122 حَدِيثٌ خَامِسٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ ، انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي ، فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْتِمَاسِهِ ، وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ ; فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، فَقَالُوا : أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ ؟ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِالنَّاسِ ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ ، قَالَتْ عَائِشَةُ : فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ ، فَقَالَ : حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّاسَ ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ ؟ فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ ، وَقَالَ : مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ ، وَجَعَلَ يَطْعَنُ بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي ، فَمَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى فَخِذِي ، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ ; فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ ، فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ : مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ ، قَالَتْ : فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ ، فَوَجَدْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ . هَذَا أَصَحُّ حَدِيثٍ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ : خُرُوجُ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ فِي الْأَسْفَارِ ، وَخُرُوجُهُنَّ مَعَ الرِّجَالِ فِي الْغَزَوَاتِ وَغَيْرِ الْغَزَوَاتِ مُبَاحٌ إِذَا كَانَ الْعَسْكَرُ كَبِيرًا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْغَلَبَةُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَغْزُو بِأُمِّ سُلَيْمٍ وَنِسْوَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ يَسْقِينَ الْمَاءَ ، وَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ النُّعْمَانِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ ذَكْوَانَ ، قَالَ : قُلْتُ لِلرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوَّذٍ : هَلْ كُنْتُنَّ تَغْزُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحْمِلُ الْجَرْحَى ، نَسْقِيهِمْ أَوْ نُدَاوِيهِمْ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَخُرُوجُ الرَّجُلِ مَعَ أَهْلِهِ فِي السَّفَرِ مِنَ الْعَمَلِ الْمُبَاحِ ، فَإِذَا كَانَ لَهُ نِسَاءٌ حَرَائِرُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ حَتَّى يُقْرِعَ بَيْنَهُنَّ ، فَإِذَا أَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ وَوَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى مَنْ وَقَعَتْ مِنْهُنَّ ، خَرَجَتْ مَعَهُ ، وَاسْتَأْثَرَتْ بِهِ فِي سَفَرِهَا ، فَإِذَا رَجَعَ مِنْ سَفَرِهِ ، اسْتَأْنَفَ الْقِسْمَةَ بَيْنَهُنَّ ، وَلَمْ يُحَاسِبِ الَّتِي خَرَجَتْ مَعَهُ بِأَيَّامِ سَفَرِهِ مَعَهَا ، وَكَانَتْ مَشَقَّتُهَا فِي سَفَرِهَا وَنَصَبُهَا فِيهِ بِإِزَاءِ نَصِيبِهَا مِنْهُ وَكَوْنِهَا مَعَهُ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤمِنِ . قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ النَّجَّارُ الْفَقِيهُ بِبَغْدَادَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ زَيْدِ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيِّ النَّجَّارِيِّ ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ ، وَالسَّفَرُ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ يُقَالَ : إِنَّهُ كَانَ فِي غَزَاةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ فَهَكَذَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، وَرَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ هَذَا الْحَدِيثَ فَاخْتَلَفَ عَنْهُ فِي اسْمِ الْمَوْضِعِ الَّذِي انْقَطَعَ فِيهِ الْعِقْدُ : حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ . قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ . قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ . قَالَ : حَدَّثَنَا مُنْجَلِبُ بْنُ الْحَارْثِ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلَادَةً لَهَا ، وَهِيَ فِي سَفَرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَانْسَلَّتْ مِنْهَا ، وَكَانَ ذَلِكَ الْمَكَانُ يُقَالَ لَهُ : الصُّلْصُلُ ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَطَلَبُوهَا حَتَّى وَجَدُوهَا ، وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ ، فَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ مَاءٌ ، فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ ، فَقَالَ لَهَا أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ : جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا ، فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ لَكِ فِيهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ خَيْرًا . هَكَذَا فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْقِلَادَةَ كَانَتْ لِأَسْمَاءَ ، وَأَنَّ عَائِشَةَ اسْتَعَارَتْهَا مِنْهَا ، وَقَالَ : ( قِلَادَةً ) وَلَمْ يَقُلْ ( عِقْدًا ) ، وَقَالَ فِي الْمَكَانِ يُقَالَ لَهُ الصُّلْصُلُ . وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فَقَالَ فِيهِ : سَقَطَتْ قِلَادَتُهَا لَيْلَةَ الْأَبْوَاءِ فَأَضَافَ الْقِلَادَةَ إِلَيْهَا ، وَقَالَ فِي الْمَوْضِعِ : ( الْأَبْوَاءُ ) . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ . قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ . قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ . قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ . قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ . قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّهَا سَقَطَتْ قِلَادَتُهَا لَيْلَةَ الْأَبْوَاءِ ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي طَلَبِهَا ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ ، فَلَمْ يَدْرِيَا كَيْفَ يَصْنَعَانِ ؟ قَالَ : فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ . قَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ : جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا فَمَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ لَكِ مِنْهُ مَخْرَجًا ، وَجَعَلَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ خَيْرًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الرَّجُلَانِ اللَّذَانِ بَعَثَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي طَلَبِ الْقِلَادَةِ ، كَانَ أَحَدُهُمَا أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ . قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ . قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ . قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ . قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ . قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدَةُ - جَمِيعًا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ - الْمَعْنَى وَاحِدٌ - عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ . قَالَتْ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ ، وَأُنَاسًا مَعَهُ فِي طَلَبِ قِلَادَةٍ أَضَلَّتْهَا عَائِشَةُ ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ ، فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرُوا ذَلِكَ ، فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ ، زَادَ ابْنُ نُفَيْلٍ فَقَالَ لَهَا أُسَيْدٌ : - رَحِمَكِ اللَّهُ ، مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ فَرَجًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ اخْتِلَافُ النَّقَلَةِ فِي الْعِقْدِ وَالْقِلَادَةِ ، وَلَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي سَقَطَ ذَلِكَ فِيهِ لِعَائِشَةَ ، وَلَا فِي قَوْلِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ : عِقْدٌ لِي ، وَقَوْلِ هِشَامٍ إِنَّ الْقِلَادَةَ اسْتَعَارَتْهَا مِنْ أَسْمَاءَ عَائِشَةُ - مَا يَقْدَحُ فِي الْحَدِيثِ ، وَلَا يُوهِنُ شَيْئًا مِنْهُ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمُرَادَ مِنَ الْحَدِيثِ ، وَالْمَقْصُودَ إِلَيْهِ هُوَ نُزُولُ آيَةِ التَّيَمُّمِ ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي ذَلِكَ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ حُكْمٌ كَبِيرٌ قَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ وَتَنَازَعُوهُ ، وَهُوَ الصَّلَاةُ بِغَيْرِ طَهُورٍ بِمَاءٍ وَلَا تَيَمُّمَ لِمَنْ عَدِمَ الْمَاءَ ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى التَّيَمُّمِ لِعِلَلٍ مَنَعَتْهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَسَنَذْكُرُ هَذَا الْحُكْمَ ، وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِيهِ فِي هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ . قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ . قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَفَاضِ . قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَجَّاجِ السُّلَمِيُّ . قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ فِي سَفَرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ فِي عُنُقِهَا قِلَادَةٌ لِأَسْمَاءَ ابْنَةِ أَبِي بَكْرٍ ، فَعَرَّسُوا ، فَانْسَلَّتِ الْقِلَادَةُ مِنْ عُنُقِهَا ، فَلَمَّا ارْتَحَلُوا قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، انْسَلَّتْ قِلَادَةُ أَسْمَاءَ مِنْ عُنُقِي ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ رَجُلَيْنِ إِلَى الْمَعْرَسِ يَلْتَمِسَانِ الْقِلَادَةَ - فَوَجَدَاهَا ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ ، فَصَلَّوْا بِغَيْرِ طَهُورٍ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ : فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ : يَرْحَمُكِ اللَّهُ يَا عَائِشَةُ ، مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ فَرَجًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَهَذَا مَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي بُدُوِّ التَّيَمُّمِ وَالسَّبَبِ فِيهِ ، وَقَدْ رَوَاهُ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ بِأَتَمِّ مَعْنًى . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤمِنِ . قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ . قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ . قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي . قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ . قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ . قَالَ : حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَرَّسَ بِأُولَاتِ الْجَيْشِ ، وَمَعَهُ عَائِشَةُ زَوْجَتُهُ ، فَانْقَطَعَ عِقْدٌ لَهَا مِنْ جَزْعِ ظَفَارٍ ، فَحُبِسَ النَّاسُ ابْتِغَاءَ عِقْدِهَا ذَلِكَ حَتَّى أَضَاءَ الصُّبْحُ ، وَلَيْسَ مَعَ النَّاسِ مَاءٌ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ رُخْصَةَ التَّطَهُّرِ بِالصَّعِيدِ الطَّيِّبِ ، فَقَامَ الْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَضَرَبُوا بِأَيْدِيهِمُ الْأَرْضَ ، ثُمَّ رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ ، وَلَمْ يَقْبِضُوا مِنَ التُّرَابِ شَيْئًا ، فَمَسَحُوا بِهَا وُجُوهَهُمْ وَأَيْدِيَهُمْ إِلَى الْمَنَاكِبِ ، وَمِنْ بُطُونِ أَيْدِيهِمْ إِلَى الْآبَاطِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ فِي الْمُوَطَّأِ فِي ذِكْرِ التَّيَمُّمِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرَ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ هَذَا ، وَهُوَ أَصْلُ التَّيَمُّمِ ; إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ رُتْبَةُ التَّيَمُّمِ وَلَا كَيْفِيَّتُهُ ، وَقَدْ نُقِلَتْ آثَارٌ فِي التَّيَمُّمِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُخْتَلِفَةٌ فِي كَيْفِيَّتِهِ ، وَعَلَى قَدْرِ ذَلِكَ مِنَ اخْتِلَافِهَا اخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ فِي الْقَوْلِ بِهَا ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ أَقَاوِيلَهُمْ وَالْآثَارَ الَّتِي مِنْهَا نَزَعُوا فِي هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَأَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْأَمْصَارِ بِالْحِجَازِ ، وَالْعِرَاقِ ، وَالشَّامِ ، وَالْمَشْرِقِ ، وَالْمَغْرِبِ فِيمَا عَلِمْتُ أَنَّ التَّيَمُّمَ بِالصَّعِيدِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ طَهُورُ كُلِّ مَرِيضٍ أَوْ مُسَافِرٍ ; وَسَوَاءٌ كَانَ جُنُبًا أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَقُولَانِ : الْجُنُبُ لَا يُطَهِّرُهُ إِلَّا الْمَاءُ ، وَلَا يَسْتَبِيحُ بِالتَّيَمُّمِ صَلَاةً ، لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَلِقَوْلِهِ : وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَذَهَبَا إِلَى أَنَّ الْجُنُبَ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا وَكَانَا يَذْهَبَانِ إِلَى أَنَّ الْمُلَامَسَةَ مَا دُونَ الْجِمَاعِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي الْمُلَامَسَةِ فِي بَابِ أَبِي النَّضْرِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِقَوْلِ عُمَرَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ فِي هَذَا الْمَسْأَلَةِ أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَحَمَلَةِ الْآثَارِ ، وَذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِحَدِيثِ عَمَّارٍ ، وَلِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، وَلِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تَيَمُّمِ الْجُنُبِ ، أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْقَوْلِ بِذَلِكَ - إِلَّا مَا ذَكَرْنَا عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ أَخْبَارَ الْآحَادِ الْعُدُولِ مِنْ عِلْمِ الْخَاصَّةِ قَدْ يَخْفَى عَلَى الْجَلِيلِ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهَا الشَّيْءُ ، وَحَسْبُكَ بِمَا فِي الْمُوَطَّأِ مِمَّا غَابَ عَنْ عُمَرَ مِنْهَا ، وَهَذَا مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ ، وَلَمَّا لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِمَا عِلْمُ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تَيَمُّمِ الْجُنُبِ أَوْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عِنْدَهُمَا - تَأَوَّلَا فِي الْآيَةِ الْمُحْكَمَةِ فِي الْوُضُوءِ أَنَّ الْجُنُبَ مُنْفَرِدٌ بِحُكْمِ التَّطَهُّرِ بِالْمَاءِ وَالِاغْتِسَالِ بِهِ ، وَأَنَّهُ لَمْ يُرَدْ بِالتَّيَمُّمِ ، وَذَلِكَ جَائِزٌ سَائِغٌ مِنَ التَّأْوِيلِ فِي الْآيَةِ لَوْلَا مَا بَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تَيَمُّمِ الْجُنُبِ ، وَالْحَدِيثُ فِي ذَلِكَ : مَا حَدَّثَنَاهُ خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ . قَالَا : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ السَّكَنِ . قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ . قَالَ : حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ . قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ . قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ . قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَكَمُ ، عَنْ ذَرٍّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ، عَنْ أَبِيهِ . قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ : إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبِ الْمَاءَ ، فَقَالَ عَمَّارٌ لِعُمَرَ : أَمَا تَذْكُرُ أنَّا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَنَا وَأَنْتَ ، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا ، فَضَرَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ وَنَفَخَ فِيهِمَا ، وَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ . قَالَ الْبُخَارِيُّ : وَحَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ . قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي . قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ . قَالَ : سَمِعْتُ شَقِيقَ بْنَ سَلَمَةَ . قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَبِي مُوسَى فَقَالَ : أَرَأَيْتَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِذَا أَجْنَبْتَ فَلَمْ تَجِدْ مَاءً ، كَيْفَ تَصْنَعُ ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : حَتَّى نَجِدَ الْمَاءَ ; فَقَالَ أَبُو مُوسَى : كَيْفَ تَصْنَعُ بِقَوْلِ عَمَّارٍ حِينَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كَانَ يَكْفِيكَ - يَعْنِي الصَّعِيدَ - . قَالَ : أَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِذَلِكَ ؟ قَالَ أَبُو مُوسَى : فَدَعْنَا مِنْ قَوْلِ عَمَّارٍ ، كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الْآيَةِ ؟ فَمَا دَرَى عَبْدُ اللَّهِ مَا يَقُولُ ؟ فَقَالَ : لَوْ أَنَّا رَخَّصْنَا لَهُمْ فِي هَذَا لَأَوْشَكَ إِذَا بَرُدَ عَلَى أَحَدِهِمُ الْمَاءُ أَنْ يَدَعَهُ وَيَتَيَمَّمَ . فَقُلْتُ لِشَقَيقٍ : فَإِنَّمَا كَرِهَهُ عَبْدُ اللَّهِ لِهَذَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعُمَرَ ، لَا يَجْهَلُهُ إِلَّا مَنْ لَا عِنَايَةَ لَهُ بِالْآثَارِ ، وَبِأَقَاوِيلِ السَّلَفِ ، وَقَدْ غَلِطَ فِي هَذَا بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَزَعَمَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ لَا يَرَى الْغُسْلَ لِلْجُنُبِ إِذَا تَيَمَّمَ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ ، وَهَذَا جَهْلٌ بِهَذَا الْمَعْنَى بَيِّنٌ لَا خَفَاءَ بِهِ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْعَبْدِيُّ ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى . قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ عُمَرَ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ : إِنَّا نَكُونُ بِالْمَكَانِ الشَّهْرَ وَالشَّهْرَيْنِ ، قَالَ عُمَرُ : أَمَّا أَنَا فَلَمْ أَكُنْ أُصَلِّي حَتَّى أَجِدَ الْمَاءَ . قَالَ عَمَّارٌ : يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ ، أَمَا تَذْكُرُ إِذْ كُنْتُ أَنَا وَأَنْتَ فِي الْإِبِلِ فَأَصَابَتْنَا جَنَابَةٌ ، فَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرْنَا ذَلِكَ فَقَالَ : إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ : وَضَرَبَ بِيَدَيْهِ هَكَذَا ، ثُمَّ نَفَخَهُمَا ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى نِصْفِ الذِّرَاعِ ، قَالَ عُمَرُ : يَا عَمَّارُ ، اتَّقِ اللَّهَ ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ ، إِنْ شِئْتَ وَاللَّهِ لَمْ أَذْكُرْهُ أَبَدًا . قَالَ : كَلَّا ، وَاللَّهِ ، وَلَكِنْ نُوَلِّيكَ مِنْ ذَلِكَ مَا تَوَلَّيْتَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَى ابْنُ مَهْدِيٍّ هَذَا الْحَدِيثَ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى مِثْلَهُ ، وَرُوِيَ حَدِيثُ عَمَّارٍ عَنْهُ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إِنَّ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ عَنْ عَمَّارٍ فِي هَذَا الْخَبَرِ : أَنَّ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ ، فَالْجَوَابُ : أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْجُنُبَ لَا يَجْزِيهِ إِلَّا الْغُسْلُ بِالْمَاءِ ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ عَمَّارٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّ التَّيَمُّمَ يَكْفِيهِ سَكَتَ عَنْهُ ، وَلَمْ يَنْهَهُ ; فَلَمَّا لَمْ يَنْهَهُ عَلِمْنَا أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ بِقَلْبِهِ تَصْدِيقُ عَمَّارٍ ; لِأَنَّ عَمَّارًا قَالَ لَهُ : إِنْ شِئْتَ لَمْ أَذْكُرْهُ ، وَلَوْ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ تَكْذِيبُ عَمَّارٍ لَنَهَاهُ ; لِمَا كَانَ اللَّهُ قَدْ جَعَلَ فِي قَلْبِهِ مِنْ تَعْظِيمِ حُرُمَاتِ اللَّهِ ، وَلَا شَيْءَ أَعْظَمَ مِنَ الصَّلَاةِ ، وَغَيْرُ مُتَوَهَّمٍ عَلَى عُمَرَ أَنْ يَسْكُتَ عَلَى صَلَاةٍ تُصَلَّى عِنْدَهُ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ ، وَهُوَ الْخَلِيفَةُ الْمَسْؤولُ عَنِ الْعَامَّةِ ، وَكَانَ أَتْقَى النَّاسِ لِرَبِّهِ ، وَأَنْصَحَهُمْ لَهُمْ فِي دِينِهِمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ - رَحْمَة اللَّهِ عَلَيْهِ - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَيَمُّمُ الْجُنُبِ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، وَأَبِي ذَرٍّ ، وَعَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ السَّكَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ . قَالَ : حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدَانُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَوْفٌ ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ الْخُزَاعِيُّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا مُعْتَزِلًا لَمْ يُصَلِّ فِي الْقَوْمِ ، فَقَالَ : يَا فُلَانُ ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ ؟ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ ، وَلَا مَاءَ ، فَقَالَ : عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ ، فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَلَمَّا بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُرَادَ رَبِّهِ مِنْ مَعْنَى آيَةِ الْوُضُوءِ بِأَنَّ الْجُنُبَ دَاخِلٌ فِيمَنْ قُصِدَ بِالتَّيَمُّمِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ بِقَوْلِهِ : فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا - تَعَلَّقَ الْعُلَمَاءُ بِهَذَا الْمَعْنَى ، وَلَمْ يُعَرِّجُوا عَلَى قَوْلِ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ إِلَّا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إِلَّا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا يَصِحُّ عَنْهُ . رَوَى أَبُو مُعَاوِيَةَ وَغَيْرُهُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ . قَالَ : لَا يَتَيَمَّمِ الْجُنُبُ ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْرًا . وَرَوَى أَيُّوبُ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ سَمِعَ أَبَا ذَرٍّ قَالَ : كُنْتُ أَعْزُبُ عَنِ الْمَاءِ ، وَمَعِي أَهْلِي ، فَتُصِيبُنِي الْجَنَابَةُ ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورٌ - وَإِنْ لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ - فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ أَوْ بَشْرَتَكَ . هَكَذَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ . وَرَوَاهُ خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ بَحْرَانَ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ بِمَعْنًى وَاحِدٍ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الَّذِي يَدْخُلُ عَلَيْهِ وَقْتَ الصَّلَاةِ وَيَخْشَى خُرُوجَهُ ، وَهُوَ لَا يَجِدُ الْمَاءَ ، وَلَا يَسْتَطِيعُ الْوُصُولَ إِلَيْهِ ، وَلَا إِلَى صَعِيدٍ يَتَيَمَّمُ بِهِ ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَحْبُوسِ إِذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الصَّعِيدِ : صَلَّى كَمَا هُوَ ، وَأَعَادَ إِذَا قَدَرَ عَلَى الْمَاءِ أَوْ عَلَى الصَّعِيدِ . وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْمُنْهَدِمِ عَلَيْهِمْ ، وَالْمَحْبُوسِينَ ، وَالْمَرْبُوطِ ، وَمَنْ صُلِبَ فِي خَشَبَةٍ وَلَمْ يَمُتْ : لَا صَلَاةَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَقْدِرُوا عَلَى الْمَاءِ أَوْ عَلَى الصَّعِيدِ ، وَإِذَا قَدَرُوا صَلَّوْا . وَقَالَ ابْنُ خَوَّازِ بنْدَادَ : الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ : أَنَّ كُلَّ مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمَاءِ ، وَلَا عَلَى الصَّعِيدِ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ : أَنَّهُ لَا يُصَلِّي ، وَلَا عَلَيْهِ شَيْءٌ ، قَالَ : رَوَاهُ الْمَدَنِيُّونَ عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَا أَعْرِفُ كَيْفَ أَقْدَمَ عَلَى أَنْ جَعَلَ هَذَا هُوَ الصَّحِيحَ مِنَ الْمَذْهَبِ مَعَ خِلَافِهِ جُمْهُورَ السَّلَفِ وَعَامَّةَ الْفُقَهَاءِ وَجَمَاعَةَ الْمَالِكِيِّينَ ، وَأَظُنُّهُ ذَهَبَ إِلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ مَالِكٍ هَذَا فِي قَوْلِهِ : وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى أَصْبَحَ - وَهُمْ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ ; فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُمْ صَلَّوْا ، وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُمْ لَمْ يُصَلُّوا ، وَقَدْ ذَكَرَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : أَنَّهُمْ صَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ ، وَلَمْ يَذْكُرْ إِعَادَةً ، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا طَائِفَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ ، قَالَ أَبُو ثَوْرٍ : وَهُوَ الْقِيَاسُ ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : يُصَلُّونَ إِنْ قَدَرُوا ، وَكَانَ عَقْلُهُمْ مَعَهُمْ ، ثُمَّ يُعِيدُونَ إِذَا قَدَرُوا عَلَى الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ أَوْ بِالتَّيَمُّمِ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ دِينَارٍ ، عَنْ مَعْنِ بْنِ مَالِكٍ فِيمَنْ كَتَّفَهُ الْوَالِي وَحَبَسَهُ فَمَنَعَهُ مِنَ الصَّلَاةِ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا : أَنَّهُ لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ ، وَإِلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - ذَهَبَ ابْنُ خَوَّازِ بنْدَادَ ، وَكَأَنَّهُ قَاسَهُ عَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ هَذَا وَجْهَ الْقِيَاسِ ; لِأَنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ مَغْلُوبٌ عَلَى عَقْلِهِ ، وَهَذَا مَعَهُ عَقْلُهُ . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَائِرُ الْعُلَمَاءِ : الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَاجِبَةٌ إِذَا كَانَ عَقْلُهُ مَعَهُ ، فَإِنْ زَالَ الْمَانِعُ لَهُ تَوَضَّأَ أَوْ تَيَمَّمَ وَصَلَّى . وَذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَبِيبٍ . قَالَ : سَأَلْتُ مُطَرِّفًا ، وَابْنَ الْمَاجِشُونِ ، وَأَصْبَغَ بْنَ الْفَرَجِ عَنْ الْخَائِفِ تَحْضُرُهُ الصَّلَاةُ ، وَهُوَ عَلَى دَابَّتِهِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ ، وَلَا يَجِدُ إِلَى النُّزُولِ لِلْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ سَبِيلًا فَقَالَ بَعْضُهُمْ : يُصَلِّي كَمَا هُوَ عَلَى دَابَّتِهِ إِيمَاءً ، فَإِذَا أَمِنَ تَوَضَّأَ إِنْ وَجَدَ الْمَاءَ ، أَوْ تَيَمَّمَ إِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ ، وَأَعَادَ الصَّلَاةَ فِي الْوَقْتِ وَغَيْرِ الْوَقْتِ ، وَقَالَ لِي أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ : لَا يُصَلِّي وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ حَتَّى يَجِدَ السَّبِيلَ إِلَى الطَّهُورِ بِالْوُضُوءِ أَوِ التَّيَمُّمِ ، قَالَ : وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الصَّلَاةُ بِغَيْرِ طُهْرٍ ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ : وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ ، قَالَ : وَكَذَلِكَ الْأَسِيرُ الْمَغْلُولُ لَا يَجِدُ السَّبِيلَ إِلَى الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ وَلَا التَّيَمُّمِ ، وَالْمَرِيضُ الْمُثْبَتُ الَّذِي لَا يَجِدُ مَنْ يُنَاوِلُهُ الْمَاءَ ، وَلَا يَسْتَطِيعُ التَّيَمُّمَ - هُمَا مِثْلُ الَّذِي وَصَفْنَا مِنَ الْخَائِفِ ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ فِي هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ . قَالَ : وَهُوَ أَحْسَنُ ذَلِكَ عِنْدِي وَأَقْوَاهُ ، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا : لَا يُصَلِّي حَتَّى يَجِدَ طَهَارَةً ، وَالْأُخْرَى يُصَلِّي كَمَا هُوَ وَيُعِيدُ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ . . قَالَ الْمُزَنِيُّ - : إِذَا كَانَ مَحْبُوسًا لَا يَقْدِرُ عَلَى تُرَابٍ نَظِيفٍ صَلَّى ، وَأَعَادَ إِذَا قَدَرَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْمَحْبُوسِ فِي الْمِصْرِ : إِذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً ، وَلَا تُرَابًا نَظِيفًا لَمْ يُصَلِّ ، وَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ صَلَّى . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالطَّبَرِيُّ : يُصَلِّي وَيُعِيدُ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : إِنْ وَجَدَ الْمَحْبُوسُ فِي الْمِصْرِ تُرَابًا نَظِيفًا صَلَّى فِي قَوْلِهِمْ وَأَعَادَ . وَقَالَ زُفَرُ : لَا يَتَيَمَّمُ ، وَلَا يُصَلِّي ، وَإِنْ وَجَدَ تُرَابًا نَظِيفًا عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ فِي الْحَضَرِ . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَوْ تَيَمَّمَ عَلَى التُّرَابِ النَّظِيفِ أَوْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ إِعَادَةٌ إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَهُنَا مَسْأَلَةٌ أُخْرَى فِي تَيَمُّمِ الَّذِي يَخْشَى فَوْتَ الْوَقْتِ ، وَهُوَ فِي الْحَضَرِ ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الصَّعِيدِ - سَنَذْكُرُهَا ، وَنَذْكُرُ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِيمَا بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو ثَوْرٍ أَنَّ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ يُصَلِّي كَمَا هُوَ وَلَا يُعِيدُ ، وَمَذْهَبُ أَبِي ثَوْرٍ فِي ذَلِكَ كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ ، وَزَعَمَ أَبُو ثَوْرٍ أَنَّ الْقِيَاسَ أَنْ لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ كَمَنْ لَمْ يَجِدْ ثَوْبًا صَلَّى عُرْيَانًا ، وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ . قَالَ : وَإِنَّمَا الطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ أَوْ بِالصَّعِيدِ كَالثَّوْبِ ، فَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا سَقَطَتْ عَنْهُ ، وَالصَّلَاةُ لَهُ لَازِمَةٌ عَلَى حَسَبِ قُدْرَتِهِ ، وَقَدْ أَدَّاهَا فِي وَقْتِهَا عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ . وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ إِعَادَتِهَا ، وَلَا حُجَّةَ لِمَنْ أَوْجَبَ الْإِعَادَةَ عَلَيْهِ ; وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا : مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمَاءِ وَلَا عَلَى الصَّعِيدِ صَلَّى كَمَا هُوَ ، وَأَعَادَ إِذَا قَدَرَ عَلَى الطَّهَارَةِ ، فَإِنَّهُمُ احْتَاطُوا لِلصَّلَاةِ فَذَهَبُوا إِلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، وَفِيهِ : أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِينَ بَعَثَهُمْ فِي طَلَبِ الْقِلَادَةِ ، حَضَرَتْهُمُ الصَّلَاةُ فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ ; إِذْ لَمْ يَجِدُوا الْمَاءَ ، فَلَمْ يُعَنِّفْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا نَهَاهُمْ ، وَكَانَتْ طَهَارَتُهُمُ الْمَاءَ ، فَلَمَّا عَدِمُوهُ صَلَّوْا كَمَا كَانُوا فِي الْوَقْتِ ، ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ ; فَكَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمَاءِ ، وَلَا عَلَى التَّيَمُّمِ ، عند عَدِمَ الْمَاءَ صَلَّى فِي الْوَقْتِ كَمَا هُوَ ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ أَوْ قَدَرَ عَلَى التَّيَمُّمِ ، عند عَدِمَ الْمَاءَ - أَعَادَ تِلْكَ الصَّلَاةَ احْتِيَاطًا ; لِأَنَّهَا صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ ، وَقَالُوا : لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى الطَّهُورِ ; فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الطَّهُورِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ الْوَقْتَ فَرْضٌ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ ، فَيُصَلِّي كَمَا قَدَرَ فِي الْوَقْتِ ، ثُمَّ يُعِيدُ ، فَيَكُونُ قَدْ أَخَذَ بِالِاحْتِيَاطِ فِي الْوَقْتِ وَالطَّهَارَةِ جَمِيعًا ، وَذَهَبَ الَّذِينَ قَالُوا : إِنَّهُ لَا يُصَلِّي حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ أَوِ التَّيَمُّمَ - إِلَى ظَاهِرِ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ . قَالُوا : وَلَمَّا أَوْجَبُوا عَلَيْهِ الْإِعَادَةَ إِذَا قَدَرَ عَلَى الْمَاءِ أَوِ التَّيَمُّمِ لَمْ يَكُنْ لِأَمْرِهِمْ إِيَّاهُ بِالصَّلَاةِ مَعْنًى ، وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ هَذَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَوْلُهَا فِيهِ : فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ - دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ عَدِمَ الطَّهَارَةَ لَمْ يُصَلِّ حَتَّى تُمْكِنَهُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ . قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ . قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ . قَالَ : أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ . قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي الْمِلْحِ ، عَنْ أَبِيهِ . قَالَ : قَالَ رَسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ ، وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي الْمِلْحِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا تُقْبَلُ صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ ، وَلَا صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ . قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ : أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ لِابْنِ عَامِرٍ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ ، وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ . وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ . وَفِي قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ : وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ - دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ قَدْ كَانَ لَازِمًا لَهُمْ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْوُضُوءِ ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يُصَلُّونَ إِلَّا بِوُضُوءٍ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ ، وَهِيَ آيَةُ الْوُضُوءِ الْمَذْكُورَةُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ ، أَوِ الْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ ، لَيْسَ التَّيَمُّمُ مَذْكُورًا فِي غَيْرِ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ ، وَهُمَا مَدَنِيَّتَانِ ، وَالْآيَةُ لَيْسَتْ بِالْكَلِمَةِ وَلَا الْكَلِمَتَيْنِ ، وَإِنَّمَا هِيَ الْكَلَامُ الْمُجْتَمِعُ الدَّالُّ عَلَى الْإِعْجَازِ الْجَامِعِ لِمَعْنًى مُسْتَفَادٍ قَائِمٍ بِنَفْسِهِ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ غُسْلَ الْجَنَابَةِ لَمْ يُفْتَرَضْ قَبْلَ الْوُضُوءِ ، كَمَا أَنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ السِّيَرِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُنْذُ افْتُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ بِمَكَّةَ لَمْ يُصَلِّ إِلَّا بِوُضُوءٍ مِثْلِ وُضُوئِنَا الْيَوْمَ ، وَهَذَا مَا لَا يَجْهَلُهُ عَالَمٌ ، وَلَا يَدْفَعُهُ إِلَّا مُعَانِدٌ ; وَفِيمَا ذَكَرْنَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ آيَةَ الْوُضُوءِ إِنَّمَا نَزَلَتْ لِيَكُونَ فَرْضُهَا الْمُتَقَدِّمُ مَتْلُوًّا فِي التَّنْزِيلِ ، وَلَهَا نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِهَا ، وَفِي قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ : فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ ، وَلَمْ يَقُلْ : آيَةُ الْوُضُوءِ - مَا يُتَبَيَّنُ بِهِ أَنَّ الَّذِي طَرَأَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ حُكْمُ التَّيَمُّمِ لَا حُكْمُ الْوُضُوءِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَمِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَنِعْمَتِهِ أَنْ نَصَّ عَلَى حُكْمِ الْوُضُوءِ وَهَيْئَتِهِ بِالْمَاءِ ، ثُمَّ أَخْبَرَ بِحُكْمِ التَّيَمُّمِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي فَرْضِ الصَّلَاةِ وَالْوُضُوءِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَفِي قَوْلِهِ أَيْضًا : لَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ ، وَإِقَامَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ تِلْكَ الْحَالِ عَلَى الْتِمَاسِ الْعِقْدِ - دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَرْءِ أَنْ يَنْصَرِفَ عَنْ سَفَرٍ لَا يَجِدُ فِيهِ مَاءً ، وَلَا يَتْرُكَ سُلُوكَ طَرِيقٍ لِذَلِكَ ، وَحَسْبُهُ وَسُلُوكُ مَا أَبَاحَ اللَّهُ لَهُ . وَأَمَّا التَّيَمُّمُ ، فَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ : الْقَصْدُ ، وَمَعْنَاهُ فِي الشَّرِيعَةِ : الْقَصْدُ إِلَى الصَّعِيدِ خَاصَّةً لِلطَّهَارَةِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ ، فَيَضْرِبُ عَلَيْهِ مِنْ كَفَّيْهِ ، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وَيَدَيهُ ، قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ : قَوْلُهُمْ قَدْ تَيَمَّمَ الرَّجُلُ مَعْنَاهُ : قَدْ مَسَحَ التُّرَابَ عَلَى يَدَيْهِ وَوَجْهِهِ ; قَالَ : وَأَصْلُ تَيَمَّمَ قَصَدَ ، فَمَعْنَى تَيَمَّمَ : قَصَدَ التُّرَابَ فَتَمَسَّحَ بِهِ ; قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ - مَعْنَاهُ : لَا تَعَمَّدُوا الْخَبِيثَ فَتُنْفِقُوا مِنْهُ . قَالَ : الْمُمَزَّقُ أَوِ الْمُثَقَّبُ : وَمَا أَدْرِي إِذَا يَمَّمْتُ وَجْهًا أُرِيدُ الْخَيْرَ أَيُّهُمَا يَلِينِي أَالْخَيْرُ الَّذِي أَنَا أَبْتَغِيهِ أَمِ الشَّرُّ الَّذِي هُوَ يَبْتَغِينِي يُرِيدُ : قَصَدْتُ وَاعْتَمَدْتُ وَجْهًا . وَقَالَ آخَرُ : ( وَفِي ) الْأَظْعَانِ آنِسَةٌ لَعُوبٌ تَيَمَّمَ أَهْلُهَا بَلَدًا فَسَارُوا يَعْنِي قَصَدَ أَهْلُهَا بَلَدًا . وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ : وَمَا يَلْبَثُ الْعَصْرَانِ : يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ إِذَا طُلِبَا أَنْ يُدْرِكَا مَا تَيَمَّمَا وَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ : تَيَمَّمْتُهَا مِنْ أَذْرُعَاتٍ وَأَهْلُهَا بِيَثْرِبَ أَدْنَى دَارِهَا نَظَرٌ عَالِ وَقَالَ خَفَّافُ بْنُ نِدِّيَّةٍ م : فَإِنْ تَكُ خَيْلِي قَدْ أُصِيبَ صَمِيمُهَا فَعَمْدًا عَلَى عَيْنِي تَيَمَّمْتُ مَالِكَا مَعْنَاهُ : تَعَمَّدْتُ مَالِكًا . وَقَالَ آخَرُ : إِنِّي كَذَلِكَ إِذَا مَا سَاءَنِي بَلَدٌ يَمَّمْتُ صَدْرَ بَعِيرِي غَيْرَهُ بَلَدَا يَعْنِي قَصَدْتُ . وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ ، فَمَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا أَيِ اقْصِدُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ، وَالصَّعِيدُ وَجْهُ الْأَرْضِ ، وَقِيلَ : التُّرَابُ الطَّيِّبُ الطَّاهِرُ . قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا وَطَهُورًا وَطَهُورٌ بِمَعْنَى طَاهِرٍ مُطَهِّرٍ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَأَنْـزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا يَعْنِي : طَاهِرًا مُطَهِّرًا . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ التَّيَمُّمِ : فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمْ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، وَاللَّيْثُ : ضَرْبَتَانِ : ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ يَمْسَحُ بِهَا وَجْهَهُ ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ يَمْسَحُهُمَا إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، يَمْسَحُ الْيُمْنَى بِالْيُسْرَى ، وَالْيُسْرَى بِالْيُمْنَى ; إِلَّا أَنَّ بُلُوغَ الْمِرْفَقَيْنِ عِنْدَ مَالِكٍ لَيْسَ بِفَرْضٍ ، وَإِنَّمَا الْفَرْضُ عِنْدَهُ إِلَى الْكُوعَيْنِ ، وَالِاخْتِيَارُ - عِنْدَهُ - إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، وَسَائِرُ مَنْ ذَكَرْنَا مَعَهُ مِنَ الْفُقَهَاءِ يَرَوْنَ بُلُوغَ الْمِرْفَقَيْنِ بِالتَّيَمُّمِ فَرْضًا وَاجِبًا ، وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ التَّيَمُّمُ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ : ابْنُ عُمَرَ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالْحَسَنُ ، وَسَالِمٌ ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ : ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْكُوعَيْنِ ، وَهُمَا الرُّسْغَانِ . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَهُوَ أَشْهَرُ عَنْهُ : أَنَّ التَّيَمُّمَ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ يَمْسَحُ بِهَا وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْكُوعَيْنِ ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَالشَّعْبِيِّ فِي رِوَايَةٍ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَالطَّبَرِيُّ ، وَهُوَ أَثْبَتُ مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارٍ ، رَوَاهُ شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ أَبُو وَائِلٍ ، عَنْ أَبِي مُوسَى ، عَنْ عَمَّارٍ فَقَالَ فِيهِ : ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ لِوَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي حَدِيثِ أَبِي وَائِلٍ هَذَا ، وَسَائِرُ أَحَادِيثِ عَمَّارٍ مُخْتَلَفٌ فِيهَا ، وَحَدِيثُ أَبِي وَائِلٍ هَذَا عِنْدَ الثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي مُعَاوِيَةَ ، وَجَمَاعَةٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ . وَقَالَ مَالِكٌ : إِنْ مَسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ أَجْزَأهُ ، وَإِنْ مَسَحَ يَدَيْهِ إِلَى الْكُوعَيْنِ أَجْزَأهُ ، وَأُحِبُّ لَهُ أَنْ يُعِيدَ فِي الْوَقْتِ ، وَالِاخْتِيَارُ عِنْدَ مَالِكٍ ضَرْبَتَانِ وَبُلُوغُ الْمِرْفَقَيْنِ .. وَحُجَّةُ مَنْ رَأَى أَنَّ التَّيَمُّمَ إِلَى الْكُوعَيْنِ جَائِزٌ ، وَلَمْ يَرَ بُلُوغَ الْمِرْفَقَيْنِ وَاجِبًا - ظَاهِرُ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ وَلَمْ يَقُلْ : إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا فَلَمْ يَجِبْ بِهَذَا الْخِطَابِ إِلَّا أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ يَدٍ ; لِأَنَّهُ الْيَقِينُ ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ شَكٌّ ، وَالْفَرَائِضُ لَا تَجِبُ إِلَّا بِيَقِينٍ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا وَثَبَتَتِ السُّنَّةُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهَا : أَنَّ الْأَيْدِيَ فِي ذَلِكَ أُرِيدَ بِهَا مِنَ الْكُوعِ ، فَكَذَلِكَ التَّيَمُّمُ إِذْ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْمِرْفَقَيْنِ ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَكْثَرِ الْآثَارِ فِي التَّيَمُّمِ أَنَّهُ مَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ ، وَكَفَى بِهَذَا حُجَّةً ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ وَاجِبًا لَمْ يَدَعْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا يُجْزِيهِ إِلَّا ضَرْبَتَانِ : ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، وَلَا يُجْزِيهِ دُونَ الْمِرْفَقَيْنِ ، وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ : يَمْسَحُ بِكُلِّ ضَرْبَةٍ مِنْهُمَا وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ ، وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ غَيْرَهُمَا فِيمَا عَلِمْتُ ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : يَبْلُغُ بِالتَّيَمُّمِ الْآبَاطَ ، وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ أَحَدٌ غَيْرَهُ أَيْضًا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . فَأَمَّا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ شِهَابٍ مِنَ التَّيَمُّمِ إِلَى الْمَنَاكِبِ وَالْآبَاطِ ، فَإِنَّهُ صَارَ إِلَى مَا رَوَاهُ فِي ذَلِكَ ، مَعَ أَنَّ اللُّغَةَ تَقْضِي أَنَّ الْيَدَ مِنَ الْمَنْكِبِ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، قَالَ : تَمَسَّحْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالتُّرَابِ ، فَمَسَحْنَا بِوُجُوهِنَا وَأَيْدِينَا إِلَى الْمَنَاكِبِ ، هَكَذَا قَالَ مَالِكٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَمَّارٍ ، وَتَابَعَهُ أَبُو أُوَيْسٍ . وَرَوَاهُ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ، وَابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عَمَّارٍ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ سَوَاءً فِي إِسْنَادِهِ ، وَخَالَفَهُ فِي سِيَاقَتِهِ وَمَتْنِهِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي خَلَفٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى فِي آخَرِينَ قَالُوا : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ . قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَرَّسَ بِأُولَاتِ الْجَيْشِ ، وَمَعَهُ عَائِشَةُ ، فَانْقَطَعَ عِقْدٌ لَهَا مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ ، فَحُبِسَ النَّاسُ ابْتِغَاءَ عِقْدِهَا حَتَّى أَضَاءَ الْفَجْرُ ، وَلَيْسَ مَعَ النَّاسِ مَاءٌ ، فَتَغَيَّظَ عَلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ ، وَقَالَ : حَبَسْتِ النَّاسَ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ رُخْصَةَ التَّطَهُّرِ بِالصَّعِيدِ الطَّيِّبِ ، فَقَامَ الْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَضَرَبُوا بِأَيْدِيهِمْ إِلَى الْأَرْضِ ، ثُمَّ رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ ، وَلَمْ يَقْبِضُوا مِنَ التُّرَابِ شَيْئًا ، فَمَسَحُوا بِهَا وُجُوهَهُمْ وَأَيْدِيَهُمْ إِلَى الْمَنَاكِبِ ، وَمِنْ بُطُونِ أَيْدِيهِمْ إِلَى الْآبَاطِ ، زَادَ ابْنُ يَحْيَى فِي حَدِيثِهِ : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ ، وَلَا يَعْتَبِرُ بِهَذَا النَّاسُ . هَكَذَا قَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ : ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ . وَرَوَاهُ يُونُسُ ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، وَمَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَمَّارٍ ، وَلَمْ يَقُولُوا : عَنْ أَبِيهِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ ، وَلَا قَالُوا : عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا قَالَ صَالِحٌ ، وَابْنُ إِسْحَاقَ ، وَذَكَرُوا فِيهِ ضَرْبَتَيْنِ : ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمَنَاكِبِ وَالْآبَاطِ ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ فِيهِ مَعْمَرٌ ضَرْبَتَيْنِ - وَاضْطَرَبَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي إِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عَمَّارٍ فِي التَّيَمُّمِ إِلَى الْمَنَاكِبِ كَانَ فِي حِينِ نُزُولِ آيَةِ التَّيَمُّمِ فِي قِصَّةِ عَائِشَةَ ، كَذَلِكَ ذَكَرَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ، وَمَعْمَرٌ ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ صَالِحٍ . وَأَمَّا حَدِيثُ مَعْمَرٍ ، فَأَخْبَرَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤمِنِ ، وَكَتَبْتُهُ مِنْ أَصْلِ سَمَاعِهِ . قَالَ : أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ . قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ . قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي . قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ . قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ : أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ ، مَعَهُ عَائِشَةُ ، فَهَلَكَ عِقْدُهَا ، فَاحْتَبَسَ النَّاسُ فِي ابْتِغَائِهِ ، حَتَّى أَصْبَحُوا وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ ، فَنَزَلَ التَّيَمُّمُ ، قَالَ عَمَّارٌ : فَقَامُوا فَمَسَحُوا فَضَرَبُوا بِأَيْدِيهِمْ ، فَمَسَحُوا بِهَا وُجُوهَهُمْ ، ثُمَّ عَادُوا فَضَرَبُوا بِأَيْدِيهِمْ ثَانِيَةً ، فَمَسَحُوا بِهَا أَيْدِيهِمْ إِلَى الْإِبِطَيْنِ ، أَوْ قَالَ : إِلَى الْمَنَاكِبِ ، ثُمَّ قَدْ رُوِيَ عَنْ عَمَّارٍ خِلَافُ ذَلِكَ فِي التَّيَمُّمِ ، رَوَاهُ عَنْهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبْزَى ، فَاخْتَلَفَ عَلَيْهِ فِيهِ ، فَقَالَ عَنْهُ قَوْمٌ : وَمَسَحَ ذِرَاعَيْهِ إِلَى نِصْفِ السَّاعِدِ ، وَقَالَ آخَرُونَ : إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، وَقَالَ أَكْثَرُهُمْ عَنْهُ فِيهِ : وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ ، وَاخْتَلَفَ فِيهِ الْحَكَمُ بْنُ عُتْبَةَ وَسَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ ، عَنْ ذَرٍّ الْهَمْدَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَمَّارٍ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عَزْرَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ التَّيَمُّمِ ، فَأَمَرَنِي ضَرْبَةً وَاحِدَةً لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ ، وَسُؤَالُهُ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبَانٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ عَزْرَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَمَّارٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي التَّيَمُّمِ : ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : عِنْدَ قَتَادَةَ فِي حَدِيثِ عَمَّارٍ هَذَا - إِسْنَادٌ آخَرُ بِخِلَافِ هَذَا الْمَعْنَى : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ ، قَالَ : سُئِلَ قَتَادَةُ عَنِ التَّيَمُّمِ فِي السَّفَرِ فَقَالَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ : إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ : إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ يَقُولُ : إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ . وَحَدَّثَنِي مُحَدِّثٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، وَمِمَّا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ عَمَّارٍ فِي التَّيَمُّمِ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ أَوِ إلى الْمِرْفَقَيْنِ غَيْرُ حَدِيثِهِ فِي قِصَّةِ نُزُولِ آيَةِ التَّيَمُّمِ حِينَ تَيَمَّمَ إِلَى الْمَنَاكِبِ ، أَنَّهُ فِي حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ نَاجِيَةَ أَبِي خِفَافٍ ، عَنْ عَمَّارٍ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ أَبِي مُوسَى ، عَنْ عَمَّارٍ أَنَّهُ قَالَ : أَجْنَبْتُ فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ ، ثُمَّ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : كَانَ يَكْفِيكَ التَّيَمُّمُ ضَرْبَةً لِلْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَكْثَرُ الْآثَارِ الْمَرْفُوعَةِ عَنْ عَمَّارٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِنَّمَا فِيهَا ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ ، وَكُلُّ مَا يُرْوَى فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ عَمَّارٍ فَمُضْطَرِبٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ إِلَى أَنَّ أَصَحَّ حَدِيثٍ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَمَّارٍ - حَدِيثُ قَتَادَةَ عَنْ عَزْرَةَ ، وَقَالَ بَعْضُ مَنْ يَقُولُ بِالتَّيَمُّمِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ : قَتَادَةُ إِذَا لَمْ يَقُلْ : سَمِعْتُ أَوْ حَدَّثَنَا فَلَا حُجَّةَ فِي نَقْلِهِ ، وَهَذَا تَعَسُّفٌ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَأَمَّا مَا رُوِيَ مَرْفُوعًا فِي التَّيَمُّمِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، فَرَوَى ابْنُ الْهَادِي ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَيَمَّمَ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، وَأَصْحَابُ نَافِعٍ الْحُفَّاظُ يَرْوُونَهُ عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - فَعَلَهُ : أَنَّهُ كَانَ يَتَيَمَّمُ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، هَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ . وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ ثَابِتٍ الْعَبْدِيُّ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - مَرْفُوعًا ، وَأَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ ، وَضَعَّفُوهُ مِنْ أَجْلِهِ ، وَبَعْضُهُمْ يَرْوِيهِ عَنْهُ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَيَمَّمَ فِي السِّكَّةِ ، فَضَرَبَ بِيَدَيْهِ عَلَى الْحَائِطِ ، وَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ ، ثُمَّ ضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى فَمَسَحَ بِهَا ذِرَاعَيْهِ ، وَهَذَا لَمْ يَرْوِهِ عَنْ نَافِعٍ أحد غَيْرُ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ هَذَا ، بِهِ يُعْرَفُ ، وَمِنْ أَجْلِهِ يُضَعَّفُ ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ ، لَا يَعْرِفُهُ أَصْحَابُ نَافِعٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمَّا اخْتَلَفَتِ الْآثَارُ فِي كَيْفِيَّةِ التَّيَمُّمِ وَتَعَارَضَتْ ، كَانَ الْوَاجِبُ فِي ذَلِكَ الرُّجُوعَ إِلَى ظَاهِرِ الْكِتَابِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى ضَرْبَتَيْنِ : لِلْوَجْهِ ضَرْبَةٌ ، وَلِلْيَدَيْنِ أُخْرَى إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ - قِيَاسًا عَلَى الْوُضُوءِ ، وَاتِّبَاعًا لِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ ، فَإِنَّهُ مَنْ لَا يُدْفَعُ عِلْمُهُ بِكِتَابِ اللَّهِ ، وَلَوْ ثَبَتَ شَيْءٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ وَجَبَ الْوُقُوفُ عِنْدَهُ ، - وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : لَمَّا اخْتَلَفَتِ الْآثَارُ فِي كَيْفِيَّةِ التَّيَمُّمِ رَجَعْنَا إِلَى الِاعْتِبَارِ ، فَوَجَدْنَا الْأَعْضَاءَ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي الْوُضُوءِ قَدْ سَقَطَ التَّيَمُّمُ عَنْ بَعْضِهَا ، وَهُوَ الرَّأْسُ وَالرِّجْلَانِ ، فَبَطَلَ بِذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِلَى الْمَنَاكِبِ ; لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَمَّا بَطَلَ عَنْ بَعْضِ مَا يُوَضَّأُ ، كَانَ مَا لَا يُوَضَّأُ أَحْرَى أَنْ لَا يَلْزَمَهُ التَّيَمُّمُ ; قَالَ : ثُمَّ رَأَيْنَا الْوَجْهَ يُيَمَّمُ بِالصَّعِيدِ كَمَا يُغْسَلُ بِالْمَاءِ ، وَرَأَيْنَا الرَّأْسَ وَالرِّجْلَيْنِ لَا يُيَمِّمَانِ ، فَكَانَ مَا سَقَطَ التَّيَمُّمُ عَنْ بَعْضِهِ سَقَطَ عَنْ كُلِّهِ ، وَمَا وَجَبَ فِيهِ التَّيَمُّمُ كَانَ كَالْوُضُوءِ سَوَاءً ، لِأَنَّهُ جُعِلَ بَدَلًا مِنْهُ ; فَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ بَعْضَ مَا يُغْسَلُ مِنَ الْيَدَيْنِ فِي حَالِ وُجُودِ الْمَاءِ يُيَمَّمُ فِي حَالِ عَدَمِ الْمَاءِ ، ثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ التَّيَمُّمَ فِي الْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ - قِيَاسًا وَنَظَرًا . وَقَالَ غَيْرُهُ : لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ فِي الْوُضُوءِ ، اسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِ ذَلِكَ وَتَكْرِيرِهِ فِي التَّيَمُّمِ ، كَمَا أَنَّهُ لَمَّا اشْتَرَطَ الْمَسَّ فِي تَحْرِيرِ الرَّقَبَةِ عَلَى الْمُظَاهِرِ وَفِي صِيَامِهِ حَيْثُ قَالَ : مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا اسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِ ذَلِكَ وَاشْتِرَاطِهِ فِي الْإِطْعَامِ ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنْهُ ، وَحُكْمُ الْبَدَلِ حُكْمُ الْمُبْدَلِ مِنْهُ ، فَالسُّكُوتُ عَنْ ذَلِكَ اكْتِفَاءٌ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمَّا قَالَ اللَّهُ فِي آيَةِ الْوُضُوءِ : فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ وَأَجْمَعُوا أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِي غَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَأَنَّ غَسْلَ الْوَجْهِ غَيْرُ غَسْلِ الْيَدَيْنِ ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الضَّرْبَةُ فِي التَّيَمُّمِ لِلْوَجْهِ غَيْرَ الضَّرْبِ لِلْيَدَيْنِ قِيَاسًا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - ; إِلَّا أَنْ يَصِحَّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خِلَافُ ذَلِكَ ، فَيُسَلَّمَ لَهُ ، وَكَذَلِكَ الْبُلُوغُ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ قِيَاسًا عَلَى الْوُضُوءِ ، إِنْ لَمْ يَثْبُتْ خِلَافُهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّعِيدِ ، فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ : الصَّعِيدُ وَجْهُ الْأَرْضِ ، وَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ عِنْدَ مَالِكٍ بِالْحَصْبَاءِ ، وَالْجَبَلِ ، وَالرَّمْلِ ، وَالتُّرَابِ ، وَكُلِّ مَا كَانَ وَجْهَ الْأَرْضِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَزُفَرُ : يَجُوزُ أَنْ يُتَيَمَّمَ بِالنُّورَةِ ، وَالْحَجَرِ ، وَالزِّرْنِيخِ ، وَالْجِصِّ ، وَالطِّينِ ، وَالرُّخَامِ ، وَكُلِّ مَا كَانَ مِنَ الْأَرْضِ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : يَجُوزُ التَّيَمُّمُ عَلَى الرَّمْلِ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِغُبَارِ الثَّوْبِ وَاللِّبَدِ ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ التَّيَمُّمُ بِغُبَارِ اللِّبَدِ وَالثَّوْبِ . وَذَكَرَ ابْنُ خَوَّازِ بنْدَادَ قَالَ : الصَّعِيدُ - عِنْدَنَا - وَجْهُ الْأَرْضِ ، وَكُلُّ أَرْضٍ جَائِزٌ التَّيَمُّمُ عَلَيْهَا : صَحْرَاءَ كَانَتْ أَوْ مَعْدِنًا أَوْ تُرَابًا . قَالَ : وَبِذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالطَّبَرِيُّ . قَالَ : وَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى الْحَشِيشِ إِذَا كَانَ دُونَ الْأَرْضِ ، وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْهُ فِي التَّيَمُّمِ عَلَى الثَّلْجِ ، فَأَجَازَهُ مَرَّةً ، وَمَنَعَ مِنْهُ أُخْرَى ، قَالَ : وَكُلُّ مَا صَعِدَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَهُوَ صَعِيدٌ ، وَمِنْ حُجَّتِهِ فِي ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : صَعِيدًا جُرُزًا يَعْنِي أَرْضًا غَلِيظَةً لَا تُنْبِتُ شَيْئًا ، وَ صَعِيدًا زَلَقًا وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى صَعِيدٍ وَاحِدٍ أَيْ أَرْضٍ وَاحِدَةٍ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَدَاوُدُ : الصَّعِيدُ : التُّرَابُ ، وَلَا يُجْزِي عِنْدَهُمُ التَّيَمُّمُ بِغَيْرِ التُّرَابِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَقَعُ صَعِيدٌ إِلَّا عَلَى تُرَابٍ ذِي غُبَارٍ ، فَأَمَّا الصَّحْرَاءُ الْغَلِيظَةُ وَالرَّقِيقَةُ ، وَالْكَثِيبُ أَوِ الْغَلِيظُ ، فَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ صَعِيدٍ . وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : لَا يُتَيَمَّمُ إِلَّا بِتُرَابٍ أَوْ رَمْلٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ بِالتُّرَابِ ذِي الْغُبَارِ جَائِزٌ ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَتُرْبَتُهَا طَهُورًا ، وَهُوَ يَقْضِي عَلَى قَوْلِهِ : مَسْجِدًا وَطَهُورًا ، وَيُفَسِّرُهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَطْيَبُ الصَّعِيدِ أَرْضُ الْحَرِثِ . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ قَابُوسَ ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ قَالَ : سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَيُّ الصَّعِيدِ أَطْيَبُ ؟ فَقَالَ : الْحَرْثُ . وَقَالَ الشَّاعِرُ : قَتْلَى حَنِيطُهُمُ الصَّعِيدُ وَغُسْلُهُمْ نَجْعُ التَّرَائِبِ وَالرُّؤُوسُ تُقَطَّفُ وَهَذَا الْبَيْتُ - عِنْدِي - مُحْتَمِلٌ لِلتَّأْوِيلِ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ مَسَرَّةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ ، عَنْ رِيعِيٍّ ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ : جُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا ، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ طَهُورًا ، وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أُعْطِيتُ مَا لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ : نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ ، وَأُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْأَرْضِ ، وَسُمِّيتُ أَحْمَدَ ، وَجُعِلَ التُّرَابُ لِي طَهُورًا ، وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الْأُمَمِ . وَجَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى إِجَازَةِ التَّيَمُّمِ بِالسِّبَاخِ إِلَّا إِسْحَاقَ بْنَ رَاهَوَيْهِ فَإِنَّهُ قَالَ : لَا يُتَيَمَّمُ بِتُرَابِ السَّبْخَةِ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَنْ أَدْرَكَهُ التَّيَمُّمُ وَهُوَ فِي طِينٍ . قَالَ : يَأْخُذُ مِنَ الطِّينِ فَيَطْلِي بِهِ بَعْضَ جَسَدِهِ فَإِذَا جَفَّ تَيَمَّمَ بِهِ . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءَ عَلَى أَنَّ طَهَارَةَ التَّيَمُّمِ لَا تَرْفَعُ الْجَنَابَةَ وَلَا الْحَدَثَ إِذَا وُجِدَ الْمَاءُ ، وَأَنَّ الْمُتَيَمِّمَ لِلْجَنَابَةِ أَوِ الْحَدَثِ إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ عَادَ جُنُبًا كَمَا كَانَ أَوْ مُحْدِثًا ، وَأَنَّهُ إِنْ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ ، ثُمَّ فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ فَوَجَدَ الْمَاءَ ، وَقَدْ كَانَ اجْتَهَدَ فِي طَلَبِهِ فَلَمْ يَجِدْهُ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي رَحْلِهِ - أَنَّ صَلَاتَهُ تَامَّةٌ ، وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَحَبَّ لَهُ أَنْ يُعِيدَ فِي الْوَقْتِ إِذَا تَوَضَّأَ أَوِ اغْتَسَلَ ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ الْمَاءَ إِذَا وَجَدَهُ الْمُتَيَمِّمُ بَعْدَ تَيَمُّمِهِ ، وَقَبْلَ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ ، أَنَّهُ بِحَالِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَيَمَّمَ ، وَأَنَّهُ لَا يَسْتَبِيحُ صَلَاةً بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ إِلَّا شُذُوذ . رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - أَنَّهُ يُصَلِّي بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ ، وَاخْتَلَفُوا إِذَا رَأَى الْمَاءَ بَعْدَ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَدَاوُدُ ، وَالطَّبَرِيُّ : يَتَمَادَى فِي صَلَاتِهِ وَيُجْزِيهِ ، فَإِذَا فَرَغَ وَوَجَدَ الْمَاءَ لِلصَّلَاةِ الْأُخْرَى وَجَبَ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُهُ ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَلَا يَقْطَعُهَا لِرُؤْيَةِ الْمَاءِ ، وَحُجَّتُهُمْ : أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِطَلَبِ الْمَاءِ إِذْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْقِيَامَ إِلَى الصَّلَاةِ بِدُخُولِ وَقْتِهَا ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ تَيَمَّمَ ، وَمَا لَمْ يَدْخُلْ فِي الصَّلَاةِ فَهُوَ مُخَاطَبٌ بِذَلِكَ ، فَإِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ سَقَطَ عَنْهُ الطَّلَبُ ; لِاشْتِغَالِهِ بِمَا هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ مِنْ عَمَلِ الصَّلَاةِ الَّتِي دَخَلَ فِيهَا ، وَإِذَا سَقَطَ عَنْهُ الطَّلَبُ سَقَطَ عَنْهُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ إِذَا وَجَدَهُ ; لِأَنَّهُ مُشْتَغِلٌ بِفَرْضٍ آخَرَ عَنْ طَلَبِ الْمَاءِ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُهُ إِذَا سَقَطَ عَنْهُ طَلَبُهُ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي صَلَاتِهِ بِالتَّيَمُّمِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي قَطْعِ تِلْكَ الصَّلَاةِ إِذَا رَأَى الْمَاءَ ، وَلَمْ تَثْبُتْ سُنَّةٌ بِقَطْعِهَا وَلَا إِجْمَاعٌ ، وَلَيْسَ قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّ رُؤْيَةَ الْمَاءِ حَدَثٌ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الْجُنُبُ إِذَا تَيَمَّمَ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ يَعُودُ كَالْمُحْدِثِ لَا يَلْزَمُهُ إِلَّا الْوُضُوءُ ، وَالْبِنَاءُ عِنْدَهُمْ عَلَى مَا صَلَّى كَسَائِرِ الْمُحْدِثِينَ ، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَجَمَاعَةٌ ، مِنْهُمْ : أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَالْمُزَنِيُّ ، وَابْنُ عُلَيَّةَ : إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ أَوْ رَآهُ ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ ، قَطَعَ وَخَرَجَ إِلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي الْوُضُوءِ أَوْ فِي الْغُسْلِ ، وَاسْتَقْبَلَ صَلَاتَهُ ، وَحُجَّتُهُمْ : أَنَّ التَّيَمُّمَ لَمَّا بَطَلَ بِوُجُودِ الْمَاءِ قَبْلَ الصَّلَاةِ ، كَانَ كَذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ ; لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجُزْ لَهُ عَمَلُهَا بِالتَّيَمُّمِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ ، كَانَ كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ عَمَلُ مَا بَقِيَ مِنْهَا مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ ، وَإِذَا بَطَلَ بَعْضُهَا بَطَلَتْ كُلُّهَا ، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِالْإِجْمَاعِ عَلَى الْمُعْتَدَّةِ بِالشُّهُورِ لَا يَبْقَى عَلَيْهَا مِنْهَا إِلَّا أَقَلُّهَا ، ثُمَّ تَحِيضُ ، أَنَّهَا تَسْتَقْبِلُ عِدَّتَهَا بِالْحَيْضِ ; قَالُوا : وَالَّذِي يَطْرَأُ عَلَيْهِ الْمَاءُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ كَذَلِكَ ، وَلِلْفَرِيقَيْنِ ضُرُوبٌ مِنَ الْحُجَجِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يطول ذِكْرُهَا ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ التَّيَمُّمُ فِي السَّفَرِ ، وَهُوَ أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي التَّيَمُّمِ فِي الْحَضَرِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ ، فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ سَوَاءٌ إِذَا عُدِمَ الْمَاءُ ، أَوْ تَعَذَّرَ اسْتِعْمَالُهُ لِمَرَضٍ أَوْ خَوْفٍ شَدِيدٍ ، أَوْ خَوْفِ خُرُوجِ الْوَقْتِ ، وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدٍ ، وَحُجَّتُهُمْ : أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ الْمَرْضَى وَالْمُسَافِرِينَ فِي شَرْطِ التَّيَمُّمِ خَرَجَ عَلَى الْأَغْلَبِ فِيمَنْ لَا يَجِدُ الْمَاءَ ، وَالْحَاضِرُونَ الْأَغْلَبُ عَلَيْهِمْ وُجُودُ الْمَاءِ ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِمْ ، فَإِذَا لَمْ يَجِدِ الْحَاضِرُ الْمَاءَ أَوْ مَنَعَهُ مِنْهُ مَانَعٌ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّيَمُّمُ لِلصَّلَاةِ لِيُدْرِكَ وَقْتَهَا ; لِأَنَّ التَّيَمُّمَ عِنْدَهُمْ إِنَّمَا وَرَدَ لِإِدْرَاكِ وَقْتِ الصَّلَاةِ وَخَوْفِ فَوْتِهِ ، وَكَذَلِكَ أَمَرَ اللَّهِ بِالتَّيَمُّمِ حِفْظًا لِلْوَقْتِ وَمُرَاعَاتِهِ ، فَكُلُّ مَنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ تَيَمَّمَ : الْمُسَافِرُ بِالنَّصِّ ، وَالْحَاضِرُ بِالْمَعْنَى ، وَكَذَلِكَ الْمَرِيضُ بِالنَّصِّ ، وَالصَّحِيحُ بِالْمَعْنَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ لِلْحَاضِرِ الصَّحِيحِ أَنْ يَتَيَمَّمَ ; إِلَّا أَنْ يَخَافَ التَّلَفَ ، وَبِهِ قَالَ الطَّبَرِيُّ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَزُفَرُ : لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ فِي الْحَضَرِ لَا لِمَرَضٍ ، وَلَا لِخَوْفِ خُرُوجِ الْوَقْتِ ، وَحَجَّةُ هَؤُلَاءِ : أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ التَّيَمُّمَ رُخْصَةً لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ كَالْفِطْرِ وَقَصْرِ الصَّلَاةِ ، وَلَمْ يُبِحِ التَّيَمُّمَ إِلَّا بِشَرْطِ الْمَرَضِ أَوِ السَّفَرِ ، فَلَا دُخُولَ لِلْحَاضِرِ فِي ذَلِكَ لِخُرُوجِهِ مِنْ شَرْطِ اللَّهِ تَبَارَكَ اسْمُهُ ، وَالْكَلَامُ بَيْنَ الْفَرْقِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ طَوِيلٌ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا ، والليث ، وَالطَّبَرِيُّ : إِذَا عَدِمَ الْمَاءَ فِي الْحَضَرِ مَعَ خَوْفِ فَوْتِ الْوَقْتِ لِلصَّحِيحِ وَالسَّقِيمِ تَيَمَّمَ وَصَلَّى ، ثُمَّ أَعَادَ . فَصْلٌ ، التَّيَمُّمُ لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ ، إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ إِلَّا مَا ذَكَرْتُ لَكَ فِي تَيَمُّمِ الْجُنُبِ ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَرِيضُ أَوِ الْمُسَافِرُ الْمَاءَ حَرُمَ عَلَيْهِ التَّيَمُّمُ ; إِلَّا أَنْ يَخَافَ الْمَرِيضُ ذَهَابَ نَفْسِهِ ، وَتَلَفَ مُهْجَتِهِ ، فَيَجُوزُ لَهُ حِينَئِذٍ التَّيَمُّمُ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ بِالسُّنَّةِ لَا بِالْكِتَابِ ; إِلَّا أَنْ يَتَأَوَّلَ : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ وَقَدْ أَبَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّيَمُّمَ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَهُوَ مُسَافِرٌ إِذْ خَافَ إِنِ اغْتَسَلَ بِالْمَاءِ ، فَالْمَرِيضُ أَحْرَى بِذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ : لَا يَتَيَمَّمُ الْمَرِيضُ إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ وَلَا غَيْرُ الْمَرِيضِ ; لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَلَمْ يُبِحِ التَّيَمُّمَ لِأَحَدٍ إِلَّا عِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ ، وَلَوْلَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَمَا رُوِيَ مِنَ الْأَثَرِ ، كَانَ قَوْلُ عَطَاءٍ صَحِيحًا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا فِي التَّيَمُّمِ : هَلْ تُصَلَّى بِهِ صَلَوَاتٌ أَمْ يَلْزَمُ التَّيَمُّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ؟ فَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُصَلِّي صَلَاتَيْنِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ ، وَلَا يُصَلِّي نَافِلَةً وَمَكْتُوبَةً بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ ; إِلَّا أَنْ تَكُونَ نَافِلَةً بَعْدَ مَكْتُوبَةٍ . قَالَ : وَإِنْ صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ بِتَيَمُّمِ الْفَجْرِ أَعَادَ التَّيَمُّمَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ فرض ويصلي النَّافِلَةِ وَالْفَرْضِ ، وَصَلَاةِ الْجَنَائِزِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ ، وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاتَيْ فَرْضٍ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ فِي سَفَرٍ وَلَا فِي حَضَرٍ . وَقَالَ شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي : يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ صَلَاةِ نَافِلَةٍ وَفَرِيضَةٍ . وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِيمَنْ تَيَمَّمَ لِصَلَاةٍ فَصَلَّاهَا ، فَلَمَّا سَلَّمَ مِنْهَا ذَكَرَ صَلَاةً نَسِيَهَا ، أنَّهُ يَتَيَمَّمُ لَهَا ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ صَلَّى صَلَاتَيْ فَرْضٍ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ ، فَرَوَى يَحْيَى ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ صَلَّى صَلَوَاتٍ كَثِيرَةً بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ ، أَنَّهُ يُعِيدُ مَا زَادَ عَلَى وَاحِدَةٍ فِي الْوَقْتِ ، وَاسْتَحَبَّ أَنْ يُعِيدَ أَبَدًا . وَرَوَى أَبُو زَيْدِ بْنُ أَبِي الْغَمْرِ عَنْهُ أَنَّهُ يُعِيدُهَا أَبَدًا ، وَقَالَ أَصْبَغُ : إِنْ جَمَعَ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ نَظَرَ ، فَإِنْ كَانَتَا مُشْتَرِكَتَيْنِ فِي الْوَقْتِ أَعَادَ الْآخِرَةَ فِي الْوَقْتِ ، وَإِنْ كَانَتَا غَيْرَ مُشْتَرِكَتَيْنِ كَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ أَعَادَ الثَّانِيَةَ أَبَدًا . وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدُوسٍ أَنَّ ابْنَ نَافِعٍ رَوَى عَنْ مَالِكٍ فِي الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ . وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ فِي ذَاكِرِ الصَّلَوَاتِ : إِنْ قَضَاهُنَّ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ ، وَلِأَصْحَابِ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ ضُرُوبٌ مِنَ الِاضْطِرَابِ ، وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ رَأَى التَّيَمُّمَ لِكُلِّ صَلَاةٍ : أَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ عَلَى كُلِّ قَائِمٍ إِلَى الصَّلَاةِ طَلَبَ الْمَاءِ ، وَأَوْجَبَ عِنْدَ عَدَمِهِ التَّيَمُّمَ ، وَعَلَى الْمُتَيَمِّمِ عِنْدَ دُخُولِ وَقْتِ صَلَاةٍ أُخْرَى مَا عَلَيْهِ فِي الْأُولَى ، وَلَيْسَتِ الطَّهَارَةُ بِالصَّعِيدِ كَالطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ ; لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ نَاقِصَةٌ ، طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ لِاسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ ، بِدَلِيلِ إِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى بُطْلَانِهَا بِوُجُودِ الْمَاءِ وَإِنْ لَمْ يُحْدِثْ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ السُّنَّةَ الْمُجْتَمَعَ عَلَيْهَا قَدْ وَرَدَتْ بِجَوَازِ صَلَوَاتٍ كَثِيرَةٍ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ بِالْمَاءِ ; لِأَنَّ الْوُضُوءَ الثَّانِيَ فِي حُكْمِ الْأَوَّلِ لَيْسَ بِنَاقِضٍ لَهُ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِذَا وُجِدَ الْمَاءُ بَعْدَ التَّيَمُّمِ ، فَلِذَلِكَ أَمَرَ بِطَلَبِهِ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَإِذَا طَلَبَهُ وَلَمْ يَجِدْهُ تَيَمَّمَ بِظَاهِرِ قَوْلِ اللَّهِ : فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا وَلَمَّا أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ التَّيَمُّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، لِئَلَّا تَكُونَ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَدَاوُدُ : يُصَلِّي مَا شَاءَ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ مَا لَمْ يُحْدِثْ ; لِأَنَّهُ طَاهِرٌ مَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ طَلَبُ الْمَاءِ إِذَا يَئِسَ مِنْهُ ، وَلِلْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وُجُوهٌ يَطُولُ الْبَابُ بِذِكْرِهَا ، وَفِي التَّيَمُّمِ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ هِيَ فُرُوعٌ ، لَوْ أَتَيْنَا بِهَا خَرَجْنَا عَنْ شَرْطِنَا ، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْخَامِسُ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ · ص 265 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث عائشة في نزول آية التيمم · ص 138 122 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 23 - بَابُ التَّيَمُّمِ 100 - سَاقَهُ مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، أَنَّهَا قَالَتْ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ ، أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ ، انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي . فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْتِمَاسِهِ . وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ . وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ . وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ . فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ ، فَقَالُوا : أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ ؟ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِالنَّاسِ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ . وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ . قَالَتْ عَائِشَةُ : فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي ، قَدْ نَامَ . فَقَالَ : حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّاسَ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ . وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ . وَقَالَتْ عَائِشَةُ : فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ ، فَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ . وَجَعَلَ يَطْعَنُ بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي ، فَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى فَخِذِي ، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى آيَةَ التَّيَمُّمِ ، فَتَيَمَّمُوا . فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ : مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ . قَالَتْ : فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ . فَوَجَدْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ . 3116 - ذَكَرَ فِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ حَدِيثَهَا فِي خُرُوجِهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ إِذِ انْقَطَعَ الْعِقْدُ لَهَا ، فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُلْتَمِسًا لَهُ مَعَ النَّاسِ ، وَهُمْ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ ، وَلَا مَاءَ مَعَهُمْ . وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ - وَهُمْ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ - فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ . 3117 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدِي أَصَحُّ حَدِيثٍ رُوِيَ فِي التَّيَمُّمِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 3118 - وَالسَّفَرُ الْمَذْكُورُ فِيهِ كَانَ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ إِلَى بَنِي الْمُصْطَلَقِ بْنِ خُزَاعَةَ ، فِي سَنَةِ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ . وَقِيلَ : سَنَةُ خَمْسٍ . 3119 - فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ خُرُوجُ النِّسَاءِ فِي الْأَسْفَارِ مَعَ أَزْوَاجِهِنَّ جِهَادًا كَانَ السَّفَرُ أَوْ غَيْرَهُ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ جَازَ خُرُوجُهُنَّ مَعَ ذَوِي الْمَحَارِمِ وَالْأَزْوَاجِ إِلَى الْجِهَادِ - مَعَ الْخَوْفِ عَلَيْهِنَّ وَعَلَى مَنْ مَعَهُنَّ مِنَ الرِّجَالِ فِي الْإِيغَالِ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ - فَأَحْرَى أَنْ يَخْرُجْنَ إِلَى غَيْرِ الْجِهَادِ : مِنَ الْحَجِّ ، وَالْعُمْرَةِ ، وَسَائِرِ الْأَسْفَارِ الْمُبَاحَةِ . 3120 - وَخُرُوجُهُنَّ إِلَى الْجِهَادِ مَعَ ذَوِي الْمَحَارِمِ وَالْأَزْوَاجِ إِنَّمَا يَصِحُّ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - فِي الْعَسْكَرِ الْكَبِيرِ الَّذِي الْأَغْلَبُ مِنْهُ الْأَمْنُ عَلَيْهِنَّ . 3121 - وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي التَّمْهِيدِ حَدِيثَ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَغْزُو بِأُمِّ سُلَيْمٍ وَنِسْوَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ يَسْقِينَ الْمَاءَ ، وَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى ، وَحَدِيثُ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ : أَنَّهُ قِيلَ لَهَا : هَلْ كُنْتُنَّ تَخْرُجْنَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْغَزْوِ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ . كُنَّا نَخْرُجُ مَعَهُ نَسْقِي الْجَرْحَى وَنُدَاوِيهِمْ . 3122 - وَهَذَا كُلُّهُ مُقَيَّدٌ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا مَعَ زَوْجِهَا أَوْ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا . 3123 - وَمُقَيَّدٌ أَيْضًا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يُسَافِرَ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ . فَأَيُّهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا . 3124 - وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى فِي مَوْضِعِهِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 3125 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ أَيْضًا اخْتِلَافَ أَلْفَاظِ الرُّوَاةِ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ فِي الْعِقْدِ : لِمَنْ كَانَ ؟ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي سَقَطَ فِيهِ ، وَمَنْ سَمَّاهُ عِقْدًا ، وَمَنْ سَمَّاهُ قِلَادَةً وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ نَقْلِ الثِّقَاتِ ، وَلَا يَقْدَحُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ إِلَيْهِ مِنَ الْحَدِيثِ . 3126 - وَلَيْسَ فِي الْمُوَطَّأِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ فِي التَّيَمُّمِ غَيْرُ هَذَا ، وَهُوَ أَصْلُ التَّيَمُّمِ ، إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ رُتْبَةُ التَّيَمُّمِ وَكَيْفِيَّتُهُ . 3127 - وَقَدْ نُقِلَتْ آثَارٌ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مُخْتَلِفَةٌ فِي كَيْفِيَّةِ التَّيَمُّمِ : هَلْ هُوَ ضَرْبَةٌ أَوْ ضَرْبَتَانِ ؟ وَهَلْ يُبْلَغُ بِهِ الْمِرْفَقَانِ أَمْ لَا ، وَهَلِ الرِّوَايَةُ فِي التَّيَمُّمِ إِلَى الْآبَاطِ عَنْ عَمَّارٍ مَنْسُوخَةٌ أَمْ لَا ؟ . 3128 - وَكُلُّ ذَلِكَ مَبْسُوطٌ فِي التَّمْهِيدِ . وَيَأْتِي فِيهِ هَاهُنَا مَا يُغْنِي ، وَيَكْفِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 3129 - وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ بِالْأَمْصَارِ بِالْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ - فِيمَا عَلِمْتُ - أَنَّ التَّيَمُّمَ بِالصَّعِيدِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ طَهُورُ كُلِّ مُسْلِمٍ مَرِيضٍ ، أَوْ مُسَافِرٍ . وَسَوَاءٌ كَانَ جُنُبًا أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ ، وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ . 3130 - وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَقُولَانِ : إِنَّ الْجُنُبَ لَا يُطَهِّرُهُ إِلَّا الْمَاءُ ، وَأَنَّهُ لَا يَسْتَبِيحُ بِالتَّيَمُّمِ الصَّلَاةَ أَبَدًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَقَوْلُهُ : وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَخَفِيَتْ عَلَيْهِمَا السُّنَّةُ فِي ذَلِكَ ، وَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهِمَا مِنْ ذَلِكَ إِلَّا قَوْلُ عَمَّارٍ . وَكَانَ عُمَرُ حَاضِرًا ذَلِكَ مَعَهُ فَأُنْسِيَ قَصْدَ عَمَّارٍ ، وَارْتَابَ فِي ذَلِكَ بِحُضُورِهِ مَعَهُ ، وَنِسْيَانِهِ لِذَلِكَ ( فَلَمْ ) يَقْنَعْ بِقَوْلِهِ . فَذَهَبَ هُوَ وَابْنُ مَسْعُودٍ إِلَى أَنَّ الْجُنُبَ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ : وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا وَكَانَا يَذْهَبَانِ إِلَى أَنَّ الْمُلَامَسَةَ مَا دُونَ الْجِمَاعِ . 3131 - وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى الْمُلَامَسَةِ فِيمَا مَضَى ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 3132 - وَرَوَى أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : لَا يَتَيَمَّمُ الْجُنُبُ ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْرًا . 3133 - وَلَمْ يَتَعَلَّقْ أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ : مَنْ قَالَ : إِنَّ الْمُلَامَسَةَ الْجِمَاعُ ، وَمَنْ قَالَ : إِنَّهَا مَا دُونَ الْجِمَاعِ بِقَوْلِ عُمَرَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ فِي ذَلِكَ وَلَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ حَدِيثِ عَمَّارٍ ، وَحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، وَحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ : أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَ الْجُنُبَ بِالتَّيَمُّمِ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ وَلَوْ غَابَ عَنِ الْمَاءِ شَهْرًا . 3134 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ بِذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ . 3135 - وَقَدْ غَلِطَ بَعْضُ النَّاسِ فِي هَذَا الْمَعْنَى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، فَزَعَمَ أَنَّهُ كَانَ يَرَى الْجُنُبَ إِذَا تَيَمَّمَ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ لَمْ يَغْتَسِلْ ، وَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ حَتَّى يُحْدِثَ . 3136 - وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا رُوِيَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ وَلَا الْخَلَفِ - فِيمَا عَلِمْتُ - إِلَّا عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَلَا يُعْرَفُ عَنْهُ . وَالْمَحْفُوظُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَا وَصَفْنَا عَنْهُ . 3137 - وَفِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِهِ التُّرَابُ كَافِيكَ مَا لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ ، وَلَوْ أَقَمْتَ عَشْرَ سِنِينَ لَا تَجِدُهُ ، فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فَأَمِسَّهُ بَشَرَتَكَ - دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ الْجُنُبَ إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ لَزِمَهُ اسْتِعْمَالُهُ ، وَأَنَّ تَيَمُّمَهُ لَيْسَ بِطَهَارَةٍ كَامِلَةٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِبَاحَةٌ لِلصَّلَاةِ ، ثُمَّ هُوَ عَلَى حَالِهِ جُنُبٌ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ . 3138 - وَقَدْ أَمْلَيْتُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ فِي بَابٍ أَفْرَدْتُهُ لَهَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 3139 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الَّذِي يَدْخُلُ عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَيَخْشَى خُرُوجَهُ ، وَهُوَ لَا يَجِدُ الْمَاءَ وَلَا يَسْتَطِيعُ الْوُصُولَ إِلَيْهِ ، وَلَا إِلَى صَعِيدٍ يَتَيَمَّمُ بِهِ . 3140 - فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَحْبُوسِ إِذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الصَّعِيدِ - صَلَّى كَمَا هُوَ ، وَأَعَادَ إِذَا قَدَرَ عَلَى الْمَاءِ أَوْ عَلَى الصَّعِيدِ . 3141 - وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْمُتَهَدِّمِ عَلَيْهِمْ ، وَالْمَحْبُوسِ ، وَالْمَرْبُوطِ ، وَمَنْ صُلِبَ فِي خَشَبَةٍ وَلَمْ يَمُتْ وَحَانَ وَقْتَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ : إِنَّهُ لَا صَلَاةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ حَتَّى يَقْدِرُوا عَلَى الْمَاءِ أَوْ عَلَى الصَّعِيدِ . فَإِنْ قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ تَوَضَّئوا أَوْ تَيَمَّمُوا وَصَلَّوْا . 3142 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي هَؤُلَاءِ ، وَفِي كُلِّ مَنْ مَعَهُ عَقْلُهُ : إِنَّهُمْ يُصَلُّونَ عَلَى حَسَبِ مَا يَقْدِرُونَ ، ثُمَّ يُعِيدُونَ إِذَا قَدَرُوا عَلَى الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ أَوْ بِالصَّعِيدِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ . 3143 - وَرَوَى مَعْنُ بْنُ عِيسَى عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ كَتَّفَهُ الْوَالِي ، وَحَبَسَهُ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا : إِنَّهُ لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ . 3144 - وَإِلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - ذَهَبَ ابْنُ خُوَازَ مَنْدَاذَ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ : إنَّ كُلَّ مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمَاءِ وَلَا الصَّعِيدِ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي ، وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ . 3145 - قَالَ : وَرَوَاهُ الْمَدَنِيُّونَ عَنْ مَالِكٍ : وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِهِ . 3146 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَدْرِي كَيْفَ أَقْدَمَ عَلَى أَنْ جَعَلَ هَذَا الصَّحِيحَ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ مَعَ خِلَافِهِ جُمْهُورَ السَّلَفِ ، وَعَامَّةَ الْفُقَهَاءِ ، وَجَمَاعَةَ الْمَالِكِيِّينَ ؟ وَأَظُنُّهُ ذَهَبَ إِلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ مَالِكٍ فِي هَذَا فِي قَوْلِهِ : وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ ، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ حَتَّى أَصْبَحَ . وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُمْ لَمْ يُصَلُّوا ، بَلْ فِيهِ : نَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ . 3147 - وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ أَنَّهُمْ تَيَمَّمُوا يَوْمَئِذٍ إِلَى الْمَنَاكِبِ فِي حِينِ نُزُولِ الْآيَةِ . 3148 - وَقَدْ رَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ صَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ إِعَادَةً . 3149 - وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْإِعَادَةُ مَأْخُوذَةً مِنْ حَدِيثِ عَمَّارٍ ، كَأَنَّهُمْ إِذْ نَزَلَتِ آيَةُ التَّيَمُّمِ تَوَضَّئوا ، وَأَعَادُوا مَا كَانُوا قَدْ صَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ . 3150 - وَعَلَى هَذَا تَرَتَّبَتِ الْآثَارُ ، وَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ . 3151 - وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ خُوَازَ مَنْدَاذَ فِي سُقُوطِ الصَّلَاةِ عَمَّنْ مَعَهُ عَقْلُهُ ؛ لِعَدَمِ الطَّهَارَةِ - فَقَوْلٌ ضَعِيفٌ مَهْجُورٌ ، شَاذٌّ ، مَرْغُوبٌ عَنْهُ . 3152 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : كَيْفَ تَسْقُطُ الصَّلَاةُ عَمَّنْ مَعَهُ عَقْلُهُ لِعَدَمِ الطَّهَارَةِ لَمْ يُغْمَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُجَنَّ ؟ ! وَعَلَى هَذَا سَائِرُ الْعُلَمَاءِ فِيمَنْ لَمْ يَصِلْ إِلَى الصَّعِيدِ وَلَا الْمَاءِ ، فَإِذَا زَالَ الْمَانِعُ لَهُ تَوَضَّأَ أَوْ تَيَمَّمَ وَصَلَّى . 3153 - وَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ ، قَالَ : سَأَلْتُ مُطَرِّفًا ، وَابْنَ الْمَاجِشُونِ ، وَأَصْبَغَ بْنَ الْفَرَجِ عَنِ الْخَائِفِ تَحْضُرُهُ الصَّلَاةُ وَهُوَ عَلَى دَابَّتِهِ ، عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ ، وَلَا يَجِدُ إِلَى النُّزُولِ لِلْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ سَبِيلًا . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : يُصَلِّي كَمَا هُوَ عَلَى دَابَّتِهِ إِيمَاءً ، فَإِذَا أَمِنَ تَوَضَّأَ إِنْ وَجَدَ الْمَاءَ ، أَوْ تَيَمَّمَ إِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ ، وَأَعَادَ الصَّلَاةَ فِي الْوَقْتِ ، وَبَعْدَ الْوَقْتِ . 3154 - وَقَالَ لِي أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ : لَا يُصَلِّي وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ ، حَتَّى يَجِدَ السَّبِيلَ إِلَى الطَّهُورِ بِالْمَاءِ ، أَوِ الصَّعِيدِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ . 3155 - قَالَ : وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِغَيْرِ طَهُورٍ . 3156 - قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ : وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ قَالَ : وَكَذَلِكَ الْأَسِيرُ الْمَغْلُولُ ، لَا يَجِدُ السَّبِيلَ إِلَى الْوُضُوءِ وَالْمَرِيضُ الْمُثْبَتُ الَّذِي لَا يَجِدُ مَنْ يُنَاوِلُهُ الْمَاءَ ، وَلَا يَسْتَطِيعُ التَّيَمُّمَ ، هُمَا مِثْلُ الَّذِي وَصَفْنَا مِنَ الْخَائِفِ . 3157 - وَكَذَلِكَ قَالَ أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ فِي هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ . 3158 - قَالَ : وَهُوَ أَحْسَنُ ذَلِكَ عِنْدِي ، وَأَقْوَاهُ . 3159 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَعَنْهُ فِي هَذَا رِوَايَتَانِ : إِحْدَاهُمَا لَا يُصَلِّي حَتَّى يَجِدَ طَهَارَةً ، وَالْأُخْرَى يُصَلِّي كَمَا هُوَ وَيُعِيدُ الصَّلَاةَ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ . 3160 - قَالَ الْمُزَنِيُّ : وَإِذَا كَانَ مَحْبُوسًا لَا يَقْدِرُ عَلَى طَهَارَةٍ بِمَاءٍ أَوْ تُرَابٍ نَظِيفٍ صَلَّى ، وَأَعَادَ إِذَا قَدِرَ . 3161 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْمَحْبُوسِ فِي الْمِصْرِ : إِذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا نَظِيفًا لَمْ يُصَلِّ ، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ صَلَّى . 3162 - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ وَالطَّبَرِيُّ : يُصَلِّي وَيُعِيدُ ، كَقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ . 3163 - وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : الْقِيَاسُ أَلَّا يُصَلِّيَ مَنْ لَا يَجِدُ الْمَاءَ ، وَلَا قَدِرَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى الصَّعِيدِ وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ ، فَإِذَا قَدِرَ عَلَى ذَلِكَ صَلَّى بِالطَّهَارَةِ تِلْكَ الصَّلَاةَ ، ثُمَّ رَجَعَ ، فَقَالَ بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، وَمَنْ تَابَعَهُ فِي هَذَا الْبَابِ . 3164 - وَقَدْ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ أَيْضًا : إِنَّ الْقِيَاسَ فِيمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الطَّهَارَةِ أَنْ يُصَلِّيَ كَمَا هُوَ ، وَلَا يُعِيدُ ، كَمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الثَّوْبِ ، وَصَلَّى عُرْيَانَا الصَّلَاةُ لَازِمَةٌ لَهُ ، يُصَلِّي عَلَى مَا يَقْدِرُ ، وَيُؤَدِّي مَا عَلَيْهِ بِقَدْرِ طَاقَتِهِ . 3165 - وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدٍ ، وَالشَّافِعِيِّ : إِنْ وَجَدَ الْمَحْبُوسُ فِي الْمِصْرِ تُرَابًا نَظِيفًا صَلَّى فِي قَوْلِهِمْ ، وَأَعَادَ . 3166 - وَقَالَ زُفَرُ : لَا يَتَيَمَّمُ ، وَلَا يُصَلِّي ، وَإِنْ وَجَدَ تُرَابًا نَظِيفًا عَلَى أَصْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ أَحَدٌ فِي الْحَضَرِ . 3167 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَوْ تَيَمَّمَ مَنْ لَا يَجِدُ الْمَاءَ فِي الْمِصْرِ عَلَى التُّرَابِ النَّظِيفِ ، أَوْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ إِعَادَةٌ إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ الْوَقْتِ . 3168 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَاهُنَا مَسْأَلَةٌ أُخْرَى فِي تَيَمُّمِ الَّذِي يَخْشَى فَوْتَ الْوَقْتِ وَهُوَ فِي الْحَضَرِ ، نَذْكُرُهَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 3169 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا الَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى أَلَّا يُصَلِّيَ حَتَّى يَجِدَ الطَّهَارَةَ ، فَحُجَّتُهُمْ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ وَلَيْسَ فَرْضُ الْوَقْتِ بِأَوْكَدَ مِنْ هَذَا ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَقْبَلُهَا قَبْلَ وَقْتِهَا . 3170 - وَأَمَّا الَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى أَنْ يُصَلِّيَ كَمَا هُوَ ، وَيُعِيدَ فَاحْتَاطُوا لِلصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ عَلَى حَسَبِ الِاسْتِطَاعَةِ ، لِاحْتِمَالِ قَوْلِهِ : بِغَيْرِ طَهُورٍ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ . وَلَمْ يَكُونُوا عَلَى يَقِينٍ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ ، فَرَأَوُا الْإِعَادَةَ وَاجِبَةً مَعَ وُجُودِ الطَّهَارَةِ . 3171 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي حَدِيثِ مَالِكٍ هَذَا ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَوْلُهَا : فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ ، وَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ طَهَارَةٌ غَيْرَ الْمَاءِ ، وَحِينَئِذٍ نَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ عَدِمَ الْمَاءَ لَمْ يُصَلِّ حَتَّى يُمْكِنَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 3172 - وَقَدْ يَحْتَمِلُ قَوْلُهَا حَتَّى أَصْبَحَ قَارَبَ الصَّبَاحُ ، أَوْ طَلَعَ الْفَجْرُ ، وَلَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 3173 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْأَحَادِيثَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ ، وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ . 3174 - وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ بِالْأَسَانِيدِ الصِّحَاحِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 3175 - وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ : وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ ، دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ بِالْمَاءِ قَدْ كَانَ لَازِمًا لَهُمْ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ التَّيَمُّمِ . وَهِيَ آيَةُ الْوُضُوءِ ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يُصَلُّونَ إِلَّا بِوُضُوءٍ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ . 3176 - أَلَا تَرَى قَوْلَهُ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ وَهِيَ آيَةُ الْوُضُوءِ الْمَذْكُورَةُ فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ ، أَوِ الْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ ، لَيْسَ التَّيَمُّمُ مَذْكُورًا فِي غَيْرِ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ ، وَهُمَا مَدَنِيَّتَانِ . 3177 - وَلَيْسَتِ الْآيَةُ بِالْكَلِمَةِ أَوِ الْكَلِمَتَيْنِ ، وَإِنَّمَا هِيَ : الْكَلَامُ الْمُجْتَمِعُ الدَّالُّ عَلَى الْإِعْجَازِ ، الْجَامِعُ لِمَعْنًى يُسْتَفَادُ ، الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ . 3178 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ غُسْلَ الْجَنَابَةِ لَمْ يُفْتَرَضْ قَبْلَ الْوُضُوءِ ، فَكَمَا أَنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ السِّيَرِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - افْتُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ بِمَكَّةَ وَالْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ ، وَأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ قَطُّ بِمَكَّةَ إِلَّا بِوُضُوءٍ مِثْلِ وُضُوئِهِ بِالْمَدِينَةِ ، وَمِثْلِ وُضُوئِنَا الْيَوْمَ . 3179 - وَهَذَا مَا لَا يَجْهَلُهُ عَالِمٌ وَلَا يَدْفَعُهُ إِلَّا مُعَانِدٌ . 3180 - وَفِيمَا ذَكَرْنَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ آيَةَ الْوُضُوءِ إِنَّمَا نَزَلَتْ لِيَكُونَ فَرْضُهَا الْمُتَقَدِّمُ مَتْلُوًّا فِي التَّنْزِيلِ ، وَلَهَا نَظَائِرُ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِهَا . 3181 - وَفِي قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ : فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ ، وَلَمْ يَقُلْ : فَنَزَلَتْ آيَةُ الْوُضُوءِ مَا يَدُلُّكَ أَنَّ الَّذِي طَرَأَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ حُكْمُ التَّيَمُّمِ ، لَا حُكْمُ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 3182 - وَمِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَنِعْمَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ نَصَّ عَلَى حُكْمِ الْوُضُوءِ وَهَيْئَتِهِ بِالْمَاءِ ، ثُمَّ أَخْبَرَ بِحُكْمِ التَّيَمُّمِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ . فَقَالَ أَسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ . 3183 - وَفِي قَوْلِهِ : وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ حَمْلُ الْمَاءِ لِلْوُضُوءِ ، وَأَنَّهُ جَائِزٌ سُلُوكُ كُلِّ طَرِيقٍ مُبَاحٍ سُلُوكُهَا ، وَإِنْ عُدِمَ الْمَاءُ فِي بَعْضِهَا . 3184 - وَأَمَّا التَّيَمُّمُ فَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ : الْقَصْدُ مُجْمَلًا ، وَمَعْنَاهُ فِي الشَّرِيعَةِ : الْقَصْدُ إِلَى الصَّعِيدِ خَاصَّةً لِلطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ ، فَيَضْرِبُ عَلَيْهِ بِبَاطِنِ كَفَّيْهِ ، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ . 3185 - وَقَدْ ذَكَرْنَا شَوَاهِدَ الشِّعْرِ وَاللُّغَةِ عَلَى لَفْظِ التَّيَمُّمِ فِي التَّمْهِيدِ . 3186 - وَأَمَّا الصَّعِيدُ فَقِيلَ : وَجْهُ الْأَرْضِ ، وَقِيلَ : بَلِ التُّرَابُ خَاصَّةً . وَالطَّيِّبُ طَاهِرٌ ، لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ . 3187 - وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي الصَّعِيدِ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ : الصَّعِيدُ : وَجْهُ الْأَرْضِ . وَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ عِنْدَهُمْ عَلَى الْحَصْبَاءِ ، وَالْجَبَلِ ، وَالرَّمْلِ ، وَالتُّرَابِ ، وَكُلِّ مَا كَانَ وَجْهَ الْأَرْضِ . 3188 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَزُفَرُ : يَجُوزُ أَنْ يَتَيَمَّمَ بِالنُّورَةِ ، وَالْحَجَرِ ، وَالزِّرْنِيخِ ، وَالْجَصِّ ، وَالطِّينِ ، وَالرُّخَامِ ، وَكُلِّ مَا كَانَ مِنَ الْأَرْضِ . 3189 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : يَجُوزُ التَّيَمُّمُ عَلَى الرَّمْلِ . 3190 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِغُبَارِ الثَّوْبِ وَاللِّبَدِ ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ . 3191 - وَقَالَ ابْنُ خُوَيْزَ مَنْدَاد : يَجُوزُ التَّيَمُّمُ عِنْدَنَا عَلَى الْحَشِيشِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ وَجْهَ الْأَرْضِ . 3192 - وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ مَالِكٍ فِي التَّيَمُّمِ عَلَى الثَّلْجِ فَأَجَازَهُ مَرَّةً ، وَكَرِهَهُ أُخْرَى ، وَمَنَعَ مِنْهُ . 3193 - وَمِنَ الْحُجَّةِ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ تَعَالَى صَعِيدًا زَلَقًا وَ صَعِيدًا جُرُزًا 3194 - وَالْجُرُزُ : الْأَرْضُ الْغَلِيظَةُ الَّتِي لَا تُنْبِتُ شَيْئًا . 3195 - وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا . 3196 - فَكُلُّ مَوْضِعٍ جَازَتِ الصَّلَاةُ فِيهِ مِنَ الْأَرْضِ جَائِزٌ التَّيَمُّمُ بِهِ . 3197 - وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى صَعِيدٍ وَاحِدٍ أَيْ : أَرْضٍ وَاحِدَةٍ . 3198 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ : الصَّعِيدُ : التُّرَابُ ، وَلَا يُجْزِئُ عِنْدَهُمُ التَّيَمُّمُ بِغَيْرِ التُّرَابِ . 3199 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَقَعُ الصَّعِيدُ إِلَّا عَلَى تُرَابٍ : غُبَارٍ ، أَوْ نَحْوِهِ : فَأَمَّا الصَّخْرَةُ الْغَلِيظَةُ ، وَالرَّقِيقَةُ ، وَالْكَثِيبُ الْغَلِيظُ - فَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ صَعِيدٍ . 3200 - وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : لَا تَيَمُّمَ إِلَّا عَلَى تُرَابٍ ، أَوْ رَمْلٍ . 3201 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ بِالتُّرَابِ جَائِزٌ ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا عَدَاهُ مِنَ الْأَرْضِ . 3202 - وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا ، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لِي طَهُورًا . 3203 - وَرَوَى هَذَا جَمَاعَةٌ مِنْ حُفَّاظِ الْعُلَمَاءِ ، عَنِ الصَّحَابَةِ ، عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَهُوَ يُغْضِي عَلَى رِوَايَةِ مَنْ رَوَى : جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا وَيُفَسِّرُهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 3204 - ذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ ، عَنْ حُذَيْفَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فُضِّلْنَا عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِثَلَاثٍ : جُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا ، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا . وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ . 3205 - قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُعْطِيتُ مَا لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ : نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ ، وَأُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْأَرْضِ ، وَسُمِّيتُ أَحْمَدَ ، وَجُعِلَ لِي التُّرَابُ طَهُورًا ، وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الْأُمَمِ . 3206 - وَالْآثَارُ بِهَذَا كَثِيرَةٌ ، وَهِيَ تُفَسِّرُ الْمُجْمَلَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 3207 - وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَطْيَبُ الصَّعِيدِ : أَرْضُ الْحَرْثِ . 3208 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ قَابُوسَ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَيُّ الصَّعِيدِ أَفْضَلُ ؟ فَقَالَ : الْحَرْثُ . وَفِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّعِيدَ يَكُونُ غَيْرَ أَرْضِ الْحَرْثِ . 3209 - وَجَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ عَلَى إِجَازَةِ التَّيَمُّمِ بِالسِّبَاخِ ، إِلَّا إِسْحَاقَ بْنَ رَاهْوَيْهِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : لَا تَيَمُّمَ بِتُرَابِ السَّبِخَةِ . 3210 - وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَنْ أَدْرَكَهُ التَّيَمُّمُ وَهُوَ فِي طِينٍ ، قَالَ : يَأْخُذُ مِنَ الطِّينِ ، فَيَطْلِي بِهِ بَعْضَ جَسَدِهِ ، فَإِذَا جَفَّ تَيَمَّمَ بِهِ . 3211 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ التَّيَمُّمِ . 3212 - فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، وَاللَّيْثُ : ضَرْبَتَانِ : ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ يَمْسَحُ بِهَا وَجْهَهُ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ ، يَمْسَحُهُمَا إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، يَمْسَحُ الْيُمْنَى بِالْيُسْرَى ، وَالْيُسْرَى بِالْيُمْنَى . إِلَّا أَنَّ بُلُوغَ الْمِرْفَقَيْنِ عِنْدَ مَالِكٍ لَيْسَ بِفَرْضٍ . وَإِنَّمَا الْفَرْضُ عِنْدَهُ إِلَى الْكُوعَيْنِ ، وَالِاخْتِيَارُ عِنْدَهُ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ . 3213 - وَأَمَّا سَائِرُ مَنْ ذَكَرْنَا مَعَهُ مِنَ الْفُقَهَاءِ فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ بُلُوغَ الْمِرْفَقَيْنِ بِالتَّيَمُّمِ فَرْضًا وَاجِبًا . 3214 - وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ التَّيَمُّمُ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ . 3215 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ : ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْكُوعَيْنِ ، وَهُمَا الرُّسْغَانِ . 3216 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ . 3217 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ - وَهُوَ أَشْهَرُ عَنْهُ - أَنَّ التَّيَمُّمَ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ ، يَمْسَحُ بِهَا وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْكُوعَيْنِ . وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَالشَّعْبِيِّ فِي رِوَايَةٍ . 3218 - وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ ، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَالطَّبَرِيُّ . 3219 - وَهَذَا أَثْبَتُ مَا يُرْوَى فِي حَدِيثِ عَمَّارٍ . 3220 - وَرَوَاهُ أَبُو وَائِلٍ شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى ، عَنْ عَمَّارٍ ، فَقَالَ فِيهِ : ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ لِوَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي حَدِيثِ أَبِي وَائِلٍ هَذَا . 3221 - وَرَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ ، وَجَمَاعَةٌ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ ، وَسَائِرُ أَسَانِيدِ حَدِيثِ عَمَّارٍ مُخْتَلَفٌ فِيهَا . 3222 - وَقَالَ مَالِكٌ : إِنْ مَسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ أَجَزَأَهُ ، وَإِنْ مَسَحَ يَدَيْهِ إِلَى الْكُوعَيْنِ أَجَزَأَهُ ، وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُعِيدَ فِي الْوَقْتِ . وَالِاخْتِيَارُ عِنْدَ مَالِكٍ ضَرْبَتَانِ ، وَبُلُوغُ الْمِرْفَقَيْنِ . 3223 - وَحُجَّةُ مَنْ رَأَى التَّيَمُّمَ إِلَى الْكُوعَيْنِ - مَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ حَدِيثِ عَمَّارٍ وَغَيْرِهِ : أَنَّهُ قَالَ : فِي التَّيَمُّمِ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ . 3224 - وَفِي بَعْضِ الْآثَارِ عَنْ عُمَارَةَ : ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْكَفَّيْنِ . 3225 - وَحَدِيثُهُ هَذَا غَيْرُ حَدِيثِهِ عِنْدَ نُزُولِ آيَةِ التَّيَمُّمِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ . 3226 - قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ وَلَمْ يَقُلْ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، كَمَا قَالَ فِي الْوُضُوءِ . وَقَالَ تَعَالَى : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْقَطْعَ إِلَى الْكُوعَيْنِ . 3227 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا تُجْزِيهِ إِلَّا ضَرْبَتَانِ : ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ . وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي . 3228 - وَقَدْ رُوِيَتْ بِذَلِكَ آثَارٌ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ حَدِيثِ عَمَّارٍ أَيْضًا ، وَغَيْرِهِ . وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ . 3229 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ ، قَالَ : سُئِلَ قَتَادَةُ عَنِ التَّيَمُّمِ فِي السَّفَرِ ، فَقَالَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ : إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ : إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ يَقُولُ : إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ . 3230 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي مُحَدِّثٌ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ : إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ . 3231 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَحَادِيثُ عَمَّارٍ فِي التَّيَمُّمِ كَثِيرَةُ الِاضْطِرَابِ ، وَإِنْ كَانَ رُوَاتُهَا ثِقَاتٍ . 3232 - وَلَمَّا اخْتَلَفَتِ الْآثَارُ فِي كَيْفِيَّةِ التَّيَمُّمِ ، وَتَعَارَضَتْ كَانَ الْوَاجِبُ فِي ذَلِكَ الرُّجُوعَ إِلَى ظَاهِرِ الْقُرْآنِ ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى ضَرْبَتَيْنِ : ضَرْبَةٍ لِلْوَجْهِ ، وَضَرْبَةٍ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، قِيَاسًا عَلَى الْوُضُوءِ ، وَاتِّبَاعًا لِفِعْلِ عُمَرَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ . 3233 - وَلَمَّا كَانَ غَسْلُ الْوَجْهِ بِالْمَاءِ غَيْرَ غَسْلِ الْيَدَيْنِ - فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الضَّرْبَةُ فِي التَّيَمُّمِ لِلْوَجْهِ غَيْرَ الضَّرْبَةِ لِلْيَدَيْنِ ، قِيَاسًا وَنَظَرًا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِلَّا أَنْ يَصِحَّ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - خِلَافُ ذَلِكَ ، فَيُسَلَّمُ لَهُ . 3234 - وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ ، يَمْسَحُ بِكُلِّ ضَرْبَةٍ مِنْهُمَا وَجْهَهُ ، وَذِرَاعَيْهِ ، وَمِرْفَقَيْهِ . 3235 - وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ ذَلِكَ غَيْرَهُمَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 3236 - وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ : يَبْلُغُ بِالتَّيَمُّمِ الْآبَاطَ ، وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ غَيْرُهُ - فِيمَا عَلِمْتُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، إِلَّا مَا فِي حَدِيثِ عَمَّارٍ حِينَ نُزُولِ آيَةِ التَّيَمُّمِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ رَوَاهُ ابْنُ شِهَابٍ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ ، عَنْهُ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ . 3237 - وَمِنْ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ مَنْ يَرْوِيهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ عَائِشَةَ : أَنَّهَا حَبَسَتِ النَّاسَ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ رُخْصَةَ التَّيَمُّمِ بِالصَّعِيدِ الطَّيِّبِ ، فَقَامَ الْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَسَحُوا بِأَيْدِيهِمُ الْأَرْضَ ، وَرَفَعُوهَا ، وَلَمْ يَقْبِضُوا مِنَ التُّرَابِ شَيْئًا ، فَمَسَحُوا بِهَا وُجُوهَهُمْ ، وَأَيْدِيَهُمْ إِلَى الْمَنَاكِبِ ، مِنْ بُطُونِ أَيْدِيهِمْ إِلَى الْآبَاطِ . 3238 - وَقَدْ ذَكَرْنَا طُرُقَ هَذَا الْحَدِيثِ فِي التَّمْهِيدِ وَاخْتِلَافَهُمْ فِي إِسْنَادِهِ وَأَلْفَاظِهِ ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَخْتَلِفُوا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ التَّيَمُّمَ إِلَى الْمَنَاكِبِ . 3239 - وَهُوَ حُجَّةٌ لِابْنِ شِهَابٍ فِيمَا ذَهَبَ مِنْ ذَلِكَ إِلَيْهِ ، مَعَ أَنَّ اللُّغَةَ تَقْضِي أَنَّ الْيَدَيْنِ مِنَ الْمَنَاكِبِ ، إِلَّا أَنَّ الْحَدِيثَ بِذَلِكَ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ . 3240 - وَالْآثَارُ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ أَمَرَ بِالتَّيَمُّمِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، وَإِلَى الْكُوعَيْنِ كَثِيرَةٌ . 3241 - وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَنْ تَيَمَّمَ عِنْدَ نُزُولِ الْآيَةِ إِلَى الْمَنَاكِبِ أَخَذَ بِظَاهِرِ الْكَلَامِ وَمَا تَقْتَضِيهِ اللُّغَةُ مِنْ عُمُومِ لَفْظِ الْأَيْدِي ، ثُمَّ أُحْكِمَتِ الْأُمُورُ بَعْدُ بِفِعْلِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَأَمْرِهِ بِالتَّيَمُّمِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ . 3242 - وَرُوِيَ عَنْهُ إِلَى الْكُوعَيْنِ ، كَمَا رُوِيَ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَضَرْبَتَانِ . وَكُلُّ ذَلِكَ صَحِيحٌ عَنْهُ ، وَصَارَ مِنْ ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ كُلٌّ إِلَى مَا رَوَاهُ ، وَمَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ وَنَظَرُهُ . 3243 - وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ بِالتَّيَمُّمِ لَا تَرْفَعُ الْجَنَابَةَ وَلَا الْحَدَثَ ، إِذَا وُجِدَ الْمَاءُ ، إِلَّا شَيْءٌ رُوِيَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَعَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ عَنْهُ . 3244 - وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ ، عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي الْجُنُبِ الْمُتَيَمِّمِ يَجِدُ الْمَاءَ : إِنَّهُ عَلَى طَهَارَةٍ ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى غُسْلٍ وَلَا وُضُوءٍ حَتَّى يُحْدِثَ . 3245 - وَأَمَّا سَائِرُ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ هُمُ الْحُجَّةُ عَلَى مَنْ خَالَفَ جَمِيعَهُمْ فَقَالُوا فِي الْجُنُبِ إِذَا تَيَمَّمَ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ : إِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْغُسْلُ لِمَا يَسْتَقْبِلُ . 3246 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا ذَرٍّ يَقُولُ : كُنْتُ أَعْزُبُ عَنِ الْمَاءِ وَمَعِي أَهْلِي ، فَتُصِيبُنِي الْجَنَابَةُ ، فَأُصَلِّي بِغَيْرِ طَهُورٍ ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا أَبَا ذَرٍّ : إِنَّ الصَّعِيدَ طَيِّبٌ طَهُورٌ ، وَإِنْ لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ ، فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمْسِسْهُ جِلْدَكَ . 3247 - وَرَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ بُجْدَانَ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ : إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورُ الْمُسْلِمِ ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ ، فَإِذَا وَجَدَهُ فَلْيُمْسِسْهُ بَشَرَتَهُ . 3248 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ فِيمَنْ تَيَمَّمَ وَصَلَّى ، ثُمَّ يَجِدُ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ ، وَيُعِيدُ الصَّلَاةَ . 3249 - وَهَذَا تَنَاقُضٌ ، وَقِلَّةُ رَوِيَّةٍ . وَلَمْ يَكُنْ أَبُو سَلَمَةَ عِنْدَهُمْ يَفْقَهُ كَفِقْهِ أَصْحَابِهِ التَّابِعِينَ بِالْمَدِينَةِ . 3250 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِهَابٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : كَانَ أَبُو سَلَمَةَ يُبَارِي ابْنَ عَبَّاسٍ ، فَحُرِمَ بِذَلِكَ عِلْمًا كَثِيرًا . 3251 - وَأَجْمَعَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ مَنْ طَلَبَ الْمَاءَ فَلَمْ يَجِدْهُ ، وَتَيَمَّمَ وَصَلَّى ، ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ - وَقَدْ كَانَ اجْتَهَدَ فِي الطَّلَبِ ، فَلَمْ يَجِدِ الْمَاءَ وَلَا نَسِيَهُ فِي رَحْلِهِ - أَنَّ صَلَاتَهُ مَاضِيَةٌ ، إِلَّا أَنَّهُمْ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَحِبُّ لَهُ أَنْ يُعِيدَ صَلَاتَهُ بَعْدَ وُضُوئِهِ ، أَوْ بَعْدَ غُسْلِهِ مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ . 3252 - وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مَنْ تَيَمَّمَ بَعْدَ أَنْ طَلَبَ الْمَاءَ فَلَمْ يَجِدْهُ ، ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ قَبْلَ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ أَنَّ تَيَمُّمَهُ بَاطِلٌ ، لَا يُجْزِيهِ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ ، وَأَنَّهُ قَدْ عَادَ بِحَالِهِ قَبْلَ التَّيَمُّمِ . 3253 - وَاخْتَلَفُوا إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ . 3254 - فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا : إِلَّا الْمُزَنِيَّ - وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَالطَّبَرِيُّ : يَتَمَادَى فِي صَلَاتِهِ ، وَتُجْزِيهِ ، فَإِذَا فَرَغَ تَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ الْأُخْرَى بِذَلِكَ الْمَاءِ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ وَلَمْ يَكُنْ فِي الصَّلَاةِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ بِهِ لِلصَّلَاةِ ، فَإِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَقْطَعْهَا لِرُؤْيَتِهِ الْمَاءَ وَهُوَ فِيهَا . 3255 - قَالُوا : لِأَنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ فِي ذَلِكَ سُنَّةٌ تُوجِبُ عَلَيْهِ قَطْعَ صَلَاتِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ فِيهَا ، وَلَا إِجْمَاعٌ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ . 3256 - قَالُوا : وَلَيْسَ قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّ رُؤْيَةَ الْمَاءِ حَدَثٌ مِنَ الْأَحْدَاثِ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ الْجُنُبُ إِذَا تَيَمَّمَ ، ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ يَعُودُ كَالْمُحْدِثِ ، لَا يَلْزَمُهُ إِلَّا الْوُضُوءُ ، وَكَانَ الَّذِي يَطْرَأُ عَلَيْهِ الْمَاءُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ - عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ - يَقْطَعُهَا ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ ، وَيَبْنِي كَالْمُحْدِثِ عِنْدَهُمْ ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِذَلِكَ وَلَا غَيْرُهُمْ . فَصَحَّ أَنَّ رُؤْيَةَ الْمَاءِ لَيْسَتْ حَدَثًا ، وَلَا كَالْحَدَثِ . 3257 - وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ فِي ظِهَارٍ أَوْ قَتْلٍ فَصَامَ مِنْهُ أَكْثَرَهُ ، ثُمَّ وَجَدَ الرَّقَبَةَ - أَنَّهُ لَا يُلْغِي صَوْمَهُ ، وَلَا يَعُودُ إِلَى الرَّقَبَةِ . فَكَذَلِكَ مَنْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ لَا يَقْطَعُهَا وَلَا يَعُودُ إِلَى الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ . 3258 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَجَمَاعَةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ ، مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالْحَدِيثِ ، مِنْهُمْ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمُزَنِيُّ صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُلَيَّةَ : مَنْ طَرَأَ عَلَيْهِ الْمَاءُ - وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ وَجَدَهُ ، أَوْ عَلِمَهُ فِي رَحْلِهِ ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ - قَطَعَ وَخَرَجَ إِلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي الْوُضُوءِ أَوِ الْغُسْلِ ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ صَلَاتَهُ ، وَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتَمَادَى فِي صَلَاتِهِ مُتَيَمِّمًا ، وَقَدْ وَجَدَ الْمَاءَ . 3259 - وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ التَّيَمُّمَ لَمَّا بَطَلَ بِوُجُودِ الْمَاءِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ ، وَصَارَ الْمُتَيَمِّمُ فِي حُكْمِ مَنْ لَيْسَ عَلَى طَهَارَةٍ لِوُجُودِ الْمَاءِ قَبْلَ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ ، فَكَذَلِكَ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَبْتَدِئَ صَلَاتَهُ بِالتَّيَمُّمِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ فَكَذَلِكَ لَا يَجِبُ لَهُ التَّمَادِي فِيهَا وَلَا عَمَلُ شَيْءٍ مِنْهَا بِالتَّيَمُّمِ ، وَهُوَ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ ، وَإِذَا بَطَلَ بَعْضُ الصَّلَاةِ بَطَلَ جَمِيعُهَا . 3260 - وَاحْتَجُّوا بِالْإِجْمَاعِ فِي الْمُعْتَدَّةِ بِالشُّهُورِ ، وَلَا يَبْقَى عَلَيْهَا إِلَّا أَقَلُّهَا ، ثُمَّ تَحِيضُ - أَنَّهَا تَسْتَقْبِلُ عِدَّتَهَا بِالْحَيْضِ . 3261 - وَالَّذِي يَطْرَأُ عَلَيْهِ الْمَاءُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ مِنْهَا إِلَّا أَقَلُّهَا - كَذَلِكَ . 3262 - وَلِلْفَرِيقَيْنِ ضُرُوبٌ مِنَ الِاحْتِجَاجِ وَالْإِدْخَالِ وَالْمُعَارَضَةِ ، تَرَكْتُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الَّذِي ذَكَرْتُ كَافٍ . وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 3263 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ : التَّيَمُّمُ فِي السَّفَرِ ، وَهُوَ أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ . 3264 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي التَّيَمُّمِ فِي الْحَضَرِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ . 3265 - فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ - عَلَى اضْطِرَابٍ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ - إِلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ سَوَاءٌ إِذَا عُدِمَ الْمَاءُ ، أَوْ تَعَذَّرَ اسْتِعْمَالُهُ لِمَرَضٍ ، أَوْ خَوْفٍ شَدِيدٍ ، أَوْ خَوْفِ خُرُوجِ الْوَقْتِ . 3266 - وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ . 3267 - وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى - الْمَرْضَى وَالْمُسَافِرِينَ فِي شَرْطِ التَّيَمُّمِ خَرَجَ عَلَى الْأَغْلَبِ مِمَّنْ لَا يَجِدُ الْمَاءَ . 3268 - وَأَمَّا الْحَاضِرُونَ فَالْأَغْلَبُ عَلَيْهِمْ وُجُودُ الْمَاءِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُنَصَّ عَلَيْهِمْ . فَإِذَا لَمْ يَجِدِ الْحَاضِرُ الْمَاءَ ، أَوْ مَنَعَهُ مِنْهُ مَانِعٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّيَمُّمُ لِلصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ إِنَّمَا وَرَدَ لِإِدْرَاكِ وَقْتِ الصَّلَاةِ ، وَخَوْفِ فَوْتِهِ ، مُحَافَظَةً عَلَى الْوَقْتِ . 3269 - فَكُلُّ مَنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ وَخَافَ فَوْتَ وَقْتِ الصَّلَاةِ كَانَ لَهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ إِنْ كَانَ مَرِيضًا ، أَوْ مُسَافِرًا بِالنَّصِّ ، وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا صَحِيحًا فَبِالْمَعْنَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 3270 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ لِلْحَاضِرِ الصَّحِيحِ أَنْ يَتَيَمَّمَ ، إِلَّا أَنْ يَخَافَ الْهَلَاكَ عَلَى نَفْسِهِ ، وَبِهِ قَالَ الطَّبَرِيُّ . 3271 - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَزُفَرُ : لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ فِي الْحَضَرِ ، وَلَا لِمَرَضٍ ، وَلَا لِخَوْفِ خُرُوجِ الْوَقْتِ . 3272 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَالطَّبَرِيُّ : إِذَا عَدِمَ فِي الْحَضَرِ الْمَاءَ وَخَافَ فَوَاتَ الْوَقْتِ جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ ، وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا ، كَمَا جَازَ لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ ، إِلَّا أَنَّهُ يُعِيدُ إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ . 3273 - وَحُجَّةُ الشَّافِعِيِّ وَهَؤُلَاءِ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - جَعَلَ التَّيَمُّمَ رُخْصَةً لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ ، كَالْفِطْرِ وَقَصْرِ الصَّلَاةِ . وَلَمْ يُبِحِ التَّيَمُّمَ إِلَّا بِشَرْطِ الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ : لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَلَا دُخُولَ لِلْحَاضِرِ ، وَلَا لِلصَّحِيحِ الْمُقِيمِ فِي ذَلِكَ ، لِخُرُوجِهِمَا مِنْ شَرْطِ اللَّهِ - تَعَالَى - فِي ذَلِكَ . 3274 - وَالْكَلَامُ بَيْنَ الْفَرْقِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَطُولُ ، وَفِيمَا أَوْمَأْنَا إِلَيْهِ كِفَايَةٌ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 3275 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : التَّيَمُّمُ لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ ، إِلَّا مَا ذَكَرْتُ لَكَ فِي تَيَمُّمِ الْجُنُبِ . 3276 - فَإِذَا وَجَدَ الْمَرِيضُ وَالْمُسَافِرُ الْمَاءَ حَرُمَ عَلَيْهِمَا التَّيَمُّمُ . إِلَّا أَنْ يَخَافَ الْمَرِيضُ ذَهَابَ نَفْسِهِ وَتَلَفَ مُهْجَتِهِ فِي اسْتِعْمَالِهِ الْمَاءَ ، فَيَجُوزُ لَهُ حِينَئِذٍ التَّيَمُّمُ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ بِالسُّنَّةِ ، لَا بِالْكِتَابِ ، إِلَّا أَنْ يَتَأَوَّلَ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ 3277 - وَالسُّنَّةُ فِي ذَلِكَ مَا أَجَازَهُ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَدِيثِ جَابِرٍ ، مِنْ التَّيَمُّمِ لِلْمَجْرُوحِ ، وَكَانَ مُسَافِرًا صَحِيحًا بِقَوْلِهِ : قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ . 3278 - وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا ، ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ . 3279 - وَذَكَرَ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي خَوْفِ شِدَّةِ الْبَرْدِ وَالْمَرِيضُ أَحْرَى بِجَوَازِ ذَلِكَ ، قِيَاسًا وَنَظَرًا وَاتِّبَاعًا لِمَعْنَى الْكِتَابِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 3280 - وَقَالَ عَطَاءٌ : لَا يَتَيَمَّمُ الْمَرِيضُ إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ ، وَلَا غَيْرُ الْمَرِيضِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَلَمْ يُبِحِ التَّيَمُّمَ إِلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ وَفَقْدِهِ ، وَلَوْلَا الْأَثَرُ الَّذِي ذَكَرْنَا وَقَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ لَكَانَ قَوْلُ عَطَاءٍ صَحِيحًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 3281 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي التَّيَمُّمِ : هَلْ تُصَلَّى بِهِ صَلَوَاتٌ كَالْوُضُوءِ بِالْمَاءِ أَمْ هُوَ لَازِمٌ لِكُلِّ صَلَاةٍ ؟ . 3282 - فَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُصَلِّي صَلَاتَيْنِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ ، وَلَا يُصَلِّي نَافِلَةً وَمَكْتُوبَةً بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ نَافِلَةً بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ . 3283 - قَالَ : فَإِنْ صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ بِتَيَمُّمِ الْفَجْرِ - أَعَادَ التَّيَمُّمَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ . 3284 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَرْضٍ ، وَيُصَلِّي الْفَرْضَ وَالنَّافِلَةَ وَصَلَاةَ الْجَنَائِزِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ ، وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاتَيْ فَرْضٍ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ فِي سِفْرٍ وَلَا حَضَرٍ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ . 3285 - وَقَالَ شَرِيكٌ : يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ نَافِلَةٍ وَفَرِيضَةٍ . 3286 - وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ رَأَى التَّيَمُّمَ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَرْضًا وَاجِبًا - أَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ عَلَى كُلِّ قَائِمٍ إِلَى الصَّلَاةِ طَلَبَ الْمَاءِ ، وَأَوْجَبَ عِنْدَ عَدَمِهِ التَّيَمُّمَ . 3287 - وَعَلَى الْمُتَيَمِّمِ عِنْدَ دُخُولِ وَقْتِ صَلَاةٍ أُخْرَى مِثْلُ مَا عَلَيْهِ فِي الْأَوْلَى وَلَيْسَتِ الطَّهَارَةُ بِالصَّعِيدِ كَالطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ لِاسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ ، وَلَيْسَتْ بِطَهَارَةٍ كَامِلَةٍ ، بِدَلِيلِ بُطْلَانِهَا بِوُجُودِ الْمَاءِ قَبْلَ الصَّلَاةِ ، وَأَنَّ الْجُنُبَ يَعُودُ جُنُبًا بَعْدَهَا إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ . 3288 - وَكَذَلِكَ أُمِرَ كُلُّ مَنِ اسْتَبَاحَ بِهَا الصَّلَاةَ أَنْ يَطْلُبَ الْمَاءَ لِلصَّلَاةِ الْأُخْرَى فَإِذَا طَلَبَ الْمَاءَ وَلَمْ يَجِدْهُ لَزِمَهُ التَّيَمُّمُ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ : فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا 3289 - قَالُوا : وَلَمَّا أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا تَيَمُّمَ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ التَّيَمُّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ لِئَلَّا يَكُونَ تَيَمُّمُهُ قَبْلَ الْوَقْتِ . 3290 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَدَاوُدُ : يُصَلِّي مَا شَاءَ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ ، مَا لَمْ يُحْدِثْ ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ مَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ طَلَبُ الْمَاءِ إِذَا يَئِسَ مِنْهُ . 3291 - وَالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ كَثِيرٌ جِدًّا ، لَمْ أَرَ لِذِكْرِهِ وَجْهًا . 3292 - وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِيمَنْ تَيَمَّمَ لِلصَّلَاةِ فَصَلَّاهَا ، فَلَمَّا سَلَّمَ مِنْهَا ذَكَرَ صَلَاةً نَسِيَهَا : أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ لَهَا . 3293 - وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ صَلَّى صَلَاتَيْ فَرْضٍ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ : 3294 - فَرَوَى يَحْيَى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ صَلَّى صَلَوَاتٍ كَثِيرَةً بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ ، أَنَّهُ يُعِيدُ مَا زَادَ عَلَى وَاحِدَةٍ فِي الْوَقْتِ ، وَاسْتَحَبَّ لَهُ أَنْ يُعِيدَ أَبَدًا . 3295 - وَرَوَى أَبُو زَيْدِ بْنُ أَبِي الْغَمْرِ عَنْهُ أَنَّهُ يُعِيدُ أَبَدًا . 3296 - وَقَالَ أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ : إِنْ جَمَعَ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ نَظَرَ : فَإِنْ كَانَتَا مُشْتَرِكَتَيْنِ فِي الْوَقْتِ أَعَادَ الْآخِرَةَ فِي الْوَقْتِ ، وَإِنْ كَانَتَا غَيْرَ مُشْتَرِكَتَيْنِ فِي الْوَقْتِ أَعَادَ الثَّانِيَةَ أَبَدًا . 3297 - وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدُوسٍ أَنَّ ابْنَ نَافِعٍ رَوَى عَنْ مَالِكٍ فِي الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ . 3298 - وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ : فِي ذَاكِرِ الصَّلَوَاتِ : إِنْ قَضَاهُنَّ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . 3299 - وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابٍ جَمَعْنَاهُ فِي اخْتِلَافِهِمْ . 3300 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدِ اقْتَضَى مَا كَتَبْنَا فِي هَذَا الْبَابِ الْقَوْلَ فِي مَعَانِي مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ فِي التَّيَمُّمِ . وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ . إِلَّا قَوْلَهُ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ تَيَمَّمَ : أَيَؤُمُّ أَصْحَابَهُ ، وَهُمْ مُتَوَضِّئُونَ ؟ فَقَالَ : يَؤُمُّهُمْ غَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ . وَلَوْ أَمَّهُمْ هُوَ لَمْ أَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا . 3301 - ثُمَّ قَالَ فِي ذَلِكَ الْبَابِ : مَنْ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ ، فَلَمْ يَجِدْ مَاءً فَعَمِلَ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ التَّيَمُّمِ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ، وَلَيْسَ الَّذِي وَجَدَ الْمَاءَ بِأَطْهَرَ مِنْهُ ، وَلَا أَتَمَّ صَلَاةً ؛ لِأَنَّهُمَا أُمِرَا جَمِيعًا ، فَكُلٌّ عَمِلَ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ . 3302 - وَهَذَا مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ يَقْضِي بِأَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَؤُمَّ الْمُتَيَمِّمُ الْمُتَوَضِّئَ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَزُفَرَ ، وَالثَّوْرِيِّ . 3303 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : لَا يَؤُمُّ مُتَيَمِّمٌ مُتَوَضِّئًا . وَمِنْ حُجَّةِ هَؤُلَاءِ أَنَّ شَأْنَ الْإِمَامَةِ الْكَمَالُ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الطَّهَارَةَ بِالصَّعِيدِ طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ كَمَا قُلْنَا ، بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْجُنُبَ إِذَا صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ لَزِمَهُ الْغُسْلُ ، وَأَنَّ الْمُتَيَمِّمَ غَيْرَ الْجُنُبِ يَلْزَمُهُ الْوُضُوءُ إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ ، فَأَشْبَهَتِ الْقَاعِدَ الْمَرِيضَ يَؤُمُّ قَائِمًا ، وَالْأُمِّيَّ يَؤُمُّ قَارِئًا . 3304 - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : إِنَّمَا تَيَمَّمَ ابْنُ عُمَرَ بِالْمَدِينَةِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ . وَلَوْ كَانَ فِي سَعَةٍ مِنَ الْوَقْتِ مَا تَيَمَّمَ ، وَهُوَ بِطَرَفِ الْمَدِينَةِ يَنْظُرُ إِلَى الْمَاءِ ، وَلَكِنَّهُ خَافَ خُرُوجَ الْوَقْتِ فَتَيَمَّمَ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب فِي التَّيَمُّمِ · ص 217 23 - هَذَا بَاب فِي التَّيَمُّمِ 120 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْتِمَاسِهِ وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ ، فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالُوا : أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ ؟ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِالنَّاسِ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ ؟ قَالَتْ عَائِشَةُ : فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ ، فَقَالَ : حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسَ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ ، قَالَتْ عَائِشَةُ : فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ : مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ وَجَعَلَ يَطْعُنُ بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي فَلَا يَمْنَعُنِي مِنْ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فَخِذِي ، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ : مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ : فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ فَوَجَدْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ . وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ تَيَمَّمَ لِصَلَاةٍ حَضَرَتْ ثُمَّ حَضَرَتْ صَلَاةٌ أُخْرَى أَيَتَيَمَّمُ لَهَا أَمْ يَكْفِيهِ تَيَمُّمُهُ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : بَلْ يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَبْتَغِيَ الْمَاءَ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، فَمَنْ ابْتَغَى الْمَاءَ فَلَمْ يَجِدْهُ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ . وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ تَيَمَّمَ أَيَؤُمُّ أَصْحَابَهُ وَهُمْ عَلَى وُضُوءٍ ؟ قَالَ : يَؤُمُّهُمْ غَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ ، وَلَوْ أَمَّهُمْ هُوَ لَمْ أَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا . قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ تَيَمَّمَ حِينَ لَمْ يَجِدْ مَاءً فَقَامَ وَكَبَّرَ وَدَخَلَ فِي الصَّلَاةِ فَطَلَعَ عَلَيْهِ إِنْسَانٌ مَعَهُ مَاءٌ ، قَالَ : لَا يَقْطَعُ صَلَاتَهُ بَلْ يُتِمُّهَا بِالتَّيَمُّمِ ، وَلْيَتَوَضَّأْ لِمَا يُسْتَقْبَلُ مِنْ الصَّلَوَاتِ . قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ : مَنْ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ فَلَمْ يَجِدْ مَاءً فَعَمِلَ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ التَّيَمُّمِ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ، وَلَيْسَ الَّذِي وَجَدَ الْمَاءَ بِأَطْهَرَ مِنْهُ وَلَا أَتَمَّ صَلَاةً ؛ لِأَنَّهُمَا أُمِرَا جَمِيعًا فَكُلٌّ عَمِلَ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ ، وَإِنَّمَا الْعَمَلُ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْوُضُوءِ لِمَنْ وَجَدَ الْمَاءَ ، وَالتَّيَمُّمِ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الصَّلَاةِ . وَقَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ الْجُنُبِ : إِنَّهُ يَتَيَمَّمُ وَيَقْرَأُ حِزْبَهُ مِنْ الْقُرْآنِ ، وَيَتَنَفَّلُ مَا لَمْ يَجِدْ مَاءً ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ بِالتَّيَمُّمِ . 23 - هَذَا بَابٌ فِي التَّيَمُّمِ هُوَ لُغَةً الْقَصْدُ ، قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ : تَيَمَّمْتُهَا مِنْ أَذْرُعَاتٍ وَأَهْلُهَا بِيَثْرِبَ أَعْلَى دَارِهَا نَظَرٌ عَالِي كَذَا رَوَاهُ بَعْضُهُمْ ، وَالْمَشْهُورُ تَنَوَّرْتُهَا أَيْ نَظَرْتُ إِلَيْهَا ، وَشَرْعًا الْقَصْدُ إِلَى الصَّعِيدِ لِمَسْحِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِنِيَّةِ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ . وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ : قَوْلُهُ فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ( سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 43 ) أَيِ اقْصِدُوا الصَّعِيدَ ، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُمْ حَتَّى صَارَ التَّيَمُّمُ مَسْحَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِالصَّعِيدِ ، فَعَلَى هَذَا هُوَ مَجَازٌ لُغَوِيٌّ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَفِي أَنَّهُ عَزِيمَةٌ أَوْ رُخْصَةٌ خِلَافٌ ، وَفَصَلَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ : هُوَ لِعَدَمِ الْمَاءِ عَزِيمَةٌ وَلِلْعُذْرِ رُخْصَةٌ ، وَهُوَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي : نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا ، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ . الْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرٍ أَيْ بَعْدَ أَنْ تَيَمَّمَ . فَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ : فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَتَى الصَّلَاةَ فَلَمْ يَجِدْ مَاءً وَجَدَ الْأَرْضَ طَهُورًا وَمَسْجِدًا ، وَلِأَحْمَدَ : فَعِنْدَهُ طَهُورُهُ وَمَسْجِدُهُ . 122 120 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ) بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ الْقُرَشِيِّ التَّيْمِيِّ أَبِي مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيِّ ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَأَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَعُرْوَةَ ، وَعَنْهُ مَالِكٌ ، وَسِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ ، وَأَيُّوبُ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَحُمَيْدٌ الطَّوِيلُ وَالسُّفْيَانَانِ وَخَلْقٌ وَكَانَ ثِقَةً جَلِيلًا . قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : كَانَ أَفْضَلُ أَهْلِ زَمَانِهِ ، مَاتَ بِالشَّامِ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ وَقِيلَ بَعْدَهَا . ( عَنْ أَبِيهِ ) الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَدَنِيِّ أَحَدِ الْفُقَهَاءِ بِهَا ، قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : ثِقَةٌ رَفِيعٌ عَالِمٌ فَقِيهٌ إِمَامٌ وَرِعٌ كَثِيرُ الْحَدِيثِ ، قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ : مَا أَدْرَكْنَا بِالْمَدِينَةِ أَحَدًا نُفَضِّلُهُ عَلَيْهِ . وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ : مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَعْلَمَ بِالسُّنَّةِ مِنْهُ ، وَمَا كَانَ الرَّجُلُ يُعَدُّ رَجُلًا حَتَّى يَعْرِفَ السُّنَّةَ . وَقَالَ أَيُّوبُ : مَا رَأَيْتُ أَفْضَلَ مِنْهُ مَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَمِائَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ . ( عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ ) قَالَ فِي التَّمْهِيدِ : يُقَالُ : إِنَّهَا غَزَاةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ فِي سَنَةِ سِتٍّ ، وَقِيلَ : خَمْسٌ ، وَجَزَمَ بِذَلِكَ فِي الِاسْتِذْكَارِ وَسَبَقَهُ ابْنُ سَعْدٍ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَغَزَاةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ هِيَ غَزَاةُ الْمُرَيْسِيعِ وَفِيهَا وَقَعَتْ قِصَّةُ الْإِفْكِ لِعَائِشَةَ ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ ذَلِكَ بِسَبَبِ وُقُوعِ عِقْدِهَا أَيْضًا ، فَإِنْ كَانَ مَا جَزَمُوا بِهِ ثَابِتًا حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ سَقَطَ مِنْهَا فِي تِلْكَ السَّفْرَةِ مَرَّتَيْنِ لِأَجْلِ اخْتِلَافِ الْقِصَّتَيْنِ كَمَا هُوَ بَيِّنٌ فِي سِيَاقِهِمَا ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى تَعَدُّدِ ضَيَاعِ الْعِقْدِ ، وَأَنَّ هَذِهِ كَانَتْ بَعْدَ قِصَّةِ الْإِفْكِ مُحْتَجِّينَ بِمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَائِشَةَ : لَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ عِقْدِي مَا كَانَ وَقَالَ أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا ، خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزَاةٍ أُخْرَى فَسَقَطَ أَيْضًا عِقْدِي حَتَّى حُبِسَ النَّاسُ عَلَى الْتِمَاسِهِ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا بُنَيَّةُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ تَكُونِينَ عَنَاءً وَبَلَاءً عَلَى النَّاسِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : إِنَّكِ لَمُبَارَكَةٌ ، فَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ ضَيَاعَ الْعِقْدِ كَانَ مَرَّتَيْنِ فِي غَزْوَتَيْنِ ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ مُحَمَّدُ بْنُ حَبِيبٍ الْإِخْبَارِيُّ فَقَالَ : سَقَطَ عِقْدُهَا فِي غَزَاةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَفِي ذَاتِ الرِّقَاعِ ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْمَغَازِي فِي أَيِّهِمَا كَانَتْ أَوَّلًا . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ لَمْ أَدْرِ كَيْفَ أَصْنَعُ ، فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى تَأَخُّرِهَا عَنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ لِأَنَّ إِسْلَامَ أَبِي هُرَيْرَةَ كَانَ فِي السَّابِعَةِ وَهِيَ بَعْدُهَا بِلَا خِلَافٍ ( حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمَدِّ وَهِيَ الشَّرَفُ الَّذِي قُدَّامَ ذِي الْحَلِيفَةِ مِنْ طَرِيقِ مَكَّةَ . ( أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وَشِينٍ مُعْجَمَةٍ ، مَوْضِعٌ عَلَى بَرِيدٍ مِنَ الْمَدِينَةِ ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَقِيقِ سَبْعَةُ أَمْيَالٍ ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ فِي مُعْجَمِهِ ، وَالْعَقِيقُ مِنْ طَرِيقِ مَكَّةَ لَا مِنْ طَرِيقِ خَيْبَرَ ، فَقَوْلُ النَّوَوِيِّ : الْبَيْدَاءُ وَذَاتُ الْجَيْشِ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَخَيْبَرَ فِيهِ نَظَرٌ ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ رِوَايَةُ الْحُمَيْدِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ الْقِلَادَةَ سَقَطَتْ لَيْلَةَ الْأَبْوَاءِ ، وَالْأَبْوَاءُ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ . وَلِلنَّسَائِيِّ ، وَجَعْفَرٍ الْفِرْيَابِيِّ ، وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا ، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ الصُّلْصُلُ بِمُهْمَلَتَيْنِ مَضْمُومَتَيْنِ وَلَامَيْنِ أُولَاهُمَا سَاكِنَةٌ ، وَهُوَ جَبَلٌ عِنْدَ ذِي الْحُلَيْفَةِ ، ذَكَرَهُ الْبِكْرِيُّ فِي الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ ، وَوَهِمَ مُغَلْطَايُ فَزَعَمَ أَنَّهُ ضَبَطَهُ بِالْمُعْجَمَةِ وَقَلَّدَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ فَزَادَهُ وَهْمًا ، ذَكَرَهُ كُلَّهُ الْحَافِظُ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : وَالشَّكُّ مِنْ عَائِشَةَ . ( انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ كُلُّ مَا يُعْقَدُ وَيُعَلَّقُ فِي الْعُنُقِ وَيُسَمَّى قِلَادَةٌ ، وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ : سَقَطَتْ قِلَادَةٌ لِي بِالْبَيْدَاءِ وَنَحْنُ دَاخِلُونَ الْمَدِينَةَ فَأَنَاخَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَزَلَ ، وَهَذَا مُشْعِرٌ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ عِنْدَ قُرْبِهِمْ مِنَ الْمَدِينَةِ ، وَلِأَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ : أَنَّ الْعِقْدَ كَانَ مِنْ جَزْعِ ظَفَارٍ ، وَجَزْعٌ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الزَّايِ خَرَزٌ يَمَنِّيٌّ ، وَظِفَارٌ مَدِينَةٌ بِسَوَاحِلِ الْيَمَنِ بِكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ مَصْرُوفٌ أَوْ فَتْحِهَا ، وَالْبِنَاءُ بِوَزْنِ قَطَامٍ ، وَإِضَافَتُهُ إِلَيْهَا لِكَوْنِهِ فِي يَدِهَا وَتَصَرُّفِهَا ، فَلَا يُخَالِفُ رِوَايَةَ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْهَا أَنَّهَا اسْتَعَارَتْهُ مِنْ أَسْمَاءَ أُخْتِهَا بِنَاءً عَلَى اتِّحَادِ الْقِصَّةِ وَهُوَ أَظْهَرُ مِنْ دَعْوَى تَعَدُّدِهَا . ( فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْتِمَاسِهِ ) أَيْ لِأَجْلِ طَلَبِهِ ( وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ ) ، فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَرْكِ إِضَاعَةِ الْمَالِ وَاعْتِنَاءِ الْإِمَامِ بِحِفْظِ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ قلت ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ ثَمَنَ الْعِقْدِ كَانَ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا ، وَيَلْحَقُ بِتَحْصِيلِ الضَّائِعِ الْإِقَامَةُ لِلِحَاقِ الْمُنْقَطِعِ وَدَفْنِ الْمَيِّتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ مَصَالِحِ الرَّعِيَّةِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْإِقَامَةِ فِي مَكَانٍ لَا مَاءَ فِيهِ وَسُلُوكِ طَرِيقٍ لَا مَاءَ فِيهَا ، وَنَظَرَ فِيهِ الْحَافِظُ بِأَنَّ الْمَدِينَةَ كَانَتْ قَرِيبَةً مِنْهُمْ وَهُمْ عَلَى قَصْدِ دُخُولِهَا ، قَالَ : وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَعْلَمْ بِعَدَمِ الْمَاءِ مَعَ الرَّكْبِ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الْمَكَانَ لَا مَاءَ فِيهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ قَوْلَهُ : وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ أَيْ لِلْوُضُوءِ ، وَأَمَّا الشُّرْبُ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَعَهُمْ ، وَالْأَوَّلُ مُحْتَمَلٌ لِجَوَازِ إِرْسَالِ الْمَطَرِ وَنَبْعِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا وَقَعَ فِي مَوَاطِنَ أُخْرَى . ( فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالُوا : أَلَا تَرَى ) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ ( مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ ، أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِالنَّاسِ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ ) أَسْنَدَ الْفِعْلَ إِلَيْهَا لِأَنَّهُ كَانَ بِسَبَبِهَا ، وَفِيهِ شَكْوَى الْمَرْأَةِ إِلَى أَبِيهَا وَإِنْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ ، وَكَأَنَّهُمْ إِنَّمَا شَكَوْا لَهُ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَائِمٌ وَكَانُوا لَا يُوقِظُونَهُ ، قَالَهُ الْحَافِظُ : أَوْ خَافُوا تَغَيُّظَهُ لِشِدَّةِ مَحَبَّةِ الْمُصْطَفَى لَهَا ، قَالَهُ بَعْضُ شُيُوخِي . ( قَالَتْ عَائِشَةُ : فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ ( قَدْ نَامَ ) ، فَفِيهِ جَوَازُ دُخُولِ الرَّجُلِ عَلَى بِنْتِهِ وَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا عِنْدَهَا إِذَا عَلِمَ رِضَاهُ بِذَلِكَ ، وَلَمْ تَكُنْ حَالَةَ مُبَاشَرَةٍ . ( فَقَالَ : حَبَسْتِ ) مَنَعْتِ ( رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّاسَ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ ) ، وَفِيهِ ضَرَرٌ شَدِيدٌ ( قَالَتْ عَائِشَةُ : فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ ) لَمْ تَقُلْ أَبِي لِأَنَّ قَضِيَّةَ الْأُبُوَّةِ الْحُنُوُّ ، وَالْعِتَابُ بالقول وَالتَّأْدِيبُ بِالْفِعْلِ مُغَايِرٌ لِذَلِكَ فِي الظَّاهِرِ فَأَنْزَلَتْهُ مَنْزِلَةَ الْأَجْنَبِيِّ . ( فَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ ) فَقَالَ : حَبَسْتِ النَّاسَ فِي قِلَادَةٍ وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ تَكُونِينَ عَنَاءً وَبَلَاءً عَلَى النَّاسِ . ( وَجَعَلَ يَطْعُنُ بِيَدِهِ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَكَذَا جَمِيعُ مَا هُوَ حِسِّيٌّ ، وَأَمَّا الْمَعْنَوِيُّ فَبِالْفَتْحِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِيهِمَا ، وَحَكَى الْفَتْحَ فِيهِمَا مَعًا فِي الْمَطَالِعِ وَغَيْرِهَا وَالضَّمَّ فِيهِمَا صَاحِبُ الْجَامِعِ ( فِي خَاصِرَتِي ) هُوَ الشَّاكِلَةُ ، وَخَصْرُ الْإِنْسَانِ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَسَطُهُ كَمَا فِي الْكَوَاكِبِ ، وَفِيهِ تَأْدِيبُ الرَّجُلِ بِنْتَهُ وَلَوْ مُتَزَوِّجَةً كَبِيرَةً خَارِجَةً عَنْ بَيْتِهِ ، وَيَلْحَقُ بِهِ تَأْدِيبُ مَنْ لَهُ تَأْدِيبُهُ وَلَوْ لَمْ يَأْذَنِ الْإِمَامُ . ( فَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ ) أَيْ كَوْنُ وَاسْتِقْرَارُ رَأْسِ ( رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى فَخِذِي ) ، فَأَرَادَتْ بِالْمَكَانِ هُنَا الْكَوْنَ وَالِاسْتِقْرَارَ فَلَا يُرَدُّ أَنَّ الْفَخِذَ هُوَ الْمَكَانُ فَلَا مَعْنًى لِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الصَّبْرِ لِمَنْ نَالَهُ مَا يُوجِبُ الْحَرَكَةَ وَيَحْصُلُ بِهِ التَّشْوِيشُ لِنَائِمٍ ، وَكَذَا لِمُصَلٍّ أَوْ قَارِئٍ أَوْ مُشْتَغِلٍ بِعِلْمٍ أَوْ ذِكْرٍ . ( فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى أَصْبَحَ ) دَخَلَ فِي الصَّبَاحِ ( عَلَى غَيْرِ مَاءٍ ) مُتَعَلِّقٌ بِنَامَ وَأَصْبَحَ فَتَنَازَعَا فِيهِ ، هَكَذَا الرِّوَايَةُ فِي الْمُوَطَّأِ حَتَّى وَهِيَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ ، عَنْ يَحْيَى ، وَالْبُخَارِيِّ فِي فَضْلِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ قُتَيْبَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَرَوَاهُ فِي التَّيَمُّمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ بِلَفْظِ حِينَ بِتَحْتِيَّةٍ وَنُونٍ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَمَعْنَاهُمَا مُتَقَارِبٌ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قِيَامَهُ مِنْ نَوْمِهِ كَانَ عِنْدَ الصُّبْحِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ حَتَّى أَصْبَحَ بَيَانَ غَايَةِ النَّوْمِ إِلَى الصَّبَاحِ بَلْ بَيَانُ غَايَةِ فَقْدِ الْمَاءِ إلى الصبح لِأَنَّهُ قَيَّدَ الْغَايَةَ بِقَوْلِهِ : عَلَى غَيْرِ مَاءٍ أَيْ آلَ أَمْرُهُ إِلَى أَنْ أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ . وَأَمَّا رِوَايَةُ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ فَلَفْظُهَا : ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَيْقَظَ وَحَضَرَتِ الصُّبْحُ ، فَإِنْ أُعْرِبَتِ الْوَاوُ حَالِيَّةً كَانَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الِاسْتِيقَاظَ وَقَعَ حَالَ وُجُودِ الصَّبَاحِ وَهُوَ الظَّاهِرُ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى الرُّخْصَةِ فِي تَرْكِ التَّهَجُّدِ فِي السَّفَرِ إِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ ، وَعَلَى أَنَّ طَلَبَ الْمَاءِ لَا يَجِبُ إِلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ لِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ عَمْرٍو بَعْدَ قَوْلِهِ : وَحَضَرَتِ الصُّبْحُ فَالْتَمَسَ الْمَاءَ فَلَمْ يُوجَدْ ( فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى آيَةَ التَّيَمُّمِ ) قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : هَذِهِ مُعْضِلَةٌ مَا وَجَدْتُ لِدَائِهَا مِنْ دَوَاءٍ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ أَيَّ الْآيَتَيْنِ عَنَتْ عَائِشَةُ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : هِيَ آيَةُ النِّسَاءِ أَوِ الْمَائِدَةِ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : هِيَ آيَةُ النِّسَاءِ لِأَنَّ آيَةَ الْمَائِدَةِ تُسَمَّى آيَةُ الْوُضُوءِ ، وَآيَةُ النِّسَاءِ لَا ذِكْرَ لِلْوُضُوءِ فِيهَا . وَأَوْرَدَ الْوَاحِدِيُّ فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ هَذَا الْحَدِيثَ عِنْدَ ذِكْرِ آيَةِ النِّسَاءِ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَخُفِيَ عَلَى الْجَمِيعِ مَا ظَهَرَ لِلْبُخَارِيِّ أَنَّهَا آيَةُ الْمَائِدَةِ بِلَا تَرَدُّدٍ لِرِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي التَّفْسِيرِ إِذْ قَالَ فِيهَا : فَنَزَلَتْ آيَةُ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ( سُورَةُ الْمَائِدَةِ : الْآيَةُ 6 ) الْآيَةَ ، قَالَ : وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ كَانَ وَاجِبًا قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ ، وَلِذَا اسْتَعْظَمُوا نُزُولَهُمْ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ ، وَوَقَعَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ فِي حَقِّ عَائِشَةَ مَا وَقَعَ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : مَعْلُومٌ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْمَغَازِي أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُصَلِّ مُنْذُ فُرِضَتِ الصَّلَاةُ إِلَّا بِوُضُوءٍ ، وَلَا يَدْفَعُ ذَلِكَ إِلَّا جَاهِلٌ أَوْ مُعَانِدٌ ، قَالَ : وَفِي قَوْلِهِ : آيَةُ التَّيَمُّمِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الَّذِي طَرَأَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعِلْمِ حِينَئِذٍ حُكْمُ التَّيَمُّمِ لَا حُكْمُ الْوُضُوءِ ، قَالَ : وَالْحِكْمَةُ فِي نُزُولِ آيَةِ الْوُضُوءِ مَعَ تَقَدُّمِ الْعَمَلِ بِهِ لِيَكُونَ فَرْضُهُ مَتْلُوًّا بِالتَّنْزِيلِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : يُحْتَمَلُ أَنَّ أَوَّلَ آيَةِ الْوُضُوءِ نَزَلَ قَدِيمًا فَعَمِلُوا بِهِ ، ثُمَّ نَزَلَ بَقِيَّتُهَا وَهُوَ ذِكْرُ التَّيَمُّمِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ ، وَإِطْلَاقُ آيَةِ التَّيَمُّمِ عَلَى هَذَا مِنْ إِطْلَاقِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ ، لَكِنَّ رِوَايَةَ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ ، فَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ . انْتَهَى . وَقَدْ ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ التِّنِّيسِيِّ ، وَيَحْيَى التَّمِيمِيِّ قَوْلُهُ : ( فَتَيَمَّمُوا ) وَسَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى وَغَيْرِهِ ، قَالَ الْحَافِظُ : يُحْتَمَلُ أَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ فِعْلِ الصَّحَابَةِ أَيْ فَتَيَمَّمَ النَّاسُ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ حِكَايَةٌ لِبَعْضِ الْآيَةِ وَهُوَ الْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ : فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ( سُورَةُ الْمَائِدَةِ : الْآيَةُ 6 ) بَيَانًا لِقَوْلِهِ : آيَةُ التَّيَمُّمِ أَوْ بَدَلًا ، وَاسْتَدَلَّ بِالْآيَةِ عَلَى وُجُوبِ النِّيَّةِ فِي التَّيَمُّمِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ اقْصِدُوا كَمَا تَقَدَّمَ ، وَهُوَ قَوْلُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ إِلَّا الْأَوْزَاعِيِّ . ( فَقَالَ أُسَيْدٌ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ السِّينِ ( ابْنُ حُضَيْرٍ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ ابْنِ سِمَاكٍ الْأَنْصَارِيُّ الْأَشْهَلِيُّ أَبُو يَحْيَى الصَّحَابِيُّ الْجَلِيلُ مَاتَ سَنَةَ عِشْرِينَ أَوْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ( مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ ) بَلْ هِيَ مَسْبُوقَةٌ بِغَيْرِهَا مِنَ الْبَرَكَاتِ ، وَالْمُرَادُ بِآلِهِ نَفْسُهُ وَأَهْلُهُ وَأَتْبَاعُهُ ، وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ لَقَدْ بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمْ . وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَقَالَ أُسَيْدٌ لِعَائِشَةَ : جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ لَكِ وَلِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ خَيْرًا . وَفِي لَفْظٍ لَهُ : إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ لَكِ مِنْهُ مَخْرَجًا وَجَعَلَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ بَرَكَةً . وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ أُسِيدٌ دُونَ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ كَانَ رَأْسَ مَنْ بُعِثَ فِي طَلَبِ الْعِقْدِ الَّذِي ضَاعَ . وَفِي تَفْسِيرِ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا : مَا كَانَ أَعْظَمُ بَرَكَةَ قِلَادَتِكِ ( قَالَتْ : فَبَعَثْنَا ) أَيْ أَثَرْنَا ( الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ ) رَاكِبَةً ( عَلَيْهِ ) حَالَةَ السَّيْرِ ( فَوَجَدْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ ) هَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا فِي طَلَبِهِ أَوَّلًا لَمْ يَجِدُوهُ . وَفِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ فِي الْبُخَارِيِّ : فَبَعَثَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا فَوَجَدَهَا أَيِ الْقِلَادَةَ . وَلِلْبُخَارِيِّ ، وَمُسْلِمٍ : فَبَعَثَ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ فَطَلَبَهَا . وَلِأَبِي دَاوُدَ : فَبَعَثَ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ وَنَاسًا مَعَهُ ، وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ أُسَيْدًا كَانَ رَأْسَ مَنْ بُعِثَ لِذَلِكَ فَلِذَا سُمِّيَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ دُونَ غَيْرِهِ ، وَأُسْنِدَ إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي رِوَايَةٍ دُونَ غَيْرِهِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِهِ وَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا الْعِقْدَ أَوَّلًا ، فَلَمَّا رَجَعُوا وَنَزَلَتِ الْآيَةُ وَأَرَادُوا الرَّحِيلَ وَأَثَارُوا الْبَعِيرَ وَجَدَهُ أُسَيْدٌ . فَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ فَوَجَدَهَا أَيْ بَعْدَ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّفْتِيشِ وَغَيْرِهِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنَّ فَاعِلَ وَجَدَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَقَدْ بَالَغَ الدَّاوُدِيُّ فِي تَوْهِيمِ رِوَايَةِ عُرْوَةَ ، وَنَقَلَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ الْقَاضِي أَنَّهُ حَمَلَ الْوَهْمَ فِيهَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ رَاوِيهَا عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ ، وَقَدْ بَانَ أَنْ لَا تَخَالُفَ بَيْنَهُمْ وَلَا وَهْمَ ، ذَكَرَهُ الْحَافِظُ . وَحَدِيثُ الْبَابِ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ هُنَا ، وَفِي النِّكَاحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَفِي الْمَنَاقِبِ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ ، وَفِي التَّفْسِيرِ وَالْمُحَارِبِينَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَمُسْلِمٍ ، عَنْ يَحْيَى الْأَرْبَعَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَلَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا كَيْفِيَّةُ التَّيَمُّمِ ، وَقَدْ رَوَى عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ قِصَّتَهَا هَذِهِ لَكِنِ اخْتَلَفَتِ الرُّوَاةُ عَنْهُ فِي الْكَيْفِيَّةِ ، فَوَرَدَ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَبِذِكْرِ الْمِرْفَقَيْنِ فِي السُّنَنِ ، وَفِي رِوَايَةٍ إِلَى نِصْفِ الذِّرَاعِ ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى إِلَى الْإِبِطِ ، فَأَمَّا رِوَايَةُ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَكَذَا نِصْفُ الذِّرَاعِ فَفِيهِمَا مَقَالٌ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ إِلَى الْآبَاطِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ : إِنْ كَانَ وَقَعَ ذَلِكَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكُلُّ تَيَمُّمٍ صَحَّ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ نَاسِخٌ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَالْحُجَّةُ فِيمَا أَمَرَ بِهِ ، وَمِمَّا يُقَوِّي رِوَايَةَ الصَّحِيحَيْنِ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ كَوْنُ عَمَّارٍ كَانَ يُفْتِي بَعْدَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ ، وَرَاوِي الْحَدِيثِ أَعْرَفُ بِالْمُرَادِ مِنْ غَيْرِهِ وَلَاسِيَّمَا الصَّحَابِيُّ الْمُجْتَهِدُ ، انْتَهَى . ( وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ تَيَمَّمَ لِصَلَاةٍ حَضَرَتْ ثُمَّ حَضَرَتْ صَلَاةٌ أُخْرَى أَيَتَيَمَّمُ لَهَا أَمْ يَكْفِيهِ تَيَمُّمِهِ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : بَلْ يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ لِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَبْتَغِيَ ) يَطْلُبَ ( الْمَاءَ لِكُلِّ صَلَاةٍ ) عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً ( سُورَةُ الْمَائِدَةِ : الْآيَةُ 6 ) ( فَمَنِ ابْتَغَى الْمَاءَ فَلَمْ يَجِدْهُ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ ) إِذِ التَّيَمُّمُ مُبِيحٌ لِلصَّلَاةِ لَا رَافِعٌ لِلْحَدَثِ عَلَى الْمَشْهُورِ فَيُطْلَبُ لِكُلِّ صَلَاةٍ بِذَلِكَ الْمُبِيحِ . ( وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ تَيَمَّمَ أَيَؤُمُّ أَصْحَابَهُ وَهُمْ عَلَى وُضُوءٍ ؟ قَالَ : يَؤُمُّهُمْ غَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ ، وَلَوْ أَمَّهُمْ هُوَ لَمْ أَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا ) أَيْ أَنَّهُ جَائِزٌ مَعَ الْكَرَاهَةِ ، وَدَلِيلُ الْجَوَازِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالْحَاكِمُ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي قَالَ : احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ فَأَشْفَقْتُ أَنْ أَغْتَسِلَ فَأَهْلَكُ فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي عَنِ الِاغْتِسَالِ وَقُلْتُ : إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ( سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 29 ) فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا ، وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ تَيَمَّمَ حِينَ لَمْ يَجِدْ مَاءً فَقَامَ وَكَبَّرَ وَدَخَلَ فِي الصَّلَاةِ فَطَلَعَ عَلَيْهِ إِنْسَانٌ مَعَهُ مَاءٌ قَالَ : لَا يَقْطَعُ صَلَاتَهُ بَلْ يُتِمُّهَا بِالتَّيَمُّمِ وَلْيَتَوَضَّأْ لِمَا يُسْتَقْبَلُ مِنَ الصَّلَوَاتِ ) لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي سُنَّةٍ وَلَا إِجْمَاعٍ مَا يُوجِبُ قَطْعَ صَلَاتِهِ ، وَهُوَ كَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ صَوْمُ ظِهَارٍ أَوْ قَتْلٍ فَصَامَ أَكْثَرَهُ ثُمَّ أَيْسَرَ لَا يَعُودُ إِلَى الْعِتْقِ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَدَاوُدُ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا : يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَيَتَوَضَّأُ وَيَسْتَأْنِفُ لِلْإِجْمَاعِ فِي الْمُعْتَدَّةِ بِالشُّهُورِ يَبْقَى أَقَلُّهَا ثُمَّ تَحِيضُ أَنَّهَا تَسْتَقْبِلُ عِدَّتَهَا بِالْحَيْضِ ، وَأَمَّا إِنْ وُجِدَ الْمَاءُ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ إِجْمَاعًا عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَقَدْ قَالَ أَبُو سَلَمَةَ : لَيْسَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ وَإِنْ وُجِدَ بَعْدَهَا فَلَا إِعَادَةَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَحَبَّهَا فِي الْوَقْتِ . ( قَالَ مَالِكٌ : مَنْ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ فَلَمْ يَجِدْ مَاءً فَعَمِلَ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ التَّيَمُّمِ ) بِقَوْلِهِ : فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ( فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ) لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا أَمَرَهُ بِهِ ( وَلَيْسَ الَّذِي وَجَدَ الْمَاءَ بِأَطْهَرَ مِنْهُ ) يَعْنِي فِي الْإِجْزَاءِ لَا فِي الْفَضِيلَةِ ، كَذَا قَالَ الْبَاجِيُّ ، وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ لَاسِيَّمَا مَعَ قَوْلِهِ : ( وَلَا أَتَمَّ صَلَاةً ) فَالْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَامُّ الطَّهَارَةِ فِي تَأْدِيَةِ فَرْضِهِ ( لِأَنَّهُمَا أُمِرَا جَمِيعًا فَكُلٌّ عَمِلَ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ ، وَإِنَّمَا الْعَمَلُ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْوُضُوءِ لِمَنْ وَجَدَ الْمَاءَ وَالتَّيَمُّمِ لَا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الصَّلَاةِ ) ، فَإِنْ دَخَلَ فَلَا قَطْعَ إِلَّا نَاسِيهِ وَبَعْدَهَا لَا إِعَادَةَ كَمَا مَرَّ . ( وَقَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ الْجُنُبِ : إِنَّهُ يَتَيَمَّمُ وَيَقْرَأُ حِزْبَهُ مِنَ الْقُرْآنِ وَيَتَنَفَّلُ ) تَبَعًا لِلْفَرْضِ بَعْدَهُ ( مَا لَمْ يَجِدْ مَاءً ) ، فَإِنْ وَجَدَهُ مُنِعَ حَتَّى يَغْتَسِلَ ( وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ بِالتَّيَمُّمِ ) وَهُوَ عَدَمُ الْمَاءِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا وَهُوَ عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ .