138 نَافِعٌ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، حَدِيثٌ وَاحِدٌ ، وَهُوَ حَدِيثٌ رَابِعٌ وَسَبْعُونَ لِنَافِعٍ مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدِّمَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا ، فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ ، فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ ، فَلْتَغْتَسِلْ ، ثُمَّ لْتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ ، ثُمَّ لِتُصَلِّي . هَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ سَوَاءً ، وَرَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَصَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَّةَ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُمْ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَجُلًا أَخْبَرَهُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، فَأَدْخَلُوا بَيْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، وَبَيْنَ أُمِّ سَلَمَةَ رَجُلًا . وَذَكَرَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَرْأَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الَّتِي كَانَتْ تُهَرَاقُ الدِّمَاءَ فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ - هِيَ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ ابْنُ عُيَيْنَةَ أَيْضًا ، عَنْ أَيُّوبَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . وَحَدِيثُ فَاطِمَةَ ابْنَةِ أَبِي حُبَيْشٍ رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ بِخِلَافِ هَذَا اللَّفْظِ ، وَسَنَذْكُرُهُ ههنا ، وَفِي بَابِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَأَمَّا حَدِيثُ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ هَذَا ، فَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ فَاطِمَةَ ابْنَةَ أَبِي حُبَيْشٍ اسْتُحِيضَتْ حَتَّى كَانَ الْمِرْكَنُ يُنْقَلُ مِنْ تَحْتِهَا وَعَالِيهِ الدَّمُ ، فَأَمَرَتْ أُمُّ سَلَمَةَ أَنْ تَسْأَلَ لَهَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : تَدَعُ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا ، وَتَغْتَسِلُ ، وَتَسْتَثْفِرُ ، وَتُصَلِّي قَالَ أَيُّوبُ : فَقُلْتُ لِسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ : أَيَغْشَاهَا زَوْجُهَا ؟ قَالَ : إِنَّمَا نُحَدِّثُ بِمَا سَمِعْنَا ، أَوْ لَا نُحَدِّثُ إِلَّا بِمَا سَمِعْنَا . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يُحَدِّثُ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : كَانَتْ فَاطِمَةُ ابْنَةُ أَبِي حُبَيْشٍ تُسْتَحَاضُ ، فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنَّهُ لَيْسَ بِالْحَيْضَةِ ، وَلَكِنَّهُ عِرْقٌ وَأَمَرَهَا أَنْ تَدَعَ الصَّلَاةَ قَدْرَ أَقْرَائِهَا - أَوْ قَدْرَ حَيْضَتِهَا - ثُمَّ تَغْتَسِلُ ، فَإِنْ غَلَبَهَا الدَّمُ اسْتَثْفَرَتْ بِثَوْبٍ وَصَلَّتْ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ وُهَيْبٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ مِثْلَهُ ، أَخْبَرَنَاهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ اسْتُحِيضَتْ ، وَكَانَتْ تَغْتَسِلُ فِي مِرْكَنٍ لَهَا ، فَتَخْرُجُ وَهُوَ عَالِيهِ الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ ، وَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : تَنْظُرُ أَيَّامَ قُرُوئِهَا أَوْ أَيَّامَ حَيْضَتِهَا ، فَتَدَعُ فِيهَا الصَّلَاةَ ، وَتَغْتَسِلُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ ، وَتَسْتَثْفِرُ بِثَوْبٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أقْرَائِهَا أَوْ أَيَّامَ حَيْضَتِهَا يُضَارِعُ حَدِيثَ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ فَاطِمَةَ ابْنَةِ أَبِي حُبَيْشٍ حِينَ قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ ، فَإِذَا ذَهَبَتْ عَنْكِ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي . وَيُضَارِعُ حَدِيثَ نَافِعٍ هَذَا فِي قَوْلِهِ : لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ ، الْحَدِيثَ ، وَفِي هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ تَنَازُعٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ، سَنَذْكُرُهُ ههنا فِي هَذَا الْبَابِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ وَأَلْفَاظِهِ - بِعَوْنِ اللَّهِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ عَلَى نَافِعٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فَإِنَّ أَسَدَ بْنَ مُوسَى ذَكَرَهُ فِي مُسْنَدِهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا نَافِعٌ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدِّمَاءَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ سَوَاءً ، وَلَمْ يُدْخِلْ فِي إِسْنَادِهِ بَيْنَ سُلَيْمَانَ وَبَيْنَ أُمِّ سَلَمَةَ أَحَدًا ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَسَدٌ - أَيْضًا - عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَيَّانَ ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَأَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو أُسَامَةَ ، وَابْنُ نُمَيْرٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : سَأَلَتِ امْرَأَةٌ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ بَيْنَ سُلَيْمَانَ وَبَيْنَ أُمِّ سَلَمَةَ فِيهِ أَحَدٌ ، ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُسْنَدِهِ ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ ، وَابْنِ نُمَيْرٍ - جَمِيعًا بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ - وَخَالَفَهُمَا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ، فَأَدْخَلَ بَيْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، وَبَيْنَ أُمِّ سَلَمَةَ رَجُلًا ، حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدَّمَ ، فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ مَالِكٍ بِمَعْنَاهُ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ مَنْ رَوَى عَنِ اللَّيْثِ هَذَا الْحَدِيثَ ، فَأَدْخَلَ فِي إِسْنَادِهِ بَيْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَبَيْنَ أُمِّ سَلَمَةَ رَجُلًا ، فَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، وَيَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ رَجُلٍ أَخْبَرَهُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدَّمَ ، فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ ، قَالَ : فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ ، وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْتَغْتَسِلْ . قَالَ : أَبُو دَاوُدَ : وَحَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَّةَ ، عَنْ نَافِعٍ بِإِسْنَادِ اللَّيْثِ وَمَعْنَاهُ ، قَالَ : فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ ، ثُمَّ إِذَا حَضَرَتْ فَلْتَغْتَسِلْ ، وَلْتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ ، وَتُصَلِّي . وَعِنْدَ اللَّيْثِ فِي هَذَا أَيْضًا ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبي حَبِيبٍ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الدَّمِ ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ ، ثُمَّ اغْتَسِلِي قَالَتْ عَائِشَةُ : رَأَيْتُ مِرْكَنَهَا مَلْآنَ دَمًا . وَعِنْدَ اللَّيْثِ أَيْضًا ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبي حَبِيبٍ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ حَدَّثَتْهُ ، أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ، وَشَكَتْ إِلَيْهِ الدَّمَ ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ ، فَانْظُرِي ، إِذَا أَتَاكِ قُرْؤُكِ فَلَا تُصَلِّي ، فَإِذَا مَرَّ قُرْؤُكِ فَتَطَهَّرِي ، ثُمَّ صَلِّي مَا بَيْنَ الْقُرْءِ إِلَى الْقُرْءِ ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ : فِي الْحَيْضِ حَدِيثَانِ ، وَالْآخَرُ فِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْءٌ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : يَعْنِي أَنَّ فِي الْحَيْضِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ ، هِيَ أُصُولُ هَذَا الْبَابِ ، أَحَدُهَا : حَدِيثُ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، وَالْآخَرُ : حَدِيثُ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَالثَّالِثُ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مِنْهُ شَيْءٌ ، هُوَ حَدِيثُ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ الَّذِي يَرْوِيهِ ابْنُ عُقَيْلٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا حَدِيثُ نَافِعٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ فَقَدْ مَضَى فِي هَذَا الْبَابِ مُجَوَّدَ الْإِسْنَادِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ فَاطِمَةَ ابْنَةِ أَبِي حُبَيْشٍ ، فَحَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنِ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ الْأَسْدِيَّةَ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ ، فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهَا : إِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي ، قَالَ : اغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي . وَهَذَا حَدِيثٌ رَوَاهُ عَنْ هِشَامٍ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ ، مِنْهُمْ : حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كُنَاسَةَ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ فِيهِ أَلْفَاظًا ، لَهَا أَحْكَامٌ سَنَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي بَابِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَ أَنَّهُ الثَّالِثُ - حَدِيثُ حَمْنَةَ - فَأَخْبَرَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ أُمِّهِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، وَغَيْرُهُ ، قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ عَمِّهِ عِمْرَانَ بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ أُمِّهِ حَمْنَةَ ابْنَةِ جَحْشٍ - بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، قَالَتْ : كُنْتُ أُسْتَحَاضَ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسْتَفْتِيهِ وَأُخْبِرُهُ ، فَوَجَدْتُهُ فِي بَيْتِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً ، فَمَاذَا تَرَى فِيهَا ، قَدْ مَنَعَتْنِي مِنَ الصَّلَاةِ ؟ فَقَالَ : أَنْعَتُ لَكِ الْكُرْسُفَ ، فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ قُلْتُ : هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ، قَالَ : فَتَلَجَّمِي قُلْتُ : هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ، قَالَ : فَاتَّخِذِي ثَوْبًا ، قُلْتُ : هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ، قَالَتْ : إِنَّمَا أَثُجُّ ثَجًّا ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : سَآمُرُكِ أَمْرَيْنِ أَيُّهُمَا فَعَلْتِ أَجْزَأَ عَنْكِ مِنَ الْآخَرِ ، فَإِنْ قَوَيْتِ عَلَيْهِمَا فَأَنْتِ أَعْلَمُ ، إِنَّمَا هِيَ رَكْضَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ ، فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً فِي عِلْمِ اللَّهِ ، ثُمَّ اغْتَسِلِي حَتَّى إِذَا رَأَيْتِ أَنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ وَاسْتَنْقَأْتِ فَصَلِّي أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً - أَوْ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً - وَأَيَّامَهَا وَصُومِي ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِيكِ ، وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي كُلَّ شَهْرٍ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ ، وَكَمَا يَطْهُرْنَ مِيقَاتَ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ ، فَإِنْ قَوِيتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي الْعَصْرَ ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ : الظُّهْرِ ، وَالْعَصْرِ وَتُؤَخِّرِينَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلِينَ الْعِشَاءَ ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فَافْعَلِي ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ مَعَ الْفَجْرِ - فَافْعَلِي ، وَصُومِي إِنْ قَدِرْتِ عَلَى ذَلِكَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَهَذَا أَحَبُّ الْأَمْرَيْنِ إِلَيَّ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَمَا عَدَا هَذِهِ الثَّلَاثَةَ الْأَحَادِيثِ ، فَفِيهَا اخْتِلَافٌ وَاضْطِرَابٌ ، قَالَ : وَأَمَّا حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ، وَالْأَعْمَشِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، وَحَدِيثُ أَيُّوبَ بْنِ الْعَلَاءِ فَهِيَ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ لَا تَصِحُّ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ فَاطِمَةَ ابْنَةِ أَبِي حُبَيْشٍ أَنَّهَا كَانَتْ تُسْتَحَاضُ ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ ، وَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي فَإِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ . قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى : حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ مِنْ كِتَابِهِ هَكَذَا ، ثُمَّ حَدَّثَنَا بِهِ مِنْ حِفْظِهِ فَقَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ ، وَذَكَرَهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتُلِفَ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ، فَمَرَّةً يَرْوِيهِ عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَمَرَّةً عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَمَرَّةً عَنْ عُرْوَةَ وعمرة عن عائشة ، ومرة عن عروة عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ . وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ فِي بَابِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، وَقَالَ فِيهِ سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ : عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ ابْنَةُ أَبِي حُبَيْشٍ أَنَّهَا أَمَرَتْ أَسْمَاءَ أَنْ تَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَسْمَاءُ حَدَّثَتْنِي أَنَّهَا أَمَرَتْ فَاطِمَةَ ابْنَةَ أَبِي حُبَيْشٍ تَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْحَيْضِ ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَقْعُدَ أَيَّامَهَا الَّتِي كَانَتْ تَقْعُدُ ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ . وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ يَقُولُونَ فِيهِ : عَنْ عُرْوَةَ ، وَعَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ خَتَنَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - اسْتُحِيضَتْ ، هَكَذَا يَقُولُونَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : أُمُّ حَبِيبَةَ ، لَا يَذْكُرُونَ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ ، وَحَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْبَابِ مُضْطَرِبٌ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى ، حَدَّثَنِي أَبِي ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : اسْتَفْتَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ جَحْشٍ رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَتْ : إِنِّي أُسْتَحَاضُ ، فَقَالَ : إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ ، فَاغْتَسِلِي ثُمَّ صَلِّي ، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ . وَرَوَاهُ عِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، بِخِلَافِ رِوَايَةِ هِشَامٍ وَالزُّهْرِيِّ ، حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا مُطَّلِبُ بْنُ شُعَيْبٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبي حَبِيبٍ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الدَّمِ ، قَالَتْ عَائِشَةُ : لَقَدْ رَأَيْتُ مِرْكَنَهَا مَلْآنَ دَمًا ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : امْكُثِي قَدْرَ مَا تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ ، ثُمَّ اغْتَسِلِي . وَبِإِسْنَادِهِ ، عَنِ اللَّيْثِ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ حَدَّثَتْهُ ، أَنَّهَا أَتَتِ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَشَكَتْ إِلَيْهِ الدَّمَ ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ ، فَانْظُرِي ، فَإِذَا أَتَاكِ قُرْؤُكِ فَلَا تُصَلِّي ، فَإِذَا مَرَّ الْقُرْءُ فَتَطَهَّرِي ، ثُمَّ صَلِّي بَيْنَ الْقُرْءِ إِلَى الْقُرْءِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لِهَذَا الِاخْتِلَافِ وَمِثْلِهِ عَنْ عُرْوَةَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - ضَعَّفَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ ، مَا عَدَا حَدِيثَ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ - مِنْ أَحَادِيثِ الْحَيْضِ وَالِاسْتِحَاضَةِ ، فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الْمَرْفُوعَةُ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَأَمَّا أَقَاوِيلُ الصَّحَابَةِ ، وَالتَّابِعِينَ ، وَسَائِرِ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، فَسَنُورِدُ مِنْهَا ههنا مَا فِيهِ شِفَاءٌ وَاكْتِفَاءٌ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدِّمَاءَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَمَعْنَاهُ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ : أَنَّهَا كَانَتِ امْرَأَةً لَا يَنْقَطِعُ دَمُهَا ، وَلَا تَرَى مِنْهُ طُهْرًا وَلَا نَقَاءً ، وَقَدْ زَادَهَا ذَلِكَ عَلَى أَيَّامِهَا الْمَعْرُوفَةِ لَهَا وَتَمَادَى بِهَا ، فَسَأَلَتْ عَنْ ذَلِكَ ; لِتَعْلَمَ هَلْ حُكْمُ ذَلِكَ الدَّمِ كَحُكْمِ دَمِ الْحَيْضِ ، أَوْ هَلْ هُوَ حَيْضٌ أَوْ غَيْرُ حَيْضٍ ؟ فَأَجَابَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِجَوَابٍ مَنَعَهَا بِهِ مِنَ الصَّلَاةِ فِي أَيَّامِ حَيْضَتِهَا ، فَبَانَ بِذَلِكَ أَنَّ الْحَائِضَ لَا تُصَلِّي ، وَهَذَا إِجْمَاعٌ ، وَأَمَرَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ إِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ ، وَاحْتَمَلَتْ أَلْفَاظُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِنَ التَّأْوِيلِ مَا أَوْجَبَ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ عَنْهُمْ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَالَّذِي أَجْمَعُوا عَلَيْهِ : أَنَّ الْمَرْأَةَ لَهَا ثَلَاثَةُ أَحْكَامٍ فِي رُؤْيَتِهَا الدَّمَ السَّائِلَ مِنْ فَرْجِهَا ، فَمِنْ ذَلِكَ دَمُ الْحَيْضِ الْمَعْرُوفُ ، تَتْرُكُ لَهُ الصَّلَاةَ إِذَا كَانَ حَيْضًا ، وَلِلْحَيْضِ عِنْدَهُمْ مِقْدَارٌ اخْتَلَفُوا فِيهِ ، وَكُلُّهُمْ يَقُولُ : إِذَا جَاوَزَ الدَّمُ ذَلِكَ الْمِقْدَارَ فَلَيْسَ بِحَيْضٍ ، وَالْحَيْضُ خِلْقَةٌ فِي النِّسَاءِ ، وَطَبْعٌ مُعْتَادٌ مَعْرُوفٌ مِنْهُنَّ ، وَحُكْمُهُ أَلَّا تُصَلِّي مَعَهُ الْمَرْأَةُ وَلَا تَصُومَ ، فَإِذَا انْقَطَعَ عَنْهَا كَانَ طُهْرُهَا مِنْهُ الْغُسْلَ . وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا الْوَجْهُ الثَّانِي ، وَهُوَ دَمُ النِّفَاسِ عِنْدَ الْوِلَادَةِ ، لَهُ أَيْضًا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ حَدٌّ مَحْدُودٌ ، اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ عَنْهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَطُهْرُهَا عِنْدَهُمُ انْقِطَاعُهُ ، وَالْغُسْلُ مِنْهُ كَالْغُسْلِ مِنَ الْحَيْضِ سَوَاءً ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي : دَمٌ لَيْسَ بِعَادَةٍ ، وَلَا طَبْعٍ مِنْهُنَّ ، وَلَا خِلْقَةٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ انْقَطَعَ سَائِلُ دَمِهِ ، لَا انْقِطَاعَ لَهُ إِلَّا عِنْدَ الْبُرْءِ مِنْهُ ، فَهَذَا حُكْمُهُ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ فِيهِ طَاهِرًا ، لَا يَمْنَعُهَا مِنْ صَلَاةٍ وَلَا صَوْمٍ بِإِجْمَاعٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَاتِّفَاقٍ مِنَ الْآثَارِ الْمَرْفُوعَةِ إِذَا كَانَ مَعْلُومًا أَنَّهُ دَمُ الْعِرْقِ لَا دَمَ الْحَيْضِ . وَأَمَّا وَطْءُ الزَّوْجِ أَوِ السَّيِّدِ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي هَذِهِ حَالُهَا فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، جَمَاعَةٌ قَالُوا : لَا سَبِيلَ لِزَوْجِهَا إِلَى وَطْئِهَا مَا دَامَتْ تِلْكَ حَالَهَا ، قَالُوا : لِأَنَّ كُلَّ دَمٍ أَذًى ، يَجِبُ غَسْلُهُ مِنَ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ ، وَلَا فَرْقَ فِي الْمُبَاشَرَةِ بَيْنَ دَمِ الْحَيْضِ وَدَمِ الِاسْتِحَاضَةِ ; لِأَنَّهُ كُلَّهُ رِجْسٌ ، وَإِنْ كَانَ التَّعَبُّدُ مِنْهُ مُخْتَلِفًا ، كَمَا أَنَّ مَا خَرَجَ مِنَ السَّبِيلَيْنِ سَوَاءٌ فِي النَّجَاسَةِ ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ عِبَادَاتُهُ فِي الطَّهَارَةِ ، قَالُوا : وَأَمَّا الصَّلَاةُ ، فَرُخْصَةٌ وَرَدَتْ بِهَا السُّنَّةُ كَمَا يُصَلَّى لِسَلَسِ الْبَوْلِ ، وَمِمَّنْ قَالَ : إِنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ لَا يُصِيبُهَا زَوْجُهَا ، إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، وَالْحَكَمُ ، وَعَامِرٌ الشَّعْبِيُّ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنِ الْحَسَنِ ، وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ أَنَّهُ لَا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُلَيَّةَ ، وَذُكِرَ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : الْمُسْتَحَاضَةُ تَصُومَ وَتُصَلِّي ، وَلَا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا ، وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ حَفْصِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنِ الْحَسَنِ مِثْلُهُ . وَعَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ سَالِمٍ ، عَنْ حُرَيْثٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ مِثْلُهُ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، قَالَ : لَا تَصُومُ وَلَا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا ، وَلَا تَمَسُّ الْمُصْحَفَ . وَعَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، قَالَ مِثْلَ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ : أَيُصِيبُ الْمُسْتَحَاضَةَ زَوْجُهَا ؟ فَقَالَ : إِنَّمَا سَمِعْنَا الصَّلَاةَ . وَذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - وَكَانَ مِنْ أَعْلَى أَصْحَابِ مَالِكٍ - يَقُولُ : قَوْلُنَا فِي الْمُسْتَحَاضَةِ إِذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ بَعْدَ انْقِضَاءِ أَيَّامِ حَيْضَتِهَا : إِنَّا لَا نَدْرِي هَلْ ذَلِكَ انْتِقَالُ دَمِ حَيْضَتِهَا إِلَى دَمٍ أَكْثَرَ مِنْهَا ، أَمْ ذَلِكَ اسْتِحَاضَةٌ ؟ فَنَأْمُرُهَا أَنْ تَغْتَسِلَ إِذَا مَضَتْ أَيَّامُ حَيْضَتِهَا ، وَتُصَلِّي وَتَصُومَ ، وَلَا يَغْشَاهَا زَوْجُهَا - احْتِيَاطًا ، يَنْظُرُ إِلَى مَا تَصِيرُ إِلَيْهِ حَالُهَا بَعْدَ ذَلِكَ - إِنْ كَانَتْ حَيْضَةً انْتَقَلَتْ مِنْ أَيَّامٍ إِلَى أَكْثَرَ مِنْهَا ، عَمِلَتْ فِيمَا تَسْتَقْبِلُ عَلَى الْأَيَّامِ الَّتِي انْتَقَلَتْ إِلَيْهَا ، وَلَمْ يَضُرَّهَا مَا كَانَتِ احْتَاطَتْ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الدَّمُ الَّذِي اسْتَمَرَّ بِهَا اسْتِحَاضَةً ، كَانَتْ قَدِ احْتَاطَتْ لِلصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ . قَالَ أَبُو مُصْعَبٍ : وَهَذَا قَوْلُنَا وَبِهِ نُفْتِي ، وَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ : الْمُسْتَحَاضَةُ تَصُومُ ، وَتُصَلِّي ، وَتَطُوفُ ، وَتَقْرَأُ ، وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا ، وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ إِجَازَةُ وَطْءِ الْمُسْتَحَاضَةِ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَالْحَسَنُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَعَطَاءٌ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِمْ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَقُولُ : أَحَبُّ إِلَيَّ أَلَّا يَطَأَهَا إِلَّا أَنْ يَطُولَ ذَلِكَ بِهَا . ذَكَرَ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنِ الْأَجْلَحِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ : لَا بَأْسَ أَنْ يُجَامِعَهَا زَوْجُهَا . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ شَرُوسٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُ عَنِ الْمُسْتَحَاضَةِ : أَيُصِيبُهَا زَوْجُهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَإِنْ سَالَ الدَّمُ عَلَى عَقِبَيْهَا . عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ سُمَيٍّ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَعَنْ يُونُسَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، قَالَا فِي الْمُسْتَحَاضَةِ : تَصُومُ ، وَتُصَلِّي ، وَيُجَامِعُهَا زَوْجُهَا . وَعَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنِ الْمُسْتَحَاضَةِ : أَتُجَامِعُ ؟ فَقَالَ : الصَّلَاةُ أَعْظَمُ مِنَ الْجِمَاعِ . وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ : الْمُسْتَحَاضَةُ تَصُومُ ، وَتُصَلِّي وَيَطَؤُهَا زَوْجُهَا ، قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : وَقَالَ مَالِكٌ : أَمْرُ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ دَمُهَا كَثِيرًا ، وَقَالَ مَالِكٌ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ وَإِذَا لَمْ تَكُنْ حَيْضَةً ، فَمَا يَمْنَعُهَا أَنْ تُصِيبَهَا وَهِيَ تُصَلِّي وَتَصُومُ ؟ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : حُكْمُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي دَمِ الْمُسْتَحَاضَةِ بِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ مِنَ الصَّلَاةِ ، وَتَعْبُدُ فِيهِ بِعِبَادَةٍ غَيْرِ عِبَادَةِ الْحَيْضِ ، أَوْجَبَ أَنْ لَا يَحْكُمَ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حُكْمِ الْحَيْضِ إِلَّا فِيمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ غُسْلِهِ كَسَائِرِ الدِّمَاءِ . وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي أَكْثَرِ الْحَيْضِ ، وَفِي أَقَلِّهِ ، وَفِي أَقَلِّ الطُّهْرِ ، فَوَاجِبُ الْوُقُوفِ عَلَيْهِ ههنا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الِاسْتِحَاضَةِ زِيَادَةُ الدَّمِ عَلَى مِقْدَارِ أَمَدِ الْحَيْضِ ، أَوْ نُقْصَانِ مُدَّةِ الطُّهْرِ عَنْ أَقَلِّهِ ، فَبِهَذَا تُعْرَفُ الِاسْتِحَاضَةُ . فَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي أَكْثَرِ الْحَيْضِ وَأَقَلِّهِ ، فَإِنَّ فُقَهَاءَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ : إِنَّ الْحَيْضَ لَا يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، وَجَائِزٌ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَمَا دُونَ ، وَأَمَّا مَا زَادَ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَلَا يَكُونُ حَيْضًا ، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِحَاضَةٌ ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : لَا وَقْتَ لِقَلِيلِ الْحَيْضِ وَلَا لِكَثِيرِهِ ، وَالدَّفْعَةُ عِنْدَهُ مِنَ الدَّمِ - وَإِنْ قَلَّتْ - تَمْنَعُ مِنَ الصَّلَاةِ ، وَأَكْثَرُ الْحَيْضِ عِنْدَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، إِلَّا أَنْ يُوجَدَ فِي النِّسَاءِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ، فَكَأَنَّهُ تَرَكَ قَوْلَهُ : خَمْسَةَ عَشَرَ ، وَرَدَّهُ إِلَى عُرْفِ النِّسَاءِ فِي الْأَكْثَرِ ، وَأَمَّا الْأَقَلُّ فَقَلِيلُ الدَّمِ - عِنْدَهُ - حَيْضٌ بِلَا تَوْقِيتٍ ، يَمْنَعُ مِنَ الصَّلَاةِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْمُطَلَّقَةُ تَعُدُّهُ قُرْءًا ، هَذِهِ جُمْلَةُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَأَكْثَرِ الْمِصْرِيِّينَ عَنْهُ ، وَرَوَى الْأَنْدَلُسِيُّونَ ، عَنْ مَالِكٍ : أَقَلُّ الطُّهْرِ عَشْرٌ ، وَأَقَلُّ الْحَيْضِ خَمْسٌ ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ ، عَنْ مَالِكٍ : أَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةُ أَيَّامٍ ، وَأَقَلُّ الْحَيْضِ خَمْسَةُ أَيَّامٍ ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : أَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، وَرُوِيَ عَنْهُ : يَوْمٌ بِلَا لَيْلَةٍ ، وَأَكْثَرُهُ عِنْدَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا . وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ آخَرُ كَقَوْلِ مَالِكٍ فِي عُرْفِ النِّسَاءِ ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ : أَكْثَرُ الْحَيْضِ خَمْسَةٌ ، وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : أَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ ، قَالَ : وَعِنْدَنَا امْرَأَةٌ تَحِيضُ غُدْوَةً وَتَطْهُرُ عَشِيَّةً ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ ، فَمَا نَقَصَ عِنْدَهَا وَلَاءً مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ ، وَمَا زَادَ عَلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ ، وَكَذَلِكَ مَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ - عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ ، وَمَا زَادَ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَمِثْلُ ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ مَا نَقَصَ عَنْ أَقَلِّ الطُّهْرِ فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ ، وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي أَقَلِّ الطُّهْرِ ، فَإِنَّ مَالِكًا ، وَأَصْحَابَهُ اضْطَرَبُوا فِي ذَلِكَ ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ : عَشَرَةُ أَيَّامٍ ، وَرُوِيَ عَنْهُ : ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ ، وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ . وَقَالَ عَبْدُ الْمَالِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ : أَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةُ أَيَّامٍ ، وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ : أَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : إِلَّا أَنْ يُعْلَمَ طُهْرُ امْرَأَةٍ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهَا . . وَحَكَى ابْنُ أَبِي عِمْرَانَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ ، أَنَّ أَقَلَّ الطُّهْرِ تِسْعَةَ عَشَرَ ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ عَدْلَ كُلِّ حَيْضَةٍ وَطُهْرٍ شَهْرًا ، وَالْحَيْضُ فِي الْعَادَةِ أَقَلُّ مِنَ الطُّهْرِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ الْحَيْضُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، وَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَشْرَةٌ حَيْضًا ، وَبَاقِي الشَّهْرِ طُهْرًا - وَهُوَ تِسْعَةَ عَشَرَ ; لِأَنَّ الشَّهْرَ قَدْ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ . وَقَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَالطَّبَرِيِّ فِي أَقَلِّ الْحَيْضِ ، وَأَكْثَرِهِ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، وَأَمَّا أَقَلُّ الطُّهْرِ ، فَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ : لَا تَحْدِيدَ فِي ذَلِكَ ، وَأَنْكَرَا عَلَى مَنْ وَقَّتَ فِي ذَلِكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، وَقَالَا : بَاطِلٌ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : أَقَلُّ مَا بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ مِنَ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، وَذَكَرَ أَبُو ثَوْرٍ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ، وَحَكَاهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ . وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي أَقَلِّ النِّفَاسِ وَأَكْثَرِهِ ، فَلَا أَعْلَمُهُمْ يَخْتَلِفُونَ - أَعْنِي فُقَهَاءَ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ - أَنَّ النُّفَسَاءَ إِذَا رَأَتِ الطُّهْرَ وَلَوْ بَعْدَ سَاعَةٍ أَنَّهَا تَغْتَسِلُ ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَكْثَرِ مُدَّتِهِ ، فَقَالَ مَالِكٌ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ ، وَالشَّافِعِيُّ : أَكْثَرُهُ سِتُّونَ يَوْمًا ، ثُمَّ رَجَعَ مَالِكٌ ، فَقَالَ : يُسْأَلُ النِّسَاءُ عَنْ ذَلِكَ ، وَأَهْلُ الْمَعْرِفَةِ ، فَذَكَرَ اللَّيْثُ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ : سَبْعِينَ يَوْمًا ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : أَكْثَرُهُ أَرْبَعُونَ يَوْمًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَا زَادَ عِنْدَهُمْ عَلَى أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَيْضِ وَأَكْثَرِ مُدَّةِ النِّفَاسِ فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ ، لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ ، فَقِفْ عَلَى أُصُولِهِمْ فِي هَذَا الْبَابِ ; لِتَعْرِفَ الْحُكْمَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ ، وَتَعْرِفَ مَنْ قَلَّدَ أَصْلَهُ مِنْهُمْ ، وَمَنْ خَالَفَهُ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، فَأَمَّا أَقَاوِيلُ الصَّحَابَةِ ، وَالتَّابِعِينَ فِي صَلَاةِ الْمُسْتَحَاضَةِ ، فَإِنَّ ابْنَ سِيرِينَ رَوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ ، قَالَ : إِذَا رَأَتِ الدَّمَ الْبَحْرَانِيَّ فَلَا تُصَلِّي ، وَإِذَا رَأَتِ الطُّهْرَ وَلَوْ سَاعَةً فَلْتَغْتَسِلْ وَلْتُصَلِّ . وَقَالَ مَكْحُولٌ : إِنَّ النِّسَاءَ لَا تَخْفَى عَلَيْهِنَّ الْحَيْضَةُ ، إِنَّ دَمَهَا أَسْوَدُ غَلِيظٌ ، فَإِذَا ذَهَبَ ذَلِكَ وَصَارَتْ صُفْرَةً رَقِيقَةً ، فَإِنَّهَا الِاسْتِحَاضَةُ ، فَلْتَغْتَسِلْ وَلْتُصَلِّ . وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ : إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ تَرَكَتِ الصَّلَاةَ ، وَإِذَا أَدْبَرَتِ اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ : تَجْلِسُ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا ، وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْهُ ، وَرَوَى يُونُسُ ، عَنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : الْحَائِضُ إِذَا مَدَّ بِهَا الدَّمُ تُمْسِكُ بَعْدَ حَيْضَتِهَا يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ ، وَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ . وَقَالَ التَّيْمِيُّ ، عَنْ قَتَادَةَ : إِذَا زَادَتْ عَلَى أَيَّامِ حَيْضَتِهَا خَمْسَةَ أَيَّامٍ فَلْتُصَلِّ ، قَالَ التَّيْمِيُّ : فَجَعَلْتُ أُنْقِصُ حَتَّى إِذَا بَلَغْتُ يَوْمَيْنِ ، قَالَ : إِذَا كَانَ يَوْمَيْنِ فَهُوَ مِنْ حَيْضِهَا ، وَسُئِلَ ابْنُ سِيرِينَ فَقَالَ : النِّسَاءُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَهَذِهِ أَقَاوِيلُ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَأَمَّا أَقَاوِيلُ مَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى بِالْأَمْصَارِ ، فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَرْأَةِ إِذَا ابْتَدَأَهَا حَيْضُهَا فَاسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ ، أَوْ كَانَتْ مِمَّنْ قَدْ حَاضَتْ فَاسْتَمَرَّ الدَّمُ بِهَا - قَالَ فِي الْمُبْتَدَأَةِ : تَقْعُدُ مَا تَقْعُدُ نَحْوُهَا مِنَ النِّسَاءِ مِنْ أَسْنَانِهَا وَأَتْرَابِهَا وَلِدَاتِهَا ، ثُمَّ هِيَ مُسْتَحَاضَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ ، رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : مَا رَأَتِ الْمَرْأَةُ بَعْدَ بُلُوغِهَا مِنَ الدَّمِ فَهُوَ حَيْضٌ ، تَتْرُكُ لَهُ الصَّلَاةَ ، فَإِنْ تَمَادَى بِهَا قَعَدَتْ عَنِ الصَّلَاةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، ثُمَّ اغْتَسَلَتْ ، وَكَانَتْ مُسْتَحَاضَةً ، تُصَلِّي ، وَتَصُومُ ، وَتُوطَأُ إِلَّا أَنْ تَرَى دَمًا لَا تَشُكُّ أَنَّهُ دَمُ حَيْضٍ فَتَدَعُ لَهُ الصَّلَاةَ ، فَقَالَ : وَالنِّسَاءُ يَعْرِفْنَ ذَلِكَ بِرِيحِهِ وَلَوْنِهِ ، وَقَالَ : إِذَا عَرَفَتِ الْمُسْتَحَاضَةُ إِقْبَالَ الْحَيْضَةِ وَإِدْبَارَهَا ، وَمَيَّزَتْ دَمَهَا ، اعْتَدَّتْ بِهِ مِنَ الطَّلَاقِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ عِدَّتُهَا سَنَةٌ وَإِنْ رَأَتْ دَمًا تُنْكِرُهُ ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَرْأَةِ تَرَى الدَّمَ دَفْعَةً وَاحِدَةً ، لَا تَرَى غَيْرَهَا فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ : إِنَّ ذَلِكَ حَيْضٌ ، تَكُفُّ لَهُ عَنِ الصَّلَاةِ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ غَيْرُ تِلْكَ الدَّفْعَةِ ، اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ ، وَلَا تَعْتَدُّ بِتِلْكَ الدَّفْعَةِ مِنْ طَلَاقٍ ، وَالصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ عِنْدَ مَالِكٍ - فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ وَفِي غَيْرِهَا - حَيْضٌ . وَقَالَ مَالِكٌ : الْمُسْتَحَاضَةُ إِذَا مَيَّزَتْ بَيْنَ الدَّمَيْنِ عَمِلَتْ عَلَى التَّمْيِيزِ فِي إِقْبَالِ الْحَيْضَةِ وَإِدْبَارِهَا ، وَلَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى عَدَدِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ ، وَكَفَّتْ عَنِ الصَّلَاةِ عِنْدَ إِقْبَالِ حَيْضَتِهَا وَاغْتَسَلَتْ عِنْدَ إِدْبَارِهَا ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَرْأَةِ يَزِيدُ دَمُهَا عَلَى أَيَّامِ عَادَتِهَا : إِنَّهَا تُمْسِكُ عَنِ الصَّلَاةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، فَإِنِ انْقَطَعَ وَإِلَّا صَنَعَتْ مَا تَصْنَعُ الْمُسْتَحَاضَةُ ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ : تَسْتَظْهِرُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بَعْدَ أَيَّامِ حَيْضَتِهَا الْمُعْتَادَةِ ، ثُمَّ تُصَلِّي ، وَتَرَكَ قَوْلَهُ : خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، وَأَخَذَ بِقَوْلِهِ الْأَوَّلِ الْمَدَنِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِهِ ، وَأَخَذَ بِقَوْلِهِ الْآخَرِ الْمِصْرِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِهِ . وَقَالَ اللَّيْثُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كُلِّهَا مِثْلَ قَوْلِ مَالِكٍ الْأَخِيرِ ، وَلِمَالِكٍ ، وَغَيْرِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي الْمَرْأَةِ يَنْقَطِعُ دَمُ حَيْضِهَا فَتَرَى دَمًا يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ ، وَطُهْرًا يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ - مَذَاهِبُ ، سَنَذْكُرُهَا فِي بَابِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ : أَقْصَى مَا تَحِيضُ النِّسَاءُ عِنْدَ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ - مَالِكٍ وَغَيْرِهِ - خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، فَإِذَا رَأَتِ الْمَرْأَةُ الدَّمَ أَمْسَكَتْ عَنِ الصَّلَاةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، فَإِنِ انْقَطَعَ عَنْهَا عِنْدَ انْقِضَاءِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ وَفِيمَا دُونَهَا عَلِمْنَا أَنَّهُ حَيْضٌ ، وَاغْتَسَلَتْ عِنْدَ انْقِطَاعِهِ ، وَصَلَّتْ ، وَلَيْسَتْ مُسْتَحَاضَةً ، فَإِنْ تَمَادَى بِهَا الدَّمُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا اغْتَسَلَتْ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ ، وَعَلِمْنَا أَنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ ، فَأَمَرْنَاهَا بِالْغُسْلِ ; لِأَنَّهَا طَاهِرٌ ، وَتُصَلِّي مِنْ يَوْمِهَا ذَلِكَ ، وَلَا تُصَلِّي مَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهَا تَرَكَتِ الصَّلَاةَ بِاجْتِهَادٍ فِي أَمْرٍ يُخْتَلَفُ فِيهِ ، وَقَدْ ذَهَبَ وَقْتُ تِلْكَ الصَّلَاةِ وَقُلْنَا : أَقِيمِي طَاهِرَةً حَتَّى تُقْبِلَ الْحَيْضَةُ ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَلِكَ أَنْ تَأْتِيَهَا دَفْعَةٌ مِنْ دَمٍ تُنْكِرُهُ بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مِنْ يَوْمِ غُسْلِهَا ; لِأَنَّهُ أَقَلُّ الطُّهْرِ عِنْدَنَا ، فَإِذَا رَأَتِ الدَّفْعَةَ بَعْدَ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الطُّهْرِ كَفَّتْ عَنِ الصَّلَاةِ ، مَا دَامَتْ تَرَى الدَّمَ إِلَى خَمْسَةَ عَشَرَ ، ثُمَّ اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ فِيمَا تَسْتَقْبِلُ كَمَا ذَكَرْنَا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الدَّفْعَةِ وَبَيْنَ الطُّهْرِ قَدْرُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَهِيَ امْرَأَةٌ حَاضَتْ فِي الشَّهْرِ أَكْثَرَ مِمَّا تَحِيضُ النِّسَاءُ ، فَلَا تَعْتَدُّ بِهِ ، وَلَا تَتْرُكُ الصَّلَاةَ لِتِلْكَ الدَّفْعَةِ ، وَلَا تَزَالُ تُصَلِّي حَتَّى يَأْتِيَهَا وَلَوْ دَفْعَةٌ بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ أَوْ أَكْثَرَ مِنَ الطُّهْرِ ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ : إِنَّمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُسْتَحَاضَةَ أَنْ تَتْرُكَ الصَّلَاةَ إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ ، وَقَدْرُهَا عِنْدَنَا عَلَى مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ : لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا ، فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ ، فَإِنْ جَاوَزَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ ، وَلْتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ ، وَلْتُصَلِّي وَإِنَّمَا تَتْرُكُ الصَّلَاةَ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ ، وَحَيْضُهَا مُسْتَقِيمٌ قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ لَا تَزِيدُ عَلَيْهَا ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي ، وَهِيَ طَاهِرٌ حَتَّى تَرَى دَفْعَةً ، فَتَكُفَّ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ ، فَإِنْ زَادَتْ دَفْعَةٌ قَبْلَ وَقْتِ حَيْضِهَا لَمْ تَكُفَّ عَنِ الصَّلَاةِ ; لِأَنَّهَا لَوْ كَفَّتْ عَنِ الصَّلَاةِ بِتِلْكَ الدَّفْعَةِ قَبْلَ وَقْتِ حَيْضِهَا كَانَتْ قَدْ خَالَفَتْ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَعَدَتْ عَنِ الصَّلَاةِ أَكْثَرَ مِنْ أَيَّامِ حَيْضِهَا ، وَالدَّفْعَةُ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْحَيْضِ عِرْقٌ ، لَنْ تُقْبَلَ مَعَهُ حَيْضَةٌ ، وَإِنَّمَا أُمِرَتْ أَنْ تَكُفَّ عَنِ الصَّلَاةِ عِنْدَ إِقْبَالِ الْحَيْضَةِ ، فَرَأَيْنَا إِقْبَالَهَا في غير مَوْضِعَهَا مُخَالِفًا لِلْحَدِيثِ فِي عَدَدِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ ، فَجَعَلْنَا ذَلِكَ اسْتِحَاضَةً ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ : وَكَانَ الْمُغِيرَةُ يَأْخُذُ بِالْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ فِيهِ عَدَدُ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ ، وَكَانَ مَالِكٌ يَحْتَاطُ بَعْدَ ذَلِكَ بِثَلَاثٍ قَالَ : وَقَوْلُ الْمُغِيرَةِ فِي ذَلِكَ أَحْسَنُ وَأَحَبُّ إِلَيَّ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَذَّلِ : أَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي لَمْ تَحِضْ قَطُّ ثُمَّ حَاضَتْ فَاسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ : فَإِنَّهَا تَتْرُكُ الصَّلَاةَ إِلَى أَنْ تُتِمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، فَإِنِ انْقَطَعَ عَنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ عَلِمْنَا أَنَّهُ حَيْضٌ وَاغْتَسَلَتْ ، وَإِنِ انْقَطَعَ عَنْهَا لِخَمْسَ عَشْرَةَ ، فَكَذَلِكَ أَيْضًا ، وَهِيَ حَيْضَةٌ قَائِمَةٌ تَصِيرُ قُرْءًا لَهَا ، وَإِنْ زَادَ الدَّمُ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ اغْتَسَلَتْ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْخَمْسَ عَشْرَةَ ، وَتَوَضَّأَتْ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَصَلَّتْ ، وَكَانَ مَا بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ دَمِهَا اسْتِحَاضَةً ، يَغْشَاهَا فِيهِ زَوْجُهَا ، وَتُصَلِّي فِيهِ ، وَتَصُومُ ، وَلَا تَزَالُ بِمَنْزِلَةِ الطَّاهِرِ حَتَّى تَرَى دَمًا قَدْ أَقْبَلَ غَيْرَ الدَّمِ الَّذِي كَانَ بِهَا وَهِيَ تُصَلِّي ، فَإِنْ رَأَتْهُ بَعْدَ خَمْسِ لَيَالٍ مِنْ يَوْمِ اغْتَسَلَتْ فَهُوَ حَيْضٌ مُقْبِلٌ ، تَتْرُكُ لَهُ الصَّلَاةَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِمَّنْ كَانَ لَهَا حَيْضٌ مَعْرُوفٌ تَرْجِعُ إِلَيْهِ وَتَتْرُكُ الصَّلَاةَ قَدْرَ أَيَّامِهَا ، إِنَّمَا وَقْتُهَا أَكْثَرُ الْحَيْضِ ، وَهِيَ خَمْسَ عَشْرَةَ ، وَإِذَا رَأَتِ الدَّمَ الْمُقْبِلَ بَعْدَمَا اغْتَسَلَتْ بِأَقَلَّ مِنْ خَمْسِ لَيَالٍ لَمْ تَتْرُكْ لَهُ الصَّلَاةَ ، وَكَانَتِ اسْتِحَاضَةً ; لِأَنَّهَا لَمْ تُتِمَّ مِنَ الطُّهْرِ أَيَّامَهَا ، فَيَكُونُ الَّذِي يُقْبِلُ حَيْضًا مُسْتَأْنَفًا ، فَهَذَا حُكْمُ الَّتِي ابْتُدِئَتْ فِي أَوَّلِ مَا حَاضَتْ بِالِاسْتِحَاضَةِ ، قَالَ : وَأَمَّا الَّتِي لَهَا حَيْضٌ مَعْرُوفٌ مُسْتَقِيمٌ وَزَادَهَا الدَّمُ عَلَى أَيَّامِهَا ، فَإِنَّهَا تَنْتَظِرُ إِلَى تَمَامِ خَمْسَ عَشْرَةَ ، فَإِنِ انْقَطَعَ عَنْهَا الدَّمُ قَبْلَ ذَلِكَ اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ ، وَكَانَ حَيْضُهَا مُسْتَقِيمًا ، وَإِنِ انْقَطَعَ الدَّمُ مَعَ تَمَامِ خَمْسَةَ عَشَرَ ، فَكَذَلِكَ أَيْضًا ، وَإِنَّمَا هِيَ امْرَأَةٌ انْتَقَلَ حَيْضُهَا إِلَى أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ ، وَكُلُّ ذَلِكَ حَيْضٌ ; لِأَنَّ حَيْضَ الْمَرْأَةِ مُخْتَلِفٌ أَحْيَانًا فَيَقِلُّ وَيَكْثُرُ ، وَإِنْ زَادَهَا الدَّمُ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ اغْتَسَلَتْ عِنْدَ تَمَامِهَا ، فَصَلَّتْ ، وَكَانَتْ مُسْتَحَاضَةً ، وَتُصَلِّي ، وَتَصُومُ ، وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا ، حَتَّى تَرَى دَمًا قَدْ أَقْبَلَ سِوَى الَّذِي تُصَلِّي فِيهِ ، فَإِنْ رَأَتْهُ قَبْلَ خَمْسِ لَيَالٍ مِنْ حِينِ اغْتَسَلَتْ مَضَتْ عَلَى حَالِ الطَّهَارَةِ فَإِنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ ، وَإِنْ رَأَتْهُ بَعْدَ خَمْسِ لَيَالٍ فَأَكْثَرَ فَهُوَ دَمُ حَيْضٍ مُسْتَأْنَفٌ ، تَتْرُكُ لَهُ الصَّلَاةَ أَيَّامَهَا الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهَا قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِطَ عَلَيْهَا أَمْرُهَا ، وَتَزِيدُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ عَلَى مَا كَانَتْ تَعْرِفُ مِنْ أَيَّامِهَا ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ أَيَّامُهَا وَالثَّلَاثَةُ الَّتِي تَحْتَاطُ بِهَا أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَ عَشْرَةَ ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ تُجَاوِزْ خَمْسَ عَشْرَةَ ، وَاغْتَسَلَتْ عِنْدَ تَمَامِهَا وَصَلَّتْ ، فَهَذَا فَرْقٌ بَيْنَ الْمُبْتَدَأَةِ بِالِاسْتِحَاضَةِ ، وَبَيْنَ الَّتِي كَانَ لَهَا وَقْتٌ مَعْلُومٌ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَذَّلِ : الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الْجِلَّةُ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي الْقَدِيمِ : أَنَّ الْحَيْضَ يَكُونُ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً لَا تُجَاوِزُ ذَلِكَ ، وَمَا جَاوَزَهُ فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ ، قَالَ : وَعَلَى هَذَا كَانَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْقَدِيمُ ، وَأَهْلِ الْكُوفَةِ ، حَتَّى رَجَعَ عَنْهُ أَبُو حَنِيفَةَ ; لِحَدِيثٍ بَلَغَهُ عَنِ الْجَلْدِ بْنِ أَيُّوبَ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ : تَنْتَظِرُ عَشْرًا لَا تُجَاوِزُ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَمْ أَزَلْ أَرَى أَنْ يَكُونَ أَقَلُّ الطُّهْرِ أَكْثَرَ مِنْ أَكْثَرِ الْحَيْضِ وَكُنْتُ أَكْرَهُ خِلَافَهُمْ - يَعْنِي فُقَهَاءَ الْكُوفَةِ - حَتَّى سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَنَسٍ فَأَنَا آخُذُ بِهِ . قَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَذَّلِ : وَاخْتَلَفَ قَوْلُ أَصْحَابِهِ فِي عَدَدِ الْحَيْضِ وَانْقِطَاعِهِ وَعَوْدَتِهِ اخْتِلَافًا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَأْخُذُوهُ عَنْ أَثَرٍ قَوِيٍّ وَلَا إِجْمَاعٍ ، قَالَ : وَاخْتَلَفَ أَيْضًا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ فِي عَدَدِ الْحَيْضِ ، رَجَعَ فِيهَا مِنْ قَوْلٍ إِلَى قَوْلٍ ، وَثَبَتَ هُوَ وَأَهْلُ بَلَدِهِ عَلَى أَصْلِ قَوْلِهِمْ فِي الْحَيْضِ ، أَنَّهُ خَمْسَ عَشْرَةَ قَالَ : وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ لَكَ اخْتِلَافَ أَمْرِ الْحَيْضِ ، وَاخْتِلَاطَهُ عَلَى الْعُلَمَاءِ ; لِتَعْلَمَ أَنَّهُ أَمْرٌ أُخِذَ أَكْثَرُهُ بِالِاجْتِهَادِ ، فَلَا يَكُونُ عِنْدَكَ سُنَّةُ قَوْلِ أَحَدٍ مِنَ الْمُخْتَلِفِينَ ، فَيُضَيِّقُ عَلَى النَّاسِ خِلَافَهُمْ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدِ احْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ لِمَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ فِي تَحْدِيدِ الثَّلَاثِ وَالْعَشْرِ فِي أَقَلِّ الْحَيْضِ وَأَكْثَرِهِ - بِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ ، إِذْ سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْمَرْأَةِ الَّتِي كَانَتْ تُهَرَاقُ الدَّمَ فَقَالَ : لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ ، فَلْتَتْرُكْ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ ، ثُمَّ تَغْتَسِلْ ، وَتُصَلِّي قَالَ : فَأَجَابَهَا بِذِكْرِ عَدَدِ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ لَهَا عَلَى مِقْدَارِ حَيْضِهَا قَبْلَ ذَلِكَ قَالَ : وَأَكْثَرُ مَا يَتَنَاوَلُهُ أَيَّامٌ عَشَرَةٌ ، وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ هَذَا عِنْدِي حُجَّةً تَمْنَعُ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْحَيْضُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ ; لِأَنَّهُ كَلَامٌ خَرَجَ فِي امْرَأَةٍ قَدْ عُلِمَ أَنَّ حَيْضَهَا أَيَّامٌ ، فَخَرَجَ جَوَابُهَا عَلَى ذَلِكَ ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْحَيْضُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي النِّسَاءِ غَيْرُ مَدْفُوعٍ ، وَأَمَّا الْجَلْدُ بْنُ أَيُّوبَ ، فَإِنَّ الْحُمَيْدِيَّ ذَكَرَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ كَانَ يُضَعِّفُهُ ، وَيَقُولُ : مَنْ جَلْدٌ ؟ وَمَنْ كَانَ جَلْدٌ ؟ وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : الْجَلْدُ بْنُ أَيُّوبَ يُضَعِّفُهُ أَهْلُ الْبَصْرَةِ ، وَيَقُولُونَ : لَيْسَ بِصَاحِبِ حَدِيثٍ ، يَعْنِي رِوَايَتَهُ فِي قِصَّةِ الْحَيْضِ عَنْ أَنَسٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لِلْجَلْدِ بْنِ أَيُّوبَ - أَيْضًا - حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ ، عَنْ عَائِدِ بْنِ عُمَرَ ، وَأَنَّهُ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : إِذَا نُفِسْتِ لَا تَغُرِّينِي عَنْ دِينِي حَتَّى تَمْضِيَ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً . وَرَوَى عَنِ الْجَلْدِ بْنِ أَيُّوبَ - هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ ، وَعُمَرُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ ، وَغَيْرُهُمْ ، وَلَهُ سَمَاعٌ مَنِ الْحَسَنِ وَنُظَرَائِهِ ، وَلَكِنَّهُمْ يُضَعِّفُونَهُ فِي حَدِيثِهِ فِي الْحَيْضِ ، وَأَمَّا الِاسْتِظْهَارُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ بِاسْتِظْهَارِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : تَسْتَظْهِرُ يَوْمَيْنِ . وَحَكَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ ، قَالَ : تَسْتَظْهِرُ يَوْمًا وَاحِدًا عَلَى حَيْضَتِهَا ، ثُمَّ هِيَ مُسْتَحَاضَةٌ ، وَذَكَرَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ : تَسْتَظْهِرُ بِيَوْمٍ وَاحِدٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : احْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي الِاسْتِظْهَارِ بِحَدِيثٍ رَوَاهُ حَرَامُ بْنُ عُثْمَانَ ، عَنْ أَبِي جَابِرٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ ، وَحَرَامُ بْنُ عُثْمَانَ ضَعِيفٌ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ ، وَاحْتَجُّوا فِيهِ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْمُصَرَّاةِ فِي اخْتِلَاطِ اللَّبَنَيْنِ ، فَجَعَلُوا كَذَلِكَ اخْتِلَاطَ الدَّمَيْنِ : دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ ، وَدَمِ الْحَيْضِ ، وَفِي السُّنَّةِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ سِيرِينَ ، وَغَيْرِهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ الْمُصَرَّاةَ تُسْتَبْرَأُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ; لِيُعْلَمَ بِذَلِكَ مِقْدَارُ لَبَنِ التَّصْرِيَةِ مِنْ لَبَنِ الْعَادَةِ ، فَجَعَلُوا كَذَلِكَ الَّذِي يَزِيدُ دَمُهَا عَلَى عَادَتِهَا ; لِيُعْلَمَ بِذَلِكَ أَحَيْضٌ هُوَ أَمِ اسْتِحَاضَةٌ ؟ اسْتِبْرَاءً وَاسْتِظْهَارًا ، وَفِي هَذَا الْمَعْنَى نَظَرٌ ; لِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ إِنَّمَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي عَمَلِ الصَّلَاةِ لَا فِي تَرْكِهَا ، وَسَيَأْتِي هَذَا الْمَعْنَى بِأَوْضَحَ مِنْ هَذَا فِي بَابِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، فَإِنَّهُ قَالَ : الْحَيْضُ أَقَلُّ مَا يَكُونُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، فَإِنْ تَمَادَى بِالْمُبْتَدَأَةِ الدَّمُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا اغْتَسَلَتْ ، وَقَضَتِ الصَّلَاةَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا ; لِأَنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ بِيَقِينٍ إِذَا زَادَتْ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، فَإِنَّ حَيْضَهَا أَقَلُّ الْحَيْضِ احْتِيَاطًا لِلصَّلَاةِ ، وَإِنِ انْقَطَعَ دَمُهَا لِخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَوْ دُونَهَا ، فَهُوَ كُلُّهُ حَيْضٌ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا زَادَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى أَيَّامِ حَيْضِهَا نَظَرَتْ ، فَإِنْ كَانَ الدَّمُ مُحْتَدِمًا ثَخِينًا ، فَتِلْكَ الْحَيْضَةُ تَدَعُ لَهَا الصَّلَاةَ ، فَإِذَا جَاءَهَا الدَّمُ الْأَحْمَرُ فَذَلِكَ الِاسْتِحَاضَةُ ، تَغْتَسِلُ ، وَتُصَلِّي وَلَا تَسْتَظْهِرُ فِي أَيَّامِ الدَّمِ ، وَفِي أَيَّامِ أَقْرَائِهَا تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي ، تَعْمَلُ عِنْدَهُ عَلَى التَّمْيِيزِ ، فَإِنْ لَمْ تُمَيِّزْ فَعَلَى الْأَيَّامِ ، فَإِنْ لَمْ تَعْرِفْ ، رَجَعَتْ إِلَى الْعُرْفِ ، وَالْعَادَةِ ، وَالْيَقِينِ ، وَقَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ فِي هَذَا كُلِّهِ مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ سَوَاءً . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الدَّمُ الْمُحْتَدِمُ هُوَ الَّذِي لَيْسَ بِرَقِيقٍ وَلَا بِمُشْرِقٍ ، وَهُوَ إِلَى الْكُدْرَةِ ، وَالدَّمُ الْأَحْمَرُ الْمَشْرِقُ تَقُولُ لَهُ الْعَرَبُ : دَمٌ عَبِيطٌ ، وَالْعَبِيطُ هُوَ الطَّرِيُّ غَيْرُ الْمُتَغَيِّرِ ، تَقُولُ الْعَرَبُ : اعْتَبَطَ نَاقَتَهُ ، وَبَعِيرَهُ : إِذَا نَحَرَهُمَا مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ ، وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُمْ : مَنْ لَمْ يَمُتْ عَبْطَةً يَمُتْ هَرَمًا أَيْ : مَنْ لَمْ يَمُتْ فِي شَبَابِهِ وَصِحَّتِهِ مَاتَ هَرَمًا ، يَقُولُونَ : اعْتَبَطَ الرَّجُلُ : إِذَا مَاتَ شَابًّا صَحِيحًا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ فِي الَّتِي يَزِيدُ دَمُهَا عَلَى أَيَّامِ عَادَتِهَا : إِنَّهَا تُرَدُّ إِلَى أَيَّامِهَا الْمَعْرُوفَةِ ، فَإِنْ زَادَتْ فَإِلَى أَقْصَى مُدَّةِ الْحَيْضِ ، وَذَلِكَ عِنْدَهُمْ عَشَرَةُ أَيَّامٍ ، تَتْرُكُ الصَّلَاةَ فِيهَا ، فَإِنِ انْقَطَعَ وَإِلَّا فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ ، وَالْعَمَلُ عِنْدَهُمْ عَلَى الْأَيَّامِ لَا عَلَى التَّمْيِيزِ ، تَجْلِسُ عِنْدَهُمْ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا إِلَى آخِرِ مُدَّةِ الْحَيْضِ . وَذَكَرَ بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْمُبْتَدَأَةِ تَرَى الدَّمَ وَيَسْتَمِرُّ بِهَا - أَنَّ حَيْضَهَا عَشْرٌ ، وَطُهْرَهَا عِشْرُونَ ، وَأَكْثَرُ الْحَيْضِ عِنْدَهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ ، وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : تَأْخُذُ فِي الصَّلَاةِ بِالثَّلَاثَةِ ، أَقَلُّ الْحَيْضِ وَفِي الْأَزْوَاجِ بِالْعَشْرِ ، وَلَا تَقْضِي صَوْمًا عَلَيْهَا إِلَّا بَعْدَ الْعَشَرَةِ ، وَتَصُومُ الْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ ، وَتَقْضِي سَبْعًا . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ - وَسُئِلَ فِيمَنْ تَسْتَظْهِرُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ بَعْدَ أَيَّامِ حَيْضِهَا إِذَا تَطَاوَلَ بِهَا الدَّمُ - فَقَالَ : يَجُوزُ ، وَلَمْ يُوَقِّتْ لِلِاسْتِظْهَارِ وَقْتًا . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : أَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، فَلَوْ طَبَقَ بِهَا الدَّمُ ، وَكَانَتْ مِمَّنْ تُمَيِّزُ ، وَعَلِمَتْ إِقْبَالَهُ بِأَنَّهُ أَسْوَدُ ثَخِينٌ ، أَوْ أَحْمَرُ يَضْرِبُ إِلَى السَّوَادِ ، وَفِي إِدْبَارِهِ يَصِيرُ إِلَى الرِّقَّةِ وَالصُّفْرَةِ - تَرَكَتِ الصَّلَاةَ فِي إِقْبَالِهِ ، فَإِذَا أَدْبَرَ اغْتَسَلَتْ ، وَصَلَّتْ ، وَتَوَضَّأَتْ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَمُهَا مُنْفَصِلًا ، وَكَانَتْ لَهَا أَيَّامٌ مِنَ الشَّهْرِ تَعْرِفُهَا أَمْسَكَتْ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا ، وَاغْتَسَلَتْ إِذَا جَاوَزَتْهَا ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَعْرِفُ أَيَّامَهَا - بِأَنْ تَكُونَ أُنْسِيَتْهَا ، وَكَانَ دَمُهَا مُشْكَلًا لَا يَنْفَصِلُ قَعَدَتْ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً فِي كُلِّ شَهْرٍ ، عَلَى حَدِيثِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ . وَأَمَّا الْمُبْتَدَأَةُ بِالدَّمِ ، فَإِنَّهَا تَحْتَاطُ ، فَتَجْلِسُ يَوْمًا وَلَيْلَةً ، وَتَغْتَسِلُ ، وَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَتُصَلِّي ، فَإِنِ انْقَطَعَ عَنْهَا الدَّمُ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ اغْتَسَلَتْ عِنْدَ انْقِطَاعِهِ ، وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ ثَانِيَةً وَثَالِثَةً ، فَإِنْ كَانَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ عَمِلَتْ عَلَيْهِ ، وَأَعَادَتِ الصَّوْمَ إِنْ كَانَتْ صَامَتْ ، وَإِنِ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ وَلَمْ تُمَيِّزْ قَعَدَتْ فِي كُلِّ شَهْرٍ سِتًّا أَوْ سَبْعًا ; لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنَ النِّسَاءِ أَنَّهُنَّ هَكَذَا يَحِضْنَ . وَقَوْلُ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ فِي هَذَا الْبَابِ نَحْوُ قَوْلِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي اسْتِعْمَالِ الثَّلَاثَةِ أَحَادِيثَ : حَدِيثُ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ فِي تَمْيِيزِ إِقْبَالِ حَيْضَتِهَا ، وَإِدْبَارِهَا ، وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ فِي عَدَدِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الْمَعْرُوفَةِ لَهَا ، إِذَا كَانَتْ لَا تُمَيِّزُ انْفِصَالَ دَمِهَا ، وَحَدِيثُ حَمْنَةِ بِنْتِ جَحْشٍ فِيمَنْ لَا تَعْرِفُ أَيَّامَهَا وَلَا تُمَيِّزُ دَمَهَا . وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : أَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، فَإِنْ تَمَادَى بِهَا الدَّمُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا قَضَتْ صَلَاةَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَخَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا عَادَةٌ ، فَتَقْضِي مَا زَادَ عَلَى عَادَتِهَا ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْحَامِلِ تَرَى الدَّمَ ، هَلْ ذَلِكَ اسْتِحَاضَةٌ لَا يَمْنَعُهَا مِنَ الصَّلَاةِ أَمْ هُوَ حَيْضٌ تَكُفُّ مَعَهُ عَنِ الصَّلَاةِ ؟ فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَالطَّبَرِيُّ : هُوَ حَيْضٌ وَتَدَعُ الصَّلَاةَ ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ . وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَيْضًا ، أَنَّهُ حَيْضٌ يَمْنَعُهَا مِنَ الصَّلَاةِ ، إِلَّا ابْنَ خَوَازِ بِنْدَادْ قَالَ : إِنَّ هَذَا فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ إِذَا رَأَتِ الدَّمَ فِي أَيَّامِ عَادَتِهَا ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ حَيْضًا . وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي حُكْمِ الْحَامِلِ إِذَا رَأَتِ الدَّمَ ، فَرُوِيَ عَنْهُ الْفَرْقُ بَيْنَ أَوَّلِ الْحَمْلِ وَآخِرِهِ ، وَرُوِيَ عَنْهُ ، وَعَنْ أَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ رِوَايَاتٌ لَمْ أَرَ لِذِكْرِهَا وَجْهًا ، وَأَصَحُّ مَا فِي ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ رُوَاتِهِ : أَشْهَبُ عَنْهُ : أَنَّ الْحَامِلَ فِي رُؤْيَتِهَا الدَّمَ كَغَيْرِ الْحَامِلِ سَوَاءً . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : لَيْسَ بِحَيْضٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِحَاضَةٌ لَا تَكُفُّ بِهِ عَنِ الصَّلَاةِ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُلَيَّةَ وَدَاوُدَ ، وَحُجَّةُ هَؤُلَاءِ - وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ - : أَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى أَنَّ الْحَامِلَ تُطَلَّقُ لِلسُّنَّةِ إِذَا اسْتَبَانَ حَمْلُهَا مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ ، وَأَنَّ الْحَمْلَ كُلَّهُ كَالطُّهْرِ الَّذِي لَمْ يُجَامَعْ فِيهِ ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ ، وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ قَالُوا : فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ يَنْفِي الْحَيْضَ . وَمِنْ حُجَّةِ مَالِكٍ ، وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَهُ فِي أَنَّ الْحَامِلَ تَحِيضُ - مَا يُحِيطُ بِهِ الْعِلْمُ بِأَنَّ الْحَائِضَ قَدْ تَحْمِلُ ، فَكَذَلِكَ جَائِزٌ أَنْ تَحِيضَ كَمَا جَائِزٌ أَنْ تَحْمِلَ ، وَالْأَصْلُ فِي الدَّمِ الظَّاهِرِ مِنَ الْأَرْحَامِ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا حَتَّى تَتَجَاوَزَ الْمِقْدَارَ الَّذِي لَا يَكُونُ مِثْلُهُ حَيْضًا ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ اسْتِحَاضَةً ; لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا حَكَمَ بِالِاسْتِحَاضَةِ فِي دَمٍ زَائِدٍ عَلَى مِقْدَارِ الْحَيْضِ ، وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ ، وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ مَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ حَيْضٌ عَلَى حَمْلٍ ; لِأَنَّ الْحَدِيثَ إِنَّمَا وَرَدَ فِي سَبْيِ أَوْطَاسَ حِينَ أَرَادُوا وَطْئَهُنَّ ، فَأَخْبَرُوا أَنَّ الْحَامِلَ لَا بَرَاءَةَ لِرَحِمِهَا بِغَيْرِ الْوَضْعِ ، وَالْحَائِلَ لَا بَرَاءَةَ لِرَحِمِهَا بِغَيْرِ الْحَيْضِ ، لَا أَنَّ الْحَامِلَ لَا تَحِيضُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَمِمَّنْ قَالَ : إِنَّ الْحَامِلَ إِذَا رَأَتِ الدَّمَ كَفَّتْ عَنِ الصَّلَاةِ كَالْحَائِضِ سَوَاءً - ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، وَابْنُ مَهْدِيٍّ ، وَجَمَاعَةٌ ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ، فَرُوِيَ عَنْهَا مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ ، وَالزَّهْرِيِّ ، وَرُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا لَا تَدَعُ الصَّلَاةَ عَلَى حَالٍ ، رَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ التَّابِعِينَ بِالْحِجَازِ ، وَالْعِرَاقِ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَمَّا غُسْلُ الْمُسْتَحَاضَةِ وَوُضُوؤُهَا ، فَأَجْمَعُوا أَنَّ عَلَيْهَا - إِذَا كَانَتْ مِمَّنْ تُمَيِّزُ دَمَ حَيْضِهَا مِنْ دَمِ اسْتِحَاضَتِهَا - أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ إِدْبَارِ حَيْضَتِهَا ، وَكَذَلِكَ إِذَا لَمْ تَعْرِفْ ذَلِكَ وَقَعَدَتْ مَا أُمِرَتْ بِهِ مِنْ عَدَدِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ من الشَّهْرِ ، اغْتَسَلَتْ عِنْدَ انْقِضَاءِ ذَلِكَ ، عَلَى حَسَبِمَا جَاءَ مَنْصُوصًا فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ ، وَغَيْرِهِ - عَلَى مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مِمَّا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَا عَلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ غُسْلٍ أَوْ وُضُوءٍ ، فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، بِحَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ ، وَعَمْرَةَ - جَمِيعًا ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ ، وَبَعْضَ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ يَقُولُ عَنْهُ فِيهِ : حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ ، وَلَا يَصِحُّ عَنْهُ . وَقَالَ مَعْمَرٌ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، وَغَيْرُهُمْ : أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ جَحْشٍ - وَهُوَ الصَّوَابُ - اسْتُحِيضَتْ ، فَاسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهَا : إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ ، فَاغْتَسِلِي ، ثُمَّ صَلِّي فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ قَالُوا : فَهِيَ أَعْلَمُ بِمَا أُمِرَتْ بِهِ ، وَقَدْ فَهِمَتْ مَا جُووِبَتْ عَنْهُ ، قَالُوا : وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ ابْنَةَ جَحْشٍ اسْتُحِيضَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ . وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبَانٌ ، وَهِشَامٌ الدِّسْتِوَائِيُّ ، قَالَا : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، قَالَ أَبَانٌ : عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ ، وَقَالَ هِشَامٌ : إِنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ : إِنِّي أُهْرَاقُ الدِّمَاءَ ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَتُصَلِّي . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبِرْتِيُّ ، قَالَا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْحَجَّاجِ أَبُو مَعْمَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، قَالَ : أَخْبَرَتْنِي زَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ ، أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدِّمَاءَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُقَيْلٍ فِي قِصَّةِ حَمْنَةَ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا قَالَ : إِنْ قَوِيتِ فَاغْتَسِلِي لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَإِلَّا فَاجْمَعِي بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ ، قَالَ : وَكَذَلِكَ رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَلِيٌّ أَنَّهَا تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ هَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي حَسَّانٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ ابْنَ عَبَّاسٍ بِكِتَابٍ بَعْدَمَا ذَهَبَ بَصَرُهُ ، فَدَفَعَهُ إِلَى ابْنِهِ فَتَبَرَّأَ مِنْهُ ، فَدَفَعَهُ إِلَيَّ فَقَرَأْتُهُ ، فَقَالَ لِابْنِهِ : أَلَا هَذْرَمْتَهُ كَمَا هَذْرَمَهُ الْغُلَامُ الْمِصْرِيُّ ، فَإِذَا فِيهِ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، مِنِ امْرَأَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، أَنَّهَا اسْتُحِيضَتْ ، فَاسْتَفْتَتْ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : اللَّهُمَّ لَا أَعْلَمُ الْقَوْلَ إِلَّا مَا قَالَ - عَلِيٌّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ . قَالَ قَتَادَةُ : وَأَخْبَرَنِي عُذْرَةُ ، عَنْ سَعِيدٍ ، أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : إِنَّ الْكُوفَةَ أَرْضٌ بَارِدَةٌ ، وَإِنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهَا الْغُسْلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَقَالَ : لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَابْتَلَاهَا بِمَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ . وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ اسْتُحِيضَتْ ، فَكَتَبَتْ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، تُنَاشِدُهُمُ اللَّهَ ، وَتَقُولُ : إِنِّي امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ ، أَصَابَنِي بَلَاءٌ ، وَإِنَّهَا اسْتُحِيضَتْ مُنْذُ سِنِينَ ، فَمَا تَرَوْنَ فِي ذَلِكَ ؟ فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ وَقَعَ الْكِتَابُ فِي يَدِهِ ابْنُ الزُّبَيْرِ ، فَقَالَ : مَا أَعْلَمُ لَهَا إِلَّا أَنْ تَدَعَ قُرْأَهَا ، وَتَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَتُصَلِّي ، فَتَتَابَعُوا عَلَى ذَلِكَ ، فَهَذَا كُلُّهُ حُجَّةُ مَنْ جَعَلَ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ الْغُسْلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ . وَقَالَ آخَرُونَ : يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ غُسْلًا وَاحِدًا ، تُصَلِّي بِهِ الظُّهْرَ فِي آخِرِ وَقْتِهَا ، وَالْعَصْرَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ، وَتَغْتَسِلُ لِلْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ غُسْلًا وَاحِدًا ، تُقَدِّمُ الْأُولَى وَتُؤَخِّرُ الْآخِرَةَ ، وَتَغْتَسِلُ لِلصُّبْحِ غُسْلًا ، وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : إِنَّمَا هِيَ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو اسْتُحِيضَتْ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْمُرُهَا بِالْغُسْلِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ، فَلَمَّا جَهَدَهَا ذَلِكَ أَمَرَهَا أَنْ تَجْمَعَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعَشَاءَ فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ وَتَغْتَسِلَ لِلصُّبْحِ . وَرَوَاهُ شُعْبَةُ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : اسْتُحِيضَتِ امْرَأَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَتْ أَنْ تُعَجِّلَ الْعَصْرَ ، وَتُؤَخِّرَ الظُّهْرَ ، وَتَغْتَسِلَ لَهُمَا غُسْلًا وَاحِدًا ، وَتُؤَخِّرَ الْمَغْرِبَ ، وَتُعَجِّلَ الْعِشَاءَ ، وَتَغْتَسِلَ لَهُمَا غُسْلًا وَاحِدًا ، وَتَغْتَسِلَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ غُسْلًا ، قَالَ شُعْبَةُ : قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ أَعَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ؟ قَالَ : لَا أُحَدِّثُكَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَيْءٍ . وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَهَا بِذَلِكَ ، وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا ، وَرَوَى سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فَاطِمَةَ ابْنَةَ أَبِي حُبَيْشٍ ، قَالُوا : فَقَدْ بَانَ فِي حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَغَيْرِهِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ - النَّاسِخُ مِنَ الْمُحْكَمِ فِي ذَلِكَ ، جَمْعُ الصَّلَاتَيْنِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ ، صَلَاتَيِ اللَّيْلِ وَصَلَاتَيِ النَّهَارِ ، وَتَغْتَسِلُ لِلصُّبْحِ غُسْلًا وَاحِدًا ، فَصَارَ الْقَوْلُ بِهَذَا أَوْلَى مِنَ الْقَوْلِ بِإِيجَابِ الْغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ ; لِقَوْلِهِ : فَلَمَّا جَهَدَهَا ، أَمَرَهَا أَنْ تَجْمَعَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ ، وَتَغْتَسِلَ لِلصُّبْحِ ، قَالُوا : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُ ذَلِكَ خِلَافَ الرِّوَايَةِ الْأُولَى عَنْهُمَا فَذَكَرُوا مَا حَدَّثَنَا بِهِ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبِرْتِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مُسْتَحَاضَةٌ تَسْأَلُهُ ، فَلَمْ يُفْتِهَا ، وَقَالَ لَهَا : سَلِي ، قَالَ : فَأَتَتِ ابْنَ عُمَرَ ، فَسَأَلَتْهُ ، فَقَالَ لَهَا : لَا تُصَلِّي ، مَا رَأَيْتِ الدَّمَ ، فَرَجَعَتْ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَأَخْبَرَتْهُ ، فَقَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ ، إِنْ كَادَ لَيُكَفِّرُكِ ، قَالَ : ثُمَّ سَأَلَتْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، فَقَالَ : تِلْكَ رِكْزَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ ، أَوْ قُرْحَةٌ فِي الرَّحِمِ ، اغْتَسِلِي عِنْدَ كُلِّ صَلَاتَيْنِ مَرَّةً ، وَصَلِّي ، قَالَ : فَلَقِيَتِ ابْنَ عَبَّاسٍ بَعْدُ ، فَسَأَلَتْهُ ، فَقَالَ : مَا أَجِدُ لَكِ إِلَّا مَا قَالَ عَلِيٌّ . وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ : إِنَّ أَرْضَهَا بَارِدَةٌ ، قَالَ : تُؤَخِّرُ الظَّهْرَ ، وَتُعَجِّلُ الْعَصْرَ ، وَتَغْتَسِلُ لَهُمَا غُسْلًا ، وَتُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ ، وَتُعَجِّلُ الْعِشَاءَ ، وَتَغْتَسِلُ لَهُمَا غُسْلًا ، وَتَغْتَسِلُ لِلْفَجْرِ غُسْلًا . وَرَوَى إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ ، وَفِرْقَةٍ . وَقَالَ آخَرُونَ : تَغْتَسِلُ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَتْ ، رَوَاهُ مَعْقِلٌ الْخَثْعَمِيُّ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : الْمُسْتَحَاضَةُ إِذَا انْقَضَى حَيْضُهَا اغْتَسَلَتْ كُلَّ يَوْمٍ ، وَاتَّخَذَتْ صُوفَةً فِيهَا سَمْنٌ أَوْ زَيْتٌ . وَقَالَ آخَرُونَ : تَغْتَسِلُ مِنْ ظُهْرٍ إِلَى ظُهْرٍ ، وَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ . رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَهُوَ قَوْلُ سَالِمٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ عَائِشَةَ . وَقَالَ آخَرُونَ : لَا تَغْتَسِلُ إِلَّا مِنْ ظُهْرٍ إِلَى ظُهْرٍ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . وَقَالَ آخَرُونَ : لَا تَتَوَضَّأُ إِلَّا عِنْدَ الْحَدَثِ ، وَهُوَ قَوْلُ عِكْرِمَةَ ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا يَسْتَحِبُّ لَهَا الْوُضُوءَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ، وَقَالَ آخَرُونَ : تَدَعُ الْمُسْتَحَاضَةُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ ، وَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَتُصَلِّي . وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ شَرِيكٍ ، عَنْ أَبِي الْيَقْظَانِ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمُسْتَحَاضَةِ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ ، وَتُصَلِّي ، وَتَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ، وَتَصُومُ ، وَتُصَلِّي . وَبِحَدِيثِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا يَنْقَطِعُ عَنِّي ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَدَعَ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَتُصَلِّي وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى الْحَصِيرِ . وَبِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، وَأَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ هَاشِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : جَاءَتْ فَاطِمَةُ ابْنَةُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ ، فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ ؟ قَالَ : لَا ، إِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ، وَتَوَضَّئِي عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَصَلِّي . وَرِوَايَةُ أَبِي حَنِيفَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ لِهَذَا الْحَدِيثِ - كَرِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ هِشَامٍ سَوَاءً ، قَالَ فِيهِ : وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ هِشَامٍ أَيْضًا بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ فِي هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ثَبْتٌ ثِقَةٌ . وَأَمَّا سَائِرُ الرُّوَاةِ لَهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ الْوُضُوءَ لِكُلِّ الصَّلَاةِ ، لَا مَالِكٌ ، وَلَا اللَّيْثُ ، وَلَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَلَا غَيْرُهُمْ إِلَّا مَنْ ذَكَرْتُ لَكَ فِيمَا عَلِمْتَ . وَرَوَى شُعْبَةُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ ، وَالْمُجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ ، وَبَيَانٌ ، قَالُوا : سَمِعْنَا عَامِرًا الشَّعْبِيَّ يُحَدِّثُ ، عَنْ قُمَيْرٍ امْرَأَةِ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ : تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ حَيْضِهَا ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ غُسْلًا وَاحِدًا ، ثُمَّ تَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ . وَرَوَى الثَّوْرِيُّ ، عَنْ فِرَاسٍ وَبَيَانٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ قُمَيْرٍ ، عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ ، قَالُوا : فَلَمَّا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَفْتَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمُسْتَحَاضَةِ ، أَنَّهَا تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، فَقَدْ كَانَ رُوِيَ عَنْهَا مَرْفُوعًا مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ حُكْمِ الْمُسْتَحَاضَةِ ، أَنَّهَا تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَمِنْ حُكْمِهَا أَنَّهَا تَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ - عَلِمْنَا بِفَتْوَاهَا وَجَوَابِهَا بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ الَّذِي أَفْتَتْ بِهِ هُوَ مَنْسُوخٌ عِنْدَهَا ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهَا أَنْ تَدَعَ النَّاسِخَ وَتُفْتِيَ بِالْمَنْسُوخِ ، وَلَوْ فَعَلَتْ لَسَقَطَتْ رِوَايَتُهَا ، فَهَذَا وَجْهُ تَهْذِيبِ الْآثَارِ فِي هَذَا الْمَعْنَى ، قَالُوا : وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ حَبِيبَةَ وَقِصَّتُهَا فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ ، وَأَكْثَرُهُمْ يَقُولُونَ فِيهِ : إِنَّهَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهَا بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَهَذَا قَدْ يُجَوِّزُ أَنْ تَكُونَ أَرَادَتْ بِهِ الْعِلَاجَ ، وَيُجَوِّزُ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ لَا تَعْرِفُ أَقْرَاءَهَا وَلَا إِدْبَارَ حَيْضَتِهَا ، وَيَكُونُ دَمُهَا سَائِلًا ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَيْسَتْ صَلَاةٌ إِلَّا وَهِيَ تُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ عِنْدَهَا طَاهِرًا مِنْ حَيْضٍ ، فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُصَلِّيَهَا إِلَّا بَعْدَ الِاغْتِسَالِ ; فَلِذَلِكَ أَمَرَتْ بِالْغُسْلِ ، وَالْمُسْتَحَاضَةُ قَدْ تَكُونُ اسْتِحَاضَتُهَا عَلَى مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ ، فَمِنْهَا أَنْ تَكُونَ مُسْتَحَاضَةً قَدِ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ وَأَيَّامُ حَيْضَتِهَا مَعْرُوفَةٌ ، فَسَبِيلُهَا أَنْ تَدَعَ الصَّلَاةَ أَيَّامَ حَيْضَتِهَا ، ثُمَّ تَغْتَسِلَ وَتَتَوَضَّأَ بَعْدَ ذَلِكَ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَمِنْهَا أَنْ تَكُونَ مُسْتَحَاضَةً قَدِ اسْتَمَرَّ بِهَا دَمُهَا ، فَلَا يَنْقَطِعُ عَنْهَا وَأَيَّامُ حَيْضَتِهَا قَدْ خَفِيَتْ عَلَيْهَا ، فَسَبِيلُهَا أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ ; لِأَنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْهَا وَقْتٌ إِلَّا احْتَمَلَ أَنْ تَكُونَ فِيهِ حَائِضًا أَوْ طَاهِرًا مِنْ حَيْضٍ أَوْ مُسْتَحَاضَةً ، فَيُحْتَاطُ لَهَا فَتُؤْمَرُ بِالْغُسْلِ ، وَمِنْهَا أَنْ تَكُونَ مُسْتَحَاضَةً قَدْ خَفِيَتْ عَلَيْهَا أَيَّامُ حَيْضَتِهَا ، وَدَمُهَا غَيْرُ مُسْتَمِرٍّ بِهَا ، يَنْقَطِعُ سَاعَةً وَيَعُودُ بَعْدَ ذَلِكَ ، تَكُونُ هَكَذَا فِي أَيَّامِهَا كُلِّهَا ، فَتَكُونُ قَدْ أَحَاطَ عِلْمُهَا أَنَّهَا فِي وَقْتِ انْقِطَاعِ دَمِهَا طَاهِرٌ مِنْ مَحِيضٍ طُهْرًا يُوجِبُ عَلَيْهَا غُسْلًا ، فَلَهَا إِذَا اغْتَسَلَتْ أَنْ تُصَلِّيَ فِي حَالِهَا تِلْكَ مَا أَرَادَتْ مِنَ الصَّلَوَاتِ بِذَلِكَ الْغُسْلِ إِنْ أَمْكَنَهَا ذَلِكَ ، قَالُوا : فَلَمَّا وَجَدْنَا الْمَرْأَةَ قَدْ تَكُونُ مُسْتَحَاضَةً لِكُلِّ وَجْهٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الَّتِي مَعَانِيهَا وَأَحْكَامُهَا مُخْتَلِفَةٌ ، وَاسْمُ الِاسْتِحَاضَةِ يَجْمَعُهَا ، وَلَمْ يَكُنْ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ تِبْيَانُ اسْتِحَاضَةِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ - لَمْ يَجُزْ لَنَا أَنْ نَحْمِلَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهٍ مِنْ تِلْكَ الْوُجُوهِ دُونَ غَيْرِهَا إِلَّا بِدَلِيلٍ ، وَلَا دَلِيلَ إِلَّا مَا كَانَتْ عَائِشَةُ تُفْتِي بِهِ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ أَنَّهَا تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ حَيْضَتِهَا ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ غُسْلًا وَاحِدًا ، ثُمَّ تَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةِ ، هَذَا كُلُّهُ مِنْ حُجَّةِ مَنْ يَنْفِي إِيجَابَ الْغُسْلِ عَلَى كُلِّ مُسْتَحَاضَةٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَفِي جُمْلَةِ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَعَامَّةِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا يَسْتَحِبُّ لِلْمُسْتَحَاضَةِ الْوُضُوءَ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَلَا يُوجِبُهُ عَلَيْهَا ، وَسَائِرُ مَنْ ذَكَرْنَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ عَلَيْهَا لِكُلِّ صَلَاةٍ فَرْضًا كَمَا يُوجِبُهُ عَلَى سَلِسِ الْبَوْلِ ; لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ تَعَبَّدَ مَنْ لَيْسَ عَلَى وُضُوءٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ أَنْ يَتَوَضَّأَ ، وَسَلِسُ الْبَوْلِ وَالْمُسْتَحَاضَةُ لَيْسَا عَلَى وُضُوءٍ ، فَلَمَّا أُمِرَا جَمِيعًا بِالصَّلَاةِ ، وَلَمْ يَكُنْ حَدَثُهُمَا الدَّائِمُ بِهِمَا يَمْنَعُهُمَا مِنَ الصَّلَاةِ ، وَكَانَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصَلِّيَا عَلَى حَالِهِمَا ، فَكَذَلِكَ يَتَوَضَّآنِ لِلصَّلَاةِ ; لِأَنَّ الْحَدَثَ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ بِإِجْمَاعٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَنْ يَنْصَرِفَ مِنْ صَلَاتِهِ مِنْ أَجْلِهِ ، وَالْمُسْتَحَاضَةُ مَأْمُورَةٌ بِالصَّلَاةِ وَكَذَلِكَ سَلِسُ الْبَوْلِ ، لَا يَنْصَرِفُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَنْ صِلَاتِهِ ، بَلْ يُصَلِّي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حَالِهِ ، فَكَذَلِكَ يَتَوَضَّأُ وَهُوَ عَلَى حَالِهِ ، لَا يَضُرُّهُ دَوَامُ حَدَثِهِ لِوُضُوئِهِ كَمَا لَا يَضُرُّهُ لِصَلَاتِهِ ; لِأَنَّهُ أَقْصَى مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ; فَكَمَا لَا تَسْقُطُ عَنْهُ الصَّلَاةُ ، فَكَذَلِكَ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْوُضُوءُ لَهَا ، هَذَا أَقْوَى مَا احْتَجَّ بِهِ مَنْ أَوْجَبَ الْوُضُوءَ عَلَى هَؤُلَاءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَأَمَّا مَالِكٌ فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ وَلَا عَلَى صَاحِبِ السَّلَسِ وُضُوءًا ; لِأَنَّهُ لَا يَرْفَعُ بِهِ حَدَثًا ، وَقَدْ قَالَ عِكْرِمَةُ ، وَأَيُّوبُ ، وَغَيْرُهُمَا - سَوَاءٌ دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ أَوْ دَمُ جُرْحٍ - : لَا يُوجِبُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وُضُوءًا . وَرَوَى مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ إِلَّا أَنْ تَغْسِلَ غُسْلًا وَاحِدًا ، ثُمَّ تَتَوَضَّأَ بَعْدَ ذَلِكَ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا عَلَى حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ وَهُوَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ . وَالْوُضُوءُ عَلَيْهَا - عِنْدَهُ - اسْتِحْبَابٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا عَنْهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ الدَّائِمَ ، فَوَجْهُ الْأَمْرِ بِهِ الِاسْتِحْبَابُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى سُقُوطِ الْوُضُوءِ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ : فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُ الْحَيْضَةِ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي - وَلَمْ يَذْكُرْ وُضُوءًا وَلَوْ كَانَ الْوُضُوءُ وَاجِبًا عَلَيْهَا لَمَا سَكَتَ عَنْ أَنْ يَأْمُرَهَا بِهِ ، وَمِمَّنْ قَالَ بِأَنَّ الْوُضُوءَ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ غَيْرُ وَاجِبٍ : رَبِيعَةُ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَأَيُّوبُ ، وَطَائِفَةٌ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ . وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْمَرْفُوعَةُ فِي إِيجَابِ الْغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَفِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ ، وَالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ - فَكُلُّهَا مُضْطَرِبَةٌ لَا تَجِبُ بِمِثْلِهَا حُجَّةٌ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالحديث الرابع والسبعون أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدِّمَاءَ · ص 55 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارأثران في غسل المستحاضة · ص 234 138 114 - مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ؛ أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ إِلَّا أَنْ تَغْتَسِلَ غُسْلًا وَاحِدًا ، ثُمَّ تَتَوَضَّأَ بَعْدَ ذَلِكَ لِكُلِّ صَلَاةٍ . 3607 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْمُسْتَحَاضَةِ ؛ عَلَى حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ . وَهُوَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ . 115 - وَأَمَّا حَدِيثُ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهْرَاقُ الدِّمَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : لِتَنْظُرَ إِلَى عَدَدِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا ، فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ . فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ ، ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ ، ثُمَّ لِتُصَلِّيَ . 3608 - فَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ اخْتِلَافَ النَّاسِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي إِسْنَادِ أَلْفَاظِهِ : 3609 - فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ رَوَاهُ عَنْ نَافِعٍ ، فَأَدْخَلَ بَيْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَأُمِّ سَلَمَةَ رَجُلًا لَمْ يُسَمِّهِ . 3610 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ . 3611 - وَقَالَ فِيهِ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ : إِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي اسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ عَنِ اسْتِحَاضَتِهَا هِيَ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ الْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ عَلَى مَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ ، عَنْ هِشَامٍ فِي هَذَا الْبَابِ . 3612 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ يُوسُفَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ : أَنَّهُ سَمِعَهُ يُحَدِّثُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ . قَالَتْ : كَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ تُسْتَحَاضُ ، فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنَّهُ لَيْسَ بِالْحَيْضَةِ ، وَلَكِنَّهُ عِرْقٌ ، وَأَمَرَهَا أَنْ تَدَعَ الصَّلَاةَ قَدْرَ إِقْرَائِهَا أَوْ قَدْرَ حَيْضَتِهَا ثُمَّ تَغْتَسِلُ . فَإِنْ غَلَبَهَا الدَّمُ اسْتَثْفَرَتْ بِثَوْبٍ وَصَلَّتْ . 3613 - وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ وَنَذْكُرُ هَاهُنَا مَا يُوجِبُ الْقَوْلَ فِي حَدِيثِ نَافِعٍ هَذَا ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَنَا حَدِيثٌ آخَرُ . 3614 - وَذَلِكَ أَنَّ حَدِيثَ هِشَامٍ فِي امْرَأَةٍ عَرَفَتْ إِقْبَالَ حَيْضَتِهَا مِنْ إِدْبَارِهَا ، فَأَجَابَهَا رَسُولُ اللَّهِ عَلَى ذَلِكَ ، وَحَدِيثُ نَافِعٍ فِي امْرَأَةٍ كَانَتْ لَهَا أَيَّامٌ مَعْرُوفَةٌ فَزَادَهَا الدَّمُ ، وَأَطْبَقَ عَلَيْهَا ، وَلَمْ تُمَيِّزْ إِقْبَالَ دَمِ الْحَيْضَةِ مِنْ إِدْبَارِهِ وَانْقِطَاعِهِ ، وَإِقْبَالَ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ ، فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَتْرُكَ الصَّلَاةَ قَدْرَ أَيَّامِهَا الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ . ثُمَّ تَغْتَسِلُ ، وَلَمْ تَذْكُرْ لَهَا أَيْضًا اسْتِطْهَارًا . 3615 - وَالْقَوْلُ فِي الِاسْتِطْهَارِ هُنَا كَالْقَوْلِ الَّذِي مَضَى فِي حَدِيثِ هِشَامٍ سَوَاءٌ . 3616 - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي الْحَيْضِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ : اثْنَانِ لَيْسَ فِي نَفْسِي مِنْهُمَا شَيْءٌ : 3617 - ( أَحَدُهُمَا ) حَدِيثُ هِشَامٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ . 3618 - ( وَالثَّانِي ) حَدِيثُ نَافِعٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ . 3619 - وَأَمَّا ( الثَّالِثُ ) الَّذِي فِي قَلْبِي مِنْهُ شَيْءٌ ، فَحَدِيثُ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ ، رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ عَمِّهِ عِمْرَانَ بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ أُمِّهِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي التَّمْهِيدِ . 3620 - فَجَعَلَ أَحْمَدُ حَدِيثَ نَافِعٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ غَيْرَ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ . 3621 - وَقَالَ مَعَ أَحْمَدَ جَمَاعَةٌ غَيْرُهُ ، فَلِذَلِكَ قُلْنَا : إِنَّهُمَا حَدِيثَانِ فِي مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ عَلَى مَا وَصَفْنَا . 3622 - وَأَمَّا حَدِيثُ مَالِكٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ فَمَعْنَاهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهَا كَانَتِ امْرَأَةٌ لَا يَنْقَطِعُ دَمُهَا ، وَلَا يَنْفَصِلُ ، وَلَا تَرَى مِنْهُ طُهْرًا . وَقَدْ زَادَهَا - عَلَى ذَلِكَ - عَلَى أَيَّامٍ كَانَتْ لَهَا مَعْرُوفَةً ، وَتَمَادَى بِهَا . فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ ؛ لِتَعْلَمَ : هَلْ حُكْمُ ذَلِكَ الدَّمِ كَحُكْمِ دَمِ الْحَيْضِ ؟ إِذَا كَانَتْ عِنْدَهَا وَعِنْدَ غَيْرِهَا عَادَةُ دَمِ الْحَيْضِ : أَنَّهُ يَنْقَطِعُ . فَأَجَابَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمَرَهَا إِذَا انْقَضَتْ أَيَّامُهَا أَوْ عَدَدُ أَيَّامِهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتَسْتَثْفِرَ ، وَتُصَلِّيَ . 3623 - وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ لِلدِّمَاءِ الظَّاهِرَةِ مِنَ الْأَرْحَامِ ثَلَاثَةَ أَحْكَامٍ : 3624 - ( أَحَدُهَا ) دَمُ الْحَيْضِ يَمْنَعُ الصَّلَاةَ ، وَتَسْقُطُ الصَّلَاةُ مَعَ وُجُودِهِ مِنْ غَيْرِ إِعَادَةٍ لَهَا عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ . 3625 - ( وَالثَّانِي ) دَمُ النِّفَاسِ عِنْدَ الْوِلَادَةِ ، وَحُكْمُهُ فِي الصَّلَاةِ كَحُكْمِ دَمِ الْحَيْضِ بِإِجْمَاعٍ . 3626 - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مِقْدَارِهِ كَمَا اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الْحَيْضِ . وَسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ كُلَّهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 3627 - ( وَالدَّمُ الثَّالِثُ ) دَمٌ لَيْسَ بِعَادَةٍ وَلَا طَبْعٍ لِلنِّسَاءِ ، وَلَا خِلْقَةٍ مَعْرُوفَةٍ مِنْهُنَّ ، وَإِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ انْقَطَعَ وَسَالَ دَمُهُ ، فَهَذَا حُكْمُهُ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ فِي الْأَيَّامِ الَّتِي يَنُوبُهَا فِيهَا طَاهِرَةٌ . وَلَا يَمْنَعُهَا مِنْ صَلَاةٍ ، وَلَا صَوْمٍ ، وَلَا يُوقَفُ عَلَى دَمِ الْعِرْقِ مِنْ غَيْرِهِ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ مَا زَادَ عَلَى هَذَا الْحَيْضِ بِإِجْمَاعٍ ، أَوْ مَا نَقَصَ عَنْهُ بِاخْتِلَافٍ . 3628 - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ : 3629 - فَأَمَّا فُقَهَاءُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَيَقُولُونَ : إِنَّ الْحَيْضَ لَا يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَجَائِزٌ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَمَا دُونَ ، وَمَا زَادَ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَلَا يَكُونُ حَيْضًا ، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِحَاضَةٌ وَهُوَ دَمُ الْعِرْقِ الْمُنْقَطِعِ . 3630 - وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي الْجُمْلَةِ . 3631 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا وَقْتَ لِقَلِيلِ الْحَيْضِ وَلَا لِكَثِيرِهِ ، إِلَّا مَا يُوجَدُ فِي النِّسَاءِ ، وَأَكْثَرُ مَا بَلَغَهُ أَنَّهُ وَجَدَ فِي النِّسَاءِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا . 3632 - وَالدُّفْعَةُ عِنْدَهُ مِنَ الدَّمِ حَيْضٌ تَمْنَعُ مِنَ الصَّلَاةِ ، وَلَكِنَّ الدُّفْعَةَ وَمَا كَانَ مِثْلُهَا لَا تُحْسَبُ قُرْءًا فِي الْعِدَّةِ . 3633 - هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَأَكْثَرُ الْمِصْرِيِّينَ وَالْمَدَنِيِّينَ عَنْهُ . 3634 - وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْهُ : أَقَلُّ الْحَيْضِ خَمْسَةُ أَيَّامٍ ، وَأَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةُ أَيَّامٍ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ . 3635 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا أَقَلُّ الطُّهْرِ فَقَدِ اضْطَرَبَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ : 3636 - فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ : عَشَرَةُ أَيَّامٍ ، وَرَوَى عَنْهُ أَيْضًا : أَقَلُّ الطُّهْرِ ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ ، وَهُوَ قَوْلُ سُحْنُونٍ . 3637 - وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ ، عَبْدُ الْمَلِكِ قَالَ : أَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةُ أَيَّامٍ ، وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ ، وَإِلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَالَ بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ مِنَ الْمَالِكِيِّينَ . 3638 - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ : أَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْبَغْدَادِيِّينَ مِنَ الْمَالِكِيِّينَ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِمَا ، وَالثَّوْرِيِّ . 3639 - وَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ عِدَّةَ ذَاتِ الْأَقْرَاءِ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ، وَجَعَلَ عِدَّةَ مَنْ لَا تَحِيضُ مِنْ كِبَرٍ أَوْ صِغَرٍ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ . فَكَانَ كُلُّ قُرْءٍ عِوَضًا مِنْ شَهْرٍ ، وَالشَّهْرُ يَجْمَعُ الطُّهْرَ وَالْحَيْضَ . فَإِذَا قَلَّ الْحَيْضُ كَثُرَ الطُّهْرُ ، وَإِذَا كَثُرَ الْحَيْضُ قَلَّ الطُّهْرُ . فَلَمَّا كَانَ أَكْثَرُ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لِيَكْمُلَ فِي الشَّهْرِ الْوَاحِدِ حَيْضٌ وَطُهْرٌ ، وَهُوَ الْمُتَعَارَفُ فِي الْأَغْلَبِ مِنْ كَثْرَةِ النِّسَاءِ وَجِبِلَّتِهِنَّ مَعَ دَلَائِلِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ عَلَى ذَلِكَ كَمَا ذَكَرْنَا . 3640 - وَقَالَ ابْنُ أَبِي عِمْرَانَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ : أَقَلُّ الطُّهْرِ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا . 3641 - وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الشَّهْرَ جُعِلَ عِدْلَ كُلِّ حَيْضَةٍ وَطُهْرٍ فِي الْعِدَّةِ ، وَالْحَيْضُ فِي الْعَادَةِ أَقَلُّ مِنَ الطُّهْرِ . فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ الْحَيْضُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، وَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ ؛ لِأَنَّ النَّاسَ فِي أَكْثَرِ الْحَيْضِ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ . فَلَمَّا لَمْ تَصِحَّ الْخَمْسَةَ عَشَرَ ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ فِي الْحَيْضِ أَنْ يَكُونَ أَقَلَّ مِنَ الطُّهْرِ صَحَّتِ الْعَشْرَةُ الْأَيَّامِ . وَإِذَا صَحَّتِ الْعَشْرَةُ حَيْضًا كَانَ مَا بَقِيَ طُهْرًا ، وَهُوَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا ؛ لِأَنَّ الشَّهْرَ قَدْ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ . 3642 - وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ مُجْمَلًا فِي أَقَلِّ الْحَيْضِ وَأَكْثَرِهِ فَكَانَ مَالِكٌ لَا يُوَقِّتُ فِي قَلِيلِ الْحَيْضِ وَلَا فِي كَثِيرِهِ . 3643 - وَقَالَ : أَقَلُّهُ دَفْقَةٌ مِنْ دَمٍ ، غَيْرَ أَنَّهَا لَا تَعْتَدُّ بِهَا مِنْ طَلَاقٍ . 3644 - ثُمَّ قَالَ : أَكْثَرُهُ الْحَيْضُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فِيمَا بَلَغَنَا . 3645 - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ : أَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ . 3646 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : أَقَلُّهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا . وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ : أَنَّ ذَلِكَ مَرْدُودٌ إِلَى عُرْفِ النِّسَاءِ . 3647 - وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : أَقَلُّهُ يَوْمٌ ، وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا . فَإِنْ تَمَادَى بِهَا الدَّمُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، وَزَادَهَا قَضَتْ صَلَاةَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا . 3648 - وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : إِذَا زَادَ عَلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ . 3649 - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : أَقْصَى مَا سَمِعْنَا سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا . 3650 - وَكَانَ نِسَاءُ الْمَاجِشُونِ يَحِضْنَ سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا . 3651 - وَبِهِ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ صَاحِبُ مَالِكٍ . 3652 - وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ مِثْلَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ : أَقَلُّهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا . 3653 - وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ . 3654 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : أَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ . 3655 - قَالَ : وَعِنْدَنَا امْرَأَةٌ تَحِيضُ غُدْوَةً ، وَتَطْهُرُ عَشِيَّةً . 3656 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ . وَأَكْثَرُهُ عَشْرَةُ أَيَّامٍ . 3657 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَا نَقَصَ عِنْدَ هَؤُلَاءِ عَنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ ، لَا يُمْنَعُ مِنَ الصَّلَاةِ إِلَّا عِنْدَ ظُهُورِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ مَبْلَغُ مُدَّتِهِ . 3658 - ثُمَّ عَلَى الْمَرْأَةِ قَضَاءُ صَلَاةِ تِلْكَ الْأَوْقَاتِ إِنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ . وَكَذَلِكَ مَا زَادَ عَلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ ، وَعِنْدَ الْحِجَازِيِّينَ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا . فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَا . 3659 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ فَمَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ أَوْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ ، وَهُوَ قَوْلُ الطَّبَرِيِّ . 3660 - وَاعْتَبَرُوا فِي أَقَلِّ الطُّهْرِ مَا ذَكَرْنَا عَنْهُمْ : خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، فَجَعَلُوا مَا دُونَهَا كَدَمٍ مُتَّصِلٍ . 3661 - وَعِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فِي هَذَا شَيْءٌ مِنْ خِلَافٍ لَيْسَ بِنَا حَاجَةٌ إِلَى ذِكْرِهِ . 3662 - فَهَذِهِ أُصُولُهُمْ ، فَقِفْ عَلَيْهَا فِي مِقْدَارِ الطُّهْرِ وَالْحَيْضِ ، فَلَا غِنَى عَنْهَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْوَارِدَةِ فِي الْحَيْضَةِ الْمُنْقَطِعَةِ وَفِي الْعِدَّةِ . فَمَنْ قَادَ أَصْلُهُ فِيهَا كَانَ أَسْعَدَ بِالصَّوَابِ . 3663 - وَالْمَسْأَلَةُ امْرَأَةٌ حَاضَتْ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ ، ثُمَّ طَهُرَتْ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ ، فَتَمَادَى بِهَا الْأَمْرُ أَيَّامًا . 3664 - فَأَمَّا مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ فَقَالُوا : تَجْمَعُ أَيَّامَ الدَّمِ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ ، وَتُلْغِي أَيَّامَ الطُّهْرِ ، وَتَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ يَوْمٍ تَرَى فِيهِ الطُّهْرَ أَوَّلَ مَا تَرَاهُ ، وَتُصَلِّي مَا دَامَتْ طَاهِرَةً ، وَتَكُفُّ عَنِ الصَّلَاةِ فِي أَيَّامِ الدَّمِ ، وَتُحْصِي ذَلِكَ . فَإِذَا اجْتَمَعَ لَهَا مِنَ الدَّمِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا اغْتَسَلَتْ ، وَصَلَّتْ ، وَعَلِمْنَا أَنَّهَا حَيْضَةٌ انْقَطَعَتْ . وَإِنْ زَادَتْ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ . 3665 - هَذِهِ رِوَايَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَنْ مَالِكٍ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي رِوَايَةِ الرَّبِيعِ وَغَيْرِهِ عَنْهُ . 3666 - وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَوِ انْقَطَعَ سَاعَةً أَوْ نَحْوَهَا - أَنَّهُ كَدَمٍ مُتَّصِلٍ ، فَكَذَلِكَ الْيَوْمُ وَالْيَوْمَانِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ طَلَاقٍ . وَلَيْسَ الثَّلَاثُ عِنْدَهُ كَالْيَوْمَيْنِ ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ . 3667 - وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَالْمِصْرِيُّونَ عَنْهُ : أَنَّهَا تَضُمُّ أَيَّامَ الدَّمِ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ ، فَإِنْ دَامَ ذَلِكَ بِهَا أَيَّامَ عَادَتِهَا اسْتَطْهَرَتْ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ عَلَى أَيَّامِ حَيْضَتِهَا ، وَإِنْ رَأَتْ فِي أَيَّامِ الْاسْتِطْهَارِ طُهْرًا أَلْغَتْهُ أَيْضًا ، حَتَّى تَحْصُلَ لَهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مِنَ الدَّمِ لِلِاسْتِطْهَارِ . وَتُصَلِّي ، وَتَصُومُ ، وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا ، وَتَكُونُ مَا جَمَعَتْهُ مِنَ الدَّمِ حَيْضَةً وَاحِدَةً ، وَلَا تَعْتَدُّ بِشَيْءٍ مِنْ أَيَّامِ الطُّهْرِ فِي عِدَّةٍ مِنْ طَلَاقٍ ، وَتَغْتَسِلُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ طُهْرِهَا عِنْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَدْرِي لَعَلَّ الدَّمَ لَا يَرْجِعُ إِلَيْهَا . 3668 - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ : إِذَا كَانَ طُهْرُهَا يَوْمًا ، وَحَيْضَتُهَا يَوْمًا ، فَطُهْرُهَا أَقَلُّ الطُّهْرِ ، وَحَيْضَتُهَا أَقَلُّ الْحَيْضِ ، وَلَكِنَّهُ يَقْطَعُ طُهْرَهَا وَحَيْضَهَا ، فَكَأَنَّهَا قَدْ حَاضَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مُتَوَالِيَةً ، وَطَهُرَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مُتَوَالِيَةً . فَحَالُ الْحَيْضَةِ لَا يَضُرُّهَا ، وَاجْتِمَاعُ الْأَيَّامِ وَافْتِرَاقُهَا سَوَاءٌ ، وَلَا تَكُونُ هَذِهِ مُسْتَحَاضَةً . 3669 - فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِتَلْفِيقِ الطُّهْرِ إِلَى الطُّهْرِ ، وَلَمْ يَقُلْهُ غَيْرُهُ . 3670 - وَسَائِرُ أَصْحَابِ مَالِكٍ إِنَّمَا يَقُولُونَ بِتَلْفِيقِ الدَّمِ إِلَى الدَّمِ فَقَطْ . 3671 - وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ : لَيْسَ بِنَكِيرٍ أَنْ تَحِيضَ يَوْمًا ، وَتَطْهُرَ يَوْمًا ، وَتَنْقَطِعَ الْحَيْضَةُ عَلَيْهَا . كَمَا لَا يُنْكَرُ أَنْ يَتَأَخَّرَ حَيْضُهَا عَنْ وَقْتِهِ ؛ لِأَنَّ تَأَخُّرَ بَعْضِهِ عَنِ اتِّصَالِهِ كَتَأَخُّرِهِ كُلِّهِ فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَانَتْ عِنْدَنَا بِالْقَلِيلِ حَائِضًا ، وَلَمْ يَكُنِ الْقَلِيلُ حَيْضَةً ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا بِأَنْ يَمْضِيَ لَهَا وَقْتُ حَيْضٍ تَامٍّ وَطُهْرٍ تَامٍّ ، أَقَلُّهُ فِيمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ خَمْسَةُ أَيَّامٍ . 3672 - قَالَ : وَلَوْ أَنَّ قِلَّةَ الدَّمِ تُخْرِجُهُ مِنْ أَنْ تَكُونَ حَيْضًا لَأُخْرِجَتْ مِنْ أَنْ تَكُونَ دَمَ اسْتِحَاضَةٍ ؛ لِأَنَّ دَمَ الْعِرْقِ هُوَ اسْتِحَاضَةٌ دُونَ دَمِ الْعِرْقِ الْكَثِيرِ الزَّائِدِ عَلَى مَا يُعْرَفُ . 3673 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَاعَى عَبْدُ الْمَلِكِ ، وَأَحْمَدُ بْنُ الْمُعَذَّلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا أَصْلَاهُ فِي أَنَّ أَقَلَّ الطُّهْرِ خَمْسَةُ أَيَّامٍ . 3674 - وَرَاعَى مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا . 3675 - وَجَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا يَأْتِي مِنَ الدَّمِ قَبْلَ تَمَامِ الطُّهْرِ مُضَافًا إِلَى الدَّمِ الْأَوَّلِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ تَمَامِ مُدَّةِ أَكْثَرِ الْحَيْضِ ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ عِرْقًا ، وَلَا تُتْرَكُ فِيهِ الصَّلَاةُ . 3676 - وَكَذَلِكَ يُلْزِمُ كُلَّ مَنْ أَصَّلَ فِي أَقَلِّ الطُّهْرِ وَأَقَلِّ الْحَيْضِ أَصْلًا بِعِدَّةٍ مَعْلُومَةٍ أَنْ يَكُونَ مَا خَرَجَ عَنْهَا فِي النُّقْصَانِ وَالزِّيَادَةِ اسْتِحَاضَةً . 3677 - وَقَدْ جَعَلَ ابْنُ مَسْلَمَةَ أَقَلَّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ فِي أَقَلِّ الْحَيْضِ . فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَا دُونَهُ عِنْدَهُ دَمَ عِرْقٍ وَاسْتِحَاضَةٍ . 3678 - وَأَمَّا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمِصْرِيِّينَ عَنْ مَالِكٍ فَعَلَى مَا احْتَجَّ لَهُ أَبُو الْفَرَجِ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْيَسِيرَ حَيْضًا يَمْنَعُ مِنَ الصَّلَاةِ ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ حَيْضَةً يُعْتَدُّ بِهَا مِنْ طَلَاقٍ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ أَصْلِ قَوْلِ مَالِكٍ . 3679 - وَغَيْرُهُ يَقُولُ : مَا لَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ عِدَّةِ الطَّلَاقِ فَلَيْسَ بِحَيْضٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِحَاضَةٌ لَا يَمْنَعُ مِنَ الصَّلَاةِ . 3680 - وَقَدِ احْتَجَّ أَصْحَابُنَا عَلَيْهِمْ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ ، وَالْكَلَامُ فِي الْحَيْضِ وَالِاسْتِحَاضَةِ ، وَمِقْدَارِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ كَثِيرٌ جِدًّا طَوِيلٌ . 3681 - وَقَدْ ذَكَرْنَا مَذَاهِبَهُمْ وَأُصُولَ أَقْوَالِهِمْ ، وَأَضْرَبْنَا عَنِ الِاعْتِلَالِ لَهُمْ بِمَا ذَكَرُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ ، لِمَا فِيهِ مِنَ التَّطْوِيلِ وَالتَّشْغِيبِ ، وَلِأَنَّ الْحَيْضَ وَمِقْدَارَهُ ، وَالنِّفَاسَ وَمُدَّتَهُ مَأْخُوذٌ أَصْلُهُمَا مِنَ الْعَادَةِ وَالْعُرْفِ ، وَالْآرَاءِ وَالِاجْتِهَادِ . فَلِذَلِكَ كَثُرَ بَيْنَهُمْ فِيهِ الِاخْتِلَافُ وَالتَّشْغِيبُ . وَفِيمَا لَوَّحْنَا بِهِ مَا يُبَيِّنُ لَكَ الْمُرَادَ مِنْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 3682 - وَقَدْ أَوْضَحْنَا الْقَوْلَ وَبَسَطْنَاهُ فِي حُكْمِ الْحَيْضِ وَالِاسْتِحَاضَةِ وَمَهَّدْنَاهُ فِي بَابِ نَافِعٍ ، وَبَابِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مِنَ التَّمْهِيدِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 3683 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَأَمَّا مَسْأَلَةُ تَقَطُّعِ الطُّهْرِ وَالْحَيْضِ فَهِيَ لِمَنْ تَدَبَّرَهَا نَاقِضَةٌ لِمَا أَصَّلُوهُ فِي أَقَلِّ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ وَأَكْثَرِهِمَا ، فَتَدَبَّرْهَا تَجِدْهَا كَذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب الْمُسْتَحَاضَةِ · ص 240 135 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدِّمَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لِتَنْظُرْ إِلَى عَدَدِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنْ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا فَلْتَتْرُكْ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنْ الشَّهْرِ ، فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ ، ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ ، ثُمَّ لِتُصَلِّي . 138 135 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَيُّوبُ ، وَرَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَصَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةِ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَجُلًا أَخْبَرَهُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ فَأَدْخَلُوا بَيْنَهَا وَبَيْنَ سُلَيْمَانَ رَجُلًا . وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ : حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ بِأَسَانِيدَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ ، وَمُسْلِمٍ ، انْتَهَى . فَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى دَعْوَى الِانْقِطَاعِ ، وَنَازَعَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِأَنَّهُمَا حَدِيثَانِ مُتَغَايِرَانِ إِذْ قَدْ يُمْكِنُ أَنْ سُلَيْمَانَ سَمِعَهُ مِنْ رَجُلٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْهَا فَحَدَّثَ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ . ( أَنَّ امْرَأَةً ) قَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ : هِيَ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ ( كَانَتْ تُهَرَاقُ ) بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِ الْهَاءِ ( الدِّمَاءَ ) بِالنَّصْبِ ، قَالَ الْبَاجِيُّ : يُرِيدُ أَنَّهَا مِنْ كَثْرَةِ الدَّمِ بِهَا كَأَنَّهَا كَانَتْ تُهَرِيقُهُ . وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : جَاءَ الْحَدِيثُ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ أَيْ تُهَرَاقُ هِيَ الدِّمَاءَ مَنْصُوبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ وَإِنْ كَانَ مَعْرِفَةً ، وَلَهُ نَظَائِرُ أَيْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : سَفِهَ نَفْسَهُ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 130 ) وَهُوَ مُطَّرِدٌ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ وَشَاذٌّ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ ، أَوْ أَجْرَى تُهَرَاقُ مَجْرَى نَفِسَتِ الْمَرْأَةُ غُلَامًا ، وَنَتَجَ الْفَرَسُ مُهْرًا ، قَالَ : وَيَجُوزُ الرَّفْعُ بِتَقْدِيرٍ تُهَرَاقُ دِمَاؤُهَا ، وَأَوَّلُ بَدَلٍ مِنَ الْإِضَافَةِ كَقَوْلِهِ : أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 237 ) أَيْ عُقْدَةُ نِكَاحِهِ وَنِكَاحِهَا ، قَالَ : وَالْهَاءُ فِي هَرَاقَ بَدَلٌ مِنْ هَمْزَةِ أَرَاقَ ، يُقَالُ : أَرَاقَ الْمَاءَ يُرِيقُهُ ، وَهَرَاقَهُ يُهَرِيقُهُ بِفَتْحِ الْهَاءِ هِرَاقَةً . وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ فِي شَرْحِ التَّسْهِيلِ : أَجَازَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ تَشْبِيهَ الْفِعْلِ اللَّازِمِ بِالْمُتَعَدِّي كَمَا شُبِّهَ وَصْفُهُ بِاسْمِ الْفَاعِلِ الْمُتَعَدِّي مُسْتَدِلًّا بِحَدِيثِ تُهَرَاقُ الدِّمَاءَ وَمَنَعَهُ الشَّلَوْبِينُ وَقَالَ : لَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا فِي الصِّفَاتِ ، وَتَأَوَّلَ الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّهُ عَلَى إِسْقَاطِ حَرْفِ الْجَرِّ أَيْ بِالدِّمَاءِ ، أَوْ عَلَى إِضْمَارٍ فَاعِلٍ أَيْ يُهَرِيقُ اللَّهُ الدِّمَاءَ مِنْهَا ، قَالَ أَبُو حَيَّانَ : وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ إِذْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ ( فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ ) بِأَمْرِهَا إِيَّاهَا بِذَلِكَ ، فَفِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ اسْتُحِيضَتْ حَتَّى كَانَ الْمِرْكَنُ يُنْقَلُ مِنْ تَحْتِهَا وَأَعْلَاهُ الدَّمُ قَالَ : فَأَمَرَتْ أُمَّ سَلَمَةَ أَنْ تَسْأَلَ لَهَا ( رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ السَّابِقِ : أَنَّ فَاطِمَةَ هِيَ السَّائِلَةُ ، وَلِأَبِي دَاوُدَ ، عَنْ عُرْوَةَ كَذَلِكَ عَنْ فَاطِمَةَ نَفْسِهَا أَنَّهَا قَالَتْ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ سَأَلَتْ لَهَا ، قَالَ الْحَافِظُ وَلِيُّ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ : وَلَعَلَّ الْجَمْعَ بَيْنَهَا أَنَّ فَاطِمَةَ سَأَلَتْ كُلًّا مِنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَأَسْمَاءَ أَنْ تَسْأَلَ لَهَا فَسَأَلَتَا مُجْتَمِعَتَيْنِ أَوْ سَأَلَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَعَ عَدَمِ عِلْمِهَا بِسُؤَالِ الْأُخْرَى ، وَصَحَّ إِطْلَاقُ السُّؤَالِ عَلَى فَاطِمَةَ بِاعْتِبَارِ أَمْرِهَا بِالسُّؤَالِ وَأَنَّهَا حَضَرَتْ مَعَهُمَا فَلَمَّا بَدَأَتَا بِالْكَلَامِ تَكَلَّمَتْ هِيَ حِينَئِذٍ ، انْتَهَى . وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ تَسْلِيمَ هَذِهِ الْمَرْأَةِ الْمُبْهَمَةِ فَاطِمَةُ ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : قَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ : هَذِهِ الْمَرْأَةُ هِيَ فَاطِمَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ، وَهُوَ عِنْدَنَا حَدِيثٌ آخَرُ ، وَكَذَا جَعَلَهُ ابْنُ حَنْبَلٍ حَدِيثًا غَيْرَ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ فِي امْرَأَةٍ عَرَفَتْ إِقْبَالَ حَيْضَتِهَا وَإِدْبَارَهَا ، وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي امْرَأَةٍ كَانَ لَهَا أَيَّامٌ مَعْرُوفَةٌ فَزَادَهَا الدَّمُ وَأَطْبَقَ عَلَيْهَا فَلَمْ تُمَيِّزْهَا فَأَمَرَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَتْرُكَ الصَّلَاةَ قَدْرَ أَيَّامِهَا مِنَ الشَّهْرِ . ( فَقَالَ : لِتَنْظُرْ إِلَى عَدَدِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ ) وَالصَّوْمَ وَنَحْوَهُمَا ( قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ ) ، وَأَجَابَ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ بِأَنَّهُ إِنْ صَحَّ أَنَّ الْمُبْهَمَةَ فَاطِمَةُ فَلَعَلَّهَا كَانَتْ لَهَا أَحْوَالٌ كَانَتْ فِي بَعْضِهَا مُمَيِّزَةٌ وَفِي بَعْضِهَا لَيْسَتْ مُمَيِّزَةً ، وَجَاءَ الْجَوَابُ لَهَا بِاعْتِبَارِ حَالَتَيْهَا ، قَالَ : وَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مُبْتَدَأَةً بَلْ كَانَتْ لَهَا عَادَةٌ تَعْرِفُهَا وَلَيْسَ فِيهِ بَيَانُ كَوْنِهَا مُمَيِّزَةً أَمْ لَا فَاحْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ الْمُعْتَادَةَ تُرَدُّ لِعَادَتِهَا مَيَّزَتْ أَمْ لَا ، وَافَقَ تَمْيِيزُهَا عَادَتَهَا أَمْ خَالَفَهَا ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ وَأَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَاعِدَةِ تَرْكِ الِاسْتِفْصَالِ فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسْأَلْهَا هَلْ هِيَ مُمَيِّزَةٌ أَمْ لَا ، وَأَصَحُّ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهَا إِنَّمَا تُرَدُّ لِعَادَتِهَا إِذَا لَمْ تَكُنْ مُمَيِّزَةً وَإِلَّا رُدَّتْ إِلَى تَمْيِيزِهَا ، وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ حُبَيْشٍ : إِذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِمَ أَنَّهَا غَيْرُ مُمَيِّزَةٍ فَحَكَمَ عَلَيْهَا بِذَلِكَ ، وَالَّذِي اضْطَرَّهُمْ إِلَى حَمْلِهِ عَلَى ذَلِكَ مُعَارَضَةُ الْحَدِيثِ الْآخَرِ لَهُ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ وَلَوْ مِنْ وَجْهٍ أَوْلَى مِنْ طَرْحِ أَحَدِهِمَا ، وَمَتَى رُدَّتْ إِلَى الْعَادَةِ مُطْلَقًا أُلْغِيَ الْحَدِيثُ الْآخَرُ بِالْكُلِّيَّةِ . ( فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ الثَّقِيلَةِ وَالْفَاءِ أَيْ تَرَكَتْ أَيَّامَ الْحَيْضِ الَّذِي كَانَتْ تَعْهَدُهُ وَرَاءَهَا ( فَلْتَغْتَسِلْ ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ ) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَإِسْكَانِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَإِسْكَانِ الْمُثَلَّثَةِ وَكَسْرِ الْفَاءِ أَيْ تَشُدُّ فَرْجَهَا ( بِثَوْبٍ ) خِرْقَةٍ عَرِيضَةٍ بَعْدَ أَنْ تَحْتَشِيَ قُطْنًا وَتُوثِقَ طَرَفَيِ الْخِرْقَةِ فِي شَيْءٍ تَشُدُّهُ عَلَى وَسَطِهَا فَيُمْنَعُ بِذَلِكَ سَيْلُ الدَّمِ مَأْخُوذٌ مِنْ ثَفَرِ الدَّابَّةِ بِفَتْحِ الْفَاءِ الَّذِي يُجْعَلُ تَحْتَ ذَنَبِهَا ، وَقِيلَ مَأْخُوذٌ مِنَ الثُّفْرِ بِإِسْكَانِ الْفَاءِ وَهُوَ الْفَرْجُ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ لِلسِّبَاعِ فَاسْتُعِيرَ لِغَيْرِهَا ، قَالَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ : رَوَاهُ الْأَكْثَرُ عَنْ مَالِكٍ بِمُثَلَّثَةٍ ، وَرَوَاهُ مُطَرِّفٌ عَنْهُ لِتَسْتَذْفِرْ بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ بَدَلِهَا أَيْ تُجَفِّفُ الدَّمَ بِالْخِرْقَةِ ( ثُمَّ لِتُصَلِّي ) بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ لِلْإِشْبَاعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ ( سُورَةُ يُوسُفَ : الْآيَةُ 90 ) كَذَا قَالَهُ الشَّيْخُ وَلِيُّ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ ، لَا يُقَالُ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ أَمْرٌ لِأُنْثَى . لِأَنَّا نَقُولُ : هُوَ لَيْسَ خِطَابًا وَإِنَّمَا هُوَ مُسْنَدٌ لِضَمِيرِ الْغَائِبِ أَيْ لِتُصَلِّي هِيَ ، فَكَانَ الْوَاجِبُ حَذْفَ الْيَاءِ لِلَامِ الْأَمْرِ فَجِيءَ بِهَا لِلْإِشْبَاعِ فَحَذَفَ الْجَازِمُ يَاءَ الْعِلَّةِ وَالْمَوْجُودَةُ إِشْبَاعٌ ، وَفِيهِ أَنَّ حُكْمَ الْمُسْتَحَاضَةِ حُكْمُ الطَّاهِرَةِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا كَصِيَامٍ وَاعْتِكَافٍ وَقِرَاءَةٍ وَمَسِّ مُصْحَفٍ وَحَمْلِهِ وَسُجُودِ تِلَاوَةٍ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ وَهَذَا أَمْرٌ مُجَمَعٌ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا اخْتُلِفَ فِي إِبَاحَةِ وَطْئِهَا وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْجَوَازِ ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ بِالْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ عَلَى جَوَازِ الْوَطْءِ قَالَ : لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِاعْتِزَالِهَا حَائِضًا وَأَذِنَ فِي إِتْيَانِهَا طَاهِرًا ، فَلَمَّا حَكَمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُسْتَحَاضَةِ بحكم الطاهر فِي أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ وَطْئِهَا . وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا إِذَا صَلَّتِ ، الصَّلَاةُ أَعْظَمُ ، وَفِيهِ أَنَّ الْعَادَةَ فِي الْحَيْضِ تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدَّهَا إِلَى الشَّهْرِ الَّذِي يَلِي شَهْرَ الِاسْتِحَاضَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ ، وَلَا يَرِدُ أَنَّهُ قَالَ : كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ لِأَنَّ الصَّحِيحَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ كَانَ لَا تَدُلُّ عَلَى تَكَرُّرِ الْفِعْلِ وَلَا دَوَامِهِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ بِهِ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ : سَأَلَتِ امْرَأَةٌ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَنَسِ بْنِ عِيَاضٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ أَنَّ امْرَأَةً . . . إِلَخْ ، فَاخْتُلِفَ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ فِي إِسْنَادِهِ .