُبِ يَغْتَسِلُ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الْكَثِيرِ مِثْلَ الْحِيَاضِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَلَمْ يَكُنْ غَسَلَ مَا بِهِ مِنَ الْأَذَى : إِنَّ ذَلِكَ لَا يُفْسِدُ الْمَاءَ . 1579 - وَهَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَأَشْهَبَ ، وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ ، كُلُّهُمْ يَقُولُ : إِنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ يُفْسِدُهُ قَلِيلُ النَّجَاسَةِ ، وَإِنَّ الْمَاءَ الْكَثِيرَ لَا يُفْسِدُهُ إِلَّا مَا غَلَبَ عَلَيْهِ مِنَ النَّجَاسَةِ أَوْ غَيْرِهَا ، فَغَيَّرَهُ عَنْ حَالِهِ فِي لَوْنِهِ وَطَعْمِهِ وَرِيحِهِ . 1580 - وَلَمْ يَحُدُّوا حَدًّا بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ . 1581 - وَنَحْوَ هَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، إِلَّا أَنَّهُ حَدَّ فِي ذَلِكَ حَدًّا ، لِحَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ ، فَقَالَ : مَا كَانَ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ فَحَلَّتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ أَفْسَدَتْهُ ، وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ فِيهِ وَإِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُفْسِدْهُ مَا يَحِلُّ فِيهِ مِنَ النَّجَاسَةِ إِلَّا أَنْ تَظْهَرَ فِيهِ ، فَتُغَيِّرَ مِنْهُ لَوْنًا أَوْ طَعْمًا أَوْ رِيحًا . 1582 - وَحُجَّتُهُ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ : إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ تَلْحَقْهُ نَجَاسَةٌ وَلَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا . 1583 - وَبَعْضُ رُوَاتِهِ يَقُولُونَ : إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا . 1584 - وَقَدْ ذَكَرْنَا أَسَانِيدَ هَذَا الْحَدِيثِ وَالْعِلَّةَ فِيهِ فِي التَّمْهِيدِ . 1585 - وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ تَلْحَقُهُ النَّجَاسَةُ إِذَا حَلَّتْ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْهَا بِحَدِيثِ وُلُوغِ الْكَلْبِ فِي الْإِنَاءِ ، وَبِحَدِيثِ إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ ، وَبِنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ . 1586 - وَالْقُلَّتَانِ عِنْدَهُ وَعِنْدَ أَصْحَابِهِ نَحْوَ خَمْسِمِائَةِ رَطْلٍ عَلَى مَا قَدَّرَهُمَا بَعْضُ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ . 1587 - وَاعْتَمَدَ فِيهِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَهُوَ أَحَدُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالتَّفْسِيرِ . قَالَ فِيهِ : قُلَّتَانِ مِنْ قِلَالِ هَجَرَ . 1588 - وَقَدْ تَكَلَّمَ إِسْمَاعِيلُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَرَدَّهُ بِكَثِيرٍ مِنَ الْقَوْلِ فِي كِتَابِ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ . 1589 - وَقَدْ رَدَّ الشَّافِعِيُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ بِضُرُوبٍ مِنَ الرَّدِّ ، وَمِمَّنْ نَقَضَ ذَلِكَ مِنْهُمْ أَبُو يَحْيَى فِي كِتَابِ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ . 1590 - وَمَذْهَبُ إِسْمَاعِيلَ فِي الْمَاءِ هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِمْ ، وَهُوَ خِلَافُ مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِي الْمَاءِ . 1591 - وَلَوْ ذَهَبَ إِسْمَاعِيلُ فِي ذَلِكَ مَذْهَبَ الْمِصْرِيِّينَ الْمَالِكِيِّينَ مَا احْتَاجَ إِلَى رَدِّ حَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ ، وَلَا إِلَى الْإِكْثَارِ فِي ذَلِكَ . 1592 - وَرَوَى أَهْلُ الْمَدِينَةِ عَنْ مَالِكٍ - ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو مُصْعَبٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ الْمُعَذَّلِ وَغَيْرُهُمَا - أَنَّ الْمَاءَ لَا تُفْسِدُهُ النَّجَاسَةُ الَّتِي تَحِلُّ فِيهِ ، قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا ، فِي بِئْرٍ أَوْ مُسْتَنْقَعٍ أَوْ إِنَاءٍ إِلَّا أَنْ تَظْهَرَ فِيهِ وَتُغَيِّرَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ، فَهُوَ طَاهِرٌ عَلَى أَصْلِهِ . 1593 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ الْمِصْرِيِّينَ ، وَإِلَى هَذَا مَالَ إِسْمَاعِيلُ ، وَأَبُو الْفَرَجِ ، وَالْأَبْهَرِيُّ ، وَسَائِرُ الْمَالِكِيِّينَ الْبَغْدَادِيِّينَ . وَبِهِ قَالُوا وَلَهُ احْتَجُّوا ، وَإِلَيْهِ ذَهَبُوا . 1594 - وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ : أَنَّهُ سَأَلَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ ، وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْمَاءِ الرَّاكِدِ الَّذِي لَا يَجْرِي تَمُوتُ فِيهِ الدَّابَّةُ : أَيُشْرَبُ مِنْهُ أَوْ تُغْسَلُ مِنْهُ الثِّيَابُ ؟ فَقَالَا : انْظُرْ بِعَيْنِكَ ، فَإِنْ رَأَيْتَهُ لَا يُغَيِّرُهُ مَا وَقَعَ فِيهِ فَنَرْجُو أَلَّا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ . 1595 - قَالَ : وَأَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ : كُلُّ مَاءٍ فِيهِ فَضْلٌ عَمَّا يُصِيبُهُ مِنَ الْأَذَى حَتَّى لَا يُغَيِّرَ ذَلِكَ لَوْنَهُ وَلَا طَعْمَهُ وَلَا رِيحَهُ فَهُوَ طَاهِرٌ يُتَوَضَّأُ بِهِ . 1596 - قَالَ : وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ رَبِيعَةَ قَالَ : إِذَا وَقَعَتِ الْمَيْتَةُ فِي الْبِئْرِ فَلَمْ تُغَيِّرْ طَعْمَهَا وَلَا رِيحَهَا فَلَا بَأْسَ أَنْ يُتَوَضَّأَ مِنْهَا وَإِنْ رُئِيَ فِيهَا الْمَيْتَةُ . 1597 - قَالَ : وَإِنْ تَغَيَّرَتْ نُزِعَ مِنْهَا قَدْرُ مَا يُذْهِبُ الرَّائِحَةَ عَنْهَا . 1598 - وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ ابْنُ وَهْبٍ ، وَرُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ الْمُسَيَّبِ - عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُمْ - وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ وَمَنِ اتَّبَعَهُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ . 1599 - وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا فِي النَّظَرِ وَثَابِتِ الْأَثَرِ . 1600 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ بِذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ . 1601 - مِنْهَا : حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَنَسٍ فِي صَبِّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الذَّنُوبِ عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ إِذْ بَالَ فِي الْمَسْجِدِ . 1602 - وَمِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ : الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ . 1603 - وَمِنْهَا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ فَقِيلَ لَهُ : إِنَّهُ يُطْرَحُ فِيهَا لُحُومُ الْكِلَابِ وَالْعَذِرَةُ وَأَوْسَاخُ النَّاسِ فَقَالَ : الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا غَلَبَ عَلَيْهِ فَغَيَّرَهُ . 1604 - وَهَذَا إِجْمَاعٌ لَا خِلَافَ فِيهِ إِذَا تَغَيَّرَ بِمَا غَلَبَ عَلَيْهِ مِنْ نَجَسٍ أَوْ طَاهِرٍ : أَنَّهُ غَيْرُ مُطَهِّرٍ . 1605 - وَقَالَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ : سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ بِيَدِي . 1606 - وَقَدْ ذَكَرْنَا آثَارَ هَذَا الْبَابِ الْمُسْنَدَةِ وَغَيْرَهَا مِنْ أَقَاوِيلِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينِ فِي بَابِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ مِنَ التَّمْهِيدِ . 1607 - وَذَكَرْنَا هُنَاكَ الْحُجَّةَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى الشَّافِعِيِّ وَالْكُوفِيِّينَ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 1608 - وَقَدْ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ أَبِي سُكَيْنَةَ الْحَلَبِيُّ بِحَلَبَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ : قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ تَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَفِيهَا مَا يُنْجِي النَّاسُ وَالْمَحَايِضُ وَالْجُنُبِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ . 1609 - وَهَذَا اللَّفْظُ غَرِيبٌ فِي حَدِيثِ سَعْدٍ ، وَمَحْفُوظٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، لَمْ يَأْتِ بِهِ فِي حَدِيثِ سَهْلٍ غَيْرُ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 1610 - وَقَالَ قَاسِمٌ : هَذَا مِنْ أَحْسَنِ شَيْءٍ رُوِيَ فِي بِئْر بُضَاعَةَ . 1611 - وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : الْحِلُّ مَيْتَتُهُ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى مَا جَرَى بِهِ الْقَوْلُ عَنْهُمْ ، وَثَبَتَ مُفَسَّرًا عَنْهُمْ مِنْ مَذَاهِبِهِمْ فِي كِتَابِ الصَّيْدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، إِذْ ذَلِكَ أَوْلَى بِهِ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب الطَّهُورِ لِلْوُضُوءِ · ص 132 3 - بَاب الطَّهُورِ لِلْوُضُوءِ 41 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ مِنْ آلِ بَنِي الْأَزْرَقِ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنْ الْمَاءِ فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا أَفَنَتَوَضَّأُ بِهِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ . 3 - بَابُ الطَّهُورِ لِلْوُضُوءِ 43 41 - ( مَالِكٌ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ ) بِضَمِّ السِّينِ الْمَدَنِيِّ الزُّهْرِيِّ مَوْلَاهُمْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَوَى عَنْ مَوْلَاهُ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَأَنَسٍ ، وَأَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ وَأُمِّ سَعْدٍ الْجُمَحِيَّةِ وَلَهَا صُحْبَةٌ ، وَجَمَاعَةٍ عَنْهُ ، وَعَنْهُ اللَّيْثُ ، وَمَالِكٌ وَالسُّفْيَانَانِ وَخَلْقٌ . قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : كَانَ ثِقَةً كَثِيرَ الْحَدِيثِ عَابِدًا وَذُكِرَ عِنْدَ أَحْمَدَ فَقَالَ : هَذَا رَجُلٌ يُسْتَشْفَى بِحَدِيثِهِ وَيَنْزِلُ الْقَطْرُ مِنَ السَّمَاءِ بِذِكْرِهِ ، مَاتَ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ وَلَهُ اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ سَنَةً . ( عَنْ سَعِيدِ ) بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ ( بْنِ سَلَمَةَ ) الْمَخْزُومِيِّ ( مِنْ آلِ بَنِي الْأَزْرَقِ ) وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ : لَمْ يَرْوِ عَنْهُ فِيمَا عَلِمْتُ إِلَّا صَفْوَانُ وَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ حَالَتُهُ فَهُوَ مَجْهُولٌ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ ، تُعُقِّبَ بِأَنَّهُ رَوَى عَنْهُ الْجُلَاحُ أَبُو كَثِيرٍ وَحَدِيثُهُ عَنْهُ فِي مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَعَكَسَ بَعْضُ الرُّوَاةِ الِاسْمَيْنِ فَقَالَ : سَلَمَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، وَبَدَّلَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ . ( عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ) ، وَيُقَالُ : ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ مِنْ أَوْسَطِ التَّابِعِينَ وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ وَقَدْ وَلِيَ إِمْرَةَ الْغَزْوِ بِالْمَغْرِبِ ، مَاتَ بَعْدَ الْمِائَةِ ، قَالَ فِي الْإِكْمَالِ : أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ عَنِ اسْمِ أَبِي بُرْدَةَ وَالِدِ الْمُغِيرَةِ فَقَالَ : لَا أَعْرِفُهُ . ( وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ ) بْنِ قُصَيٍّ فَهُوَ قُرَشِيٌّ كَذَا فِي رِوَايَةِ يَحْيَى ، قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ : لَيْسَ هُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ وَطَرَحَهُ وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي مُوَطَّأِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : سَأَلَ التِّرْمِذِيُّ الْبُخَارِيَّ عَنْ حَدِيثِ مَالِكٍ هَذَا فَقَالَ : حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، قُلْتُ : هُشَيْمٌ يَقُولُ فِيهِ الْمُغِيرَةُ بْنُ أَبِي بَزَرَةَ يَعْنِي بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالزَّايِ فَقَالَ : وَهِمَ فِيهِ . ( أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ) قَالَ الرَّافِعِيُّ : رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَا يُوهِمُ إِرْسَالًا فِي الْإِسْنَادِ لِلتَّصْرِيحِ فِيهِ بِسَمَاعِ الْمُغِيرَةِ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، يَعْنِي فَرِوَايَةُ هَذَا الْبَعْضِ مِنَ الْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ ( يَقُولُ : جَاءَ رَجُلٌ ) مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ كَمَا فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ أَنَّ اسْمَهُ عَبْدُ اللَّهِ ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ وَلِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ الْفِرَاسِيُّ ، وَفِي الْإِصَابَةِ عَبْدٌ بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بِغَيْرِ إِضَافَةٍ ، الْعَرَكِيُّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ بَعْدَهَا كَافٌ هُوَ الْمَلَّاحُ ، وَوَهِمَ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ اسْمٌ بِلَفْظِ النَّسَبِ ، قِيلَ : هُوَ اسْمُ الَّذِي سَأَلَ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . وَحَكَى ابْنُ بَشْكُوَالٍ أَنَّ اسْمَهُ عَبْدُ اللَّهِ الْمُدْلِجِيُّ . وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ : اسْمُهُ عُبَيْدٌ بِالتَّصْغِيرِ . وَقَالَ الْبَغَوِيُّ : اسْمُهُ حُمَيْدُ بْنُ صَخْرَةَ قَالَ : وَبَلَغَنِي أَنَّ اسْمَهُ عَبْدُ وُدٍّ . انْتَهَى . ( إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ ) الْمِلْحَ لِأَنَّهُ الْمُتَوَهَّمُ فِيهِ لِأَنَّهُ مَالِحٌ وَمُرٌّ وَرِيحُهُ مُنْتِنٌ ، قَالَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ : فِيهِ جَوَازُ رُكُوبِهِ لِغَيْرِ حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ وَلَا جِهَادٍ لِأَنَّ السَّائِلَ إِنَّمَا رَكِبَهُ لِلصَّيْدِ كَمَا جَاءَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ مَالِكٍ . ( وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ ) بِقَدْرِ الِاكْتِفَاءِ ( فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا ) بِكَسْرِ الطَّاءِ ( أَفَنَتَوَضَّأُ بِهِ ) أَيْ بِمَاءِ الْبَحْرِ ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هُوَ ) أَيِ الْبَحْرُ ( الطَّهُورُ مَاؤُهُ ) بِفَتْحِ الطَّاءِ الْبَالِغُ فِي الطَّهَارَةِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَأَنْـزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا ( سُورَةُ الْفُرْقَانِ : الْآيَةُ 48 ) أَيْ طَاهِرًا فِي ذَاتِهِ مُطَهِّرًا لِغَيْرِهِ ، وَلَمْ يَقُلْ فِي جَوَابِهِ : نَعَمْ مَعَ حُصُولِ الْغَرَضِ بِهِ لِيُقْرِنَ الْحُكْمَ بِعِلَّتِهِ وَهِيَ الطَّهُورِيَّةُ الْمُتَنَاهِيَةُ فِي بَابِهَا وَدَفْعًا لِتَوَهُّمِ حَمْلِ لَفْظَةِ نَعَمْ عَلَى الْجَوَازِ ، وَلَمَّا وَقَعَ جَوَابًا لِلسَّائِلِ بَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ وَصْفٌ لَازِمٌ لَهُ وَلَمْ يَقُلْ مَاؤُهُ الطَّهُورُ لِأَنَّهُ أَشَدُّ اهْتِمَامًا بِذِكْرِ الْوَصْفِ الَّذِي اتَّصَفَ بِهِ الْمَاءُ الْمُجَوِّزُ لِلْوُضُوءِ وَهُوَ الطَّهُورِيَّةُ ، فَالتَّطْهِيرُ بِهِ حَلَالٌ صَحِيحٌ كَمَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ، وَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ مِنْ عَدَمِ الْإِجْزَاءِ بِهِ مُزَيَّفٌ أَوْ مُؤَوَّلٌ بِأَنَّهُ أَرَادَ عَدَمَ الْإِجْزَاءِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ عِنْدَهُ . ( الْحِلُّ ) أَيِ الْحَلَالُ كَمَا فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ ، عَنْ جَابِرٍ ، وَأَنَسٍ ، وَابْنِ عَمْرٍو ( مَيْتَتُهُ ) قَالَ الرَّافِعِيُّ : لَمَّا عَرَفَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اشْتِبَاهَ الْأَمْرِ عَلَى السَّائِلِ فِي مَاءِ الْبَحْرِ أَشْفَقَ أَنْ يُشْتَبَهَ عَلَيْهِ حُكْمُ مَيْتَتِهِ وَقَدْ يُبْتَلَى بِهَا رَاكِبُ الْبَحْرِ ، فَعَقَّبَ الْجَوَابَ عَنْ سُؤَالِهِ بِبَيَانِ حُكْمِ الْمَيْتَةِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : سَأَلَهُ عَنْ مَائِهِ فَأَجَابَهُ عَنْ مَائِهِ وَطَعَامِهِ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ قَدْ يُعْوِزُهُمُ الزَّادُ فِيهِ كَمَا يُعْوِزُهُمُ الْمَاءُ ، فَلَمَّا جَمَعَتْهُمُ الْحَاجَةُ انْتَظَمَ الْجَوَابُ بِهِمَا . قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَذَلِكَ مِنْ مَحَاسِنِ الْفَتْوَى بِأَكْثَرَ مِمَّا سُئِلَ عَنْهُ تَتْمِيمًا لِلْفَائِدَةِ وَإِفَادَةً لِعِلْمٍ آخَرَ غَيْرِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ ، وَيَتَأَكَّدُ ذَلِكَ عِنْدَ ظُهُورِ الْحَاجَةِ إِلَى الْحُكْمِ كَمَا هُنَا ، لِأَنَّ مَنْ تَوَقَّفَ فِي طَهُورِيَّةِ مَاءِ الْبَحْرِ فَهُوَ عَنِ الْعِلْمِ بِحِلِّ مَيْتَتِهِ مَعَ تَقَدُّمِ تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ أَشَدُّ تَوَقُّفًا ، قَالَ الْيَعْمُرِيُّ : وَهَذَانِ الْحُكْمَانِ عَامَّانِ وَلَيْسَا فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ ، إِذْ لَا خِلَافَ فِي الْعُمُومِ فِي حِلِّ مَيْتَتِهِ لِأَنَّهُ عَامٌّ مُبْتَدَأٌ لَا فِي مَعْرِضِ جَوَابٍ ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ فِي مَعْرِضِ الْجَوَابِ عَنْ مَسْئُولٍ عَنْهُ . وَالثَّانِي وَرَدَ بِطَرِيقِ الِاسْتِقْلَالِ فَلَا خِلَافَ فِي عُمُومِهِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ ، وَلَوْ قِيلَ فِي الْأَوَّلِ : إِنَّ السُّؤَالَ وَقَعَ عَنِ الْوَضُوءِ وَكَوْنِ مَائِهِ طَهُورًا يُفِيدُ الْوَضُوءَ وَغَيْرَهُ فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْمَسْئُولِ عَنْهُ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ ، وَلَفْظُ الْمَيْتَةِ مُضَافٌ إِلَى الْبَحْرِ ، وَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى مُطْلَقِ مَا يَجُوزُ إِضَافَتُهُ إِلَيْهِ مِمَّا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَيْتَةِ وَإِنْ سَاغَتِ الْإِضَافَةُ فِيهِ لُغَةً ، بَلْ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَيْتَةِ مِنْ دَوَابِّهِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَيْهِ مِمَّا لَا يَعِيشُ إِلَّا فِيهِ وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ صُورَةِ السَّمَكِ كَكَلْبٍ وَخِنْزِيرٍ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الْإِسْلَامِ تَلَقَّتْهُ الْأَئِمَّةُ بِالْقَبُولِ ، وَتَدَاوَلَتْهُ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ فِي سَائِرِ الْأَعْصَارِ فِي جَمِيعِ الْأَقْطَارِ ، وَرَوَاهُ الْأَئِمَّةُ الْكِبَارُ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ مَنْدَهْ وَغَيْرُهُمْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَسَأَلْتُ عَنْهُ الْبُخَارِيَّ فَقَالَ : حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .