هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ . أَبُو الْمُنْذِرِ وَكَانَ أَحَدَ الْحُفَّاظِ الثِّقَاتِ الْعُدُولِ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْأَنْصَارِيُّ ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْقَاضِي ، أَخْبَرَنِي عِيسَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ زَاذَانَ ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : رَوَيْتُ الشِّعْرَ ثَلَاثَ عَشْرَ سَنَةً قَبْلَ أَنْ أَرْوِيَ الْحَدِيثَ ، فَلَقِيَ أَبِي هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ فَقَالَ لَهُ : إِنَّ ابْنَكَ يَرْوِي الشِّعْرَ ؟ قَالَ : نَعَمْ قَالَ : فَأَرْسِلْهُ إِلَيَّ ، فَقَالَ لِي أَبِي : اغْدُ إِلَى هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فَإِنَّهُ قَدِ اسَتَزَارَكَ وَهُوَ بِالْعَقِيقِ ، فَأَخَذْتُ حِمَارًا ، وَذَهَبْتُ إِلَيْهِ فَسَلَّمْتُ وَجَلَسْتُ ، فَقَالَ : بَلَغَنِي أَنَّكَ تَرْوِي الشِّعْرَ ، ، فَلِأَيِّ الْعَرَبِ أَنْتَ أَرْوَى ؟ قُلْتُ : لِبَنِي سُلَيْمٍ ، قَالَ : فَتَرْوِي لِفُلَانٍ كَذَا ، وَلِفُلَانٍ كَذَا ، فَجَعَلَ يُنْشِدُنِي لِشُعَرَاءَ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ لَمْ أَكُنْ سَمِعْتُ بِهِمْ ، ثُمَّ قَالَ لِي : يَا ابْنَ أَخِي ، اطْلُبِ الْحَدِيثَ . فَمِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ رَوَيْتُ الْحَدِيثَ . قَالَ الزُّبَيْرُ : وَحَدَّثَنِي مُصْعَبُ بْنُ عُثْمَانَ ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : مَا سَمِعْتُ مِنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ رَفَثًا قَطُّ إِلَّا يَوْمًا وَاحِدًا ، فَإِنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ كَانَ يَلْزَمُهُ ، فَقَالَ لَهُ : يَا أَبَا الْمُنْذِرِ ، نَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ كَانَ يُفَضِّلُ أَبَاكَ عَلَى أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ ، فَقَالَ : كَذَبَ - وَاللَّهِ - نَافِعٌ ، وَمَا يَدْرِي نَافِعٌ عَاضُّ بَظَرِ أُمِّهِ ! عَبْدُ اللَّهِ - وَاللَّهِ - خَيْرٌ وَأَفْضَلُ مِنْ عُرْوَةَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : سَمِعْتُ مُصْعَبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ أَبُو الْمُنْذِرِ ، قَالَ : وَأُمُّهُ أَمُّ وَلَدٍ خُرَاسَانِيَّةٌ ، اسْمُهَا صَافِيَةُ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ : وَسَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ : عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَهُشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، وَالْأَعْمَشُ وُلِدُوا فِي سَنَةِ إِحْدَى وَسِتِّينَ قَالَ : وَرَأَيْتُ فِي كِتَابِ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ : كَانَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ يُخَضِّبُ بِالْحُمْرَةِ ، قَالَ يَحْيَى : وَمَاتَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ بَعْدَ الْهَزِيمَةِ ، يَعْنِي هَزِيمَةَ إِبْرَاهِيمَ ، كَأَنَّهُ يُرِيدُ السَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهَا ، وَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ . قَالَ : وَسَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ : مَاتَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ . وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ : تُوُفِّيَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ بَعْدَ خُرُوجِ إِبْرَاهِيمَ ، وَكَانَ مُحَمَّدٌ وَعَدَهُ أَنْ يُوَلِّيَهُ الْمَدِينَةَ . وَقَالَ الطَّبَرِيُّ كَانَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ مِنْ سَاكِنِي الْمَدِينَةِ ، وَقَدِمَ بَغْدَادَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ ، فَمَاتَ بِهَا فِي سَنَةِ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ بَعْدَ أَنْ هُزِمَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، فَدُفِنَ فِي مَقْبَرَةِ الْخَيْزُرَانِ ، وَقِيلَ : مَاتَ بِالْكُوفَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ ، وَقِيلَ : تُوُفِّيَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ سَنَةَ سِتٍّ أَوْ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ وَهُوَ ابْنُ سِتٍّ وَتِسْعِينَ سَنَةً وَوُلِدَ سَنَةَ خَمْسِينَ ، كُلُّ هَذَا قَدْ قِيلَ فِي مَوْلِدِهِ وَوَفَاتِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ . وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ : رَأَيْتُ ابْنَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، وَابْنَ عُمَرَ ، وَجَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ . قَالَ هِشَامٌ : وَمَسَحَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى رَأْسِي وَدَعَا لِي وَقَبَّلَنِي ، قَالَ : وَرَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَلَهُ جُمَّةٌ ، أَوْ قَالَ : وَفْرَةٌ . وَذَكَرَ الزُّبَيْرُ قَالَ : أَخْبَرَنِي عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْمَنْصُورُ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ حِينَ دَخَلَ عَلَيْهِ هِشَامٌ : يَا أَبَا الْمُنْذِرِ ، تَذْكُرُ يَوْمَ دَخَلْتُ عَلَيْكَ أَنَا وَإِخْوَتِي مَعَ أَبِي الْخَلَائِفِ - وَأَنْتَ تَشْرَبُ سَوِيقًا بِقُعْبَةِ يَرَاعٍ ، فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ قَالَ لَنَا أَبُونَا : اعْرِفُوا لِهَذَا الشَّيْخِ حَقَّهُ ، فَإِنَّهُ لَا يُزَالُ فِي قَوْمِكُمْ بَقِيَّةٌ مَا بَقِيَ ، فَقَالَ هِشَامٌ : لَا أَذْكُرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَلَمَّا خَرَجَ قِيلَ لَهُ : يُذَكِّرُكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مَا تَمُتُّ بِهِ إِلَيْهِ فَتَقُولُ لَا أَذْكُرُهُ ، فَقَالَ : لَمْ أَكُنْ أَذْكُرُ ، وَلَمْ يُعَوِّدْنِي اللَّهُ فِي الصِّدْقِ إِلَّا خَيْرًا . قَالَ : وَحَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ جَدِّي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ : وَضَعَ عِنْدِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ وَصِيَّتَهُ ، قَالَ الزُّبَيْرُ : تُوُفِّيَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَبِي جَعْفَرِ الْمَنْصُورِ فِي صَحَابَتِهِ سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الْمَنْصُورُ ، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا ، وَكَبَّرَ عَلَى مَوْلًى خَمْسًا ، وَذَلِكَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ . لِمَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مِنْ مَرْفُوعَاتِ الْمُوَطَّأِ سِتَّةٌ وَخَمْسُونَ حَدِيثًا ، مِنْهَا سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ مُسْنَدَةٌ مُتَّصِلَةٌ ، وَسَائِرُهَا مَرَاسِيلُ تَسْتَنِدُ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ أَحَادِيثُ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ . 100 حَدِيثٌ أَوَّلُ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ، ثُمَّ تَوَضَّأَ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ ، ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعْرِهِ ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غُرُفَاتٍ بِيَدَيْهِ ، ثُمَّ يَفِيضُ الْمَاءُ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ . فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَيْفِيَّةُ غُسْلِ الْمُغْتَسِلِ مِنَ الْجَنَابَةِ ، وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ حَدِيثٍ رُوِيَ فِي ذَلِكَ ، وَفِيهِ فَرْضٌ وَسُنَّةٌ ، فَأَمَّا السُّنَّةُ فَالْوُضُوءُ قَبْلَ الِاغْتِسَالِ مِنَ الْجَنَابَةِ ، ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ ، إِلَّا أَنَّ الْمُغْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ إِذَا لَمْ يَتَوَضَّأْ وَعَمَّ جَمِيعَ جَسَدِهِ وَرَأْسِهِ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَسَائِرَ بَدَنِهِ بِالْمَاءِ ، وَأَسْبَغَ ذَلِكَ وَأَكْمَلَهُ بِالْغُسْلِ وَمُرُورِ يَدَيْهِ ، فَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ إِذَا قَصَدَ الْغُسْلَ وَنَوَاهُ وَتَمَّ غُسْلُهُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - إِنَّمَا فَرَضَ عَلَى الْجُنُبِ الْغُسْلَ دُونَ الْوُضُوءِ بِقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَقَوْلُهُ : وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَهَذَا إِجْمَاعٌ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ، إِلَّا أَنَّهُمْ مُجْمِعُونَ أَيْضًا عَلَى اسْتِحْبَابِ الْوُضُوءِ قَبْلَ الْغُسْلِ لِلْجُنُبِ ؛ تَأَسِّيًا بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلِأَنَّهُ أَعُونُ عَلَى الْغُسْلِ وَأَهْذَبُ فِيهِ ، وَأَمَّا بَعْدَ الْغُسْلِ فَلَا . وَرَوَى أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ - مِثْلَ رِوَايَةِ مَالِكٍ ، إِلَّا أَنَّ فِي رِوَايَتِهِ : فَيُخَلِّلُ أُصُولَ شَعْرِهِ - مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، ثُمَّ يُفْرِغُ الْمَاءَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ ، فَإِنْ بَقِيَ فِي الْإِنَاءِ شَيْءٌ صَبَّهُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ أَيُّوبُ : فَقُلْتُ لِهِشَامٍ : فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ؟ فَقَالَ : وَضَوْءَهُ لِلصَّلَاةِ وَضَوْءَهُ لِلصَّلَاةِ ، يَعْنِي كَفَاهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَهَذَا الْوُضُوءُ قَبْلَ الْغُسْلِ لَا بَعْدَهُ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَتَوَضَّأُ بَعْدَ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ . وَرَوَى جُمَيْعُ بْنُ عُمَيْرٍ ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَالْأُسُودُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ عَائِشَةَ وَصْفَهَا غُسْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْجَنَابَةِ نَحْوَ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ مُتَقَارِبٍ ، وَفِي حَدِيثِ جُمَيْعِ بْنِ عُمَيْرٍ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ، ثُمَّ يَفِيضُ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ - وَنَحْنُ نُفِيضُ عَلَى رُؤوسِنَا خَمْسًا مِنْ أَجْلِ الضَّفْرِ . وَأَمَّا حَدِيثُ مَيْمُونَةَ فِي صِفَةِ غُسْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، عَنْ كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ خَالَتِهِ مَيْمُونَةَ قَالَتْ : وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غُسْلًا يَغْتَسِلُ بِهِ مِنَ الْجَنَابَةِ ، فَأَكْفَأَ الْإِنَاءَ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى فَغَسَلَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى فَرْجِهِ فَغَسَلَ فَرْجَهُ بِشِمَالِهِ ، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ الْأَرْضَ فَغَسَلَهَا ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ وَجَسَدِهِ ، ثُمَّ تَنَحَّى نَاحِيَةً فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ فَنَاوَلْتُهُ الْمِنْدِيلَ ، فَلَمْ يَأْخُذْهُ ، وَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ عَنْ جَسَدِهِ . قَالَ الْأَعْمَشُ : فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ ، فَقَالَ : كَانُوا لَا يَرَوْنَ بِالْمِنْدِيلِ بَأْسًا ، وَلَكِنْ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْعَادَةَ . هَذَا الْحَدِيثُ لِصِحَّتِهِ يَرُدُّ مَا رَوَاهُ شُعْبَةُ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ غَسَلَ يَدَيْهِ سَبْعًا وَفَرْجَهُ سَبْعًا ، وَشُعْبَةُ هَذَا لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : كَانَتِ الصَّلَاةُ خَمْسِينَ ، وَالْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ ، وَغَسْلُ الثَّوْبِ مِنَ الْبَوْلِ سَبْعَ مَرَّاتٍ ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْأَلُ حَتَّى جُعِلَتِ الصَّلَاةُ خَمْسًا ، وَالْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ مَرَّةً ، وَغَسْلُ الثَّوْبِ مِنَ الْبَوْلِ مَرَّةً . وَإِسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ ضَعْفٌ وَلِينٌ ، وَإِنْ كَانَ أَبُو دَاوُدَ قَدْ خَرَّجَهُ ، وَخَرَّجَ الَّذِي قَبْلَهُ عَنْ شُعْبَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ : يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا أَرَادَتْ بَدَأَ بِمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْآثَارِ الْوَارِدَةِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ أَنَّهُ أَعَادَ غَسْلَ تِلْكَ الْأَعْضَاءِ ، وَلَا إِعَادَةُ الْمَضْمَضَةِ وَلَا الِاسْتِنْشَاقِ ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَا يُعَادُ ، مَنْ أَوْجَبَ مِنْهُمُ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ وَمَنْ لَمْ يُوجِبْهَا ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي تَخْلِيلِ الْجُنُبِ لِحْيَتَهُ فِي غُسْلِهِ مِنَ الْجَنَابَةِ ، فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهِ . وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْهُ أَنَّ عَلَيْهِ تَخْلِيلَ لِحْيَتِهِ مِنَ الْجَنَابَةِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ : وَهُوَ أَحَبُّ إِلَيْنَا ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُخَلِّلُ شَعْرَهُ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ . وَاخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا مَا يَشْهَدُ لِصِحَّةِ قَوْلِ مَنْ رَأَى التَّخْلِيلَ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهَا فِيهِ فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعْرِهِ يَقْتَضِي عُمُومَهُ شَعْرَ لِحْيَتِهِ وَرَأْسِهِ ، وَإِنْ كَانَ الْأَظْهَرُ فِيهِ شَعْرَ رَأْسِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْجُنُبِ يَغْتَسِلُ فِي الْمَاءِ ، وَيَعُمُّ جَسَدَهُ وَرَأْسَهُ كُلَّهُ بِالْغَسْلِ ، أَوْ يَنْغَمِسُ فِي الْمَاءِ ، وَيَعُمُّ بِذَلِكَ جَمِيعَ جَسَدِهِ دُونَ أَنْ يَتَدَلَّكَ ، فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ حَتَّى يَتَدَلَّكَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْجُنُبَ بِالِاغْتِسَالِ كَمَا أَمَرَ الْمُتَوَضِّئَ بِغَسْلِ وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمَرْفِقَيْنِ ، وَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ لِلْمُتَوَضِّئِ مِنْ إِمْرَارِ يَدَيْهِ مَعَ الْمَاءِ عَلَى وَجْهِهِ وَعَلَى يَدَيْهِ ، فَكَذَلِكَ جَمِيعُ جَسَدِ الْجُنُبِ وَرَأْسِهِ فِي حُكْمِ وَجْهِ الْمُتَوَضِّئِ وَحُكْمِ يَدَيْهِ ، وَهَذَا قَوْلُ الْمُزَنِيِّ وَاخْتِيَارُهُ ، وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَسَلَ جَسَدَهُ مِنَ الْجَنَابَةِ . وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ : وَهَذَا هُوَ الْمَعْقُولُ مِنْ لَفْظِ الْغُسْلِ ؛ لِأَنَّ الِاغْتِسَالَ فِي اللُّغَةِ هُوَ الِافْتِعَالُ ، وَمَتَى لَمْ يُمِرَّ يَدَيْهِ فَلَمْ يَفْعَلْ غَيْرَ صَبِّ الْمَاءِ ، وَلَا يُسَمِّيهِ أَهْلُ اللِّسَانِ غَاسِلًا ، بَلْ يُسَمُّونَهُ صَابًّا لِلْمَاءِ وَمُنْغَمِسًا فِيهِ ، قَالَ : وَعَلَى نَحْوِ ذَلِكَ جَاءَتِ الْآثَارُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ فَبُلُّوا وَاغْسِلُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ قَالَ : وَإِنْقَاؤُهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لَا يَكُونُ إِلَّا لِمُتْبِعِهِ عَلَى حَدِّ مَا ذَكَرْنَاهُ . قَالَ أَبُو الْفَرَجِ : وَتَخْرِيجُ هَذَا عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمُعْتَادُ مِنَ الْمُنْغَمِسِ فِي الْمَاءِ وَصَابِّهِ عَلَيْهِ أَنَّهُمَا لَا يَكَادَانِ يَسْلِمَانِ مِنْ تَنَكُّبِ الْمَاءِ - مَوَاضِعَ الْمُبَالَغَةِ الْمَأْمُورَ بِهَا ، وَجَبَ لِذَلِكَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُمِرَّا أَيْدِيَهُمَا ، قَالَ : فَأَمَّا إِنْ طَالَ مُكْثُ الْإِنْسَانِ فِي مَاءٍ ، أَوْ وَالَى بَيْنَ صَبِّهِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُمِرَّ يَدَيْهِ عَلَى بَدَنِهِ ، فَإِنَّهُ يَنُوبُ لَهُ عَنْ إِمْرَارِ يَدَيْهِ ، قَالَ : وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - ذَهَبَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ، هَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي الْفَرَجِ ، وَقَدْ عَادَ إِلَى جَوَازِ الْغُسْلِ لِلْمُنْغَمِسِ فِي الْمَاءِ إِذَا أَسْبَغَ وَعَمَّ ، وَعَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ بِشْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مَسْلَمَةُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَبَّانَ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : سَأَلْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ عَنْ رَجُلٍ اغْتَمَسَ فِي مَاءٍ وَهُوَ جُنُبٌ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ وَصَلَّى ؟ قَالَ : مَضَتْ صِلَاتُهُ . فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ فِيهَا أَنَّهُ لَمْ يَتَدَلَّكْ وَلَا تَوَضَّأَ ، وَقَدْ أَجْزَأَهُ عِنْدَ مَالِكٍ ، لَكِنَّ الْمَعْرُوفَ مِنْ مَذْهَبِهِ مَا وَصَفْنَا مِنَ التَّدَلُّكِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ مِثْلُ ذَلِكَ ، وَرُوِيَ عَنْهُمَا خِلَافُهُ . ذَكَرَ دُحَيْمٌ عَنْ كَثِيرِ بْنِ هِشَامٍ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ : إِذَا اغْتَسَلْتَ مِنَ الْجَنَابَةِ فَادْلُكْ جِلْدَكَ وَكُلَّ شَيْءٍ نَالَتْهُ يَدُكَ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا الْوَلِيدُ ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي الْجُنُبِ يَنْغَمِسُ فِي نَهْرٍ قَالَ : يُجْزِيهِ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ أَنَّهُ سَأَلَ الْأَوْزَاعِيَّ عَنْ جُنُبٍ طَرَحَ نَفْسَهُ فِي نَهْرٍ وَهُوَ جُنُبٌ لَمْ يَزِدْ عَلَى أَنِ انْغَمَسَ مَكَانَهُ ، قَالَ : يُجْزِيهِ . وَعَنِ الشَّعْبِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَعَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالُوا : إِذَا اغْتَمَسَ الْجُنُبُ فِي نَهْرٍ اغْتِمَاسَةً أَجْزَأَهُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ : يُجْزِي الْجُنُبَ إِذَا انْغَمَسَ فِي الْمَاءِ ، وَإِنْ لَمْ يَتَدَلَّكْ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو ثَوْرٍ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُدُ وَالطَّبَرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَعَامِرٍ الشَّعْبِيِّ ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَعَطَاءٍ ، كُلُّ هَؤُلَاءِ يَقُولُ : إِذَا انْغَمَسَ فِي الْمَاءِ ، وَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ ، فَعَمَّ الْمَاءُ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ وَنَوَى بِذَلِكَ الطَّهَارَةَ أَجْزَأَهُ ، وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ كُلَّ مَنْ صُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ فَقَدِ اغْتَسَلَ ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ : غَسَلَتْنِي السَّمَاءُ . وَقَدْ حَكَتْ عَائِشَةُ وَمَيْمُونَةُ صِفَةَ غُسْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَذْكُرَا فِيهِ التَّدَلُّكَ ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا مَا تَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ لِأَنَّهُ الْمُبَيِّنُ عَنِ اللَّهِ مُرَادَهُ ، وَلَوْ فَعَلَهُ لِنُقِلَ عَنْهُ كَمَا نُقِلَ تَخْلِيلُ أُصُولِ الشَّعْرِ بِالْمَاءِ وَغَرْفُهُ عَلَى رَأْسِهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ صِفَةِ غُسْلِهِ وَوُضُوئِهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ : عَاصِمٌ ، أَنَّ رَهْطًا أَتَوْا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَسَأَلُوهُ عَنِ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ ، فَقَالَ : أَمَّا الْغُسْلُ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ ، ثُمَّ اغْسِلْ رَأْسَكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَادْلُكْهُ ، ثُمَّ أَفِضِ الْمَاءَ عَلَى جِلْدِكَ ، وَأَمَّا غُسْلُ الْمَرْأَةِ رَأْسَهَا فِي الْجَنَابَةِ ، وَصِفَةُ غُسْلِهَا مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ جَاءَ عَنْ عَائِشَةَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِهَا : وَأَمَّا نَحْنُ فَنُفِيضُ عَلَى رُؤوسِنَا خَمْسًا مِنْ أَجْلِ الضَّفْرِ . وَقَدْ أَنْكَرَتْ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَمْرَهُ النِّسَاءَ أَنْ يَنْقُضْنَ رُؤوسَهُنَّ عِنْدَ الْغُسْلِ وَقَالَتْ : مَا كُنْتُ أَزِيدُ عَلَى أَنْ أَفْرَغَ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثَ غُرُفَاتٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، رَوَاهُ أَيُّوبُ ، عَنْ أَبِي ( الزُّبَيْرِ ) عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ بَلَغَهَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو . وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَأَنْقُضُ رَأْسِي عِنْدَ الْغُسْلِ ؟ فَقَالَ : يَكْفِيكِ أَنْ تَصُبِّي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : لِكُلِّ صَبَّةٍ عَصْرَةٌ ، وَقَالَ مَالِكٌ : اغْتِسَالُ الْمَرْأَةِ مِنَ الْحَيْضِ كَاغْتِسَالِهَا مِنَ الْجَنَابَةِ وَلَا تَنْقُضُ رَأْسَهَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يُخَلِّلُ أُصُولَ شَعْرِهِ فِي غُسْلِهِ وَيُتْبِعُ ذَلِكَ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ ، فَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ ذِي شَعْرٍ مِنْ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ أَنْ يَعْتَقِدَ ذَلِكَ حَتَّى يُوَصِّلَ الْمَاءَ إِلَى الْبَشَرَةِ ، وَيَجْرِيَ عَلَيْهَا ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ ، فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ ، وَيُرْوَى : الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ ، فَإِنْ وَصَلَ الْمَاءُ إِلَى جِلْدِ الرَّأْسِ فَلَا وَجْهَ لِنَقْضِ الشَّعْرِ حِينَئِذٍ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، أَخْبَرَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ ، عَنْ زَاذَانَ ، عَنْ عَلِيٍّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعْرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ لَمْ يَغْسِلْهَا ، فُعِلَ بِهِ كَذَا وَكَذَا مِنَ النَّارِ قَالَ عَلِيٌّ : فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ رَأْسِي ثَلَاثًا . وَكَانَ يَجُزُّ شَعْرَهُ ، وَكَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ : فِي تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ : وَأَنْقُوا الْبَشَرَ إِنَّهُ أَرَادَ غَسْلَ الْفَرْجِ وَتَضَاعِيفَهُ ، وَأَنَّهُ كَنَّى بِالْبَشَرَةِ عَنِ الْفَرْجِ ، وَمَا رَأَيْتُ هَذَا التَّفْسِيرَ لِغَيْرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ . وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : مَا رَأَيْتُ أَعْلَمَ بِتَفْسِيرِ الْأَحَادِيثِ مِنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَحَدِيثُ : فَأَبِلُّوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ يَدُورُ عَلَى الْحَارِثِ بْنِ وَجِيهٍ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ وَجِيهٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً ، فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ . وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الدِّينَوَرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ وَجِيهٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ ، فَأَبِلُّوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ : سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ حُسَيْنٍ يَقُولُ : مَا مَسَّ الْمَاءُ مِنْكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ فَقَدْ طَهُرَ ذَلِكَ الْمَكَانُ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْغُسْلِ لِلْجَنَابَةِ وَفِي الْوُضُوءِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ، فَقَالَ مَالِكٌ وَرَبِيعَةُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، والليث ، وَدَاوُدُ ، وَالطَّبَرِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ : لَا يُجْزِئُ الطِّهَارَةُ لِلصَّلَاةِ ، وَالْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ ، وَلَا التَّيَمُّمُ إِلَّا بِنِيَّةٍ . وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ، وَقَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَالْإِخْلَاصُ : النِّيَّةُ فِي التَّقَرُّبِ إِلَيْهِ ، وَالْقَصْدُ بِأَدَاءِ مَا افْتُرِضَ عَلَى الْمُؤْمِنِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ : تُجْزِئُ كُلُّ طَهَارَةٍ بِمَاءٍ بِغَيْرِ نِيَّةٍ ، وَلَا يُجْزِئُ التَّيَمُّمُ إِلَّا بِنِيَّةٍ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : يُجْزِئُ الْوُضُوءُ وَالتَّيَمُّمُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ . وَرَوَى أَبُو الْمُغِيرَةِ عَبْدُ الْقُدُّوسِ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ - وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ يُعَلِّمُ أَحَدًا التَّيَمُّمَ وَلَا يَنْوِي التَّيَمُّمَ لِنَفْسِهِ - فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ ، قَالَ : يُصَلِّي بِتَيَمُّمِهِ كَمَا لَوْ تَوَضَّأَ وَهُوَ لَا يَنْوِي الصَّلَاةَ كَانَ طَاهِرًا . وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، وَالْفِرْيَابِيُّ ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ قَالَ : إِذَا عَلَّمْتَ الرَّجُلَ التَّيَمُّمَ لَمْ يُجْزِكَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَيْتَهُ ، وَإِنْ عَلَّمْتَهُ الْوُضُوءَ أَجْزَأَكَ وَإِنْ لَمْ تَنْوِهِ . وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ . وَاخْتُلِفَ عَنْ زُفَرَ فِي التَّيَمُّمِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ ، فَرُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَرُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ ، وَحَجَّةُ مَنْ أَسْقَطَ النِّيَّةَ وَلَمْ يُرَاعِهَا فِي الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ أَنَّ الْوُضُوءَ لَيْسَ فِيهِ فَرْضٌ وَنَافِلَةٌ ، فَيَحْتَاجُ الْمُتَوَضِّئُ فِيهِ إِلَى نِيَّةٍ ، قَالُوا : وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى النِّيَّةِ فِيمَا فِيهِ مِنَ الْأَعْمَالِ فَرْضٌ وَنَفْلٌ ؛ لِيُفَرِّقَ بِالنِّيَّةِ بَيْنَ ذَلِكَ ، وَأَمَّا الْوُضُوءُ فَهُوَ فَرْضٌ لِلنَّافِلَةِ وَالْفَرِيضَةِ ، وَلَا يَصْنَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا لِذَلِكَ ، فَاسْتَغْنَى عَنِ النِّيَّةِ ، قَالُوا : وَأَمَّا التَّيَمُّمُ فَهُوَ بَدَلٌ مِنَ الْوُضُوءِ ، فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنَ النِّيَّةِ ، وَمَنْ جَمَعَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَالْوُضُوءِ ، فَحُجَّتُهُ فِي ذَلِكَ وَاحِدَةٌ ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا الْإِجْمَاعُ عَلَى إِزَالَةِ النَّجَاسَاتِ مِنَ الْأَبْدَانِ وَالثِّيَابِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ ، وَهِيَ طَهَارَةٌ وَاجِبَةٌ فَرْضًا عِنْدَهُمْ ، قَالُوا : فَكَذَلِكَ الْوُضُوءُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْقَوْلُ الصَّحِيحُ قَوْلُ مَنْ قَالَ : لَا تُجْزِئُ طَهَارَةٌ إِلَّا بِنِيَّةٍ وَقَصْدٍ ؛ لِأَنَّ الْمَفْرُوضَاتِ لَا تُؤَدَّى إِلَّا بِقَصْدِ أَدَائِهَا ، وَلَا يُسَمَّى الْفَاعِلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَاعِلًا إِلَّا بِقَصْدٍ مِنْهُ إِلَى الْفِعْلِ ، وَمُحَالٌ أَنْ يَتَأَدَّى عَنِ الْمَرْءِ مَا لَمْ يَقْصِدْ إِلَى أَدَائِهِ وَيَنْوِيهِ بِفِعْلِهِ ، وَأَيُّ تَقَرُّبٍ يَكُونُ مِنْ غَيْرِ مُتَقَرِّبٍ وَلَا قَاصِدٍ ، وَالْأَمْرُ فِي هَذَا وَاضِحٌ لِمَنْ أُلْهِمَ رُشْدَهُ وَلَمْ تَمِلْ بِهِ عَصَبِيَّتُهُ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنِ اغْتَسَلَ لِلْجُمُعَةِ وَهُوَ جَنُبٌ وَلَمْ يَذْكُرْ جَنَابَتُهُ ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : تُجْزِيهِ ؛ لِأَنَّهُ اغْتَسَلَ لِلصَّلَاةِ وَاسْتَبَاحَتِهَا ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ مُرَاعَاةُ الْحَدَثِ وَنَوْعِهِ ، كَمَا لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُرَاعِيَ حَدَثَ الْبَوْلِ مِنَ الْغَائِطِ مِنَ الرِّيحِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْدَاثِ ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ ، فَكَذَلِكَ الْغُسْلُ لِلصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ تُجْزِيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ . وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْمُزَنِيُّ صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ ، فَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، مِنْهُمْ : أَشْهَبُ ، وَابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ كِنَانَةَ ، وَمُطَرِّفٌ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ، وَقَالَ آخَرُونَ : لَا يُجْزِئُ الْجُنُبَ الْغُسْلُ لِلْجُمُعَةِ إِذَا لَمْ يَذْكُرْ جَنَابَتَهُ ، وَلَا يُجْزِيهِ عَنِ الْجَنَابَةِ إِلَّا الْغُسْلُ الَّذِي يُعْتَدُّ بِهِ لَهَا بِقَصْدٍ مِنْهُ إِلَى ذَلِكَ وَنِيَّةٍ ، وَرَفْعٌ لِجَنَابَتِهِ بِإِرَادَةِ ذَلِكَ وَذِكْرِهِ لَهَا ؛ لِأَنَّ الْفَرَائِضَ لَا تُؤَدَّى إِلَّا بِذَلِكَ ، وَلِأَنَّ الْغُسْلَ لِلْجُمُعَةِ سُنَّةٌ وَاسْتِحْبَابٌ ، وَمُحَالٌ أَنْ تُجْزِئَ سُنَّةٌ عَنْ فَرْضٍ كَمَا لَا تُجْزِئُ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلَاةِ ، وَسَائِرِ الْأَعْمَالِ الَّتِي فِيهَا الْفَرْضُ وَالنَّفْلُ ، وَهَذَا الْقَوْلُ صَحَّ فِي النَّظَرِ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَدَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ صَاحِبُ مَالِكٍ ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، وَرَوَيَاهُ عَنْ مَالِكٍ . وَأَمَّا حَدِيثُ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ : كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ ، فَلَيْسَ عِنْدَ يَحْيَى فِي الْمُوَطَّأِ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْهُ هَاهُنَا ، وَعِنْدَهُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَمَا فِيهِ مِنَ الْأَحْكَامِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَقَدْ جَمَعَهُمَا ابْنُ بُكَيْرٍ وَغَيْرُهُ : حَدِيثَ هِشَامٍ ، وَحَدِيثَ ابْنِ شِهَابٍ ، وَرَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامٍ ، أَوِ ابْنِ شِهَابٍ عَلَى الشَّكِّ ، وَلَمْ يَقُلْ لَفْظَهُمَا .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ · ص 90 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث عائشة فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ · ص 58 100 17 - بَابُ الْعَمَلِ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ 83 - مَالِكٌ : عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ ، بَدَأَ بِغَسْلِ يَدَيْهِ ، ثُمَّ تَوَضَّأَ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ ، ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ ، فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعْرِهِ ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ بِيَدَيْهِ ، ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ . 2686 - وَرَوَى الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَجُمَيْعُ بْنُ عُمَيْرٍ ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي صِفَةِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ مِثْلَ ذَلِكَ بِمَعْنَاهُ . 2687 - وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي وَصْفِ الِاغْتِسَالِ مِنَ الْجَنَابَةِ مِنْ أَحْسَنِ مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ . وَفِيهِ فَرْضٌ وَسُنَّةٌ . 2688 - فَأَمَّا السُّنَّةُ فَالْوُضُوءُ قَبْلَ الِاغْتِسَالِ ، وَثَبَتَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَحَدِيثِ مَيْمُونَةَ وَغَيْرِهِمَا . فَإِنْ لَمْ يَتَوَضَّأِ الْمُغْتَسِلُ لِلْجَنَابَةِ قَبْلَ الْغُسْلِ ، وَلَكِنَّهُ عَمَّ جَسَدَهُ وَرَأَسَهُ وَيَدَيْهِ وَجَمِيعَ بَدَنِهِ بِالْغَسْلِ بِالْمَاءِ ، وَأَسْبَغَ ذَلِكَ فَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ إِذَا قَصَدَ الْغُسْلَ وَنَوَاهُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا افْتَرَضَ عَلَى الْجُنُبِ الْغُسْلَ دُونَ الْوُضُوءِ بِقَوْلِهِ : وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَقَوْلُهُ : وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا 2689 - وَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِيهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، إِلَّا أَنَّهُمْ مُجْمِعُونَ أَيْضًا عَلَى اسْتِحْبَابِ الْوُضُوءِ قَبْلَ الْغُسْلِ لِلْجُنُبِ تَأَسِّيًا بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَفِيهِ الْأُسْوَةُ الْحَسَنَةُ ، وَلِأَنَّهُ عَوْنٌ عَلَى الْغُسْلِ ، وَأَمَّا الْوُضُوءُ بَعْدَ الْغُسْلِ فَلَا وَجْهَ لَهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ . 2690 - وَقَدْ رَوَى أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : كَانَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَا يَتَوَضَّأُ بَعْدَ الْغُسْلِ . 2691 - وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ لِحَدِيثِ مَالِكٍ هَذَا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ : فَيُخَلِّلُ أُصُولَ شَعْرِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، ثُمَّ يُفْرِغُ الْمَاءَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ . 2692 - وَأَيُّوبُ ثِقَةٌ حَافِظٌ . 2693 - قَالَ أَيُّوبُ : فَقُلْتُ لِهِشَامٍ : فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ . 2694 - وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ لَا يُعِيدُ الْمُغْتَسِلُ غَسْلَهَا فِي غَسْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ غَسَلَهَا فِي وُضُوئِهِ . 2695 - وَالِابْتِدَاءُ بِالْوُضُوءِ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ يَقْتَضِي تَقْدِيمَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فِي الْغُسْلِ سُنَّةً مَسْنُونَةً فِي تَقْدِيمِ تِلْكَ الْأَعْضَاءِ خَاصَّةً ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْغُسْلِ رُتْبَةٌ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ السُّنَّةِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ الْفَرْضِ . وَلِذَلِكَ لَمْ يَحْتَجْ أَنْ يُعِيدَ تِلْكَ الْأَعْضَاءَ بِنِيَّةِ الْجَنَابَةِ ؛ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ غَسَلَهَا وَقَدَّمَ الْغُسْلَ لَهَا عَلَى سَائِرِ الْبَدَنِ . 2696 - وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ لَا يُعَادُ بَعْدَ الْغُسْلِ : مَنْ أَوْجَبَ مِنْهُمُ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ ، وَمَنْ لَمْ يُوجِبْهَا ، فَدَلَّ عَلَى مَا وَصَفْنَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 2697 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ حَدِيثَ عَائِشَةَ وَحَدِيثَ مَيْمُونَةَ مِنْ طُرُقٍ ، وَالْمَعْنَى فِيهَا كُلِّهَا مُتَقَارِبٌ . 2698 - وَفِي قَوْلِ عَائِشَةَ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ فَيُخَلِّلُ أُصُولَ شَعْرِهِ مَا يَقْتَضِي تَخْلِيلَ شَعْرِ الرَّأْسِ وَشَعْرِ اللِّحْيَةِ . 2699 - وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي تَخْلِيلِ الْجُنُبِ لِحْيَتَهُ فِي غُسْلِهِ : 2700 - فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ - أَنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهِ . 2701 - وَرَوَى أَشْهَبُ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُخَلِّلَ لِحْيَتَهُ مِنَ الْجَنَابَةِ . 2702 - وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : هُوَ أَحَبُّ إِلَيْنَا . 2703 - وَكَذَلِكَ اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي تَخْلِيلِ الْجُنُبِ لِحْيَتَهُ فِي غُسْلِهِ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ . 2704 - وَحَدِيثُ عَائِشَةَ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ قَوْلِ مَنْ رَأَى التَّخْلِيلَ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ بَيَانٌ مِنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا 2705 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غُرُفَاتٍ فَالْعَدَدُ فِي ذَلِكَ اسْتِحْبَابٌ . وَمَا أَسْبَغَ وَعَمَّ وَبَالَغَ فِي ذَلِكَ أَجْزَأَهُ . 2706 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ عَاصِمٌ : أَنَّ رَهْطًا أَتَوْا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَسَأَلُوهُ عَنِ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ فَقَالَ : أَمَّا الْغُسْلُ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اغْسِلْ رَأْسَكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَادْلُكْهُ ، ثُمَّ أَفِضِ الْمَاءَ عَلَى جِلْدِكَ . 2707 - وَأَمَّا قَوْلُهُ ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْجُنُبِ يَغْتَسِلُ ، فَيَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى جِلْدِهِ وَيَعُمُّهُ بِذَلِكَ وَلَا يَتَدَلَّكُ : فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ حَتَّى يَتَدَلَّكَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ الْجُنُبَ بِالِاغْتِسَالِ كَمَا أَمَرَ الْمُتَوَضِّئَ بِغَسْلِ وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ . وَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ لِلْمُتَوَضِّئِ مِنْ إِمْرَارِ يَدَيْهِ بِالْمَاءِ عَلَى وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، فَكَذَلِكَ جَمِيعُ جَسَدِ الْجُنُبِ وَرَأْسُهُ فِي حُكْمِ وَجْهِ الْمُتَوَضِّئِ وَيَدَيْهِ . وَهَذَا قَوْلُ الْمُزَنِيِّ وَاخْتِيَارُهُ . 2708 - وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ الْمَالِكِيُّ : وَهَذَا هُوَ الْمَعْقُولُ مِنْ لَفْظِ الِاغْتِسَالِ فِي اللُّغَةِ . وَمَنْ لَمْ يُمِرَّ يَدَيْهِ - فَلَمْ يَفْعَلْ غَيْرَ صَبِّ الْمَاءِ . وَلَا يُسَمِّيهِ أَهْلُ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ غَاسِلًا ، بَلْ يُسَمُّونَهُ صَابًّا لِلْمَاءِ وَمُنْغَمِسًا فِيهِ . 2709 - ثُمَّ قَالَ : وَيَخْرُجُ هَذَا عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمُعْتَادُ مِنَ الْمُنْغَمِسِ فِي الْمَاءِ وَصَابِّهِ عَلَيْهِ - أَنَّهُمَا لَا يَكَادَانِ يَسْلَمَانِ مِنْ أَنْ يَنْكَبَّ الْمَاءُ عَنِ الْمَوَاضِعِ الْمَأْمُورِ بِهَا - وَجَبَ لِذَلِكَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُمِرَّا أَيْدِيَهُمَا عَلَى أَبْدَانِهِمَا . 2710 - قَالَ : فَأَمَّا إِنْ طَالَ مُكْثُ الْإِنْسَانِ فِي مَاءٍ أَوْ وَالَى صَبَّهُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُمِرَّ يَدَيْهِ عَلَى بَدَنِهِ فَإِنَّهُ يَنُوبُ ذَلِكَ عَنْ إِمْرَارِ يَدَيْهِ . 2711 - ثُمَّ قَالَ : وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى ذَهَبَ مَالِكٌ . 2712 - هَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي الْفَرَجِ ، وَقَدْ عَادَ إِلَى جَوَازِ الْغُسْلِ لِلْمُنْغَمِسِ فِي الْمَاءِ إِذَا بَالَغَ وَلَمْ يَتَدَلَّكْ . وَنَقَضَ مَا تَقَدَّمَ لَهُ . وَخَالَفَ ظَاهِرَ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ إِلَّا أَنَّ عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةَ الْفُقَهَاءِ وَجُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ . 2713 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ كَقَوْلِ مَالِكٍ سَوَاءً فِي ذَلِكَ . 2714 - وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ . 2715 - وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنِ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ . 2716 - سُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الْجُنُبِ يُفِيضُ عَلَيْهِ الْمَاءَ . قَالَ : لَا ، بَلْ يَغْتَسِلُ غُسْلًا . 2717 - وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ : يُجْزِئُ الْجُنُبَ مِنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ أَنْ يَغُوصَ غَوْصَةً ، غَيْرَ أَنَّهُ يُمِرُّ يَدَيْهِ عَلَى جِلْدِهِ . 2718 - وَذَكَرَ دُحَيْمٌ ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ هِشَامٍ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ، قَالَ : إِذَا اغْتَسَلْتَ مِنَ الْجَنَابَةِ فَاغْسِلْ جِلْدَكَ وَكُلَّ شَيْءٍ تَنَالُهُ يَدُكَ . 2719 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : يُجْزِئُ الْجُنُبَ إِذَا انْغَمَسَ فِي الْمَاءِ وَلَمْ يَتَدَلَّكْ . وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَالطَّبَرِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ . 2720 - وَهُوَ قَوْلُ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَعَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ . 2721 - وَرَوَى مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَاطَرِيُّ - وَهُوَ مِنْ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ - عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ مِثْلَ ذَلِكَ . 2722 - وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ فِي التَّمْهِيدِ . 2723 - وَاخْتُلِفَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا . 2724 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ عَنْهُمَا مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ غَيْرِهِمَا أَنَّهُمْ قَالُوا : إِذَا انْغَمَسَ الرَّجُلُ فِي نَهْرٍ انْغِمَاسَةً أَجَزَأَهُ . 2725 - وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَنَّ كُلَّ مَنْ صُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ فَقَدِ اغْتَسَلَ ؛ لِقَوْلِ الْعَرَبِ : غَمَسَتْنِي السَّمَاءُ . 2726 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُتَوَضِّئَ بِغَسْلِ جَسَدِهِ كُلِّهِ ، وَبَيَّنَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ بِاغْتِسَالِهِ ، وَنَقَلَتْ كَافَّةُ الْعُلَمَاءِ مِثْلَ مَا تَوَاتَرَتْ بِهِ أَخْبَارُ الْآحَادِ الْعُدُولِ بِأَنَّ فِعْلَ رَسُولِ اللَّهِ فِي غَسْلِهِ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ فِي وُضُوئِهِ كَانَ بِإِمْرَارِ كَفَّيْهِ عَلَى وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ إِلَى مِرْفَقَيْهِ ، وَأَنَّ غُسْلَهُ مِنَ الْجَنَابَةِ كَانَ بَعْدَ وُضُوئِهِ بِإِفَاضَةِ الْمَاءِ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ . وَلَمْ يَذْكُرُوا تَدَلُّكًا وَلَا عَرْكًا بِيَدَيْهِ . 2727 - وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ بِغَسْلِ النَّجَاسَاتِ مِنَ الثِّيَابِ ، فَمَرَّةً قَالَ لِأَسْمَاءَ فِي دَمِ الْحَيْضِ : اقْرُصِيهِ ، وَاعْرُكِيهِ ، وَمَرَّةً أَمَرَ فِي بَوْلِ الْغُلَامِ بِأَنْ يَصُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ ، وَأَنْ يُتْبَعَ الْبَوْلُ الْمَاءَ دُونَ عَرْكٍ وَلَا مُرُورٍ بِيَدٍ . 2728 - فَدَلَّ هَذَا كُلُّهُ عَلَى أَنَّ الْغَسْلَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ يَكُونُ مَرَّةً بِالْعَرْكِ ، وَمَرَّةً بِالصَّبِّ وَالْإِفَاضَةِ . 2729 - كُلُّ ذَلِكَ يُسَمَّى غَسْلًا فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ . 2730 - وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْعَرَبِ : غَسَلَتْنِي السَّمَاءُ ، يَعْنِي بِمَا انْصَبَّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَاءِ . 2731 - وَإِذَا كَانَ هَذَا عَلَى مَا وَصَفْنَا فَغَيْرُ نَكِيرٍ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَبَّدَ عِبَادَهُ فِي الْوُضُوءِ بِأَنْ يُمِرُّوا بِالْمَاءِ أَكُفَّهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ وَأَيْدِيهِمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ غَسْلًا ، وَأَنْ يُفِيضُوا الْمَاءَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ غَسْلًا مُوَافِقًا لِلسُّنَّةِ غَيْرَ خَارِجٍ مِنَ اللُّغَةِ ، وَأَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ أَصْلًا فِي نَفْسِهِ لَا يَجِبُ رَدُّ أَحَدِهِمَا إِلَى صَاحِبِهِ ؛ لِأَنَّ الْأُصُولَ لَا يُرَدُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ قِيَاسًا . 2732 - وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ بَيْنَ الْأُمَّةِ فِيهِ وَإِنَّمَا تُرَدُّ الْفُرُوعُ قِيَاسًا عَلَى الْأُصُولِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 2733 - وَقَدْ وَصَفَتْ عَائِشَةُ وَمَيْمُونَةُ غُسْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْجَنَابَةِ وَلَمْ تَذْكُرَا تَدَلُّكًا . 2734 - وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ الَّذِي ذُكِرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَوْلُهُ : ثُمَّ أَفِضِ الْمَاءَ عَلَى جِلْدِكَ وَلَمْ يَذْكُرْ تَدَلُّكًا . 2735 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ يَقُولُ : مَا مَسَّ الْمَاءُ مِنْكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ فَقَدْ طَهُرَ ذَلِكَ الْمَكَانُ . 2736 - وَقَالَ أَبُو عُمَرَ : إِذَا نَوَى بِصَبِّ الْمَاءِ وَانْغِمَاسِهِ فِيهِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ . 2737 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْوُضُوءِ ، وَفِي الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ . 2738 - فَقَالَ رَبِيعَةُ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ ، وَدَاوُدُ ، وَالطَّبَرِيُّ : لَا تُجْزِئُ الطَّهَارَةُ لِلصَّلَاةِ وَالْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ وَلَا التَّيَمُّمُ إِلَّا بِنِيَّةٍ ، وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ 2739 - وَالْإِخْلَاصُ : النِّيَّةُ فِي التَّقَرُّبِ إِلَيْهِ ، وَالْقَصْدُ إِلَى أَدَاءِ مَا افْتَرَضَ . 2740 - وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ كُلُّ عَمَلٍ بِغَيْرِ نِيَّةٍ لَا يُجْزِئُ . 2741 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ : أَمَّا كُلُّ طَهَارَةٍ بِمَاءٍ كَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ فَإِنَّهَا تُجْزِئُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ ، وَلَا يُجْزِئُ التَّيَمُّمُ إِلَّا بِنِيَّةٍ . 2742 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : يُجْزِئُ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ وَالتَّيَمُّمُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ لَهُ ( وَاخْتُلِفَ عَنْ زُفَرَ فَرُوِيَ عَنْهُ : لَا يُجْزِئُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ ) كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ . وَرُوِيَ عَنْهُ : أَنَّهُ يُجْزِئُهُ كَقَوْلِ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ . 2743 - وَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَالْفِرْيَابِيُّ ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، قَالَ : إِذَا عَلَّمْتَ الرَّجُلَ التَّيَمُّمَ لَمْ يَجْزِكَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ نَوَيْتَهُ . وَإِنْ عَلَّمْتَهُ الْوُضُوءَ أَجَزَأَكَ ، وَإِنْ لَمْ تَنْوِهِ . 2744 - وَرَوَى أَبُو الْمُغِيرَةِ عَبْدُ الْقُدُّوسِ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ عَلَّمَ آخَرَ التَّيَمُّمَ - وَهُوَ لَا يَنْوِي التَّيَمُّمَ لِنَفْسِهِ - فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ . فَقَالَ : يُصَلِّي بِتَيَمُّمِهِ ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ تَوَضَّأَ وَهُوَ لَا يَنْوِي الصَّلَاةَ كَانَ طَاهِرًا . 2745 - وَحُجَّةُ مَنْ أَسْقَطَ وُجُوبَ النِّيَّةِ فِي الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْهُ فَرْضٌ وَنَافِلَةٌ فَيَحْتَاجُ الْمُتَوَضِّئُ فِيهِ إِلَى نِيَّةٍ . 2746 - قَالُوا : وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى النِّيَّةِ فِيمَا فِيهِ مِنَ الْأَعْمَالِ فَرْضٌ وَنَفْلٌ ؛ لِيُفَرِّقَ بِالنِّيَّةِ بَيْنَ الْفَرِيضَةِ وَالنَّفْلِ . 2747 - وَأَمَّا الْوُضُوءُ فَهُوَ فَرْضٌ لِلنَّافِلَةِ وَلِلْفَرِيضَةِ ، وَلَا يَصْنَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا لِذَلِكَ ، فَاسْتَغْنَى عَنِ النِّيَّةِ . 2748 - قَالُوا : وَأَمَّا التَّيَمُّمُ فَهُوَ بَدَلٌ مِنَ الْوُضُوءِ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنَ النِّيَّةِ . 2749 - وَمَنْ جَمَعَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَالْوُضُوءِ فَحُجَّتُهُ فِي ذَلِكَ وَاحِدَةٌ ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا الْإِجْمَاعُ عَلَى إِزَالَةِ النَّجَاسَاتِ مِنَ الْأَبْدَانِ وَالثِّيَابِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ ، وَهِيَ طَهَارَةٌ وَاجِبَةٌ فَرْضًا عِنْدَهُمْ . 2750 - قَالُوا : وَكَذَلِكَ الْوُضُوءُ . 2751 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الصَّحِيحُ فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : لَا تُجْزِئُ طَهَارَةٌ لِلصَّلَاةِ إِلَّا بِنِيَّةٍ لَهَا وَقَصْدٍ إِلَيْهَا ؛ لِأَنَّ الْمُفْتَرَضَاتِ لَا تُؤَدَّى إِلَّا بِقَصْدٍ وَإِرَادَةٍ ، وَلَا يُسَمَّى الْفَاعِلُ فَاعِلًا حَقِيقَةً إِلَّا بِقَصْدٍ مِنْهُ إِلَى الْفِعْلِ . 2752 - وَمُحَالٌ أَنْ يَتَأَدَّى عَنِ الْمَرْءِ مَا لَمْ يَقْصِدْ إِلَى أَدَائِهِ وَيَنْوِيهِ بِفِعْلِهِ لِأَنَّهُ لَا تَكُونُ قُرْبَةٌ إِلَّا مِنْ مُتَقَرِّبٍ بِهَا قَدِ انْطَوَى ضَمِيرُهُ عَلَيْهَا ، وَهُوَ الْإِخْلَاصُ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 2753 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنِ اغْتَسَلَ لِلْجُمُعَةِ وَهُوَ جُنُبٌ ، وَلَمْ يَذَّكَّرْ : 2754 - فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : تُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّهُ اغْتَسَلَ لِلصَّلَاةِ وَاسْتَبَاحَهَا . وَلَيْسَ عَلَيْهِ مُرَاعَاةُ الْحَدَثِ وَنَحْوِهِ ، كَمَا لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُرَاعِيَ حَدَثَ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالرِّيحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْدَاثِ ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ ، فَكَذَلِكَ الْغُسْلُ لِلصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يُجْزِئُهُ مِنَ الْجَنَابَةِ . 2755 - وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، ابْنُ وَهْبٍ ، وَأَشْهَبُ ، وَابْنُ نَافِعٍ ، وَابْنُ كِنَانَةَ ، وَمُطَرِّفٌ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ . وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمُزَنِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ . 2756 - وَقَالَ آخَرُونَ : لَا يُجْزِئُ الْجُنُبَ غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مِنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ إِذَا كَانَ نَاسِيًا لِجَنَابَتِهِ فِي حِينِ الْغُسْلِ ، وَلَمْ يَقْصِدْ إِلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ لِلْجُمُعَةِ سُنَّةٌ ، وَالِاغْتِسَالَ مِنَ الْجَنَابَةِ فَرْضٌ . وَمُحَالٌ أَنْ تُجْزِئَ سُنَّةٌ عَنْ فَرْضٍ ، كَمَا لَا تُجْزِئُ رَكْعَتَا الْفَجْرِ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، وَلَا أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ عَنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ . 2757 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ . 2758 - وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِيمَنِ اغْتَسَلَ لِلْجَنَابَةِ لَا يَنْوِي الْجُمُعَةَ أَنَّهُ غَيْرُ مُغْتَسِلٍ لِلْجُمُعَةِ وَلَا يُجْزِئُهُ مِنْ غُسْلِ الْجُمُعَةَ ، إِلَّا مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَبُو إِسْحَاقَ الْبَرْقِيُّ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّهُ قَالَ : يُجْزِئُهُ غُسْلُ الْجَنَابَةِ مِنْ غُسْلِ الْجُمُعَةِ . 2759 - وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَالطَّبَرِيُّ : مَنِ اغْتَسَلَ لِلْجَنَابَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَجَزَأَهُ غُسْلُ الْجَنَابَةِ مِنْ غُسْلِ الْجُمُعَةَ وَالْجَنَابَةِ جَمِيعًا . 2760 - وَأَجْمَعُوا فِي الْجُنُبِ يَنْوِي بِغُسْلِهِ الْجَنَابَةَ وَالْجُمُعَةَ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ عَنْهُمَا إِلَّا شَيْئًا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ قَالَ بِهِ أَهْلُ الظَّاهِرِ : أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِذَا خَلَطَ النِّيَّةَ فِيهِمَا ، قِيَاسًا عَلَى مَنْ خَلَطَ الْفَرْضَ بِالنَّافِلَةِ فِي الصَّلَاةِ . 2761 - وَهَذَا لَا يَصِحُّ لِأَهْلِ الظَّاهِرِ لِدَفْعِهِمُ الْقِيَاسَ ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ بِهَذَا تَعَسُّفٌ وَشُذُوذٌ مِنَ الْقَوْلِ ، وَلَا سَلَفَ لِقَائِلِهِ ، وَلَا وَجْهَ لَهُ . 2762 - وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ قَالَ : قُلْتُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : رَجُلٌ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ جَنَابَةٍ ، وَنَوَى مَعَ ذَلِكَ غُسْلَ الْجُمُعَةِ . فَقَالَ : أَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُ مِنْهُمَا جَمِيعًا . 2763 - قُلْتُ لَهُ : يُرْوَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : لَا يُجْزِئُهُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَأَنْكَرَهُ . 2764 - قَالَ أَبُو بَكْرٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَغْتَسِلُ لِلْجُمُعَةِ وَالْجَنَابَةِ غُسْلًا وَاحِدًا . 2765 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا بَقِيٌّ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَغْتَسِلُ لِلْجُمُعَةِ وَالْجَنَابَةِ غُسْلًا وَاحِدًا . 2766 - وَلَا مُخَالِفَ لَهُ - عَلِمْتُ - مِنَ الصَّحَابَةِ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب الْعَمَلِ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ · ص 190 17 - بَاب الْعَمَلِ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ 98 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ بَدَأَ بِغَسْلِ يَدَيْهِ ثُمَّ تَوَضَّأَ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ ، ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعَرِهِ ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ بِيَدَيْهِ ، ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ . 17 - بَابُ الْعَمَلِ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ( سُورَةُ الْمَائِدَةِ : الْآيَةُ 6 ) أَيِ اغْتَسِلُوا كَمَا قَالَ فِي النِّسَاءِ : وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا ( سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 43 ) قَالَ الشَّافِعِيُّ : فِي الْأُمِّ : فَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى الْغُسْلَ مُطْلَقًا لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ شَيْئًا يُبْدَأُ بِهِ قَبْلَ شَيْءٍ ، فَكَيْفَ مَا جَاءَ بِهِ الْمُغْتَسِلُ أَجْزَأَهُ إِذَا أَتَى بِغُسْلِ جَمِيعِ بَدَنِهِ ، وَالِاحْتِيَاطُ فِي الْغُسْلِ مَا رَوَتْ عَائِشَةُ ، ثُمَّ رَوَى حَدِيثَ الْبَابِ عَنْ مَالِكٍ بِسَنَدِهِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هُوَ أَحْسَنُ حَدِيثٍ رُوِيَ فِي ذَلِكَ ، فَإِنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ قَبْلَ الْغُسْلِ وَلَكِنْ عَمَّ جَسَدَهُ وَرَأْسَهُ وَنَوَاهُ ، فَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ ، لَكِنَّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْوُضُوءِ قَبْلَ الْغُسْلِ . 100 98 - ( مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ) بِالْهَمْزِ ، وَعَوَامُّ الْحَدِيثِ يُبْدِلُونَهَا يَاءً ( أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ) بِنَصِّ : وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ( سُورَةُ الْأَحْزَابِ : الْآيَةُ 6 ) ، وَهَلْ هُنَّ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنَاتِ أَيْضًا ؟ قَوْلَانِ مُرَجَّحَانِ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ ) أَيْ شَرَعَ فِي الْغُسْلِ أَوْ أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلَ ( مِنَ الْجَنَابَةِ ) أَيْ لِأَجْلِهَا فَمِنْ سَبَبِيَّةٌ ( بَدَأَ بِغَسْلِ يَدَيْهِ ) قَالَ الْحَافِظُ : يُحْتَمَلُ لِلتَّنْظِيفِ مِنْ مُسْتَقْذَرٍ وَيُقَوِّيهِ حَدِيثُ مَيْمُونَةَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ الْغُسْلُ الْمَشْرُوعُ عِنْدَ الْقِيَامِ مِنَ النَّوْمِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ زِيَادَةُ ابْنِ عُيَيْنَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ هِشَامٍ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا فِي الْإِنَاءِ . رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَزَادَ أَيْضًا : ثُمَّ يَغْسِلُ فَرْجَهُ ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، وَأَبِي دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ ، وَهِيَ زِيَادَةٌ جَلِيلَةٌ لِأَنَّ بِتَقْدِيمِ غُسْلِهِ يَحْصُلُ الْأَمْنُ مِنْ مَسِّهِ فِي أَثْنَاءِ الْغُسْلِ . ( ثُمَّ تَوَضَّأَ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ ) احْتِرَازًا عَنِ الْوُضُوءِ اللُّغَوِيِّ وَهُوَ غَسْلُ الْيَدَيْنِ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ وُضُوءًا كَامِلًا وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ : وَهُوَ الْمَشْهُورُ ، وَقِيلَ : يُؤَخِّرُ غَسْلَ قَدَمَيْهِ إِلَى بَعْدِ الْغُسْلِ لِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ ، وَقِيلَ : إِنْ كَانَ مَوْضِعُهُ وَسَخًا أَخَّرَ وَإِلَّا فَلَا ، وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ : إِنْ كَانَ فِي مُسْتَنْقَعٍ أَخَّرَ وَإِلَّا فَلَا ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا مَشْرُوعِيَّةُ التَّكْرَارِ ثَلَاثًا وَهُوَ كَذَلِكَ ، لَكِنْ قَالَ عِيَاضٌ : لَمْ يَأْتِ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ فِي وُضُوءِ الْغُسْلِ ذِكْرُ التَّكْرَارِ ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا : إِنَّ التَّكْرَارَ فِي الْغُسْلِ لَا فَضِيلَةَ فِيهِ ، وَرَدَّهُ الْحَافِظُ بِأَنَّهُ وَرَدَ مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ أَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا وَصَفَتْ غُسْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْجَنَابَةِ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : ثُمَّ تَمَضْمَضَ ثَلَاثًا وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا ، وَتَعَقَّبَهُ الْأَبِيُّ أَيْضًا بِأَنَّ إِحَالَتَهَا عَلَى وُضُوءِ الصَّلَاةِ يَقْتَضِي التَّثْلِيثَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا فَضِيلَةَ فِي عَمَلِ الْغُسْلِ أَنْ لَا يَكُونَ فِي وُضُوئِهِ ، وَمِنْ شُيُوخِنَا مَنْ كَانَ يُفْتِي سَائِلَهُ بِالتَّكْرَارِ ، وَقِيلَ : مَعْنَى التَّشْبِيهِ أَنَّهُ يَكْتَفِي بِغَسْلِهِمَا فِي الْوُضُوءِ عَنْ إِعَادَتِهِ وَعَلَيْهِ فَيَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ فِي أَوَّلِ عُضْوٍ ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ غَسْلَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ تَشْرِيفًا لَهَا وَلِيَحْصُلَ لَهُ صُورَةُ الطَّهَارَتَيْنِ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ غُسْلَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فِي غُسْلِهِ لِأَنَّهُ قَدْ غَسَلَهَا فِي وُضُوئِهِ ، وَإِنَّمَا بَدَأَ بتلك الْأَعْضَاءَ خَاصَّةً لِلسُّنَّةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْغُسْلِ رُتْبَةٌ ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَهُوَ مَرْدُودٌ فَقَدْ ذَهَبَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ وَجَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الْغُسْلَ لَا يَنُوبُ عَنِ الْوُضُوءِ لِلْحَدَثِ ، اهـ . وَأَوْرَدَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ أَنَّ الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَعْضَاءَ مَغْسُولَةٌ عَنِ الْجَنَابَةِ إِذْ لَوْ كَانَتْ لِلْوُضُوءِ لَمْ يَصِحَّ التَّشْبِيهُ لِعَدَمِ الْمُغَايَرَةِ ، وَأَجَابَ بِحُصُولِ الْمُغَايَرَةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ شَبَّهَ الْوُضُوءَ الْوَاقِعَ فِي ابْتِدَاءِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ بِالْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ الْمُعْتَادِ الْمُنْفَرِدِ بِنَفْسِهِ فِي غَيْرِ الْغُسْلِ ، وَبِأَنَّ وُضُوءَ الصَّلَاةِ لَهُ صُورَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ ذِهْنِيَّةٌ ، فَشَبَّهَ هَذَا الْفَرْدَ الْوَاقِعَ فِي الْخَارِجِ بِتِلْكَ الصُّورَةِ الْمَعْهُودَةِ فِي الذِّهْنِ . ( ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ فَيُخَلِّلُ بِهَا ) أَيْ أَصَابِعَهُ الَّتِي أَدْخَلَهَا فِي الْإِنَاءِ ( أُصُولَ شَعْرِهِ ) أَيْ شَعْرِ رَأْسِهِ لِرِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ : يُخَلِّلُ بِهَا شِقَّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنِ فَيُتْبِعُ بِهَا أُصُولَ الشَّعْرِ ثُمَّ يَغْسِلُ شِقَّ رَأْسِهِ الْأَيْسَرِ كَذَلِكَ . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : احْتَجَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى تَخْلِيلِ شَعْرِ اللِّحْيَةِ فِي الْغُسْلِ ، إِمَّا لِعُمُومِ قَوْلِهِ : أُصُولُ شَعْرِهِ ، وَإِمَّا بِالْقِيَاسِ عَلَى شَعْرِ الرَّأْسِ ، وَفَائِدَةُ التَّخْلِيلِ إِيصَالُ الْمَاءِ إِلَى الشَّعْرِ وَالْبَشْرَةِ وَمُبَاشَرَةِ الشَّعْرِ بِالْيَدِ لِيَحْصُلَ تَعْمِيمُهُ بِالْمَاءِ وَتَأْنِيسُ الْبَشْرَةِ لِئَلَّا يُصِيبَهَا بِالصَّبُّ مَا تَتَأَذَّى بِهِ ، ثُمَّ هَذَا التَّخَليلُ غَيْرُ وَاجِبٍ اتِّفَاقًا إِلَّا إِنْ كَانَ الشَّعْرُ مُلَبَّدًا بِشَيْءٍ يَحُولُ بَيْنَ الْمَاءِ وَبَيْنَ الْوُصُولِ إِلَى أُصُولِهِ . وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ . وَلِلتِّرْمِذِيِّ ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ : ثُمَّ يُشَرِّبُ شَعْرَهُ الْمَاءَ . ( ثُمَّ يَصُبُّ ) ذَكَرْتُهُ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ وَمَا قَبْلَهُ بِلَفْظِ الْمَاضِي وَهُوَ الْأَصْلُ لِإِرَادَةِ اسْتِحْضَارِ صُورَةِ الْحَالِ لِلسَّامِعِينَ ، ( عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ بِيَدَيْهِ ) بِفَتْحِ الرَّاءِ جَمْعُ غَرْفَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي جَمْعِ الْقِلَّةِ ، وَالْأَصْلُ فِي مُمَيَّزِ الثَّلَاثَةِ أَنْ يَكُونَ مِنْ جُمُوعِ الْقِلَّةِ ، وَوَقَعَ لِرُوَاةِ الْبُخَارِيِّ غُرَفٍ جَمْعُ كَثْرَةٍ إِمَّا لِقِيَامِهِ مَقَامَ جَمْعِ الْقِلَّةِ أَوْ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ أَنَّهُ جَمْعُ قِلَّةٍ كَعَشْرِ سُوَرٍ وَثَمَانِيَ حِجَجٍ ، وَالتَّثْلِيثُ خَاصٌّ بِالرَّأْسِ كَمَا هُوَ مَدْلُولُ رَأْسِهِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَحُمِلَ التَّثْلِيثُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ كُلَّ غُرْفَةٍ كَانَتْ فِي جِهَةٍ مِنْ جِهَاتِ الرَّأْسِ . ( ثُمَّ يَفِيضُ ) أَيْ يَسِيلُ ( الْمَاءُ عَلَى جِلْدِهِ ) أَيْ بَدَنِهِ وَقَدْ يُكَنَّى بِالْجِلْدِ عَنِ الْبَدَنِ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ ، وَاحْتَجَّ بِهِ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطِ الدَّلْكَ ; لِأَنَّ الْإِفَاضَةَ الْإِسَالَةُ ، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّ فَاضَ بِمَعْنَى غَسَلَ ، فَالْخِلَافُ فِيهِ قَائِمٌ . ( كُلَّهُ ) أَكَّدَهُ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ عَمَّ جَمِيعَ بَدَنِهِ بِالْغُسْلِ بَعْدَمَا تَقَدَّمَ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ إِطْلَاقِهِ عَلَى أَكْثَرِهِ تَجَوُّزًا ، فَفِيهِ اسْتِحْبَابُ إِكْمَالِ الْوُضُوءِ قَبْلَ الْغُسْلِ وَلَا يُؤَخِّرُ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ إِلَى فَرَاغِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهَا كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ وَهَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنْ هِشَامٍ فَقَالَ فِي آخِرِهِ : ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ تَفَرَّدَ بِهَا أَبُو مُعَاوِيَةَ دُونَ أَصْحَابِ هِشَامٍ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : هِيَ غَرِيبَةٌ صَحِيحَةٌ ، قَالَ الْحَافِظُ : لَكِنَّ لَهَا شَاهِدٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ : فَإِذَا فَرَغَ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ . فَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهَا كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ عَلَى أَكْثَرِهِ وَهُوَ مَا سِوَى الرِّجْلَيْنِ أَوْ يُحْمَلَ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَيُسْتَدَلُّ بِرِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَلَى جَوَازِ تَفْرِيقِ الْوُضُوءِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ قَوْلَهُ : ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ أَيْ أَعَادَ غَسْلَهُمَا لِاسْتِيعَابِ الْغُسْلِ بَعْدَ أَنْ كَانَ غَسْلُهُمَا فِي الْوُضُوءِ فَيُوَافِقُ حَدِيثَ الْبَابِ . وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، عَنْ قُتَيْبَةَ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ ، وَجَرِيرٌ ، وَعَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ، وَابْنُ نُمَيْرٍ ، وَوَكِيعٌ كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ قَائِلًا : وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمْ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ إِلَّا فِي حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ يَعْنِي فَرِوَايَتُهُ شَاذَّةٌ كَمَا عُلِمَ ، ثُمَّ الشُّذُوذُ إِنَّمَا هُوَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا وَإِلَّا فَهُوَ ثَابِتٌ فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ فَعَلَ عِنْدَ كُلٍّ مِنْهُمَا مَا حَدَّثَتْ بِهِ ، فَبِحَسْبِ اخْتِلَافِ الْحَالَيْنِ اخْتَلَفَ نَظَرُ الْعُلَمَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .