حَدِيثٌ ثَالِثٌ لِنَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَذَّنَ بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ فَقَالَ : أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ ذَاتُ مَطَرٍ يَقُولُ : أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : ( لَمْ يُخْتَلَفْ عَنْ مَالِكٍ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ وَلَا فِي لَفْظِهِ ، وَقَدْ حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيُّ : حَدَّثَنَا الْمُزَنِيُّ : حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ أَذَّنَ بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ قَرَّةٍ وَرِيحٍ فَقَالَ : أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ ذَاتُ مَطَرٍ يَقُولُ : أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ ) . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ الرُّخْصَةُ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الْجَمَاعَةِ فِي لَيْلَةِ الْمَطَرِ وَالرِّيحِ الشَّدِيدَةِ ، وَقِيلَ : إِنَّ هَذَا إِنَّمَا كَانَ فِي السَّفَرِ ، وَعَلَى ذَلِكَ تَدُلُّ تَرْجَمَةُ مَالِكٍ لِلْبَابِ الَّذِي ذُكِرَ فِيهِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَقِيلَ : أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ . ( وَإِذَا كَانَ فِي السَّفَرِ فَلَا مَعْنَى لِذِكْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ) وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونُوا ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانُوا يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ فِي رِحَالٍ لَهُمْ ، وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ لَهُمْ رُخْصَةٌ فِي سَفَرِهِمْ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجَمَاعَةِ لِشِدَّةِ الْمَضَرَّةِ فِي السَّفَرِ ، وَفِي ذِكْرِ الرِّحَالِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي سَفَرٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ الْمَطَرُ وَالْأَذَى ، وَالْحَضَرُ وَالسَّفَرُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ ، فَيَدْخُلُ السَّفَرُ بِالنَّصِّ ، وَالْحَضَرُ بِالْمَعْنَى ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِيهِ الْمَطَرُ . وَقَدْ رَخَّصَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي وَقْتِ الْمَطَرِ الشَّدِيدِ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الْجُمُعَةِ لِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ ، فَكَيْفَ بِالْجَمَاعَةِ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ شُهُودُهَا لِمَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَرِيضَةٌ ، وَمَنْ قَالَ إِنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ ، وَلَيْسَ بِفَرْضٍ فِيمَا سَلَفَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَسَيَتَكَرَّرُ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَاسْتَدَلَّ قَوْمٌ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْأَذَانِ جَائِزٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ ) إِذَا كَانَ الْكَلَامُ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ ، وَزَعَمَ أَنَّ قَوْلَهُ : أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ كَانَ فِي نَفْسِ الْأَذَانِ بِأَثَرِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ ، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا رَجُلٌ مِنْ ثَقِيفٍ أَنَّهُ سَمِعَ مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْنِي فِي لَيْلَةِ الْمَطَرِ فِي السَّفَرِ يَقُولُ : حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ ، صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ ، فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي السَّفَرِ ، وَأَنَّ قَوْلَهُ كَانَ فِي نَفْسِ الْأَذَانِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي مَطَرٍ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ ، وَعَامِرٍ الْأَحْوَلِ ، وَعَبْدِ الْحَمِيدِ صَاحِبِ الزِّيَادِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ : خَطَبَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ فِي يَوْمٍ ذِي رِيحٍ ، فَلَمَّا بَلَغَ الْمُؤَذِّنُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ أَمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ : الصَّلَاةُ فِي الرِّحَالِ قَالَ : فَنَظَرَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَقَالَ : كَأَنَّكُمْ أَنْكَرْتُمْ هذا ؟ قَدْ فَعَلَ هَذَا مِنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي . ( وَذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ مُسَدَّدٍ ، عَنْ حَمَّادٍ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَزَادَ فِيهِ أَنَّ الْجُمُعَةَ عَزْمَةٌ ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُخْرِجَكُمْ فَتَمْشُونَ فِي الطِّينِ ، وَالْمَطَرِ ) وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ حَبِيبٍ : أَخْبَرَنَا عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ ، عَنْ أَبِيهِ : شَهِدَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى ، عَنْ صَاحِبٍ لَهُ ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ ، أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ . وَوَجَدْتُ فِي أَصْلِ سَمَاعِ أَبِي بِخَطِّهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنْ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ قَاسِمِ بْنِ هِلَالٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ الْأَعْنَافِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ سَمِعَ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ حَدَّثَهُ رَجُلٌ مِنْ ثَقِيفٍ سَمِعَ مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ فِي لَيْلَةِ مَطَرٍ يَقُولُ : حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ ، صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ . فَقَدْ بَانَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا كَانَ فِي السَّفَرِ مَعَ الْمَطَرِ ، وَهَذِهِ رُخْصَةٌ تَخُصُّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَلَا رُخْصَةَ لَكَ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التَّأَخُّرِ فِي حِينِ الْمَطَرِ الدَّائِمِ عَنْ شُهُودِ الْجَمَاعَةِ ، وَالْجُمُعَةِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ أَذَى الْمَطَرِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِهَذِهِ الْحَالِ ، وَإِذَا جَازَ لِلْمَطَرِ الدَّائِمِ والماء أَنْ يُصَلِّيَ الْمُسَافِرُ فَيُومِئُ مِنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مِنْ أَجْلِ الْمَاءِ وَالْمَطَرِ وَالطِّينِ ، وَلَوْلَا الْمَطَرُ الدَّائِمُ ، وَالطِّينُ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ لَهُ كَانَ الْمُخْتَلِفُ عَنْ شُهُودِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ أَوْلَى بِذَلِكَ . وَقَدْ ذَكَرْنَا الْحُكْمَ فِي صَلَاةِ الطِّينِ وَالْمَطَرِ ، وَحُكْمَ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْمَطَرِ كُلَّ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، فَلَا وَجْهَ لِإِعَادَةِ شَيْءٍ مِنْهُ هَاهُنَا . وَأَمَّا الْكَلَامُ فِي الْأَذَانِ فَإِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ اخْتَلَفُوا فِي إِجَازَتِهِ وَكَرَاهِيَتِهِ ; فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ : إِذَا كَانَ الْكَلَامُ فِي شَأْنِ الصَّلَاةِ ، وَالْأَذَانِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ ، كَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَمَرَ مُؤَذِّنَهُ فِي يَوْمِ الْمَطَرِ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ قَوْلِهِ : حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ : أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ ، قَالُوا : فَإِنْ تَكَلَّمَ بِمَا لَيْسَ مِنْ شَأْنِ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَسَاءَ ، وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ لِلْأَذَانِ . هَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَهُوَ يُشْبِهُ مَذْهَبَ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ تَكَلَّمَ فِي شَأْنِ الصَّلَاةِ وَإِصْلَاحِهَا أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، فَكَذَلِكَ الْأَذَانُ قِيَاسًا وَنَظَرًا ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ ، وَمَذْهَبُهُ فِي كَرَاهِيَةِ الْكَلَامِ فِي الْأَذَانِ عَلَى كُلِّ حَالٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : احْتَجَّ مَنْ أَجَازَ نَحْوَ هَذَا مِنَ الْكَلَامِ فِي الْأَذَانِ بِأَنْ قَالَ : قَدْ ثَبَتَ التَّثْوِيبُ فِي الْفَجْرِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْمُؤَذِّنِ : الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ ، فَكُلُّ مَا كَانَ حَضًّا عَلَى الصَّلَاةِ أَوْ مِنْ شَأْنِهَا فَلَا بَأْسَ بِالْكَلَامِ بِهِ فِي الْأَذَانِ قِيَاسًا عَلَى ذَلِكَ ، وَاسْتِدْلَالًا بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَكَانَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ، فِيمَا رَوَى عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ يَكْرَهُ الْكَلَامَ فِي الْأَذَانِ ، وَقَالَ : لَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا يُقْتَدَى بِهِ فَعَلَ ذَلِكَ ، وَكَرِهَ رَدَّ السَّلَامِ فِي الْأَذَانِ لِئَلَّا يَشْتَغِلَ الْمُؤَذِّنُ بِغَيْرِ مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْأَذَانِ ، وَكَذَلِكَ لَا يُشَمِّتُ عَاطِسًا ، وَلَكِنَّهُ إِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، وَتَكَلَّمَ فِي أَذَانِهِ يبني ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَنَحْوُ هَذَا كُلِّهِ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ : يُسْتَحَبُّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ فِي أَذَانِهِ ، وَلَا فِي إِقَامَتِهِ ، وَإِنْ تَكَلَّمَ أَجْزَأَهُ ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : لَا يَتَكَلَّمُ الْمُؤَذِّنُ فِي الْأَذَانِ ، وَلَا فِي الْإِقَامَةِ فَإِنْ تَكَلَّمَ مَضَى وَيُجْزِيهِ ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ : إِنْ تَكَلَّمَ الرَّجُلُ فِي الْأَذَانِ ، وَفِي الْإِقَامَةِ أَعَادَهُمَا ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ أَمَرَ مُؤَذِّنًا تَكَلَّمَ فِي أَذَانِهِ أَنْ يُعِيدَ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عنْهُ بِصَحِيحٍ ، وَالْإِسْنَادُ ( فِيهِ عَنْهُ ضَعِيفٌ ) ، وَكَرِهَ الْكَلَامَ فِي الْأَذَانِ النَّخَعِيُّ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَلَمْ يَجِئْ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِ إِعَادَةَ الْأَذَانِ ، وَلَا ابْتِدَاءَهُ ، وَرَخَّصَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي ( الْكَلَامِ فِي ) الْأَذَانِ مِنْهُمُ الْحَسَنُ ، وَعُرْوَةُ ، وَعَطَاءٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، وَرَوَى الْوَلِيدُ بْنِ مَزْيَدٍ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ : لَا بَأْسَ أَنْ يَرُدَّ السَّلَامَ فِي أَذَانِهِ ، وَلَا يَرُدَّ فِي إِقَامَتِهِ قَالَ : وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : مَا سَمِعْتُ قَطُّ أَنَّ مُؤَذِّنًا أَعَادَ الْأَذَانَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : هَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَذَانَ مِنْ شَأْنِ الصَّلَاةِ لَا يَدَعُهُ مُسَافِرٌ وَلَا حَاضِرٌ ، وَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ ، مَعَ إِجْمَاعِهِمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُؤَذَّنُ لَهُ فِي حَيَاتِهِ كُلِّهَا لِكُلِّ صَلَاةٍ فِي سَفَرٍ وَحَضَرٍ ، وَأَنَّهُ نَدَبَ الْمُسْلِمِينَ لِذَلِكَ وَسَنَّهُ لَهُمْ ، وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزَوَاتِهِ إِذَا سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ وَعَلِمَ أَنَّهَا دَارُ إِيمَانٍ ، وَإِذَا لَمْ يَسْمَعْهُ أَغَارَ ، وَكَانَ يَأْمُرُ سَرَايَاهُ بِذَلِكَ ، وَقَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا وَقَالَ : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ الْآيَةَ ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ ، الْحَدِيثَ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وُجُوبِ الْأَذَانِ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ عَنْهُ ، وَعَنْ أَصْحَابِهِ أَنَّ الْأَذَانَ إِنَّمَا هُوَ لِلْجَمَاعَاتِ حَيْثُ يَجْتَمِعُ النَّاسُ لِلْأَئِمَّةِ فَأَمَّا ( مَا ) سِوَى ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ ، فَإِنَّ الْإِقَامَةَ تُجْزِيهِمْ ، وَاخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي وُجُوبِ الْأَذَانِ ; فَقَالَ بَعْضُهُمْ : الْأَذَانُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَاجِبَةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ وَلَيْسَ بِفَرْضٍ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ فِي الْمِصْرِ خَاصَّةً ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا أُحِبُّ ( لِأَحَدٍ ) أَنْ يُصَلِّيَ إِلَّا بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ ، وَالْإِقَامَةُ عِنْدَهُ أَوْكَدُ ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : هُوَ سُنَّةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : هُوَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ . وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : إِنْ تَرَكَ أَهْلُ مِصْرٍ الْأَذَانَ عَامِدِينَ أَعَادُوا الصَّلَاةَ ، وَقَالَ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ : الْأَذَانُ فَرْضٌ ، وَلَمْ يَقُولُوا عَلَى الْكِفَايَةِ ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَعَطَاءٌ : مَنْ تَرَكَ الْإِقَامَةَ أَعَادَ الصَّلَاةَ ، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : الْأَذَانُ سُنَّةٌ ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تَرْكُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّأْذِينَ حِينَ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِمُزْدَلِفَةَ وَيَوْمَ الْخَنْدَقِ ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّأْذِينَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فَرْضًا ، وَلَوْ لَمْ تُجْزِئِ الصَّلَاةُ إِلَّا بِأَذَانٍ لَمْ يَدَعْ ذَلِكَ ، وَهُوَ يُمْكِنُهُ قَالَ : وَإِذَا كَانَ هَكَذَا فِي الْأَذَانِ ، كَانَتِ الْإِقَامَةُ كَذَلِكَ ; لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا غَيْرُ الصَّلَاةِ . وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي الْأَذَانِ لِلْمُسَافِرِينَ ، فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْأَذَانَ إِنَّمَا هُوَ فِي الْمِصْرِ لِلْجَمَاعَاتِ فِي الْمَسَاجِدِ ، وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ . قَالَ : إِنْ تَرَكَ الْأَذَانَ مُسَافِرٌ عَامِدًا فَعَلَيْهِ إِعَادَةُ الصَّلَاةِ ، ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ ، وَقَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : أَخْبَرَنَا أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فَذَكَرَهُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : أَمَّا الْمُسَافِرُ فَيُصَلِّي بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ . قَالُوا : وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ ، وَأَمَّا فِي الْمِصْرِ فَيُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ إِذَا صَلَّى وَحْدَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ وَيُقِيمَ ، فَإِنِ اسْتَجْزَأَ بِأَذَانِ النَّاسِ وَإِقَامَتِهِمْ أَجْزَأَهُ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : لَا يَسْتَجْزِئُ بِإِقَامَةِ أَهْلِ الْمَصْرِ ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : لَا يُجْزِئُ الْمُسَافِرَ ، وَلَا الْحَاضِرَ صَلَاةٌ إِذَا تَرَكَ الْإِقَامَةَ ، وَقَالَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ : الْأَذَانُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسَافِرٍ فِي خَاصَّتِهِ ، وَالْإِقَامَةُ كَذَلِكَ ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ وَلِصَاحِبِهِ : إِذَا كُنْتُمَا فِي سَفَرِكُمَا فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا وَلْيَؤُمَّكُمَا أَحَدُكُمَا ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الظَّاهِرِ ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِقَوْلِهِ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ إِلَّا مَا رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ ، وَمَا رُوِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ فِيمَنْ تَرَكَ الْإِقَامَةَ دُونَ الْأَذَانِ ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَمُجَاهِدٍ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : تُجْزِئُكَ الْإِقَامَةُ فِي السَّفَرِ عَنِ الْأَذَانِ ، وَإِنْ شِئْتَ أَذَّنْتَ وَأَقَمْتَ ، وَتَكْفِيكَ الْإِقَامَةُ ، وَإِنْ صَلَّيْتَ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ أَجَزَتْكَ ( صَلَاتُكَ ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا : وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَالطَّبَرِيِّ ، إِذَا تَرَكَ الْمُسَافِرُ الْأَذَانَ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَرَكَ الْإِقَامَةَ عِنْدَهُمْ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ إِعَادَةُ صَلَاتِهِ ، وَقَدْ أَسَاءَ إِنْ تَرَكَهَا عَامِدًا ، وَهُوَ تَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَيْضًا ، وَقَدْ رَوَى أَيُّوبُ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ فِي السَّفَرِ يُصَلِّي بِإِقَامَةٍ ، إِقَامَةٍ ، إِلَّا الْغَدَاةَ فَإِنَّهُ كَانَ يُؤَذِّنُ لَهَا ، وَيُقِيمُ يَعْنِي صَلَاةَ الصُّبْحِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَسْجِدَ إِذَا أَذَّنَ فِيهِ وَاحِدٌ وَأَقَامَ أَنَّهُ يُجْزِئُ أَذَانُهُ وَإِقَامَتُهُ جَمِيعَ أَهْلِ الْمَسْجِدِ ، وَأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي سَفَرٍ أَوْ حَضَرٍ وَقَدْ دَخَلَ فِي صَلَاتِهِ أَنَّهُ يَدْخُلُ مَعَهُ وَلَا يُؤَذِّنُ وَلَا يُقِيمُ ، فَدَلَّ إِجْمَاعُهُمْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ مَنْ أَوْجَبَ الْأَذَانَ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ مُسَافِرًا كَانَ ، أَوْ غَيْرَ مُسَافِرٍ ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ غَيْرُ وَاجِبَيْنِ . وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ وَالنَّظَرِ : لَيْسَتَا مِنَ الصَّلَاةِ فَتَفْسُدُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِمَا ، وَالَّذِي يَصِحُّ عِنْدِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْأَذَانَ وَاجِبٌ فَرْضًا عَلَى الدَّارِ - أَعْنِي الْمِصْرَ أَوِ الْقَرْيَةَ - فَإِذَا قَامَ فِيهَا قَائِمٌ وَاحِدٌ أَوْ أَكْثَرُ بِالْأَذَانِ سَقَطَ فَرْضُهُ عَنْ سَائِرِهِمْ ، وَمِنَ الْفَرْقِ بَيْنَ دَارِ الْكُفْرِ وَدَارِ الْإِسْلَامِ لِمَنْ لَمْ يَعْرِفْهَا ، الْأَذَانُ الدَّالُّ عَلَى الدَّارِ ، وَكُلُّ قَرْيَةٍ أَوْ مِصْرٍ لَا يُؤَذَّنُ فِيهِ بِالصَّلَاةِ فَأَهْلُهُ لِلَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - عُصَاةٌ ، وَمَنْ صَلَّى مِنْهُمْ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْأَذَانَ غَيْرُ الصَّلَاةِ ، وَوُجُوبُهُ عَلَى الْكِفَايَةِ فَمَنْ قَامَ بِهِ سَقَطَ عَنْ غَيْرِهِ ، كَسَائِرِ الْفُرُوضِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الْكِفَايَةِ . وَأَمَّا الْأَذَانُ لِلْمُنْفَرِدِ فِي سَفَرٍ أَوْ حَضَرٍ فَسُنَّةٌ عِنْدِي مَسْنُونَةٌ ، مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا ، مَأْجُورٌ فَاعِلُهَا عَلَيْهَا ( وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ ) . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ قَالَ : حَدَّثَنَا زَائِدَةُ : حَدَّثَنَا السَّائِبُ بْنُ حُبَيْشٍ عَنْ سَعْدَ أنَ ابْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْيَعْمَرِيِّ قَالَ : قَالَ لِي أَبُو الدَّرْدَاءِ : أَيْنَ مَسْكَنُكَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : بِقَرْيَةٍ دُونَ حِمْصَ ، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ وَلَا بَلَدٍ ، وَلَا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلَاةُ إِلَّا اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ ، فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ ، قَالَ زَائِدَةُ : يَعْنِي الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ، وَذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ بِإِسْنَادِهِ ، وَقَالَ : قَالَ زَائِدَةُ قَالَ السَّائِبُ : يَعْنِي الْجَمَاعَةَ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الثَّالِثُ كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ ذَاتُ مَطَرٍ يَقُولُ أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ · ص 269 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث ابن عمر ألا صلوا في الرحال · ص 77 159 ( 2 ) بَابُ النِّدَاءِ فِي السَّفَرِ وَعَلَى غَيْرِ وُضُوءِ 132 - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَذَّنَ بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ . فَقَالَ : أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ ذَاتُ مَطَرٍ يَقُولُ : أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ . 4199 - هَكَذَا عَنْ يَحْيَى فِي تَرْجَمَةِ هَذَا الْبَابِ : وَعَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ . وَلَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ عَلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ فِيمَا عَلِمْتُ ، وَلَا فِي غَيْرِ هَذَا الْبَابِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا ، وَلَوْ كَانَ فِي مَكَانِ قَوْلِهِ : وَعَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ : وَالْأَذَانِ رَاكِبًا - كَانَ صَوَابًا ; لِأَنَّهَا مَسْأَلَةٌ فِي الْبَابِ مَذْكُورَةٌ . 4200 - وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ هَذَا أَنَّهُ كَانَ فِي السَّفَرِ ، وَلَكِنَّهُ قَيَّدَهُ بِتَرْجَمَةِ الْبَابِ ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ مِنْ وُجُوهٍ ذَكَرْتُهَا فِي التَّمْهِيدِ . 4201 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ : الْأَذَانُ فِي السَّفَرِ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ . 4202 - فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْأَذَانَ إِنَّمَا هُوَ فِي الْمِصْرِ لِلْجَمَاعَاتِ فِي الْمَسَاجِدِ . 4203 - وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ : إِنْ تَرَكَ الْأَذَانَ مُسَافِرٌ عَمْدًا أَعَادَ الصَّلَاةَ . 4204 - وَذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنْ أَشْهَبَ ، عَنْ مَالِكٍ . 4205 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : أَمَّا الْمُسَافِرُ فَيُصَلِّي بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ ، وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ . 4206 - قَالُوا : وَأَمَّا الْمِصْرُ فَيُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ إِذَا صَلَّى وَحْدَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ ، وَيُقِيمَ ، فَإِنِ اسْتَجْزَأَ بِأَذَانِ النَّاسِ وَإِقَامَتِهِمْ أَجْزَأَهُ . 4207 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : تُجْزِئُكَ الْإِقَامَةُ مِنَ الْأَذَانِ فِي السَّفَرِ ، وَإِنْ شِئْتَ أَذَّنْتَ ، وَأَقَمْتَ . 4208 - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : يُؤَذِّنُ الْمُسَافِرُ عَلَى حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ . 4209 - وَقَالَ دَاوُدُ : الْأَذَانُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسَافِرٍ فِي خَاصَّتِهِ وَالْإِقَامَةُ ; لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ وَلِصَاحِبِهِ : إِذَا كُنْتُمَا فِي سَفَرٍ فَأَذِّنَا ، وَأَقِيمَا ، وَلِيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا . وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الظَّاهِرِ . 4210 - وَاتَّفَقَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَالطَّبَرِيُّ - عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ إِنْ تَرَكَ الْأَذَانَ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَرَكَ الْإِقَامَةَ عِنْدَهُمْ ، وَهُمْ أَشَدُّ كَرَاهِيَةً لِتَرْكِهِ الْإِقَامَةَ . 4211 - وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الْأَذَانَ غَيْرُ وَاجِبٍ فَرْضًا مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ - بِسُقُوطِ أَذَانِ الْوَاحِدِ عِنْدَ الْجَمِيعِ بِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ . 4212 - وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي التَّمْهِيدِ بِالْآثَارِ وَوُجُوهِ الْأَقْوَالِ . 4213 - وَتَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي الْأَذَانِ فِي السَّفَرِ كَالشَّافِعِيِّ سَوَاءٌ . 4214 - وَفِيهِ أَيْضًا مِنَ الْفِقْهِ : الرُّخْصَةُ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الْجَمَاعَةِ فِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ وَالرِّيحِ الشَّدِيدَةِ . 4215 - وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ كُلُّ عُذْرٍ مَانِعٍ ، وَأَمْرٍ مُؤْذٍ . 4216 - وَإِذَا جَازَ التَّخَلُّفُ عَنِ الْجَمَاعَةِ لِلْعَشَاءِ وَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ - فَالتَّخَلُّفُ عَنْهَا لِمِثْلِ هَذَا أَحْرَى . 4217 - وَالسَّفْرُ عِنْدِي وَالْحَضَرُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ ; لِأَنَّ السَّفْرَ إِنْ دَخَلَ بِالنَّصِّ دَخَلَ الْحَضَرُ بِالْمَعْنَى ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ مِنَ الْمَطَرِ وَالْأَذَى قَائِمَةٌ فِيهِمَا . 4218 - وَاسْتَدَلَّ قَوْمٌ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْأَذَانِ جَائِزٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ إِذَا كَانَ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ . 4219 - وَذَكَرْنَا حَدِيثَ الثَّقَفِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ مُنَادِيَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ فِي السَّفَرِ يَقُولُ - إِذَا قَالَ : حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ - : أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ . 4220 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْخَبَرَ بِإِسْنَادِهِ مِنْ طُرُقٍ فِي التَّمْهِيدِ . 4221 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي كَرَاهِيَةِ الْكَلَامِ فِي الْأَذَانِ وَإِجَازَتِهِ . 4222 - فَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ الْكَلَامَ فِي الْأَذَانِ ; رَوَى ذَلِكَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ، وَقَالَ : لَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا يُقْتَدَى بِهِ تَكَلَّمَ فِي أَذَانِهِ ، وَكَرِهَ رَدَّ السَّلَامِ فِي الْأَذَانِ ; لِئَلَّا يَشْتَغِلَ الْمُؤَذِّنُ بِغَيْرِ مَا هُوَ فِيهِ . 4223 - وَكَذَلِكَ لَا يُشَمِّتُ عَاطِسًا ، فَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنَ ذَلِكَ ، وَتَكَلَّمَ فِي أَذَانِهِ - فَقَدْ أَسَاءَ ، وَيَبْنِي عَلَى أَذَانِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . 4224 - وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ فِي ذَلِكَ - نَحْوَ قَوْلِ مَالِكٍ ; قَالُوا : لَا يَتَكَلَّمُ الْمُؤَذِّنُ فِي أَذَانِهِ وَلَا إِقَامَتِهِ ، وَإِنْ تَكَلَّمَ مَضَى ، وَيُجْزِئُهُ ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ . 4225 - وَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَابْنِ سِيرِينَ - كَرَاهَةُ الْكَلَامِ فِي الْأَذَانِ . 4226 - وَلَمْ أَجِدْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ - فِيمَا عَلِمْتُ - إِعَادَةَ الْأَذَانِ وَابْتِدَاءَهُ لِمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ إِلَّا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ . 4227 - وَرَخَّصَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي الْكَلَامِ فِي الْأَذَانِ ، مِنْهُمْ : الْحَسَنُ ، وَعُرْوَةُ ، وَعَطَاءٌ وَقَتَادَةُ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ . 4228 - وَرُوِيَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدَ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ غُلَامَهُ بِالْحَاجَةِ فِي أَذَانِهِ . 4229 - وَرَوَى الْوَلِيدُ بْنُ مَزْيَدٍ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، قَالَ : لَا بَأْسَ بِرَدِّ السَّلَامِ فِي أَذَانِهِ ، وَلَا يَرِدُ فِي الْإِقَامَةِ . 4230 - قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : مَا سَمِعْتُ أَنَّ مُؤَذِّنًا قَطُّ أَعَادَ أَذَانَهُ . 4231 - وَقَدْ زِدْنَا فِي التَّمْهِيدِ هَذَا الْحَدِيثَ بَيَانًا . وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب النِّدَاءِ فِي السَّفَرِ وَعَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ · ص 284 2 - بَاب النِّدَاءِ فِي السَّفَرِ وَعَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ 156 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَذَّنَ بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ ، فَقَالَ : أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ ذَاتُ مَطَرٍ يَقُولُ : أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ . 2 - باب النِّدَاءُ فِي السَّفَرِ وَعَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ كَذَا زَادَ يَحْيَى فِي التَّرْجَمَةِ : وَعَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ ، وَلَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ عَلَى زِيَادَتِهِ ، وَلَا فِي الْبَابِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا فِيهِ أَذَانُ الرَّاكِبِ قَالَهُ أَبُو عُمَرَ . 159 156 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَذَّنَ بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ ) وَكَانَ مُسَافِرًا فَأَذَّنَ بِمَحَلٍّ يُقَالُ لَهُ ضَجْنَانُ بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَنُونَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلْفٌ بِزِنَةِ فَعْلَانَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ ، قَالَ فِي الْفَائِقِ : جَبَلٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ مِيلًا ، وَبِهَذَا يُطَابِقُ التَّرْجَمَةَ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنِي نَافِعٌ قَالَ : أَذَّنَ ابْنُ عُمَرَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ بِضَجْنَانَ ( فَقَالَ : أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ ) جَمْعُ رَحْلٍ وَهُوَ الْمَنْزِلُ وَالْمَسْكَنُ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَقَدْ سُمِّيَ مَا يَسْتَصْحِبُهُ الْإِنْسَانُ فِي سَفَرِهِ مِنَ الْأَثَاثِ رَحْلًا ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ : لَفْظُ فِي الرِّحَالِ يَدُلُّ عَلَى السَّفَرِ فَأَذِنَ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا بِصَلَاتِهِ إِذَا كَانَ إِمَامًا ، وَيَحْتَمِلَ أَنَّهُ أَذِنَ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا فِيهَا أَفْذَاذًا أَوْ يَؤُمَّ كُلَّ طَائِفَةِ رَجُلٌ مِنْهُمْ . ( ثُمَّ قَالَ ) ابْنُ عُمَرَ ( إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ ذَاتُ مَطَرٍ يَقُولُ : أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ ) فَقَاسَ ابْنُ عُمَرَ الرِّيحَ عَلَى الْمَطَرِ ، وَالْعِلَّةُ الْجَامِعَةُ بَيْنَهُمَا الْمَشَقَّةُ اللَّاحِقَةُ قَالَهُ الْبَاجِيُّ وُقُوفًا مَعَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ . وَفِي الْبُخَارِيِّ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا : وَأَخْبَرَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ ثُمَّ يَقُولُ عَلَى أَثَرِهِ : أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ وَالْمَطِيرَةِ فِي السَّفَرِ قَالَ الْحَافِظُ : وَ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلشَّكِّ وَظَاهِرُهُ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِالسَّفَرِ ، وَرِوَايَةُ مَالِكٍ مُطْلَقَةٌ وَبِهَا أَخَذَ الْجُمْهُورُ ، لَكِنَّ قَاعِدَةَ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيِّدِ تَقْتَضِي أَنْ يَخْتَصَّ ذَلِكَ بِالْمُسَافِرِ مُطْلَقًا وَيَلْحَقَ بِهِ مَنْ يَلْحَقُهُ بِذَلِكَ مَشَقَّةٌ فِي الْحَضَرِ دُونَ مَنْ لَا يَلْحَقُهُ ، قَالَ : وَفِي صَحِيحِ أَبِي عَوَانَةَ : لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ أَوْ ذَاتُ مَطَرٍ أَوْ ذَاتُ رِيحٍ ، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنَ الثَّلَاثَةِ عُذْرٌ فِي التَّأْخِيرِ عَنِ الْجَمَاعَةِ ، وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ فِيهِ الْإِجْمَاعَ ، لَكِنَّ الْمَعْرُوفَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الرِّيحَ عُذْرٌ فِي اللَّيْلِ فَقَطْ ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ اخْتِصَاصُ الثَّلَاثَةِ بِاللَّيْلِ ، لَكِنَّ فِي السُّنَنِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ نَافِعٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ وَالْغَدَاةِ الْقِرَّةِ ، وَفِيهَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْمَلِيحِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُمْ مُطِرُوا يَوْمًا فَرُخِّصَ لَهُمْ ، وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ التَّرْخِيصَ بِعُذْرِ الرِّيحِ فِي النَّهَارِ صَرِيحًا لَكِنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي إِلْحَاقَهُ ، وَقَدْ نَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَجْهًا قَالَ أَعْنِي الْحَافِظَ : وَصَرِيحُ قَوْلِهِ ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى أَثَرِهِ أَنَّ الْقَوْلَ الْمَذْكُورَ كَانَ بَعْدَ فَرَاغِ الْأَذَانِ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : لَمَّا ذَكَرَ رِوَايَةَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ يَقُولُ فِي آخِرِ نِدَائِهِ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ فِي آخِرِهِ قُبَيْلَ الْفَرَاغِ مِنْهُ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، يَعْنِي الْمَرْوِيَّ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ : خَطَبَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ فِي يَوْمٍ رَزْعٍ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الزَّايِ وَمُهْمَلَةٍ أَيْ غَيْمٍ بَارِدٍ فِيهِ مَطَرٌ قَلِيلٌ ، وَفِي رِوَايَةٍ : فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ ، فَلَمَّا بَلَغَ الْمُؤَذِّنُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ أَمَرَ أَنْ يُنَادَي : الصَّلَاةُ فِي الرِّحَالِ ، فَنَظَرَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ، فَقَالَ : فَعَلَ هَذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي ، وَحَمَلَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّهُ يُقَالُ بَدَلًا مِنَ الْحَيْعَلَةِ نَظَرًا إِلَى الْمَعْنَى ; لِأَنَّ مَعْنَاهَا هَلُمُّوا إِلَى الصَّلَاةِ ، وَمَعْنَى صَلُّوا فِي الرِّحَالِ تَأَخَّرُوا عَنِ الْمَجِيءِ ، فَلَا يُنَاسِبُ إِيرَادَ اللَّفْظَيْنِ مَعًا لِأَنَّ أَحَدَهُمَا نَقِيضُ الْآخَرِ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ مَا قَالَ ; لِأَنَّهُ نَدَبَ إِلَى الْمَجِيءِ مَنْ أَرَادَ اسْتِكْمَالَ الْفَضِيلَةِ وَلَوْ تَحَمَّلَ الْمَشَقَّةَ ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي مُسْلِمٍ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ فَمُطِرْنَا فَقَالَ : لِيُصَلِّ مِنْكُمْ مَنْ شَاءَ فِي رَحْلِهِ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : إِنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ تُقَالُ فِي الْأَذَانِ . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهَا تُقَالُ بَعْدَهُ وَالْأَمْرَانِ جَائِزَانِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ لَكِنْ بَعْدَهُ أَحْسَنُ لِيَتِمَّ نَظْمُ الْأَذَانِ ، فَدَلَّ كَلَامُهُ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بَدَلًا مِنْ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ بِخِلَافِ كَلَامِ ابْنِ خُزَيْمَةَ ، وَوَرَدَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ النَّحَّامِ قَالَ : أَذَّنَ مُؤَذِّنُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلصُّبْحِ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فَتَمَنَّيْتُ لَوْ قَالَ : وَمَنْ قَعَدَ فَلَا حَرَجَ ، فَلَمَّا قَالَ : الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ قَالَهَا ، انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَجَازَ قَوْمٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ الْكَلَامَ فِي الْأَذَانِ إِذَا كَانَ لَا بُدَّ مِنْهُ ، وَرَخَّصَ فِيهِ قَوْمٌ مُطْلَقًا مِنْهُمْ أَحْمَدُ ، وَكَرِهَهُ مَالِكٌ كَرَدِّ السَّلَامِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ فَإِنْ فَعَلَ أَسَاءَ وَبَنَى ، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٌ ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ فِيمَا عَلِمْتُ بِإِعَادَتِهِ لِمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ إِلَّا ابْنَ شِهَابٍ بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ ، انْتَهَى . وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بِضَمِّ الْعَيْنِ فِيهِمَا عَنْ نَافِعٍ نَحْوَهُ كَمَا مَرَّ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ هُنَا وَمُسْلِمٍ فِي الْجَمَاعَةِ .