143 - حَدِيثٌ عَاشِرٌ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أُمِّ قَيْسِ بِنْتِ مِحْصَنٍ أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَجْلَسَهُ فِي حِجْرِهِ فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ . أُمُّ قَيْسٍ هَذِهِ اسْمُهَا جُذَامَةُ بِنْتُ وَهْبِ بْنِ مِحْصَنٍ ، أُخْتُ عُكَّاشَةَ بْنِ وَهْبِ بْنِ مِحْصَنٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي الصَّحَابِيَّاتِ مِنْ كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : النَّضْحُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ صَبُّ الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ عَرْكٍ ، وَفِي قَوْلِهِ وَلَمْ يَغْسِلْهُ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَاءَ إِذَا غَلَبَ عَلَى النَّجَاسَاتِ وَغَمَرَهَا طَهَّرَهَا وَكَانَ الْحُكْمُ لَهُ لَا لَهَا ، وَلَوْ كَانَ إِذَا اخْتَلَطَ بِالنَّجَاسَاتِ لَحِقَتْهُ النَّجَاسَةُ مَا كَانَ طَهُورًا وَلَا وَصَلَ بِهِ أَحَدٌ إِلَى الطَّهَارَةِ ، وَهَذَا مَرْدُودٌ بِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ سَمَّاهُ طَهُورًا ، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ فِي كَثِيرِهِ وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي مَعَانٍ مِنْ قَلِيلِهِ ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ وَاضِحًا فِي الْمَاءِ فِي بَابِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عِنْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ وُلُوغِ الْهِرَّةِ فِي الْإِنَاءِ فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ بَوْلَ كُلِّ آدَمِيٍّ يَأْكُلُ الطَّعَامَ نَجِسٌ ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي بَوْلِ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ إِذَا كَانَا مُرْضَعَيْنِ لَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا : بَوْلُ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ كَبَوْلِ الرَّجُلِ ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : لَا بَأْسَ بِبَوْلِ الصَّبِيِّ مَا دَامَ يَشْرَبُ اللَّبَنَ وَلَا يَأْكُلُ الطَّعَامَ ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ صَاحِبِ مَالِكٍ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : بَوْلُ الصَّبِيِّ لَيْسَ بِنَجِسٍ حَتَّى يَأْكُلَ الطَّعَامَ ، وَلَا يَبِينُ لِي فَرْقُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّبِيَّةِ ، وَلَوْ غُسِلَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ . وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : بَوْلُ الصَّبِيِّ يُتْبَعُ مَاءً ، وَبَوْلُ الصَّبِيَّةِ يُغْسَلُ غَسْلًا ؛ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : الرَّشُّ بِالرَّشِّ ، وَالصَّبُّ بِالصَّبِّ - مِنَ الْأَبْوَالِ كُلِّهَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : احْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ النَّضْحَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ صَبَّ الْمَاءِ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الرَّشَّ . وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَعْنَى الْحَدِيثِ ، لِأَنَّ الرَّشَّ لَا يَزِيدُ النَّجَاسَةَ إِلَّا شَرًّا . وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ النَّضْحَ قَدْ يَكُونُ صَبَّ الْمَاءِ وَالْغَسْلَ مِنْ غَيْرِ عَرْكٍ قَوْلُ الْعَرَبِ : غَسَلَتْنِي السَّمَاءُ ، وَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : إِنِّي لَأَعْلَمُ أَرْضًا يُقَالُ لَهَا عُمَانُ يَنْضَحُ بِنَاحِيَتِهَا الْبَحْرُ ، بِهَا حَيٌّ مِنَ الْعَرَبِ لَوْ أَتَاهُمْ رَسُولِي مَا رَمَوْهُ بِسَهْمٍ وَلَا حَجَرٍ . وَقَدْ جَاءَتْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَادِيثُ فِيهَا التَّفْرِقَةُ بَيْنَ بَوْلِ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ ، مِنْهَا مَا رَوَاهُ قَتَادَةُ عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : يُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ وَيُنْضَحُ عَلَى بَوْلِ الْغُلَامِ . قَالَ قَتَادَةُ : مَا لَمْ يُطْعَمَا الطَّعَامَ ، فَإِذَا أُطْعِمَا الطَّعَامَ غُسِلَا جَمِيعًا . وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ قَابُوسِ بْنِ أَبِي الْمُخَارِقِ ، عَنْ لُبَابَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ بَالَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْتُ : أَعْطِنِي ثَوْبَكَ أَغْسِلْهُ ! فَقَالَ : إِنَّمَا يُغْسَلُ مِنَ الْأُنْثَى ، وَيُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الذَّكَرِ . وَهَذَا عِنْدَ جَمِيعِهِمْ مَا لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ ، فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ : فَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَ بَوْلِ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ - مَا لَمْ يَأْكُلَا الطَّعَامَ - عَلَى هَذِهِ الْآثَارِ وَمَا كَانَ مِثْلَهَا ، وَالنَّضْحُ عَلَى بَوْلِ الْغُلَامِ عِنْدَهُمْ الرَّشُّ ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْوَلِيدِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحِلُّ بْنُ خَلِيفَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو السَّمْحِ خَادِمُ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِحَسَنٍ أَوْ حُسَيْنٍ فَبَالَ عَلَيْهِ ! قَالَ : فَجِئْتُ لِأَغْسِلَهُ ، فَقَالَ : يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْقِيَاسُ أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ بَوْلِ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ ، كَمَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ بَوْلِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ ، إِلَّا أَنَّ هَذِهِ الْآثَارَ إِنْ صَحَّتْ وَلَمْ يُعَارِضْهَا عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلُهَا وَجَبَ الْقَوْلُ بِهَا ، إِلَّا أَنَّ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى الصَّبَّ عَلَى بَوْلِ الصَّبِيِّ وَإِتْبَاعَهُ الْمَاءَ أَصَحُّ وَأَوْلَى ، وَأَحْسَنُ شَيْءٍ عِنْدِي فِي هَذَا الْبَابِ مَا قَالَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عِيسَى قَالَ : حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ حَبَابَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي الْبَغَوِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ قَالَ : أَخْبَرَنِي الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَت : بَوْلُ الْغُلَامِ يُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ صَبًّا ، وَبَوْلُ الْجَارِيَةِ يُغْسَلُ طَعِمَتْ أَوْ لَمْ تَطْعَمْ . وَهَذَا حَدِيثٌ مُفَسِّرٌ لِلْأَحَادِيثِ كُلِّهَا مُسْتَعْمِلٌ لَهَا ، حَاشَا حَدِيثِ الْمُحِلِّ بْنِ خَلِيفَةَ الَّذِي ذَكَرَ فِيهِ الرَّشَّ ، وَهُوَ حَدِيثٌ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ ، وَالْمُحِلُّ ضَعِيفٌ . وَإِذَا صُبَّ عَلَى بَوْلِ الْغُلَامِ وَغُسِلَ بَوْلُ الْجَارِيَةِ - وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الصَّبَّ قَدْ يُسَمَّى نَضْحًا - كَانَ الْفَرْقُ بَيْنَ بَوْلِ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ الرَّضِيعَيْنِ مَا بَيْنَ الصَّبِّ وَالْعَرْكِ تَعَبُّدًا - كَانَ وَجْهًا حَسَنًا ، وَهُوَ أَوْلَى مَا قِيلَ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَقَدْ كَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ لِصِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَهُ - وَهُوَ رِوَايَتُهُ - يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ وَيُفْتِي بِهِ . رَوَى حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ فِي بَوْلِ الصَّبِيَّةِ : يُغْسَلُ غَسْلًا . وَبَوْلُ الصَّبِيِّ : يُتْبَعُ بِالْمَاءِ . وَهُوَ أَوْلَى مَا قِيلَ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْعَاشِرُ أُمُّ قَيْسِ بِنْتِ مِحْصَنٍ أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ · ص 108 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديثا عائشة وأم قيس بنت محصن في بَوْلِ الصَّبِيِّ · ص 250 142 ( 28 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي بَوْلِ الصَّبِيِّ 116 - مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهَا قَالَتْ : أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِصَبِيٍّ ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ إِيَّاهُ . 117 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ ؛ أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ ، لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَجْلَسَهُ فِي حِجْرِهِ ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ ؛ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ . 3723 - قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : وَلَمْ يَغْسِلْهُ يُرِيدُ : وَلَمْ يَفْرُكْهُ ، وَيَقْرُصْهُ بِالْمَاءِ . 3724 - وَقَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا : قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : وَلَمْ يَغْسِلْهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ ، وَزَعَمَ أَنَّ آخِرَ الْحَدِيثِ : فَنَضَحَهُ . 3725 - وَلَا يَتَبَيَّنُ عِنْدِي مَا قَالَهُ ، لِصِحَّةِ رِوَايَةِ مَالِكٍ هَذِهِ . وَقَدْ قَالَ فِيهَا : وَلَمْ يَغْسِلْهُ نَسَقًا وَاحِدًا . 3726 - وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، قَالَ فِيهِ : وَلَمْ يَغْسِلْهُ كَمَا قَالَ مَالِكٌ . 3727 - وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَابْنِ جُرَيْجٍ كَذَلِكَ أَيْضًا . 3728 - وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِهِ ، قَالَ فِيهِ : فَدَعَا بِمَاءٍ فَرَشَّهُ ، وَلَمْ يَزِدْ . 3729 - وَقَالَ فِيهِ مَعْمَرٌ : فَنَضَحَهُ ، وَلَمْ يَزِدْ . 3730 - وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ ، وَهُوَ صَبُّ الْمَاءِ عَلَى الْبَوْلِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ هِشَامٍ : فَأَتْبَعَهُ إِيَّاهُ وَقَوْلَهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ : فَنَضَحَهُ سَوَاءٌ . 3731 - وَالنَّضْحُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : صَبُّ الْمَاءِ ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ فِي اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِنِّي لَأَعْرِفُ قَرْيَةً يَنْضَحُ الْبَحْرُ بِنَاحِيَتِهَا - أَوْ قَالَ : بِحَائِطِهَا ، أَوْ سُورِهَا - لَوْ جَاءَهُمْ رَسُولِي مَا رَمَوْهُ بِسَهْمٍ وَلَا حَجَرٍ . 3732 - وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ : إِنِّي لَأَعْلَمُ أَرْضًا يُقَالُ لَهَا : عُمَانُ يَنْضَحُ بِنَاحِيَتِهَا الْبَحْرُ ، بِهَا حَيٌّ مِنَ الْمَغْرِبِ لَوْ أَتَاهُمْ رَسُولِي مَا رَمَوْهُ بِسَهْمٍ وَلَا حَجَرٍ . 3733 - وَقَدْ يَكُونُ النَّضْحُ أَيْضًا فِي اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ الرَّشَّ . 3734 - هَذَا وَذَاكَ مَعْرُوفَانِ فِي اللِّسَانِ ، فَفِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مَا يَدُلُّ عَلَى صَبِّ الْمَاءِ عَلَى بَوْلِ الصَّبِيِّ مِنْ غَيْرِ عَرْكٍ وَلَا فَرْكٍ ، وَقَدْ يُسَمَّى الصَّبُّ غَسْلًا ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِ الْعَرَبِ : غَسَلَتْنِي السَّمَاءُ . 3735 - وَقَدْ أَمَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِصَبِّ الذَّنُوبِ مِنَ الْمَاءِ عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ ، وَيُذْهِبُهَا - فَقَدْ طَهَّرَ مَوْضِعَهَا بِعَرْكٍ وَبِغَيْرِ عَرْكٍ ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ إِذَا غَلَبَ عَلَى النَّجَاسَةِ ، وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهَا فِيهِ شَيْءٌ وَغَمَرَهَا طَهَّرَهَا ، وَكَانَ الْحُكْمُ لَهُ لَا لَهَا . 3736 - وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى مُحَرَّرًا فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 3737 - وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ بَوْلَ كُلِّ صَبِيٍّ يَأْكُلُ الطَّعَامَ ، وَلَا يَرْضَعُ نَجِسٌ ، كَبَوْلِ أَبِيهِ . وَاخْتَلَفُوا فِي بَوْلِ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ إِذَا كَانَا يَرْضَعَانِ ، لَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ . 3738 - فَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا : بَوْلُ الصَّبِيِّ وَالصِّبِيَّةِ كَبَوْلِ الرَّجُلِ ، مُرْضَعَيْنِ كَانَا أَوْ غَيْرَ مُرْضَعَيْنِ . 3739 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : لَا بَأْسَ بِبَوْلِ الصَّبِيِّ مَا دَامَ يَشْرَبُ اللَّبَنَ ، وَلَا يَأْكُلُ الطَّعَامَ ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ صَاحِبِ مَالِكٍ . 3740 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : بَوْلُ الصَّبِيِّ الَّذِي لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ لَيْسَ بِنَجِسٍ ، حَتَّى يَأْكُلَ الطَّعَامَ . وَلَا يَتَبَيَّنُ لِي فَرْقُ مَا بَيْنَ الصَّبِيَّةِ وَبَيْنَهُ ، وَلَوْ غُسِلَ كَانَ أَحَبُّ إِلَيَّ . 3741 - وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : بَوْلُ الصَّبِيَّةِ يُغْسَلُ غَسْلًا ، وَبَوْلُ الصَّبِيِّ يُتْبَعُ مَاءً . وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ . 3742 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ وَابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : مَضَتِ السُّنَّةُ بِأَنْ يُرَشَّ بَوْلُ الصَّبِيِّ ، وَيُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ . 3743 - وَلَفْظُ ابْنِ جُرَيْجٍ مَكَانُ يُرَشُّ : يُنْضَحُ . 3744 - وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ ، عَنْ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : مَضَتِ السُّنَّةُ بِأَنْ يَرُشَّ بَوْلُ مَنْ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ ، وَمَضَتِ السُّنَّةُ بِغَسْلِ بَوْلِ مَنْ أَكَلَ الطَّعَامَ مِنَ الصِّبْيَانِ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ . 3745 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا أَصَحُّ مَا قِيلَ فِي هَذَا الْبَابِ ، عَلَى مَعْنَى مَا فِيهِ مِنَ الْآثَارِ الصِّحَاحِ . 3746 - وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، عَنْ أُمِّهِ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، قَالَتْ : بَوْلُ الْغُلَامِ يُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ صَبًّا ، وَبَوْلُ الْجَارِيَةِ يُغْسَلْ طَعِمَتْ ، أَوْ لَمْ تَطْعَمْ . 3747 - وَعَنْ عَائِشَةَ مِثْلُهُ . 3748 - وَكَانَ الْحَسَنُ يُفْتِي بِهِ لِصِحَّتِهِ عِنْدَهُ . 3749 - وَرَوَى حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ فِي بَوْلِ الصَّبِيَّةِ : يُغْسَلُ غَسْلًا ، وَبَوْلُ الصَّبِيِّ يُتْبَعُ بِالْمَاءِ . 3749 م - وَهَذَا أَوْلَى مَا قِيلَ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ . 3750 - وَقَدْ رَوَى قَتَادَةُ عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ : يُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ ، وَيُنْضَحُ عَلَى بَوْلِ الْغُلَامِ . 3751 - قَالَ قَتَادَةُ : مَا لَمْ يَطْعَمَا الطَّعَامَ ، فَإِذَا طَعِمَا الطَّعَامَ غُسِلَا . 3752 - وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ بَوْلِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فَفِي الْقِيَاسِ كَذَلِكَ بَوْلُ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ . 3753 - وَقَدْ رُوِيَتْ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا فِي أَنَّ بَوْلَ الصَّبِيِّ لَا يُغْسَلُ وَبَوْلَ الْجَارِيَةِ يُغْسَلُ - آثَارٌ لَيْسَتْ بِالْقَوِيَّةِ ، قَدْ ذَكَرْتُهَا فِي التَّمْهِيدِ . 3754 - وَعَلَى مَا اخْتَرْنَا فِي هَذَا تَتَّفِقُ مَعَانِي الْآثَارِ ، وَلَا تَخْتَلِفُ ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْمَدَارُ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ . وَهُوَ حَسَبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب مَا جَاءَ فِي بَوْلِ الصَّبِيِّ · ص 248 140 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَجْلَسَهُ فِي حَجْرِهِ ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ . 143 140 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ ( ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ ) بِفَتْحِهَا ( ابْنِ عُتْبَةَ ) بِإِسْكَانِ الْفَوْقِيَّةِ ( ابْنِ مَسْعُودٍ ) الْهُذَلِيِّ الْمَدَنِيِّ ، ثِقَةٌ ، ثَبْتٌ ، فَقِيهٌ ، مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ ، كَثِيرُ الْحَدِيثِ ، أَحَدُ السَّبْعَةِ ، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ ، وَقِيلَ سَنَةَ ثَمَانٍ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ . ( عَنْ أُمِّ قَيْسِ بِنْتُ مِحْصَنٍ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْحَاءِ وَفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : اسْمُهَا جُذَامَةُ يَعْنِي بِالْجِيمِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ ، وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ : اسْمُهَا آمِنَةُ ، وَحَكَى مِثْلَهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْجَوْهَرِيُّ فِي مُسْنَدِ الْمُوَطَّأِ ، أَسْلَمَتْ قَدِيمًا بِمَكَّةَ وَهَاجَرَتْ وَلَهَا أَحَادِيثُ ، وَقَدْ زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ : وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ اللَّاتِي بَايَعْنَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَهِيَ أُخْتُ عُكَّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ أَحَدِ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ ( أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ ) قَالَ الْحَافِظُ : لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ وَمَاتَ فِي عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ صَغِيرٌ كَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْهَا قَالَتْ : تُوُفِّيَ ابْنٌ لِي فَجَزِعْتُ فَقُلْتُ لِلَّذِي يَغْسِلُهُ : لَا تَغْسِلِ ابْنِي بِالْمَاءِ الْبَارِدِ ، فَغَسَلَهُ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُكَّاشَةُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : مَا لَهَا طَالَ عُمُرُهَا ؟ قَالَ : فَلَا يُعْلَمُ امْرَأَةٌ عَمِرَتْ مَا عَمِرَتْ . ( لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ ) قَالَ ابْنُ التِّينِ : يُحْتَمَلُ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنَّهُ لَمْ يَتَقَوَّتْ بِالطَّعَامِ وَلَمْ يَسْتَغْنِ بِهِ عَنِ الرَّضَاعِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا جَاءَتْ بِهِ عِنْدَ وِلَادَتِهِ لِيُحَنِّكَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيُحْمَلُ النَّفْيُ عَلَى عُمُومِهِ ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ فِي الْعَقِيقَةِ أُتِيَ بِصَبِيٍّ يُحَنِّكُهُ ( إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَجْلَسَهُ فِي حَجْرِهِ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ عَلَى الْأَشْهَرِ وَتُكْسَرُ وَتُضَمُّ كَمَا فِي الْمُحْكَمِ وَغَيْرِهِ الْحِضْنُ أَيْ وَضْعَهُ إِنْ قُلْنَا كَانَ كَمَا وُلِدَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْجُلُوسَ حَصَلَ مِنْهُ عَلَى الْعَادَةِ إِنْ قُلْنَا كَانَ فِي سِنِّ مَنْ يَحْبُو كَمَا فِي قِصَّةِ الْحَسَنِ ( فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ ) أَيْ ثَوْبِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَأَغْرَبَ ابْنُ شَعْبَانَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ فَقَالَ : الْمُرَادُ ثَوْبُ الصَّبِيِّ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ كَذَا قَالَ الْحَافِظُ : وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ أَفْهَمَ أَنَّ الثَّانِي خَطَأٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، فَمَعْنَاهُ أَنَّ الِابْنَ بَالَ عَلَى ثَوْبِ نَفْسِهِ وَهُوَ فِي حَجْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَضَحَ الْمَاءَ عَلَيْهِ خَوْفًا أَنْ يَكُونَ طَارَ عَلَى ثَوْبِهِ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَبِهَذَا يَكُونُ دَلِيلًا لِلْقَائِلِينَ بِنَجَاسَةِ بَوْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ . ( فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ ) صَبَّ الْمَاءَ عَلَيْهِ ( وَلَمْ يَغْسِلْهُ ) أَيْ لَمْ يَعْرُكْهُ ، وَالنَّضْحُ لُغَةً يُقَالُ لِلرَّشِّ وَلِصَبِّ الْمَاءِ أَيْضًا كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنِّي لَأَعْلَمُ أَرْضًا يُقَالُ لَهُ عُمَانُ يَنْضَحُ بِنَاحِيَتِهَا الْبَحْرُ بِهَا حَيٌّ مِنَ الْعَرَبِ لَوْ أَتَاهُمْ رَسُولِي مَا رَمَوْهُ بِسَهْمٍ وَلَا حَجَرٍ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَادَّعَى الْأَصِيلِيُّ أَنَّ قَوْلَهُ : وَلَمْ يَغْسِلْهُ مُدْرَجٌ مِنَ ابْنِ شِهَابٍ ، وَأَنَّ الْمَرْفُوعَ انْتَهَى بُقُولِهِ فَنَضَحَهُ ، قَالَ : وَكَذَلِكَ رَوَى مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فَقَالَ : فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَزِدْ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : فَرَشَّهُ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ . قَالَ الْحَافِظُ : لَيْسَ فِي سِيَاقِ مَعْمَرٍ مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِدْرَاجِ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِنَحْوِ سِيَاقِ مَالِكٍ لَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ وَلَمْ يَغْسِلْهُ وَقَدْ قَالَهَا مَعَ ذَلِكَ اللَّيْثُ ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْهُ ، وَهُوَ فِي مُسْلِمٍ ، عَنْ يُونُسَ وَحْدَهُ ، نَعَمْ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَمَضَتِ السُّنَّةُ أَنْ يُرَشَّ بَوْلُ الصَّبِيِّ وَيُغْسَلَ بَوْلُ الْجَارِيَةِ ، فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ هِيَ الَّتِي زَادَهَا مَالِكٌ وَمَنْ تَبِعَهُ لَأَمْكَنَ دَعْوَى الْإِدْرَاجِ لَكِنَّهَا غَيْرُهَا فَلَا إِدْرَاجَ . وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ عَنِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ فَلَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِذَلِكَ فَإِنَّهَا لَفْظُ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ وَلَيْسَتْ مُخَالِفَةً لِرِوَايَةِ مَالِكٍ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ النَّدْبُ إِلَى حُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ وَالتَّوَاضُعِ وَالرِّفْقِ بِالصِّغَارِ وَتَحْنِيكِ الْمَوْلُودِ وَالتَّبَرُّكِ بِأَهْلِ الْفَضْلِ وَحَمْلِ الْأَطْفَالِ إِلَيْهِمْ حَالَ الْوِلَادَةِ وَبَعْدَهَا وَحُكْمُ بَوْلِ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ قَبْلَ أَنْ يُطْعَمَا وَهُوَ مَقْصُودُ الْبَابِ ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ أَصَحُّهَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الِاكْتِفَاءُ بِالنَّضْحِ أَيِ الرَّشِّ فِي بَوْلِ الصَّبِيِّ لَا الصَّبِيَّةِ وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ ، وَعَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَابْنِ وَهْبٍ وَغَيْرِهِمْ ، وَرَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ مَالِكٍ لَكِنْ قَالَ أَصْحَابُهُ هِيَ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ . وَالثَّانِي يَكْفِي النَّضْحُ فِيهِمَا وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَخَصَّصَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ النَّقْلَ فِي هَذَا بِمَا إِذَا كَانَا لَمْ يَدْخُلْ فِي أَجْوَافِهِمَا شَيْءٌ أَصْلًا . وَالثَّالِثُ هُمَا سَوَاءٌ فِي وُجُوبِ الْغَسْلِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَتْبَاعِهِمَا وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَأَحَادِيثُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ بَوْلِ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ لَيْسَتْ بِالْقَوِيَّةِ . وَقَالَ الْحَافِظُ : فِي الْفَرْقِ أَحَادِيثُ لَيْسَتْ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ مِنْهَا حَدِيثُ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا : يُنْضَحُ بَوْلُ الْغُلَامِ وَيُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ إِلَّا النَّسَائِيَّ وَرُوِيَ مَوْقُوفًا . وَمِنْهَا حَدِيثُ لُبَابَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ مَرْفُوعًا : إِنَّمَا يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْأُنْثَى وَيُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الذَّكَرِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ . وَمِنْهَا حَدِيثُ أَبِي السَّمْحِ نَحْوَهُ بِلَفْظِ : يَرُشُّ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ أَيْضًا . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَفِي وَجْهِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا أَوْجُهٌ رَكِيكَةٌ وَأَقْوَاهَا مَا قِيلَ : إِنَّ النُّفُوسَ أَعْلَقُ بِالذَّكَرِ مِنْهَا بِالْإِنَاثِ يَعْنِي فَحَصَلَتِ الرُّخْصَةُ فِي الذُّكُورِ لِكَثْرَةِ الْمَشَقَّةِ ، وَقَدِ احْتَجَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الْغَسْلَ مِنْهُمَا هُوَ الْقِيَاسُ وَالْأَصْلُ فِي إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ ، وَقِيَاسُ الصَّبِيِّ عَلَى الصَّبِيَّةِ لِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ عَلَى اسْتِوَاءِ الْحُكْمِ فِيهِمَا بَعْدَ أَكْلٍ غَيْرِ اللَّبَنِ فَلَا بُدَّ مِنْ غَسْلِ بَوْلِهِمَا بِالْإِجْمَاعِ ، وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَجْوِبَةٍ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى بَعْضِهَا ، أَحَدُهَا : أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّضْحِ هُنَا الْغَسْلُ وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ السَّابِقُ : إِنِّي لَأَعْرِفُ قَرْيَةً يَنْضَحُ الْبَحْرُ بِنَاحِيَتِهَا . وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَذْيِ : فَلْيَنْضَحْ فَرْجَهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ وَالْمُرَادُ الْغَسْلُ كَمَا فِي مُسْلِمٍ وَالْقِصَّةُ وَاحِدَةٌ كَالرَّاوِي ، وَحَدِيثُ أَسْمَاءٍ فِي غَسْلِ الدَّمِ : وَانْضَحِيهِ ، وَقَدْ جَاءَ الرَّشُّ وَأُرِيدَ بِهِ الْغَسْلُ كَمَا فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمَّا حَكَى الْوُضُوءَ النَّبَوِيَّ قَالَ : أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ وَرَشَّ عَلَى رِجْلِهِ الْيُمْنَى حَتَّى غَسَلَهَا ، وَأَرَادَ بِالرَّشِّ هُنَا الصَّبَّ قَلِيلًا قَلِيلًا ، وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ : وَلَمْ يَغْسِلْهُ أَيْ غَسْلًا مُبَالَغًا فِيهِ كَغَيْرِهِ ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ يُونُسِ بْنِ يَزِيدَ وَلَمْ يَغْسِلْهُ غَسْلًا ، فَدَلَّ بِالْمَصْدَرِ الْمُنَوَّنِ عَلَى نَفْيِ الْكَثِيرِ الْبَلِيغِ مَعَ وُجُودِ أَصْلِ الْغَسْلِ . ثَانِيهَا : أَنَّ مَعْنَى وَلَمْ يَغْسِلْهُ لَمْ يَعْرُكْهُ فَأُرِيدَ بالغسل الْعَرْكِ ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَالْغَسْلُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ هُوَ عَرْكُ الْمَغْسُولِ وَقَدْ يُسَمَّى زَوَالُ الْقَذَرِ غَسْلًا وَإِنْ لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ عَرْكٌ وَذَلِكَ مَجَازٌ بِدَلِيلِ قَوْلِ الرَّاوِي : وَلَمْ يَغْسِلْهُ ، وَإِنَّمَا لَمْ يَحْتَجْ هُنَا إِلَى عَرْكٍ لِأَنَّ الْبَوْلَ إِذَا أُتْبِعَ بِالْمَاءِ بِقُرْبِ مُلَاقَاتِهِ الثَّوْبَ خَرَجَ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ عَرِكٍ . ثَالِثُهَا : أَنَّ ضَمِيرَ عَلَى ثَوْبِهِ عَائِدٌ عَلَى الصَّغِيرِ كَمَا مَرَّ . رَابِعُهَا : أَنَّ قَوْلَهَا لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ لَيْسَ عِلَّةً لِلْحُكْمِ وَإِنَّمَا هُوَ وَصْفُ حَالٍ وَحِكَايَةُ قَضِيَّةٍ كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ رَضِيعٌ وَاللَّبَنُ طَعَامٌ وَحُكْمُهُ حُكْمُهُ فِي كُلِّ حَالٍ فَأَيُّ شَيْءِ فَرَقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّعَامِ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُعَلِّلْ بِهَذَا وَلَا أَشَارَ إِلَيْهِ فَنَكِلُ الْحُكْمُ فِيهِ إِلَيْهِ . خَامِسُهَا : أَنَّ الْأَبْهَرِيَّ نَقَلَ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ بِالْمُتَوَاطَأِ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ ، وَأَمَّا أَحَادِيثُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ بَوْلِ الْأُنْثَى فَيُغْسَلُ وَبَوْلِ الصَّبِيِّ يُنْضَحُ فَلَيْسَتْ بِقَوِيَّةٍ ، وَعَلَى فَرْضِ صِحَّتِهَا فَالْمُرَادُ بِالنَّضْحِ الْغَسْلُ ، قَالَ الطَّحَاوِيُّ : وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ بَوْلَ الذَّكَرِ يَكُونُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ لِضِيقِ مَخْرَجِهِ ، وَبَوْلَ الْجَارِيَةِ يَتَفَرَّقُ لِسِعَةِ مَخْرِجِهِ ، فَأَمَرَ فِي بَوْلِ الْغُلَامِ بِالنَّضْحِ يُرِيدُ صَبَّ الْمَاءِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ ، وَأَرَادَ بِغَسْلِ الْجَارِيَةِ أَنْ يُتْبَعَ بِالْمَاءِ لِأَنَّهُ يَقَعُ فِي مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ . ( تَنْبِيهٌ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَيْسَ تَجْوِيزُ مَنْ جَوَّزَ النَّضْحَ بِمَعْنَى الرَّشِّ مِنْ أَجْلِ أَنَّ بَوْلَ الصَّبِيِّ غَيْرُ نَجِسٍ وَلَكِنَّهُ لِتَخْفِيفِ نَجَاسَتِهِ ، انْتَهَى . وَجَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُمَا بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ ، وَأَحْمَدَ قَالَا بِطَهَارَتِهِ رُدَّ بِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ عَنْهُمَا . قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذِهِ حِكَايَةٌ بَاطِلَةٌ وَكَأَنَّهُمْ أَخَذُوا ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ اللَّازِمِ ، وَأَصْحَابُ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ . انْتَهَى . نَعَمْ نَقَلَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ قَوْمٍ الْقَوْلَ بِطَهَارَةِ بَوْلِ الصَّبِيِّ قَبْلَ الطَّعَامِ ، وَحَدِيثُ الْبَابِ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، عَنْ قُتَيْبَةَ ، الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَيُونُسُ كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِنَحْوِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ .