44 حَدِيثٌ خَامِسَ عَشَرَ لِإِسْحَاقَ عَنْ حُمَيْدَةَ مَالِكٌ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ حُمَيْدَةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ فَرْوَةَ ، عَنْ خَالَتِهَا كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، وَكَانَتْ تَحْتَ ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهَا أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَخَلَ عَلَيْهَا فَسَكَبَتْ لَهُ وَضَوْءًا ، فَجَاءَتْ هِرَّةٌ تَشْرَبُ مِنْهُ ، فَأَصْغَى لَهَا الْإِنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ ، قَالَتْ كَبْشَةُ : فَرَآنِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ ، فَقَالَ : أَتَعْجَبِينَ يَا ابْنَةَ أَخِي ؟ قَالَتْ : فَقُلْتُ : نَعَمْ ، فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ . أَوِ الطَّوَّافَاتِ . هَكَذَا قَالَ يَحْيَى : حُمَيْدَةُ بِنْتُ أَبِي عُبَيْدَةَ ابْنِ فَرْوَةَ ، وَلَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ عَلَى قَوْلِهِ ذَلِكَ ، وَهُوَ غَلَطُ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا يَقُولُ الرُّوَاةُ لِلْمُوَطَّأِ كُلُّهُمْ : ابْنَةُ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ ، إِلَّا أَنَّ زَيْدَ بْنَ الْحُبَابِ قَالَ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ : حُمَيْدَةُ بِنْتُ عُبَيْدِ بْنِ رَافِعٍ ، وَالصَّوَابُ رِفَاعَةَ ، وَهُوَ رَفَاعَةُ بْنُ رَافِعٍ الْأَنْصَارِيُّ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ . وَاخْتَلَفَ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ فِي رَفْعِ الْحَاءِ وَنَصْبِهَا مِنْ حُمَيْدٍ ، فَبَعْضُهُمْ قَالَ : حَمِيدَةَ ، بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ ، وَبَعْضُهُمْ قَالَ : حُمَيْدَةُ ، بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ الْمِيمِ ، وَحُمَيْدَةُ هَذِهِ هِيَ امْرَأَةُ إِسْحَاقَ ، ذَكَرَ ذَلِكَ يَحْيَى الْقَطَّانُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ مَالِكٍ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ : حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَتْنِي امْرَأَتِي حُمَيْدَةُ ، قَالَتْ : حَدَّثَتْنِي كَبْشَةُ ابْنَةُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَتْ : رَأَيْتُ أَبَا قَتَادَةَ تَوَضَّأَ ثُمَّ أَصْغَى إِنَاءَهُ لِلْهِرَّةِ ، قَالَتْ : فَنَظَرَ إِلَيَّ ، فَقَالَ : أَتَعْجَبِينَ ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ ، إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافَاتِ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافِينَ . وَرَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ إِسْحَاقَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : كَبْشَةُ امْرَأَةُ أَبِي قَتَادَةَ ، وَهَذَا وَهَمٌ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا هِيَ امْرَأَةُ ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ ، وَأَمَّا حُمَيْدَةُ فَامْرَأَةُ إِسْحَاقَ ، وَكُنْيَتُهَا أُمُّ يَحْيَى . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ النِّسَاءُ فِيهِ وَالرِّجَالُ سَوَاءٌ ، وَإِنَّمَا الْمُرَاعَاةُ فِي ذَلِكَ الْحِفْظُ وَالْإِتْقَانُ وَالصَّلَاحُ ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْأَثَرِ . وَفِيهِ إِبَاحَةُ اتِّخَاذِ الْهِرِّ ، وَمَا أُبِيحَ اتِّخَاذُهُ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ جَازَ بَيْعُهُ وَأَكْلُ ثَمَنِهِ إِلَّا أَنْ يَخُصَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ دَلِيلٌ فَيُخْرِجَهُ عَنْ أَصْلِهِ . وَفِيهِ أَنَّ الْهِرَّ لَيْسَ يُنَجِّسُ مَا شَرِبَ مِنْهُ ، وَأَنَّ سُؤْرَهُ طَاهِرٌ ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ ، وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَبِي يُوسُفَ الْقَاضِي ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا أُبِيحَ لَنَا اتِّخَاذُهُ فَسُؤْرُهُ طَاهِرٌ ; لِأَنَّهُ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْنَا ، وَمَعْنَى الطَّوَّافِينَ عَلَيْنَا الَّذِينَ يُدَاخِلُونَنَا وَيُخَالِطُونَنَا ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْأَطْفَالِ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ فِي الْهِرِّ : إِنَّهَا مِنْ مَتَاعِ الْبَيْتِ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُطَيْسٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ شَبَّوَيْهِ السَّجَسِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، أَوْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الْهِرُّ مِنْ مَتَاعِ الْبَيْتِ ، وَالطَّوَّافُ وَالْخَادِمُ . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ أَيْ يَخْدِمُهُمْ وِلْدَانٌ وَيَتَرَدَّدُونَ عَلَيْهِمْ بِمَا يَشْتَهُونَ ، وَطَهَارَةُ الْهِرِّ تَدُلُّ عَلَى طَهَارَةِ الْكَلْبِ ، وَأَنْ لَيْسَ فِي حَيٍّ نَجَاسَةٌ سِوَى الْخِنْزِيرِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ; لِأَنَّ الْكَلْبَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْنَا ، وَمِمَّا أُبِيحَ لَنَا اتِّخَاذُهُ فِي مَوَاضِيعِ الْأُمُورِ ، وَإِذَا كَانَ حُكْمُهُ كَذَلِكَ فِي تِلْكَ الْمَوَاضِيعِ ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ سُؤْرَهُ فِي غَيْرِ تِلْكَ الْمَوَاضِيعِ كَسُؤْرِهِ فِيهَا ; لِأَنَّ عَيْنَهُ لَا تَنْتَقِلُ . وَدَلَّ مَا ذَكَرْنَاهُ عَلَى أَنَّ مَا جَاءَ فِي الْكَلْبِ مِنْ غَسْلِ الْإِنَاءِ - مِنْ وُلُوغِهِ - سَبْعًا أَنَّهُ تَعَبُّدٌ وَاسْتِحْبَابٌ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْهِرِّ : إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ - بَيَانُ أَنَّ الطَّوَّافِينَ عَلَيْنَا لَيْسُوا بِنَجَسٍ فِي طِبَاعِهِمْ وَخِلْقَتِهِمْ ، وَقَدْ أُبِيحَ لَنَا اتِّخَاذُ الْكَلْبِ لِلصَّيْدِ وَالْغَنَمِ وَالزَّرْعِ أَيْضًا ، فَصَارَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْنَا ، وَالِاعْتِبَارُ أَيْضًا يَقْضِي بِالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا لِعِلَّةِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَبُعٌ يَفْتَرِسُ وَيَأْكُلُ الْمَيْتَةَ ، فَإِذَا جَاءَ نَصٌّ فِي أَحَدِهِمَا كَانَ حُكْمُ نَظِيرِهِ حُكْمَهُ ، وَلَمَّا فَارَقَ غَسْلُ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ سَائِرَ غَسْلِ النَّجَاسَاتِ كُلِّهَا عَلِمْنَا أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِنَجَاسَةٍ ، وَلَوْ كَانَ لِنَجَاسَةٍ سَلَكَ بِهِ سَبِيلَ النَّجَاسَاتِ فِي الْإِنْقَاءِ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ ، وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ لَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ مَا يَدُلُّ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى طَهَارَةِ الْهِرِّ ، وَزَعَمَ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ هُوَ الْقَائِلُ : إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ ، ثُمَّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ فَإِنَّهُ شَبَّهَهُ عَلَيْهِ بِرِوَايَةِ مَنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ ، عَنْ إِسْحَاقَ وَغَيْرِهِ فَقَالَ فِيهِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ : إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ ، وَقَالَ : قَالَ أَبُو قَتَادَةَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ قَالَ : وَيَكُونُ الطَّوَّافُونَ عَلَيْنَا يُنَجِّسُونَ الْمَاءَ ، قَالَ : فَقَوْلُ أَبِي قَتَادَةَ إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ ، لَمْ يُضِفْهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ، وَإِنَّمَا أَضَافَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ قَوْلَهُ إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا اعْتِلَالٌ لَا مَعْنَى لَهُ ; لِأَنَّ حَدِيثَ مَالِكٍ ، وَهُوَ أَصَحُّ النَّاسِ لَهُ نَقْلًا ، عَنْ إِسْحَاقَ ، فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ - قَالَ : إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَفِي هَذَا بَيَانُ جَهْلِهِ بِحَدِيثِ مَالِكٍ ، ثُمَّ يَقُولُ : إِنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ كَمَا ذَكَرَ مِنْ قَوْلِ أَبِي قَتَادَةَ وَلَمْ يَكُنْ مَرْفُوعًا لَكُنَّا أَسْعَدَ بِالتَّأْوِيلِ مِنْهُ ; لِأَنَّ أَبَا قَتَادَةَ إِنَّمَا خَاطَبَهَا بِمَا فَهِمَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْهِرِّ ، وَمَنْ شَهِدَ الْقَوْلَ وَعَرَفَ مَخْرَجَهُ سَلِمَ لَهُ فِي التَّأْوِيلِ ، وَالنَّجَاسَةُ فِي الْحَيَوَانِ أَصْلُهَا مَأْخُوذٌ مِنَ التَّوْقِيفِ لَا مِنْ جِهَةِ الرَّأْيِ ، فَاسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ رَأْيَ أَبِي قَتَادَةَ مَعَ أَنَّ رِوَايَةَ مَالِكٍ فِي طَهَارَةِ الْهِرِّ مَرْفُوعَةٌ ، وَمَنْ خَالَفَ مَالِكًا فَوَقَفَهَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِيمَا قَصَّرَ عَنْهُ عَلَى مَالِكٍ ، وَمَالِكٌ عَلَيْهِ حُجَّةٌ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ النَّقْلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَطُّ أَسْقَطَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ هَذَا قَوْلَهُ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ إِلَّا مَا ذَكَرَهُ أَسَدُ بْنُ مُوسَى ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ كَانَ يُصْغِي الْإِنَاءَ لِلسِّنَّوْرِ فَيَلِغَ فِيهِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ وَيَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ - : هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ وَالطَّوَّافَاتِ عَلَيْكُمْ ، وَمَا رَوَاهُ أَيْضًا أَسَدٌ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي قَتَادَةَ نَحْوُهُ ، وَهَذَانِ لَا يُحْتَجُّ بِهِمَا لِانْقِطَاعِهِمَا وَفَسَادِهِمَا وَتَقْصِيرِ رُوَاتِهِمَا عَنِ الْإِتْقَانِ فِي الْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةٌ عَنْ إِسْحَاقَ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ ، مِنْهُمْ هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى ، وَحُسَيْنُ الْمُعَلِّمُ ، وَهِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَإِنْ كَانَ هِشَامٌ وَابْنُ عُيَيْنَةَ لَمْ يُقِيمَا إِسْنَادَهُ ، وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ يَقُولُونَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ يُخَالِفُ فِي إِسْنَادِهِ ، فَمَالِكٌ وَمَنْ تَابَعَهُ قَدْ أَقَامَ إِسْنَادَهُ وَجَوَّدَهُ ، وَقَدْ رَوَى إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ ، عَنْ أُمِّهِ ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ - مِثْلَهُ ، قَالَ : إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ . وَمَنْ أَسْقَطَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَوْلَهُ : إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ ، فَلَمْ يَحْفَظْ ، وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِنَقْلِ الْحُفَّاظِ الثِّقَاتِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَمُرُّ بِهِ الْهِرُّ ، فَيُصْغِي لَهَا الْإِنَاءَ فَتَشْرَبُ ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ بِفَضْلِهَا . وَمِمَّنْ رُوِّينَا عَنْهُ أَنَّ الْهِرَّ لَيْسَ بِنَجَسٍ ، وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِفَضْلِ سُؤْرِهِ لِلْوُضُوءِ وَالشُّرْبِ ، الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَعَلِيُّ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَعَائِشَةُ ، وَأَبُو قَتَادَةَ ، وَالْحَسَنُ ، وَالْحُسَيْنُ ، وَعَلْقَمَةُ ، وَإِبْرَاهِيمُ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَعَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ . وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، فَرَوَى عَطَاءٌ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ الْهِرَّ كَالْكَلْبِ يُغْسَلُ مِنْهُ الْإِنَاءُ سَبْعًا ، وَرَوَى أَبُو صَالِحٍ ذَكْوَانُ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : السِّنَّوْرُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ . وَرَوَى أَشْعَثُ ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِسُؤْرِ السِّنَّوْرِ ، وَرَوَى يُونُسُ ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ : يُغْسَلُ الْإِنَاءُ مِنْ وُلُوغِهِ مَرَّةً ، وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَأَى فِي فَمِهِ أَذًى لِيَصِحَّ مَخْرَجُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رُوِيَ عَنْهُ فِي الْهِرِّ أَنَّهُ لَا يُتَوَضَّأُ بِسُؤْرِهِ إِلَّا أَبَا هُرَيْرَةَ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ . وَأَمَّا التَّابِعُونَ ، فَرُوِّينَا عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّهُمْ أَمَرُوا بِإِرَاقَةِ مَاءٍ وَلَغَ فِيهِ الْهِرُّ وَغَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْهُ ، وَسَائِرُ التَّابِعِينَ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ يَقُولُونَ فِي الْهِرِّ : إِنَّهُ طَاهِرٌ لَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ بِسُؤْرِهِ . وَرَوَى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَالْحَسَنِ أَنَّهُمَا كَرِهَا الْوُضُوءَ بِفَضْلِ الْهِرِّ ، قَالَ الْوَلِيدُ : فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيِّ ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، فَقَالَا : تَوَضَّأْ بِهِ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ ، وَإِنْ وَجَدْتَ غَيْرَهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْحُجَّةُ عِنْدَ التَّنَازُعِ وَالِاخْتِلَافِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ فِي هَذَا الْبَابِ مَا ذَكَرْنَا ، وَعَلَيْهِ اعْتِمَادُ الْفُقَهَاءِ فِي كُلِّ مِصْرٍ إِلَّا أَبَا حَنِيفَةَ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ : الَّذِي صَارَ إِلَيْهِ جُلُّ أَهْلِ الْفَتْوَى مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ مِنْ أَهْلِ الْأَثَرِ وَالرَّأْيِ جَمِيعًا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِسُؤْرِ السِّنَّوْرِ اتِّبَاعًا لِلْحَدِيثِ الَّذِي رُوِّينَاهُ ، يَعْنِي عَنْ أَبِي قَتَادَةَ عَنِ النَّبِيِّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ . قَالَ : وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ ، مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ فِيمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ وَالْمَغْرِبِ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ فِي أَهْلِ الشَّامِ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فِيمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ ، قَالَ : وَكَذَلِكَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَجَمَاعَةِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ ، قَالَ : وَكَانَ النُّعْمَانُ يَكْرَهُ سُؤْرَهُ ، وَقَالَ : إِنْ كَانَ تَوَضَّأَ بِهِ أَجْزَأَهُ ، وَخَالَفَهُ أَصْحَابُهُ ، فَقَالُوا : لَا بَأْسَ بِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَا حَكَاهُ الْمَرْوَزِيُّ عَنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ فَلَيْسَ كَمَا حَكَاهُ عِنْدَنَا ، وَإِنَّمَا خَالَفَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ أَبُو يُوسُفَ وَحْدَهُ ، وَأَمَّا مُحَمَّدٌ ، وَزُفَرُ ، وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ ، فَيَقُولُونَ بِقَوْلِهِ ، وَأَكْثَرُهُمْ يَرْوُونَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ الْوُضُوءُ بِفَضْلِ الْهِرِّ ، وَيَحْتَجُّونَ لِذَلِكَ وَيَرْوُونَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ أَنَّهُمَا كَرِهَا الْوُضُوءَ بِسُؤْرِ الْهِرِّ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى . وَأَمَّا الثَّوْرِيُّ ، فَقَدِ اخْتُلِفَ عَنْهُ فِي سُؤْرِ الْهِرِّ ، فَذُكِرَ فِي جَامِعِهِ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ سُؤْرَ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ، وَمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَلَا بَأْسَ بِسُؤْرِهِ ، وَهُوَ مِمَّنْ يَكْرَهُ أَكْلَ الْهِرِّ ، وَذَكَرَ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ قَالَ : حَدَّثَنِي الْأَشْجَعِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ : لَا بَأْسَ بِفَضْلِ السِّنَّوْرِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ لِمَنْ كَرِهَ سُؤْرَ الْهِرِّ حُجَّةً أَحْسَنَ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ ، وَبَلَغَهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْكَلْبِ ، فَقَاسَ الْهِرَّ عَلَى الْكَلْبِ ، وَقَدْ فَرَّقَتِ السُّنَّةُ بَيْنَ الْهِرِّ وَالْكَلْبِ فِي بَابِ التَّعَبُّدِ وَجَمَعَتْ بَيْنَهُمَا عَلَى حَسَبِ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ مِنْ بَابِ الِاعْتِبَارِ وَالنَّظَرِ ، وَمَنْ حَجَّتْهُ السُّنَّةُ خَصَمَتْهُ ، وَمَا خَالَفَهَا مَطْرُوحٌ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا مَا رَوَاهُ قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ - أَنَّهُ قَالَ : طَهُورُ الْإِنَاءِ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْهِرُّ أَنْ يُغْسَلَ مَرَّةً . أَوْ مَرَّتَيْنِ شَكَّ قُرَّةُ . وَهَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَرْفَعْهُ إِلَّا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ ، وَقُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ ثِقَةٌ ثَبْتٌ ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَيَرْوِيهِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَوْلُهُ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رَأْيِ أَبِي قَتَادَةَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْيَسِيرَ تَلْحَقُهُ النَّجَاسَةُ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ : أَتَعْجَبِينَ يَا ابْنَةَ أَخِي ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : لَيْسَتْ بِنَجَسٍ ، فَدَلَّ هَذَا أَنَّ الْهِرَّ لَوْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ بَابِ النَّجَاسَاتِ لَأَفْسَدَ الْمَاءَ ، وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى أَنْ يُصْغِيَ لَهَا الْإِنَاءَ طَهَارَتُهَا ، وَلَوْ كَانَت مِمَّا تُنَجِّسُ لَمْ يَفْعَلْ ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْمَاءَ عِنْدَهُ تُفْسِدُهُ النَّجَاسَةُ ، وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ فِيهِ ; لِأَنَّ شُرْبَ الْهِرِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْحَيَوَانِ فِي الْإِنَاءِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي فَمِهِ أَذًى مِنْ غَيْرِهِ لَيْسَ تُرَى مَعَهُ نَجَاسَةٌ فِي الْإِنَاءِ . وَهَذَا الْمَعْنَى اخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُنَا وَسَائِرُ الْعُلَمَاءِ ، فَذَهَبَ الْمِصْرِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ إِلَى أَنَّ قَلِيلَ الْمَاءِ يُفْسِدُهُ قَلِيلُ النَّجَاسَةِ ، وَأَنَّ الْكَثِيرَ لَا يُفْسِدُهُ إِلَّا مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ ، وَمَا غَلَبَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ الطَّاهِرَةِ أَخْرَجَهُ مِنْ بَابِ التَّطْهِيرِ وَأَبْقَاهُ عَلَى طَهَارَتِهِ ، وَلَمْ يَحُدُّوا بَيْنَ الْقَلِيلِ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي يُفْسِدُهُ قَلِيلُ النَّجَاسَةِ وَبَيْنَ الْكَثِيرِ الَّذِي لَا يُفْسِدُهُ إِلَّا مَا غَلَبَ عَلَيْهِ - حَدًّا يُوقَفُ عِنْدَهُ إِلَّا أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ رَوَى عَنْ مَالِكٍ فِي الْجُنُبِ يَغْتَسِلُ فِي حَوْضٍ مِنَ الْحِيَاضِ الَّتِي تُسْقَى فِيهَا الدَّوَابُّ وَلَمْ يَكُنْ غَسَلَ مَا بِهِ مِنَ الْأَذَى أَنَّهُ قَدْ أَفْسَدَ الْمَاءَ ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْجُنُبِ يَغْتَسِلُ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الْكَثِيرِ مِثْلَ الْحِيَاضِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَلَمْ يَكُنْ غَسَلَ مَا بِهِ مِنَ الْأَذَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يُفْسِدُ الْمَاءَ ، وَهَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَأَشْهَبَ ، وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ ، وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ مِنْ أَصْحَابِهِمُ الْمِصْرِيِّينَ إِلَّا ابْنَ وَهْبٍ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْمَاءِ بِقَوْلِ الْمَدَنِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، وَقَوْلُهُمْ مَا حَكَاهُ أَبُو الْمُصْعَبِ عَنْهُمْ ، وَعَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّ الْمَاءَ لَا تُفْسِدُهُ النَّجَاسَةُ الْحَالَّةُ فِيهِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا إِلَّا أَنْ تَظْهَرَ فِيهِ النَّجَاسَةُ وَتُغَيِّرَ مِنْهُ طَعْمًا أَوْ رِيحًا أَوْ لَوْنًا ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَذَّلِ أَنَّ هَذَا قَوْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِي الْمَاءِ . وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ أَنَّهُ سَأَلَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ ، وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ الْمَاءِ الرَّاكِدِ الَّذِي لَا يَجْرِي تَمُوتُ فِيهِ الدَّابَّةُ : أَيُشْرَبُ مِنْهُ وَيَغْسِلُ مِنْهُ الثِّيَابَ ؟ فَقَالَا : انْظُرْ بِعَيْنِكَ ، فَإِنْ رَأَيْتَ مَاءً لَا يُدَنِّسُهُ مَا وَقَعَ فِيهِ فَنَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بَأْسٌ . قَالَ : وَأَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : كُلُّ مَاءٍ فِيهِ فَضْلٌ عَمَّا يُصِيبُهُ مِنَ الْأَذَى حَتَّى لَا يُغَيِّرَ ذَلِكَ طَعْمَهُ وَلَا لَوْنَهُ وَلَا رِيحَهُ ، فَهُوَ طَاهِرٌ يُتَوَضَّأُ بِهِ . قَالَ : وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ رَبِيعَةَ قَالَ : إِذَا وَقَعَتِ الْمَيْتَةُ فِي الْبِئْرِ فَلَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهَا وَلَا لَوْنُهَا وَلَا رِيحُهَا ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْهَا ، وَإِنْ رَأَى فِيهِ الْمَيْتَةَ . قَالَ : فَإِنْ تَغَيَّرَتْ نَزَعَ مِنْهَا قَدْرَ مَا يُذْهِبُ الرَّائِحَةَ عَنْهَا ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بُكَيْرٍ ، وَأَبُو الْفَرَجِ ، وَالْأَبْهَرَيُّ ، وَسَائِرُ الْمُنْتَحِلِينَ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ مِنَ الْبَغْدَادِيِّينَ . وَرُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ ، وَدَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ أَيْضًا ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي النَّظَرِ وَجَيِّدِ الْأَثَرِ . وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ ، فَالنَّجَاسَةُ عِنْدَهُمْ تُفْسِدُ قَلِيلَ الْمَاءِ وَكَثِيرَهُ إِذَا حَلَّتْ فِيهِ إِلَّا الْمَاءَ الْمُسْتَجِدَّ الْكَثِيرَ الَّذِي لَا يَقْدِرُ آدَمِيٌّ عَلَى تَحْرِيكِ جَمِيعِهِ ؛ قِيَاسًا عَلَى الْبَحْرِ الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مِيتَتُهُ . وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، فَمَذْهَبُهُ فِي الْمَاءِ نَحْوُ مَذْهَبِ الْمِصْرِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، وَرِوَايَتُهُمْ فِي ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ قَلِيلَ الْمَاءِ يُفْسِدُهُ قَلِيلُ النَّجَاسَةِ ، وَلَا يُفْسِدُ كَثِيرَهُ إِلَّا مَا غَلَبَ عَلَيْهِ فَغَيَّرَ طَعْمَهُ أَوْ رَائِحَتَهُ أَوْ لَوْنَهُ ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ لَا يَحُدُّ حَدًّا بَيْنَ قَلِيلِ الْمَاءِ الَّذِي تَلْحَقُهُ النَّجَاسَةُ وَبَيْنَ كَثِيرِهِ الَّذِي لَا تَلْحَقُهُ النَّجَاسَةُ إِلَّا بِالْغَلَبَةِ عَلَيْهِ إِلَّا مَا غَلَبَ عَلَى النُّفُوسِ أَنَّهُ قَلِيلٌ ، وَمَا الْأَغْلَبُ عِنْدَ النَّاسِ أَنَّهُ كَثِيرٌ ، وَهَذَا لَا يُضْبَطُ لِاخْتِلَافِ آرَاءِ النَّاسِ وَمَا يَقَعُ فِي نُفُوسِهِمْ . وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، فَحَدَّ فِي ذَلِكَ حَدًّا بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ - إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ تَلْحَقْهُ نَجَاسَةٌ . أَوْ : لَمْ يَحْمِلْ خُبْثًا وَهُوَ حَدِيثٌ يَرْوِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَالْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ جَمِيعًا ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَبَعْضِ رُوَاةِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ يَقُولُ فِيهِ عَنْهُ : عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ أَنَّهُ قَالَ فِيهِ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِيهِ يَرْفَعُهُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ يَقُولُ فِيهِ : عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَعَاصِمٍ أَيْضًا ، فَالْوَلِيدُ يَجْعَلُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ يَجْعَلُهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَرَوَاهُ عَاصِمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِيهِ ، فَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَيْهِ أَيْضًا ، فَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ : عَنْ عَاصِمِ ابْنِ الْمُنْذِرِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَقَالَ فِيهِ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ : عَنْ عَاصِمِ بْنِ الْمُنْذِرِ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ ابْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ فِيهِ : إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ . وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ فِيهِ : إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْصُلِ الْخَبَثُ ، وَهَذَا اللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لِلتَّأْوِيلِ ، وَمِثْلُ هَذَا الِاضْطِرَابِ فِي الْإِسْنَادِ يُوجِبُ التَّوَقُّفَ عَنِ الْقَوْلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ إِلَى أَنَّ الْقُلَّتَيْنِ غَيْرُ مَعْرُوفَتَيْنِ ، وَمُحَالٌ أَنْ يَتَعَبَّدَ اللَّهُ عِبَادَهُ بِمَا لَا يَعْرِفُونَهُ . وَأَمَّا حَدِيثُ وُلُوغِ الْكَلْبِ فِي الْإِنَاءِ ، وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ إِدْخَالِ الْيَدِ فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ غَسْلِهَا لِمَنِ انْتَبَهَ مِنْ نَوْمِهِ ، وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنِ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الرَّاكِدِ ، فَقَدْ عَارَضَهَا مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهَا ، وَالْأَصْلُ فِي الْمَاءِ الطَّهَارَةُ فَالْوَاجِبُ أَنْ لَا يُقْضَى بِنَجَاسَتِهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ لَا تَنَازُعَ فِيهِ وَلَا مَدْفَعَ لَهُ ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ مَا نَخْتَارُهُ مِنَ الْمَذَاهِبِ فِي الْمَاءِ هَاهُنَا ، وَنَذْكُرُ مَعْنَى حَدِيثِ وُلُوغِ الْكَلْبِ وَغَسْلِ الْيَدِ فِي بَابِ أَبِي الزِّنَادِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ لَا يَفْسَدُ إِلَّا بِمَا ظَهَرَ فِيهِ مِنَ النَّجَاسَةِ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ سَمَّاهُ طَهُورًا ، فَقَالَ : وَأَنْـزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا وَفِي طَهُورًا مَعْنَيَانِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ طَهُورٌ بِمَعْنَى طَاهِرٍ ، مِثْلَ صَبُورٍ وَصَابِرٍ ، وَشَكُورٍ وَشَاكِرٍ ، وَمَا كَانَ مِثْلَهُ ، وَالْآخَرُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى فَعَوْلٍ ، مِثْلَ قَتُولٍ ، وَضُرُوبٍ ، فَيَكُونُ فِيهِ مَعْنَى التَّعَدِّي وَالتَّكْثِيرِ ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ وَيُنَـزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ وَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ أَنَّ الْمَاءَ مُطَهِّرٌ لِلنَّجَاسَاتِ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ كَسَائِرِ الْمَائِعَاتِ الطَّاهِرَاتِ ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ هَذَا التَّأْوِيلُ ، وَمَا كَانَ طَاهِرًا مُطَهِّرًا اسْتَحَالَ أَنْ تَلْحَقَهُ النَّجَاسَةُ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَحِقَتْهُ النَّجَاسَةُ لَمْ يَكُنْ مُطَهِّرًا أَبَدًا ; لِأَنَّهُ لَا يُطَهِّرُهَا إِلَّا بِمُمَازَجَتِهِ إِيَّاهَا وَاخْتِلَاطِهِ بِهَا ، فَلَوْ أَفْسَدَتْهُ النَّجَاسَةُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَغْلِبَ عَلَيْهِ ، وَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ سَائِرِ الْمَائِعَاتِ الَّتِي تَنْجُسُ بِمُمَاسَّةِ النَّجَاسَةِ لَهَا ، لَمْ تَحْصُلْ لِأَحَدٍ طَهَارَةٌ وَلَا اسْتَنْجَى أَبَدًا . وَالسُّنَنُ شَاهِدَةٌ لِمَا قُلْنَا بِمِثْلِ مَا شَهِدَ بِهِ النَّظَرُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَمِنْ ذَلِكَ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ - أَنْ يُصَبَّ عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ دَلْوٌ مِنْ مَاءٍ ، أَوْ ذُنُوبٌ مِنْ مَاءٍ ، وَهُوَ أَصَحُّ حَدِيثٍ يُرْوَى فِي الْمَاءِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْبَوْلَ إِذَا صُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ مَازَجَهُ ، وَلَكِنَّهُ إِذَا غَلَبَ الْمَاءُ عَلَيْهِ طَهَّرَهُ وَلَمْ يَضُرُّهُ مُمَازَجَةُ الْبَوْلِ لَهُ ، وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : أَخْبَرَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ : أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنِ الزُّهُرِيِّ قَالَ : حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي الْمَسْجِدِ ، فَثَارَ النَّاسُ إِلَيْهِ لِيَمْنَعُوهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : دَعُوهُ ، وَأَهْرِقُوا عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ - أَوْ قَالَ : سَجْلًا مِنْ مَاءٍ - فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ . وَهَكَذَا رَوَاهُ شُعَيْبُ ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ ، عَنِ الزُّهُرِيِّ ، كَمَا رَوَاهُ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ بِإِسْنَادِهِ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ النُّعْمَانُ بْنُ رَاشِدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهُرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَتَابَعَهُ سُفْيَانُ عَلَى هَذَا الْإِسْنَادِ . وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ ، عَنِ الزُّهُرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، وَأَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَكُلُّ ذَلِكَ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ عِنْدَ ابْنِ شِهَابٍ . عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَسَعِيدٍ ، وَأَبِي سَلَمَةَ ، فَحَدَّثَ بِهِ مَرَّةً عَنْ هَذَا ، وَمَرَّةً عَنْ هَذَا ، وَرُبَّمَا جَمَعَهُمْ ، وَهَذَا مَوْجُودٌ لِابْنِ شِهَابٍ ، مَعْرُوفٌ لَهُ كَثِيرٌ جِدًّا ، وَقَدْ رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قِصَّةَ الْأَعْرَابِيِّ هَذَا ، وَسَنَذْكُرُ طُرُقَ حَدِيثِهِ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ مُرْسَلِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ - إِذْ سُئِلَ عَنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ ، فَقِيلَ لَهُ : إِنَّهُ يُطْرَحُ فِيهَا لُحُومُ الْكِلَابِ وَالْعَذِرَةُ وَأَوْسَاخُ النَّاسِ ، فَقَالَ : الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ يَعْنِي مَا لَمْ يُغَيِّرْهُ أَوْ يَظْهَرْ فِيهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ; لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ - الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا غَلَبَ عَلَيْهِ فَغَيَّرَ طَعْمَهُ أَوْ لَوْنَهُ أَوْ رِيحَهُ . وَهَذَا إِجْمَاعٌ فِي الْمَاءِ الْمُتَغَيِّرِ بِالنَّجَاسَةِ ، وَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا فَقَدْ زَالَ عَنْهُ اسْمُ الْمَاءِ مُطْلَقًا . وَحَدِيثُ بِئْرِ بُضَاعَةَ ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ . وَذَكَرَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ - يَعْنِي ابْنَ سُلَيْمَانَ - قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي يَحْيَى ، عَنْ أُمِّهِ قَالَتْ : سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ يَقُولُ : سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ - بِيَدِي مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ ، وَذَكَرَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو ثَابِتٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنِي حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَحْيَى ، عَنْ أُمِّهِ ، قَالَتْ : دَخَلْنَا عَلَى سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي نِسْوَةٍ ، فَقَالَ : لَوْ أَنِّي سَقَيْتُكُمْ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ لَكَرِهْتُمْ ذَلِكَ ، وَقَدْ وَاللَّهِ سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِي مِنْهَا ، وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ سُئِلَ عَنْ مَاءٍ اغْتَسَلَتْ مِنْهُ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِهِ وَهِيَ جُنُبٌ ، فَقَالَ : الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، مِنْهُمْ شُعْبَةُ وَالثَّوْرِيُّ ، إِلَّا أَنَّ جُلَّ أَصْحَابِ شُعْبَةَ يَرْوُونَهُ عَنْهُ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا ، وَوَصَلَهُ عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، وَقَدْ وَصَلَهُ جَمَاعَةٌ عَنْ سِمَاكٍ ، مِنْهُمُ الثَّوْرِيُّ ، وَحَسْبُكَ بِالثَّوْرِيِّ حِفْظًا وَإِتْقَانًا . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغْتَسَلَتْ مِنْ جَنَابَةٍ ، فَاغْتَسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَوَضَّأَ مِنْ فَضْلِهَا ، وَقَالَ الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ . وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو الْأَحْوَصِ ، وَشَرِيكٌ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا ، وَكُلُّ مَنْ أَرْسَلَ هَذَا الْحَدِيثَ فَالثَّوْرِيُّ أَحْفَظُ مِنْهُ ، وَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ عَلَى إِسْنَادِهِ ، وَذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي ، عَنِ الْحِمَّانِيِّ ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ - الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ ابْنُ الْمَدِينِيِّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ ثَوْبَةَ الْعَنْبَرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ سَلْمَ بْنَ غِيَاثٍ يُحَدِّثُ عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : سَأَلْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ، قُلْتُ : إِنَّا نَرِدُ الْحَوْضَ يَكُونُ فِيهِ السُّؤْرُ مِنَ الْمَاءِ ، فَيَلِغُ فِيهِ الْكَلْبُ وَيَشْرَبُ مِنْهُ الْحِمَارُ ، فَقَالَ : الْمَاءُ لَا يُحَرِّمُهُ شَيْءٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : حَسْبُكَ بِجَوَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَهُوَ الَّذِي رَوَى حَدِيثَ وُلُوغِ الْكَلْبِ فِي الْإِنَاءِ ، وَحَدِيثَ غَسْلِ الْيَدِ قَبْلَ إِدْخَالِهَا فِيهِ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ وُجُوهٍ أَنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الْمَاءُ يُطَهِّرُ وَلَا يُطَهَّرُ ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : الْمَاءُ طَهُورٌ لِكُلِّ مَا أَصَابَ ، وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ : الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ ، وَرَوَى شُعْبَةُ ، عَنْ يَزِيدَ الرِّشْكِ ، عَنْ مُعَاذٍ ، عَنْ عَائِشَةَ : الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مِثْلُهُ ، وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ حَمَّادٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي مَاءِ الْحَمَّامِ يَغْتَسِلُ فِيهِ الْجُنُبُ وَغَيْرُ الطَّاهِرِ ، قَالَ : الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنِ الْغُدُرِ الَّتِي فِي الطُّرُقِ تَلِغُ فِيهَا الْكِلَابُ وَتَبُولُ فِيهَا الدَّوَابُّ أَيُتَوَضَّأُ مِنْهَا ؟ فَقَالَ : الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي سُؤْرِ الْهِرِّ أَنَّهُ كَرِهَهُ لَمْ يَكُنْ إِلَّا لِشَيْءٍ ظَهَرَ فِي الْمَاءِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ فِيمَا بَالَتْ فِيهِ الدَّوَابُّ مِنَ الْمَاءِ أَنَّهُ طَهُورٌ ، مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْبَوْلَ لَمْ يَظْهَرْ فِي الْمَاءِ مِنْهُ طَعْمٌ وَلَا لَوْنٌ وَلَا رِيحٌ . أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا دُحَيْمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنِ الزُّهُرِيِّ ، فِي الْغَدِيرِ تَقَعُ فِيهِ الدَّابَّةُ فَتَمُوتُ ، قَالَ : الْمَاءُ طَهُورٌ مَا لَمْ تُنَجِّسِ الْمَيْتَةُ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ . وَأَمَّا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ ، فَمَذْهَبٌ ضَعِيفٌ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ ، غَيْرُ ثَابِتٍ فِي الْأَثَرِ ; لِأَنَّهُ حَدِيثٌ قَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالنَّقْلِ ، وَلِأَنَّ الْقُلَّتَيْنِ لَمْ يُوقَفْ عَلَى حَقِيقَةِ مَبْلَغِهِمَا فِي أَثَرٍ ثَابِتٍ وَلَا إِجْمَاعٍ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ حَدًّا لَازِمًا لَوَجَبَ عَلَى الْعُلَمَاءِ الْبَحْثُ عَنْهُ لِيَقِفُوا عَلَى حَدِّ مَا حَرَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ - وَمَا أَحَلَّهُ مِنَ الْمَاءِ ، لِأَنَّهُ مِنْ أَصْلِ دِينِهِمْ وَفَرْضِهِمْ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ مَا ضَيَّعُوهُ ، فَلَقَدْ بَحَثُوا عَمَّا هُوَ أَدَقُّ مِنْ ذَلِكَ وَأَلْطَفُ ، وَمُحَالٌ فِي الْعُقُولِ أَنْ يَكُونَ مَاءَانِ أَحَدُهُمَا يَزِيدُ عَلَى الْآخَرِ بِقَدَحٍ أَوْ رِطْلٍ وَالنَّجَاسَةُ غَيْرُ قَائِمَةٍ وَلَا مَوْجُودَةٍ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، أَحَدُهُمَا نَجِسٌ ، وَالْآخَرُ طَاهِرٌ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ قَالَ بِأَنَّ قَلِيلَ الْمَاءِ يُفْسِدُهُ قَلِيلُ النَّجَاسَةِ دُونَ كَثِيرِهِ وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ فِيهِ وَلَمْ تُغَيِّرْ شَيْئًا مِنْهُ وُجِدَ فِي ذَلِكَ الْمَاءِ الْمُسْتَجَدِّ بِغَيْرِ أَثَرٍ يَشْهَدُ لَهُ - فَقَوْلُهُ مَدْفُوعٌ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْآثَارِ الْمَرْفُوعَةِ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَقَاوِيلِ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْحِجَازِ فِيهِ . وَأَمَّا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمِصْرِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِي أَنَّ قَلِيلَ الْمَاءِ يَفْسَدُ بِقَلِيلِ النَّجَاسَةِ مِنْ غَيْرِ حَدٍّ حَدُّوهُ فِي ذَلِكَ ، وَمَا قَالُوهُ مِنْ أَجْوِبَةِ مَسَائِلِهِمْ فِي الْبِئْرِ تَقَعُ فِيهَا الْمَيْتَةُ مِنِ اسْتِحْبَابِ نَزْحِ بَعْضِهَا وَتَطْهِيرِ مَا مَسَّهُ مَاؤُهَا ، وَفِي إِنَاءِ الْوُضُوءِ يَسْقُطُ فِيهِ مِثْلُ رُؤُوسِ الْإِبَرِ مِنَ الْبَوْلِ ، وَفِي سُؤْرِ النَّصْرَانِيِّ وَالْمَخْمُورِ ، وَسُؤْرِ الدَّجَاجَةِ الْمُخَلَّاةِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَسَائِلِهِمْ فِي هَذَا الْبَابِ - فَذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى التَّنَزُّهِ وَالِاسْتِحْبَابِ ، هَكَذَا ذَكَرَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَهُوَ الصَّوَابُ عِنْدَنَا ، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، حَدَّثَنَا الْجَوْطِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ قَالَ : قُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ : جُبٌّ كَانَ يُعْصَرُ فِيهِ الْعَصِيرُ ، فَلَمَّا فَرَغُوا بَقِيَتْ فِي أَسْفَلِهِ بَقِيَّةٌ فَصَارَتْ خَمْرًا ثُمَّ جَاءَتِ الْأَمْطَارُ فَمَلَأَتِ الْجُبَّ ، مَا تَقُولُ فِي الْوُضُوءِ مِنْهُ ؟ قَالَ : تَجِدُ لَهُ طَعْمًا أَوْ رِيحًا ؟ قُلْتُ : لَا ، قَالَ : لَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ مِنْهُ . وَلَمَّا ثَبَتَتِ السُّنَّةُ فِي الْهِرِّ - وَهُوَ سَبُعٌ يَفْتَرِسُ وَيَأْكُلُ الْمَيْتَةَ - أَنَّهُ لَيْسَ بِنَجَسٍ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ كُلَّ حَيٍّ لَا نَجَاسَةَ فِيهِ ، فَكَانَ الْكَلْبُ وَالْحِمَارُ وَالْبَغْلُ وَسَائِرُ الْحَيَوَانِ كُلِّهِ لَا نَجَاسَةَ فِيهِ مَا دَامَ حَيًّا ، وَلَا بَأْسَ بِسُؤْرِهِ لِلْوُضُوءِ وَالشُّرْبِ حَاشَا الْخِنْزِيرَ الْمُحَرَّمَ الْعَيْنَ ، فَإِنَّهُ قَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ ، فَقِيلَ إِنَّهُ إِذَا مَاسَّ الْمَاءَ وَهُوَ حَيٌّ أَفْسَدَهُ ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّ ذَلِكَ لَا يُفْسِدُهُ عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ عُمَرَ فِي السِّبَاعِ وَظَاهِرِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ - الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الَّذِي إِلَيْهِ يَذْهَبُ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا وَبِهِ نَقُولُ . وَكَذَلِكَ الطَّيْرُ كُلُّهُ لَا بَأْسَ بِسُؤْرِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي فَمِهِ أَذًى يُغَيِّرُ الْمَاءَ اعْتِبَارًا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْهِرِّ وَفِي الْمَاءِ أَنَّهُ لَا يُنَجِّسُهُ إِلَّا مَا ظَهَرَ فِيهِ مِنَ النَّجَاسَةِ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ الْكِلَابَ كَانَتْ تُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا يُغْسَلُ شَيْءٌ مِنْ أَثَرِهَا وَلَا يُرَشُّ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي حَيٍّ نَجَاسَةٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَإِنَّمَا النَّجَاسَةُ فِي الْمَيْتَةِ ، وَفِيمَا ثَبَتَتْ مَعْرِفَتُهُ عِنْدَ النَّاسِ مِنَ النَّجَاسَاتِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا وَالَّتِي قَامَتِ الدَّلَائِلُ بِنَجَاسَتِهَا كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالْمَذْيِ وَالْخَمْرِ . وَقَدْ يَكُونُ مِنَ الْمَيْتَةِ مَا لَيْسَ بِنَجَسٍ ، وَهُوَ كُلُّ شَيْءٍ لَيْسَ لَهُ دَمٌ سَائِلٌ ، مِثْلَ بَنَاتِ وَرْدَانَ وَالزُّنْبُورِ وَالْعَقْرَبِ وَالْجِعْلَانِ وَالصَّرَّارِ وَالْخُنْفُسَاءِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الذُّبَابِ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ - قَالَ : إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَمْقُلْهُ وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ السَّكَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ مَوْلَى بَنِي زُرَيْقٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ ثُمَّ لْيَطْرَحْهُ ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وَفِي الْآخَرِ دَاءً . وَرُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، كُلُّهَا ثَابِتَةٌ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الذُّبَابَ إِذَا غُمِسَ فِي الطَّعَامِ الْحَارِّ أَوِ الْبَارِدِ أَنَّ الْأَغْلَبَ عَلَيْهِ مَعَ ضَعْفِ خَلْقِهِ الْمَوْتُ ، فَلَوْ كَانَ مَوْتُهُ فِي الْمَاءِ وَالطَّعَامِ يُفْسِدُهُ لَمْ يَأْمُرْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ - بِغَمْسِهِ فِيهِ ، وَإِذَا لَمْ يَنْجُسِ الطَّعَامُ بِمَوْتِهِ فَلَيْسَ بِنَجَسٍ عَلَى حَالٍ الْبَتَّةَ . وَحُكْمُ مَا لَا دَمَ لَهُ حُكْمُهُ ، مِنْ أَنَّهُ لَا يُفْسِدُ مَا مَاتَ فِيهِ مِنَ الطَّعَامِ ، وَقَدْ رَخَّصَ قَوْمٌ فِي أَكْلِ دُودِ التِّينِ ، وَمَا فِي الْفُولِ وَسَائِرِ الطَّعَامِ مِنَ السُّوسِ ، وَاسْتَجَازُوا ذَلِكَ لِعَدَمِ النَّجَاسَةِ . وَكَرِهَ أَكْلَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَقَالُوا : لَا يُؤْكَلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَلْقٌ وَلِبَّةٌ فَيُذَكَّى ، وَلَا هُوَ مِنْ صَيْدِ الْمَاءِ فَيَحِلُّ بِغَيْرِ الذَّكَاةِ ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ - فِي الذُّبَابِ فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لْيَطْرَحْهُ قَالُوا : وَلَوْ كَانَ أَكْلُهُ مُبَاحًا لَمْ يَأْمُرْ بِطَرْحِهِ . وَأَمَّا الْقَمْلَةُ وَالْبُرْغُوثُ ، فَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا يَقُولُونَ : لَا يُؤْكَلُ طَعَامٌ مَاتَتْ فِيهِ قَمْلَةٌ أَوْ بُرْغُوثٌ ; لِأَنَّهُمَا نَجِسَانِ ، وَهُمَا مِنَ الْحَيَوَانِ الَّذِي عَيْشُهُ مِنْ دَمِ الْحَيَوَانِ ، لَا عَيْشَ لَهُمَا غَيْرُ الدَّمِ ، فَهُمَا نَجِسَانِ وَهَمَا دَمٌ . وَكَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ سَالِمٍ الْقَاضِي الْكِنْدِيُّ مِنْ أَهْلِ أَفْرِيقِيَّةَ ، يَقُولُ : إِنْ مَاتَتِ الْقَمْلَةُ فِي الْمَاءِ طُرِحَ وَلَمْ يُشْرَبْ ، وَإِنْ وَقَعَتْ فِي الدَّقِيقِ وَلَمْ تَخْرُجْ فِي الْغِرْبَالِ لَمْ يُؤْكَلِ الْخُبْزُ ، وَإِنْ مَاتَتْ فِي شَيْءٍ جَامِدٍ طُرِحَتْ وَمَا حَوْلَهَا كَالْفَأْرَةِ . وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ : إِنَّ الْقَمْلَةَ كَالذُّبَابِ سَوَاءٌ ، فَأَمَّا الْمَاءُ فَالْأَصْلُ فِيهِ عِنْدَنَا مَا ذَكَرْنَا وَأَوْضَحْنَا فِي هَذَا الْبَابِ ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الذُّبَابَ يَعِيشُ مِنَ الدَّمِ ، وَيَتَنَاوَلُ مِنَ الْأَقْذَارِ مَا لَا تَتَنَاوَلُ الْقَمْلَةُ ، وَفِيهِ مِنَ الدَّمِ مِثْلُ مَا فِي الْقَمْلَةِ أَوْ أَكَثُرُ ، وَقَدْ حَكَمَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ . وَهَذَا مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَمٌ ; لِأَنَّ الْحَدِيثَ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّجِسَ مِنَ الْحَيَوَانِ مَا لَهُ دَمٌ سَائِلٌ ، وَكَذَلِكَ قَالَ إِبْرَاهِيمُ : مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ فَلَيْسَ بِنَجَسٍ . يَعْنِي بِالنَّفْسِ : الدَّمَ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْخَامِسَ عَشَرَ إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ أَوِ الطَّوَّافَاتِ · ص 318 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث أبي قتادة عن الهرة إنها ليست بنجس · ص 111 44 44 - مَالِكٌ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ حُمَيْدَةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ فَرْوَةَ ، عَنْ خَالَتِهَا كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، وَكَانَتْ تَحْتَ ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهَا : أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَخَلَ عَلَيْهَا فَسَكَبَتْ لَهُ وَضُوءًا . فَجَاءَتْ هِرَّةٌ لِتَشْرَبَ مِنْهُ ، فَأَصْغَى لَهَا الْإِنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ . قَالَتْ كَبْشَةُ : فَرَآنِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ . فَقَالَ : أَتَعْجَبِينَ يَا ابْنَةَ أَخِي ؟ قَالَتْ : فَقُلْتُ ، نَعَمْ . فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجِسٍ ، إِنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ أَوِ الطَّوَّافَاتِ . 1612 - قَالَ مَالِكٌ : لَا بَأْسَ بِهِ ، إِلَّا أَنْ يَرَى عَلَى فَمِهَا نَجَاسَةً . 1613 - هَكَذَا قَالَ يَحْيَى : حَمِيدَةُ بِنْتُ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ فَرْوَةَ ، وَلَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ عَلَى قَوْلِهِ ذَلِكَ ، وَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُ . 1614 - وَأَمَّا سَائِرُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ فَيَقُولُونَ : حَمِيدَةُ بِنْتُ عُبَيْدَةَ بْنِ رِفَاعَةَ . 1615 - إِلَّا أَنَّ زَيْدَ بْنَ الْحُبَابِ قَالَ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ : حَمِيدَةُ بِنْتُ عُبَيْدَةَ بْنِ رَافِعٍ . 1616 - وَالصَّوَابُ : رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعٍ الْأَنْصَارِيُّ . 1617 - وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ بِمَا يَجِبُ مِنْ ذِكْرِهِ هُنَاكَ . 1618 - وَانْفَرَدَ يَحْيَى أَيْضًا بِقَوْلِهِ : عَنْ خَالَتِهَا كَبْشَةَ ، وَسَائِرُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ يَقُولُونَ : عَنْ كَبْشَةَ ، وَلَا يَذْكُرُونَ خَالَتَهَا . 1619 - وَاخْتُلِفَ فِي رَفْعِ الْحَاءِ وَنَصْبِهَا مِنْ حُمَيْدَةَ : فَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : حُمَيْدَةُ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : حَمِيدَةُ وَهُوَ الْأَكْثَرُ . 1620 - وَتُكَنَّى حَمِيدَةُ : أُمَّ يَحْيَى ، وَهِيَ امْرَأَةُ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَلْحَةَ . 1621 - كَذَلِكَ ذَكَرَ يَحْيَى الْقَطَّانُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ مَالِكٍ . 1622 - وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ فِي التَّمْهِيدِ . 1623 - وَكَذَلِكَ قَالَ فِيهِ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مَالِكٍ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : كَبْشَةُ امْرَأَةُ أَبِي قَتَادَةَ ، وَهَذَا وَهْمٌ . وَإِنَّمَا هِيَ امْرَأَةُ ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ . 1624 - فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِبَاحَةُ اتِّخَاذِ الْهِرِّ للِانْتِفَاعٍ بِهِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا جَازَ الِانْتِفَاعُ بِهِ جَازَ شِرَاؤُهُ وَبَيْعُهُ ، إِلَّا مَا خُصَّ بِدَلِيلٍ وَهُوَ الْكَلْبُ الَّذِي نُهِيَ عَنْ ثَمَنِهِ . 1625 - وَفِيهِ أَنَّ الْهِرَّ لَيْسَ يُنَجِّسُ مَا شَرِبَ مِنْهُ ، وَأَنَّ سُؤْرَهُ طَاهِرٌ . 1626 - وَهَذَا قَوْلُ : مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِهِمَا والْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَبِي يُوسُفَ الْقَاضِي ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ . 1627 - فَإِنْ ظَهَرَتْ فِي فَمِهِ نَجَاسَةٌ فِي الْمَاءِ الَّذِي شَرِبَ مِنْهُ فَالْجَوَابُ فِيهِ مَا مَضَى فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا عَنِ الْعُلَمَاءِ عَلَى أُصُولِهِمْ فِي الْمَاءِ . 1628 - وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا أُبِيحَ لَنَا اتِّخَاذُهُ فَسُؤْرُهُ طَاهِرٌ ، لِأَنَّهُ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْنَا . 1629 - وَمَعْنَى الطَّوَّافِينَ عَلَيْنَا الَّذِينَ يُدَاخِلُونَنَا وَيُخَالِطُونَنَا ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْأَطْفَالِ : طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الْهِرِّ : إِنَّهَا مِنْ مَتَاعِ الْبَيْتِ . 1630 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْخَبَرَ عَنْهُ بِذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ . 1631 - وَطَهَارَةُ الْهِرِّ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي حَيٍّ نَجَاسَةٌ إِلَّا مَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى نَجَاسَةِ عَيْنِهِ بِالتَّحْرِيمِ ، وَهُوَ الْخِنْزِيرُ وَحْدَهُ ، وَأَنَّ النَّجَاسَةَ إِنَّمَا هِيَ فِي الْمَيْتَاتِ وَالْأَبْوَالِ وَالْعَذِرَاتِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي حَيٍّ نَجَاسَةً بِدَلِيلِ مَا وَصَفْنَا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْكَلْبَ لَيْسَ بِنَجِسٍ ، وَأَنَّهُ لَا نَجَاسَةَ فِي عَيْنِهِ ، لِأَنَّهُ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْنَا وَمَا أُبِيحَ لَنَا اتِّخَاذُهُ لِلصَّيْدِ وَالزَّرْعِ وَالْمَاشِيَةِ ، فَيُقَاسُهُ الْهِرُّ . 1632 - وَإِذَا صَحَّ هَذَا صَحَّ أَنَّ الْأَمْرَ بِغَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِهِ سَبْعًا ، عِبَادَةٌ لَا لِنَجَاسَةٍ . 1633 - وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى عِنْدَ حَدِيثِ الْكَلْبِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 1634 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : أَنَّهُ كَانَ تَمُرُّ بِهِ الْهِرَّةُ فَيُصْغِي لَهَا الْإِنَاءَ فَتَشْرَبُ مِنْهُ ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ بِفَضْلِهَا ، وَهُوَ حَدِيثٌ لَا بَأْسَ بِهِ . 1635 - وَكَذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ هَذَا لَا بَأْسَ بِإِسْنَادِهِ أَيْضًا . 1636 - وَمِمَّنْ رُوِّينَا عَنْهُ أَنَّ الْهِرَّ لَيْسَ بِنَجِسٍ وَلَا بَأْسَ بِفَضْلِ سُؤْرِهِ لِلْوُضُوءِ وَالشُّرْبِ : الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمَطْلَبِ ، وَعَلِيٌّ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَعَائِشَةُ ، وَأَبُو قَتَادَةَ ، وَالْحَسَنُ ، وَالْحُسَيْنُ ، وَعَلْقَمَةُ ، وَإِبْرَاهِيمُ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ . 1637 - وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ : فَرَوَى عَطَاءٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ الْهِرَّ كَالْكَلْبِ يُغْسَلُ مِنْهُ الْإِنَاءُ سَبْعًا ، وَرَوَى أَبُو صَالِحٍ ذَكْوَانُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : السِّنَّوْرُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ . 1638 - وَرَوَى أَشْعَثُ ، عَنِ الْحَسَنِ : أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِسُؤْرِ السِّنَّوْرِ . 1639 - وَرَوَى يُونُسُ ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ : يُغْسَلُ الْإِنَاءُ مِنْ وُلُوغِهِ ، وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ رَأَى فِي فَمِهِ نَجَاسَةً لِيَصِحَّ مَخْرَجُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ . 1640 - وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ رُوِيَ عَنْهُ فِي الْهِرِّ : أَنَّهُ لَا يُتَوَضَّأُ بِسُؤْرِهِ إِلَّا أَبَا هُرَيْرَةَ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ . 1641 - وَأَمَّا التَّابِعُونَ ؛ فَرُوِّينَا عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ : أَنَّهُمْ أَمَرُوا بِإِرَاقَةٍ مَا وَلَغَ فِيهِ الْهِرُّ ، وَغَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْهُ . 1642 - وَسَائِرُ التَّابِعِينَ بِالْحِجَازِ ، وَالْعِرَاقِ ، يَقُولُونَ فِي الْهِرِّ : إِنَّهُ طَاهِرٌ لَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ مِنْ سُؤْرِهِ . 1643 - وَرَوَى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَالْحَسَنِ أَنَّهُمَا كَرِهَا الْوُضُوءَ بِفَضْلِ الْهِرِّ . 1644 - قَالَ الْوَلِيدُ : فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيِّ ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، فَقَالَا : تَوَضَّأْ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ وَإِنْ وَجَدْتَ غَيْرَهُ . 1645 - وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ الَّذِي صَارَ إِلَيْهِ جُلُّ أَهْلِ الْفَتْوَى مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ مِنْ أَهْلِ الْأَثَرِ وَالرَّأْيِ جَمِيعًا : إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِسُؤْرِ السِّنَّوْرِ ، اتِّبَاعًا لِلْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ ، يَعْنِي عَنْ أَبِي قَتَادَةَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - . 1646 - قَالَ : وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ مَالِكٌ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَاللَّيْثُ فِي أَهْلِ مِصْرَ ، والْأَوْزَاعِيُّ فِي أَهْلِ الشَّامِ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فِيمَنْ وَافَقَ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ . 1647 - قَالَ : وَكَانَ النُّعْمَانُ يَكْرَهُ سُؤْرَهُ ، وَقَالَ : إِنْ تَوَضَّأَ بِهِ أَجْزَأَهُ ، وَخَالَفَهُ أَصْحَابُهُ ، وَقَالُوا : لَا بَأْسَ بِهِ . 1648 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَا حَكَاهُ الْمَرْوَزِيُّ عَنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ فَلَيْسَ كَمَا حَكَاهُ عِنْدَنَا ، وَإِنَّمَا خَالَفَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ أَبُو يُوسُفَ وَحْدَهُ ، وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَزُفَرَ بْنُ الْهُذَيْلِ وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ وَغَيْرُهُمْ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَكْثَرُهُمْ يَرْوُونَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ الْوُضُوءُ بِفَضْلِ الْهِرِّ ، وَيَحْتَجُّونَ لِذَلِكَ . 1649 - وَيُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عُمَرَ أَنَّهُمَا كَرِهَا الْوُضُوءَ بِسُؤْرِ الْهِرِّ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى . 1650 - وَقَدِ اخْتُلِفَ أَيْضًا عَنِ الثَّوْرِيِّ فِي سُؤْرِ الْهِرِّ ، وَذَكَرَ فِي جَامِعِهِ أَنَّهُ يَكْرَهُ سُؤْرَ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ . وَهُوَ مِمَّنْ يَكْرَهُ أَكْلَ الْهِرِّ . 1651 - وَذَكَرَهُ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْأَشْجَعِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، قَالَ : لَا بَأْسَ بِفَضْلِ السِّنَّوْرِ . 1652 - وَلَا أَعْلَمُ لِمَنْ كَرِهَ سُؤْرَهُ حُجَّةً مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ ، أَوْ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ ، وَبَلَغَهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْكَلْبِ ، فَقَاسَ الْهِرَّ عَلَى الْكَلْبِ . 1653 - وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا مَا رَوَاهُ قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ : طَهُورُ الْإِنَاءِ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْهِرُّ أَنْ يُغْسَلَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ . 1654 - شَكَّ قُرَّةُ . 1655 - وَهَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَرْفَعْهُ إِلَّا قُرَّةُ وَحْدَهُ ، وَقُرَّةُ ثِقَةٌ ثَبْتٌ إِلَّا أَنَّهُ خَالَفَهُ فِيهِ غَيْرُهُ ، فَرَوَوْهُ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَوْلَهُ . 1656 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ مَذْهَبُهُ أَنَّ الْمَاءَ الْيَسِيرَ تُفْسِدُهُ النَّجَاسَةُ وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ فِيهِ ، لِأَنَّهُ احْتَجَّ عَلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي تَعَجَّبَتْ مِنْ إِصْغَائِهِ الْإِنَاءَ لِلْهِرِّ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجِسٍ ، فَلَوْ كَانَتْ عِنْدَهُ تُنْجِسُ مَا أَصْغَى لَهَا الْإِنَاءَ ، لِأَنَّهَا كَانَتْ تُفْسِدُهُ . 1657 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ شُرْبَ الْهِرِّ لَا يَظْهَرُ مِنْهُ فِي الْإِنَاءِ مَا يُغَيِّرُهُ . 1658 - وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي الْمَاءِ وَمَا فِي حُكْمِهِ عِنْدَ حُلُولِ النَّجَاسَةِ فِيهِ كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ فِي الْحَدِيثِ قَبْلَ هَذَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 1659 - وَمَعْنَى إِصْغَاءِ أَبِي قَتَادَةَ لِلْهِرَّةِ الْإِنَاءَ لِتَشْرَبَ مِنْهُ : امْتِثَالُ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فِي كُلِّ ذِي كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ . 1660 - وَلَمَّا كَانَتِ الْهِرَّةُ وَهِيَ سَبُعٌ يَفْتَرِسُ وَيَأْكُلُ الْمَيْتَةَ - أَنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسٍ دَلَّ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ حَيٍّ لَا نَجَاسَةَ فِيهِ مَا دَامَ حَيًّا حَاشَى الْخِنْزِيرَ الْمُحَرَّمَ الْعَيْنِ ، فَإِنَّهُ قَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ : فَقِيلَ : إِنَّهُ إِذَا مَاسَ الْمَاءَ أَفْسَدَهُ وَهُوَ حَيٌّ وَقِيلَ : إِنَّهُ لَا يُفْسِدُهُ عَلَى حَدِيثِ عُمَرَ فِي السِّبَاعِ . 1661 - وَظَاهِرُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ يَعْنِي إِلَّا مَا غَلَبَ عَلَيْهِ وَظَهَرَ فِيهِ مِنَ النَّجَاسَةِ ، بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ . 1662 - وَإِلَى هَذَا يَذْهَبُ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا وَبِهِ نَقُولُ . 1663 - وَكَذَلِكَ الطَّيْرُ كُلُّهُ : مَا أَكَلَ مِنْهُ الْجِيَفَ ، وَمَا لَمْ يَأْكُلْ ، لَا بَأْسَ بِسُؤْرِهِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ فِي فَمِهِ نَجَاسَةٌ تُغَيِّرُ الْمَاءَ اعْتِبَارًا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْهِرِّ . 1664 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ الْكِلَابَ كَانَتْ تُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا يُغْسَلُ شَيْءٌ مِنْ أَثَرِهَا . 1665 - وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي حَيٍّ نَجَاسَةٌ ، وَإِنَّمَا النَّجَاسَةُ فِي الْمَيِّتِ ، وَفِيمَا ثَبَتَ مَعْرِفَتُهُ عِنْدَ النَّاسِ مِنَ النَّجَاسَاتِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا وَالَّتِي قَامَتِ الدَّلَائِلُ بِنَجَاسَتِهَا : كَالْبَوْلِ ، وَالْغَائِطِ ، وَسَائِرِ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْمَخْرَجَيْنِ ، وَالْخَمْرِ . 1666 - وَقَدْ يَكُونُ مِنَ الْمَيْتَةِ مَا لَيْسَ بِنَجِسٍ وَهُوَ كُلُّ شَيْءٍ لَيْسَ لَهُ دَمٌ سَائِلٌ مِثْلَ بَنَاتِ وَرْدَانَ ، وَالزُّنْبُورِ ، وَالْعَقْرَبِ ، وَالْجِعْلَانِ ، وَالصِّرَارِ ، وَالْخُنْفَسَاءِ ، وَمَنْ أَشْبَهَ ذَلِكَ . 1667 - وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ ثُمَّ يَطْرَحْهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِيهِ فَلْيَمْقُلْهُ ، وَالْمَعْنَى سَوَاءٌ . 1668 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْخَبَرَ بِذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ . 1669 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ الذُّبَابَ مَعَ ضَعْفِ خَلْقِهِ إِذَا غُمِسَ فِي الْمَاءِ وَالطَّعَامِ مَاتَ فِيهِ . 1670 - قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ : مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ فَلَيْسَ بِنَجِسٍ ، يَعْنِي بِالنَّفْسِ الدَّمَ . 1671 - وَقَدْ رَخَّصَ قَوْمٌ فِي أَكْلِ دُودِ التِّينِ ، وَمَا فِي الطَّعَامِ مِنَ السُّوسِ ، وَفِرَاخِ النَّحْلِ . وَاسْتَجَازُوا ذَلِكَ لِعَدَمِ النَّجَاسَةِ فِيهِ . 1672 - وَكَرِهَ أَكْلَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَقَالُوا : لَا يُؤْكَلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَلْقٌ وَلَا لَبَّةٌ فَيُذَكَّى ، وَلَا مِنْ صَيْدِ الْمَاءِ فَيَحِلُّ بِغَيْرِ التَّذْكِيَةِ . 1673 - وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَدِيثِ الذُّبَابِ : فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ ، وَقَالُوا : لَوْ كَانَ مُبَاحًا لَمْ يَأْمُرْ بِطَرْحِهِ . 1674 - وَأَمَّا الْقَمْلَةُ وَالْبُرْغُوثُ فَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا يَقُولُونَ : لَا يُؤْكَلُ طَعَامٌ مَاتَا فِيهِ أَوْ أَحَدُهُمَا ، لِأَنَّهُمَا نَجِسَانِ وَهُمَا مِنَ الْحَيَوَانِ الَّذِي عَيْشُهُ مِنْ دَمِ الْحَيَوَانِ . 1675 - وَكَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ سَالِمٍ الْقَاضِي الْكِنْدِيُّ مِنْ أَصْحَابِ سَحْنُونَ يَقُولُ : إِنْ مَاتَتِ الْقَمْلَةُ فِي الْمَاءِ طُرِحَ وَلَمْ يُشْرَبْ ، وَإِنْ وَقَعَتْ فِي الدَّقِيقِ وَلَمْ تَخْرُجْ فِي الْغِرْبَالِ لَمْ يُؤْكَلِ الْخُبْزُ ، وَإِنْ مَاتَتْ فِي شَيْءٍ جَامِدٍ طُرِحَتْ كَالْفَأْرَةِ . 1676 - قَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا : أَمَّا الْبَرَاغِيثُ فَهِيَ كَالذُّبَابِ ، وَكِلَاهُمَا مُتَنَاوِلٌ لِلدَّمِ وَيَعِيشُ مِنْهُ . 1677 - وَأَمَّا الْقَمْلَةُ فَهِيَ مِنَ الْإِنْسَانِ كَدَمِهِ ، وَالدَّمُ مَا لَمْ يَكُنْ مَسْفُوحًا لَا يُقْطَعُ بِتَحْرِيمِهِ وَإِنْ كُرِهَ . 1678 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الَّذِي أَقُولُ إِنَّ مَا لَا دَمَ لَهُ وَلَا دَمَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ يَعِيشُ مِنَ الدَّمِ فَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ الذُّبَابِ ، وَأَمَّا مَا ظَهَرَ فِيهِ الدَّمُ فَهُوَ نَجِسٌ يُعْتَبَرُ فِيهِ مَا أَوْضَحْنَا مِنْ أُصُولِ الْعُلَمَاءِ فِي الْمَاءِ ، وَفِي قَلِيلِ الدَّمِ وَكَثِيرِهِ . 1679 - وَأَمَّا الْمَاءُ فَقَلِيلُ النَّجَاسَةِ يُفْسِدُهُ ، وَلَيْسَ كَالْمَاءِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ طَهُورًا مُطَهِّرًا طَاهِرًا ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب الطَّهُورِ لِلْوُضُوءِ · ص 134 42 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ حُمَيْدَةَ بِنْتِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ خَالَتِهَا كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَكَانَتْ تَحْتَ ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهَا أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَخَلَ عَلَيْهَا فَسَكَبَتْ لَهُ وَضُوءًا ، فَجَاءَتْ هِرَّةٌ لِتَشْرَبَ مِنْهُ فَأَصْغَى لَهَا الْإِنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ قَالَتْ كَبْشَةُ : فَرَآنِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ فَقَالَ : أَتَعْجَبِينَ يَا ابْنَةَ أَخِي قَالَتْ : فَقُلْتُ : نَعَمْ ، فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ ؛ إِنَّمَا هِيَ مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ أَوْ الطَّوَّافَاتِ . قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ : لَا بَأْسَ بِهِ إِلَّا أَنْ يُرَى عَلَى فَمِهَا نَجَاسَةٌ . 44 42 - ( مَالِكٌ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ) زَيْدِ بْنِ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيِّ ( عَنْ ) زَوْجَتِهِ ( حُمَيْدَةَ ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ عِنْدَ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ إِلَّا يَحْيَى اللَّيْثِيَّ فَقَالَ : إِنَّهَا بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ نَبَّهَ عَلَيْهِ أَبُو عُمَرَ ( بِنْتِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ فَرْوَةَ ) كَذَا قَالَ يَحْيَى وَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُ لَمْ يُتَابِعْهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ ، وَإِنَّمَا يَقُولُ رُوَاةُ الْمُوَطَّأِ كُلُّهُمُ ابْنَةُ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ ، إِلَّا أَنَّ زَيْدَ بْنَ الْحُبَابِ قَالَ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ حُمَيْدَةُ بِنْتُ عُبَيْدِ بْنِ رَافِعٍ نُسِبَ أَبَاهَا إِلَى جَدِّهِ وَهُوَ عُبَيْدُ بْنُ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ ، وَحُمَيْدَةُ هَذِهِ امْرَأَةُ إِسْحَاقَ ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَتْنِي امْرَأَتِي حُمَيْدَةُ وَتُكَنَّى أُمُّ يَحْيَى ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَيْ بِاسْمِ ابْنِهَا يَحْيَى بْنِ إِسْحَاقَ ، وَهِيَ أَنْصَارِيَّةٌ مَدَنِيَّةٌ مَقْبُولَةٌ مِنَ التَّابِعِيَّاتِ رَوَى لَهَا أَصْحَابُ السُّنَنِ ( عَنْ خَالَتِهَا كَبْشَةَ ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ بَيْنَهُمَا مُوَحَّدَةٌ سَاكِنَةٌ ( بِنْتِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ) الْأَنْصَارِيَّةِ ، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ : لَهَا صُحْبَةٌ وَتَبِعَهُ الْمُسْتَغْفِرِيُّ ( وَكَانَتْ تَحْتَ ) عَبْدِ اللَّهِ ( ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ ) الْمَدَنِيِّ الثِّقَةِ التَّابِعِيِّ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ ، وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ : تَزَوَّجَهَا ثَابِتُ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ فَوَلَدَتْ لَهُ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مَالِكٍ : وَكَانَتِ امْرَأَةَ أَبِي قَتَادَةَ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَهُوَ وَهْمٌ مِنْهُ إِنَّمَا هِيَ امْرَأَةُ ابْنِهِ ، وَوَقَعَ فِي الْأُمِّ لِلشَّافِعِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ : وَكَانَتْ تَحْتَ ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ أَوْ أَبِي قَتَادَةَ ، الشَّكُّ مِنَ الرَّبِيعِ كَذَا وَقَعَ فِي الْأَصْلِ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَفِي نِسْبَةِ الشَّكِّ إِلَيْهِ شُبْهَةٌ لِأَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَدِيٍّ رَوَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ الزَّعْفَرَانِ عَنِ الشَّافِعِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ الْحَدِيثَ ، وَقَالَ فِيهِ كَذَلِكَ وَهَذَا يُوهِمُ أَنَّ الشَّكَّ مِنْ غَيْرِ الرَّبِيعِ ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَغَيْرِهِ عَنْ مَالِكٍ وَكَانَتْ عِنْدَ أَبِي قَتَادَةَ وَهَذَا يَصْدُقُ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ ، قَالَ : وَالْوَاقِعُ عَلَى مَا رَوَاهُ الْأَكْثَرُونَ الْأُولَى أَيْ أنَّهَا زَوْجُ ابْنِهِ ، وَكَذَا رَوَاهُ الرَّبِيعُ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِلَا شَكٍّ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ لَهَا : يَا ابْنَةَ أَخِي وَلَا يَحْسُنُ تَسْمِيَةُ الزَّوْجَةِ بِاسْمِ الْمَحَارِمِ . ( أَنَّهَا ) أَيْ كَبْشَةُ ( أَخْبَرَتْهَا ) أَيْ حُمَيْدَةُ ( أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ ) الْأَنْصَارِيَّ اسْمُهُ الْحَارِثُ ، وَيُقَالُ عَمْرٌو ، وَيُقَالُ النُّعْمَانُ بْنُ رِبْعِيٍّ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ السَّلَمِيُّ بِفَتْحَتَيْنِ الْمَدَنِيُّ شَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا وَلَمْ يَصِحَّ شُهُودُهُ بَدْرًا ، وَمَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ عَلَى الْأَصَحِّ الْأَشْهَرِ . ( دَخَلَ عَلَيْهَا فَسَكَبَتْ ) أَيْ صَبَّتْ ( لَهُ وَضُوءًا ) أَيِ الْمَاءُ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ . ( فَجَاءَتْ هِرَّةٌ لِتَشْرَبَ مِنْهُ فَأَصْغَى ) بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ أَيْ أَمَالَ ( لَهَا الْإِنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ ) مِنْهُ ( قَالَتْ كَبْشَةُ : فَرَآنِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ ) نَظَرَ الْمُنْكِرِ أَوِ الْمُتَعَجِّبِ ( فَقَالَ : أَتَعْجَبِينَ يَا ابْنَةَ أَخِي ؟ ) فِي الصُّحْبَةِ لِأَنَّ أَبَاهَا صَحَابِيٌّ مِثْلُهُ وَسَلَمِيٌّ مِنْ قَبِيلَتِهِ وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ ( قَالَتْ : فَقُلْتُ ) لَهُ : ( نَعَمْ ) أَعْجَبُ ( فَقَالَ : ) لَا تَعْجَبِي ( إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ ) وَصْفٌ بِالْمَصْدَرِ فَيَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ ، قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَضَبَطَهُ الْمُنْذِرِيُّ ، وَالنَّوَوِيُّ ، وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ، وَابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ بِفَتْحِ الْجِيمِ مِنَ النَّجَاسَةِ ، قَالَ تَعَالَى : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ( سُورَةُ التَّوْبَةِ : الْآيَةُ 28 ) ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ عَلَى النَّسَائِيِّ ( إِنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ ) أَيِ الَّذِينَ يُدَاخِلُونَكُمْ وَيُخَالِطُونَكُمْ قَالَهُ أَبُو عُمَرَ . ( أَوِ الطَّوَّافَاتِ ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي أَوْ تَنْوِيعٌ أَيْ ذُكُورُهَا مِنْ ذُكُورِ مَنْ يَطُوفُ وَإِنَاثُهَا مِنَ الْإِنَاثِ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةٍ بِالْوَاوِ ، قَالَهُ الرَّافِعِيُّ ، وَهِيَ رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ لِلْمُوَطَّأِ . وَقَالَ الْبُونِيُّ : الطَّوَّافِينَ الْخَدَمَ وَالطَّوَّافَاتِ الْخَادِمَاتِ ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ ( سُورَةُ الْإِنْسَانِ : الْآيَةُ 19 ) ، فَالْهِرُّ فِي اخْتِلَاطِهِ كَبَعْضِ الْخَدَمِ . وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، وَالْحَاكِمُ ، وَابْنُ عَدِيٍّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : الْهِرَّةُ لَا تَقْطَعُ الصَّلَاةَ إِنَّمَا هِيَ مِنْ مَتَاعِ الْبَيْتِ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا : إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ هِيَ كَبَعْضِ أَهْلِ الْبَيْتِ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَلَوْ قُرِئَ تُنَجِّسُ أَيْ بِفَوْقِيَّةٍ قَبْلَ النُّونِ وَشَدِّ الْجِيمِ أَيْ مَا تَلْغُ فِيهِ لَصَحَّ مَعْنَاهُ وَكَانَ قَوْلُهُ : إِنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ حَسُنَ الْمَوْقِعُ أَيْ إِذَا كَانَتْ تَطُوفُ فِي الْبَيْتِ وَلَا يُسْتَغْنَى عَنْهَا يُخَفَّفُ الْأَمْرُ فِيمَا وَلَغَتْ فِيهِ ، وَلِذَا صَارَ بَعْضُهُمْ إِلَى الْعَفْوِ مَعَ تَيَقُّنِ نَجَاسَةِ فَمِهَا لَكِنَّ الرِّوَايَةَ لَا تُسَاعِدُهُ . اهـ . وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَرَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْحَاكِمُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُعِيَ إِلَى دَارِ قَوْمٍ فَأَجَابَ وَدُعِيَ إِلَى دَارِ آخَرِينَ فَلَمْ يُجِبْ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ فِي دَارِ فُلَانٍ كَلْبًا وَفِي دَارِ الْآخَرِ هِرَّةً وَالْهِرَّةُ لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ ، إِنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ . ( قَالَ مَالِكٌ : لَا بَأْسَ بِهِ ) أَيْ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِمَا شَرِبَتْ مِنْهُ ( إِلَّا أَنْ يُرَى عَلَى فَمِهَا نَجَاسَةٌ ) فَإِنْ غَيَّرَتِ الْمَاءَ مُنِعَ .