187 حَدِيثٌ ثَالِثٌ لِلْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَالِكٌ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ مَوْلَى عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَادَى أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَهُوَ يُصَلِّي ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ لَحِقَهُ فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ عَلَى يَدِهِ - وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ ، فَقَالَ : إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى تَعْلَمَ سُورَةً مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ ، وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ ، وَلَا فِي الْفُرْقَانِ مِثْلَهَا . قَالَ أُبَيٌّ : فَجَعَلْتُ أُبْطِئُ فِي الْمَشْيِ رَجَاءَ ذَلِكَ ، ثُمَّ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، السُّورَةُ الَّتِي وَعَدْتَنِي ؟ قَالَ : كَيْفَ تَقْرَأُ إِذَا افْتَتَحْتَ الصَّلَاةَ ؟ قَالَ : فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حَتَّى أَتَيْتُ عَلَى آخِرِهَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هِيَ هَذِهِ السُّورَةُ وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ لَا يُوقَفُ لَهُ عَلَى اسْمٍ وَهُوَ مَعْدُودٌ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، رَوَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ ، وَدَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ ، وَصَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ ، وَالْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ، وَرِوَايَتُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَحَدِيثُهُ هَذَا مُرْسَلٌ . وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى ، وَأَبُو سَعِيدِ بْنُ الْمُعَلَّى رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ لَا يُوقَفُ لَهُ أَيْضًا عَلَى اسْمٍ ، رَوَى عَنْهُ حَفْصُ بْنُ عَاصِمٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَلَمْ يَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ عَلَى مَالِكٍ ، عَنِ الْعَلَاءِ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَخَالَفَهُ فِيهِ غَيْرُهُ جَمَاعَةٌ ، عَنِ الْعَلَاءِ ، فَرَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَابْنُ عَجْلَانَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الْعَلَاءِ مُرْسَلًا ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ ، وَمُحَمَّدُ ابْنَا جَعْفَرِ ابْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، وَرَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ ، وَعَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَفْصٍ ، عَنِ الْعَلَاءِ ، عَنْ أُبَيٍّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْنَدًا . وَرَوَاهُ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنِ الْعَلَاءِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ الْأَشْبَهُ عِنْدِي ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مُخَلَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَفْصٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ : أَلَا أُعَلِّمُكَ سُورَةً لَمْ يَنْزِلْ فِي التَّوْرَاةِ ، وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ ، وَلَا فِي الزَّبُورِ ، وَلَا فِي الْفُرْقَانِ مِثْلُهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ فِي تَارِيخِهِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُبَيِّ ابْنِ كَعْبٍ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكَ أُبَيُّ ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ وَلَمْ يُجِبْهُ ، ثُمَّ إِنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ خَفَّفَ الصَّلَاةَ ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : وَعَلَيْكَ السَّلَامُ ، مَا مَنَعَكَ يَا أُبَيُّ أَنْ تُجِيبَنِي إِذْ دَعَوْتُكَ ؟ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كُنْتُ أُصَلِّي ، قَالَ : أَفَلَسْتَ تَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ أَنِ اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ قَالَ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَلَا أَعُودُ أَبَدًا ، قَالَ : أَيْ أُبَيُّ ، أَتُحِبُّ أَنْ أُعَلِّمَكَ سُورَةً لَمْ يَنْزِلْ فِي التَّوْرَاةِ ، وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ ، وَلَا فِي الزَّبُورِ ، وَلَا فِي الْفُرْقَانِ مِثْلُهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : فَإِنِّي لَا أَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْبَابِ حَتَّى تَعْلَمَهَا ، قَالَ : ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِي يُحَدِّثُنِي ، وَأَنَا أَتَبَطَّأُ مَخَافَةَ أَنْ يَبْلُغَ الْبَابَ ، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنَ الْبَابِ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، السُّورَةُ الَّتِي وَعَدْتَنِي ؟ قَالَ : كَيْفَ تَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ ؟ قَالَ : فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ أُمَّ الْقُرْآنِ ، قَالَ : هِيَ هَذِهِ السُّورَةُ ، وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عِيسَى الْمُقْرِئُ قَالَ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِئُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَحَامِلِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى بْنِ رَاشِدٍ الْقَطَّانُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَا أُعَلِّمُكَ سُورَةً مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ ، وَلَا فِي الزَّبُورِ ، وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ ، وَلَا فِي الْفُرْقَانِ مِثْلَهَا ؟ قُلْتُ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : فَقَالَ : لَعَلَّكَ أَلَّا تَخْرُجَ مِنْ هَذَا الْبَابِ حَتَّى تَعْلَمَهَا ، قَالَ : وَقَامَ فَأَخَذَ بِيَدِي يَمْشِي فَجَعَلْتُ أَتَبَاطَأُ بِهِ مَخَافَةَ أَنْ يَخْرُجَ قَبْلَ أَنْ يُخْبِرَنِي ، فَلَمَّا تَقَرَّبَ مِنَ الْبَابِ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، السُّورَةُ الَّتِي وَعَدْتَنِي ؟ قَالَ : كَيْفَ تَقْرَأُ إِذَا قُمْتَ تُصَلِّي ؟ فَقَرَأْتُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، فَقَالَ : هِيَ هِيَ ، وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ مُنَادَاةِ مَنْ فِي الصَّلَاةِ لِيُجِيبَ إِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ ، وَفِيهِ أَنَّ مَنْ دُعِيَ بِهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ لَا يُجِيبُ حَتَّى يَفْرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنَ الْأُصُولِ فِي الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يَجُوزُ فِيهَا مَا يُضْبَطُ بِهِ مِثْلُ هَذَا وَشِبْهُهُ مِنَ الْفُرُوعِ . وَفِيهِ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الْيَدِ ، وَهَذَا يُسْتَحْسَنُ مِنَ الْكَبِيرِ لِلصَّغِيرِ ; لِأَنَّ فِيهِ تَأْنِيسًا ، وَتَأْكِيدًا لِلْوُدِّ . وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ مِنَ الْحِرْصِ عَلَى الْعِلْمِ ، وَحِرْصُهُ حَمْلِهِ عَلَى قَوْلِهِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، السُّورَةُ الَّتِي وَعَدْتَنِي ؟ وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِقَوْلِهِ : كَيْفَ تَقْرَأُ إِذَا افْتَتَحْتَ الصَّلَاةَ ؟ قَالَ : فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَقَالَ : فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى سُقُوطِ الِاسْتِعَاذَةِ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ ، قَالَ : وَدَلِيلٌ أَيْضًا عَلَى سُقُوطِ قِرَاءَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَفِي ذَلِكَ اعْتِرَاضٌ لِلْمُخَالِفِ لِقَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : كَيْفَ تَقْرَأُ ؟ فَأَجَابَهُ بِمَا يَفْتَتِحُ بِهِ الْقِرَاءَةَ ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ مَا قَالَ بِهِ أَصْحَابُنَا ; لِأَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ قِرَاءَةٌ وَالتَّوْجِيهُ قِرَاءَةٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ تُقْرَأُ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ ، وَحُكْمُ كُلِّ رَكْعَةٍ كَحُكْمِ أَوَّلِ رَكْعَةٍ فِي الْقِيَاسِ ، وَالنَّظَرِ ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ : فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَالْأَغْلَبُ مِنْهُ أَنَّهُ افْتَتَحَهَا بِذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا مِنْ وُجُوهِ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يُخَرَّجُ فِي التَّفْسِيرِ الْمُسْنَدِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ أَنَّ السَّبْعَ الْمَثَانِيَ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ ، قِيلَ لَهَا ذَلِكَ لِأَنَّهَا تُثَنَّى فِي كُلِّ رَكْعَةٍ كَذَلِكَ قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالتَّأْوِيلِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي أَنَّهَا فَاتِحَةُ الْكِتَابِ . وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهَا السَّبْعُ الطُّوَلُ : الْبَقَرَةُ ، وَآلُ عِمْرَانَ ، وَالنِّسَاءُ ، وَالْمَائِدَةُ ، وَالْأَنْعَامُ ، وَالْأَعْرَافُ ، وَالْأَنْفَالُ ، وَبَرَاءَةٌ ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ; لِأَنَّهَا تُثَنَّى فِيهَا حُدُودُ الْقُرْآنِ وَالْفَرَائِضِ ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَثْبَتُ عَنْهُ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ ; لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ أَحْسَنُهَا حَدِيثُ شُعْبَةَ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا ، وَعِنْدَ شُعْبَةَ فِي هَذَا حَدِيثٌ آخَرُ رَوَاهُ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ : سَمِعْتُ الْعَلَاءَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُحَدِّثُ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَا : السَّبْعُ الْمَثَانِي الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ . وَرَوَى مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي ، قَالَ : هِيَ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ تُثَنَّى فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مَكْتُوبَةٍ وَتَطَوُّعٍ . وَأَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا فِي التَّوْرَاةِ ، وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ مِثْلُ أُمِّ الْقُرْآنِ ، وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي ، وَهِيَ مَقْسُومَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ . اخْتُلِفَ عَلَى الْعَلَاءِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَمَا تَرَى فِي الْإِسْنَادِ ، وَالْمَتْنِ ، وَأَظُنُّهُ كَانَ فِي حِفْظِهِ شَيْءٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ جَوَّدَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَيُوسُفُ بْنُ مُوسَى ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الثَّالِثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَادَى أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَهُوَ يُصَلِّي · ص 217 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارسؤال النبي أبي بن كعب كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة · ص 178 187 ( 8 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي أُمِّ الْقُرْآنِ 159 - مَالِكٌ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ ، مَوْلَى عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ ، أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَادَى أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَهُوَ يُصَلِّي ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ لِحِقَهُ ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَهُ عَلَى يَدِهِ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ ، فَقَالَ : إِنِّي لَأَرْجُوَ أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى تَعْلَمَ سُورَةً مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الْقُرْآنِ مِثْلَهَا ، قَالَ أُبَيُّ : فَجَعَلَتْ أُبْطِئُ فِي الْمَشْيِ ; رَجَاءَ ذَلِكَ ، ثُمَّ قَلْتُ ; يَا رَسُولَ اللَّهِ ، السُّورَةَ الَّتِي وَعَدْتَنِي ، قَالَ : كَيْفَ تَقْرَأُ إِذَا افْتَتَحْتَ الصَّلَاةَ ؟ ، قَالَ : فَقَرَأْتُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حَتَّى أَتَيْتُ عَلَى آخِرِهَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هِيَ هَذِهِ السُّورَةُ ، وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي ، وَالْقُرْآنُ العظيم الَّذِي أُعْطِيتُ . 4635 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْحَدِيثُ مُرْسَلٌ فِي الْمُوَطَّأِ ، هَكَذَا عِنْدَ جَمِيعِ رُوَاتِهِ ، فِيمَا عَلِمْتُ . 4636 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ مَنْ وَصَلَهُ عَنِ الْعَلَاءِ ، فَجَعَلَهُ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ . 4637 - وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِيهِ عَنِ الْعَلَاءِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَلَا أُعَلِّمُكَ سُورَةً مَا أُنْزِلَ فِي التَّوْرَاةِ ، وَلَا فِي الزَّبُورِ ، وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ ، وَلَا فِي الْفُرْقَانِ - مِثْلَهَا ؟ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . 4638 - وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ فِيهِ : فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ . 4639 - وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ فِيهِ : فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ . 4640 - وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ فِيهِ : فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ أُمَّ الْقُرْآنِ . 4641 - وَمِنْ أَحْسَنِهِمْ لَهُ سِيَاقَةً يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا رُوحُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ - وَهُوَ يُصَلِّي - فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيْ أُبَيُّ ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ ، وَلَمْ يُجِبْهُ ، ثُمَّ إِنَّ أُبَيًّا خَفَّفَ الصَّلَاةَ ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ، فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ : وَعَلَيْكَ ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تُجِيبَنِي إِذْ دَعَوْتُكَ ؟ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كُنْتُ أُصَلِّي . قَالَ : أَفَلَسْتَ تَجِدُ فِيمَا أَوْحِيَ إِلَيَّ أَنِ اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ؟ قَالَ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَلَا أَعُودُ أَبَدًا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - . قَالَ : أَيْ أُبَيُّ ، أَتُحِبُّ أَنْ أُعَلِّمَكَ سُورَةً لَمْ يَنْزِلْ فِي التَّوْرَاةِ ، وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ ، وَلَا فِي الزَّبُورِ ، وَلَا فِي الْفُرْقَانِ - مِثْلُهَا . قُلْتُ : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : فَإِنِّي أَرْجُو أَلَّا تَخْرُجَ مِنْ هَذَا الْبَابِ حَتَّى تَعْلَمَهَا . قَالَ : ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِي ، فَحَدَّثَنِي وَأَنَا أَتَبَاطَأُ بِهِ مَخَافَةَ أَنْ أَبْلُغَ الْبَابَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْحَدِيثَ ، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنَ الْبَابِ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، السُّورَةَ الَّتِي وَعَدْتَنِي . قَالَ : كَيْفَ تَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ . قَالَ : فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ أُمَّ الْقُرْآنِ ، فَقَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أُنْزِلَ فِي التَّوْرَاةِ ، وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ ، وَلَا فِي الزَّبُورِ ، وَلَا فِي الْفُرْقَانِ - مِثْلُهَا ، إِنَّهَا السَّبْعُ الْمَثَانِي ، وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُهُ . 4642 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي حَدِيثِ مَالِكٍ مِنَ الْفِقْهِ وَالْمَعَانِي مُنَادَاةُ مَنْ يُصَلِّي ، وَذَلِكَ الْيَوْمَ عِنْدَنَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنْ يُجِيبَ إِشَارَةً ، أَوْ إِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ ; لِتَحْرِيمِ اللَّهِ الْكَلَامَ فِي الصَّلَاةِ . 4643 - قَالَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ : كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى نَزَلَتْ : وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ; فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ ، وَنُهِينَا عَنِ الْكَلَامِ . 4644 - وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ اللَّهَ أَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ أَلَّا تُكَلِّمُوا فِي الصَّلَاةِ . 4645 - وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى مُجَوَّدًا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . فَمَنْ دُعِيَ الْيَوْمَ لَمْ يُجِبْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ ، إِلَّا فِي أَمْرٍ لَمْ يَجِدْ مِنْهُ بُدًّا ، أَوْ يَقْضِي بِهِ فَرْضًا ، ثُمَّ يَقْضِي صَلَاتَهُ بَعْدُ . 4646 - وَلَوْ أَجَابَ أُبَيُّ رَسُولَ اللَّهِ لَكَانَ ذَلِكَ خَاصًّا لَهُ دُونَ غَيْرِهِ ; لِقَوْلِهِ : اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ . 4647 - وَقَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ فِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ هَذَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ : مَا مَنَعَكَ أَنْ تُجِيبَنِي ؟ أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ . 4648 - وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الدُّعَاءَ إِلَى الْفَرَائِضِ وَالْإِيمَانِ ، وَيَحْتَمِلُ فِي كُلِّ شَيْءٍ ، وَلَيْسَ كَلَامُ النَّاسِ فِي الصَّلَاةِ كَذَلِكَ ; لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا ذَكَرْنَا ، وَقَوْلِهِ : إِنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ ; إِنَّمَا هُوَ ذِكْرُ اللَّهِ ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ . 4649 - وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ وَالْإِجْمَاعِ عَلَى تَحْرِيمِ الْكَلَامِ ، وَيَدُلُّ عَلَى تَخْصِيصِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِذَلِكَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 4650 - وَفِيهِ وَضْعُ الرَّجُلِ يَدَهُ عَلَى يَدِ صَدِيقِهِ إِذَا حَدَّثَهُ بِحَدِيثٍ يُرِيدُ أَنْ يَحْفَظَهُ ، وَهَذَا يُسْتَحْسَنُ مِنَ الْكَبِيرِ لِلصَّغِيرِ ; لِمَا فِيهِ مِنَ التَّأْنِيسِ وَالتَّأْكِيدِ فِي الْوِدِّ . 4651 - وَفِي قَوْلِ أُبَيٍّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، السُّورَةَ الَّتِي وَعَدْتَنِي - دَلِيلٌ عَلَى حِرْصِهِ عَلَى الْعِلْمِ ، وَرَغْبَتِهِ فِيهِ . وَكَذَلِكَ كَانَ إِبْطَاؤُهُ فِي مَشْيِهِ مَحَبَّةً فِي الْعِلْمِ ، وَحِرْصًا عَلَيْهِ . 4652 - وَأَمَّا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ : كَيْفَ تَقْرَأُ إِذَا افْتَتَحْتَ الصَّلَاةَ . قَالَ : فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - فَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى سُقُوطِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ أَوَّلِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، وَعَلَى سُقُوطِ التَّوْجِيهِ . 4653 - وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ ; لِأَنَّ التَّوْجِيهَ قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَغَيْرِهِ . وَقَدْ جَاءَتْ بِهِ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ . 4654 - وَلَكِنَّهُ يَدُلُّ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى مَنْ أَسْقَطَهُ وَلَمْ يَأْتِ بِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ لَهُ : مَا تَقُولُ إِذَا افْتَتَحْتَ الصَّلَاةَ ؟ وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ : كَيْفَ تَقْرَأُ إِذَا افْتَتَحْتَ الصَّلَاةَ ؟ فَأَجَابَهُ : إِنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الصَّلَاةِ لَا تُفْتَتَحُ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْرَأَ بِغَيْرِهَا إِلَّا بَعْدَ الِافْتِتَاحِ بِهَا ; بِدَلِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَمَا كَانَ مِثْلَهُ . وَلَا حُجَّةَ فِيهِ فِي سُقُوطِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَإِنَّمَا فِيهِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّهُ يَفْتَتِحُ الْقِرَاءَةَ بِهَا فِي الصَّلَاةِ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ سُوَرِ الْقُرْآنِ ; لِأَنَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ اسْمٌ لَهَا ، كَمَا يُقَالُ قَرَأْتُ يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ، وَقَرَأْتُ ن وَالْقَلَمِ ، وَقَرَأْتُ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ; وَهَذِهِ كُلُّهَا أَسْمَاءٌ لِلسُّوَرِ ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يُسْقِطُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِذَا قَامَ الدَّلِيلُ بِأَنَّهَا آيَةٌ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ فِي الْبَابِ بَعْدَ هَذَا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - . 4655 - وَالْقَوْلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ الْمُتَنَازِعِينَ قَدْ طَالَ ، وَكَثُرَ فِيهِ الشَّغَبُ ، وَالَّذِي أَقُولُ بِهِ : إِنَّهُ مَنْ تَرَكَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي فَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، أَوْ غَيْرِهَا مُتَأَوِّلًا - فَلَا حَرَجَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقُمْ بِإِيجَابِ قِرَاءَتِهَا دَلِيلٌ ، لَا مُعَارِضَ لَهُ وَلَا إِجْمَاعَ ; لِأَنَّهُ لَا إِجْمَاعَ فِي أَنَّهَا آيَةٌ إِلَّا فِي سُورَةِ النَّمْلِ . وَمَنْ قَرَأَهَا فِي فَاتِحَةِ الْكِتَابِ أَوْ غَيْرِهَا - فَلَا حَرَجَ ; فَقَدْ رُوِيَتْ فِي ذَلِكَ آثَارٌ كَثِيرَةٌ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَرْفُوعَةٌ ، وَعَمِلَ بِهَا جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ ، مِنْهُمْ : ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَسَنُبَيِّنُ هَذَا فِي الْبَابِ بَعْدَ هَذَا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - . 4656 - وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ تُقْرَأُ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ ، وَحُكْمُ كُلِّ رَكْعَةٍ كَحِكَمِ تِلْكَ الرَّكْعَةِ فِي الْقِيَاسِ وَالنَّظَرِ . وَفِي هَذَا حُجَّةٌ لِمَنْ أَوْجَبَ قِرَاءَتَهَا . 4657 - وَأَمَّا الْمَعْنَى فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ : أُمُّ الْقُرْآنِ - فَهُوَ بِمَعْنَى أَصْلِ الْقُرْآنِ ، وَأُمُّ الشَّيْءِ : أَصْلُهُ ، كَمَا قِيلَ : أُمُّ الْقُرَى لِمَكَّةَ ، وَقِيلَ : لِأَنَّهَا أَوَّلُ مَا يُقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ . 4658 - وَكَرِهَتْ طَائِفَةٌ أَنْ يُقَالَ لَهَا : أُمُّ الْقُرْآنِ ، وَقَالُوا : فَاتِحَةُ الْكِتَابِ ، وَلَا وَجْهَ لِمَا كَرِهُوا مِنْ ذَلِكَ ; لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا ، وَمَا كَانَ مِثْلَهُ ، وَفِيهِ أُمُّ الْقُرْآنِ . 4659 - وَأَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِأُبِيٍّ : حَتَّى تَعْلَمَ سُورَةً مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ ، وَلَا فِي التَّوْرَاةِ ، وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ ، وَلَا فِي الزَّبُورِ ، وَلَا فِي الْفُرْقَانِ - مِثْلَهَا - فَمَعْنَاهُ : مِثْلُهَا فِي جَمْعِهَا لِمَعَانِي الْخَيْرِ ; لِأَنَّ فِيهَا الثَّنَاءَ عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ، وَمَا يَسْتَحِقُّ مِنَ الْحَمْدِ الَّذِي هُوَ لَهُ حَقِيقَةٌ لَا لِغَيْرِهِ ; لِأَنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ وَخَيْرٍ فَمِنْهُ ، لَا مِنْ سِوَاهُ ، فَهُوَ الْخَالِقُ الرَّازِقُ ، وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعَ ، وَهُوَ الْمَحْمُودُ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِنَّ حُمِدَ غَيْرُهُ فَإِلَيْهِ يَعُودُ الْحَمْدُ . 4660 - وَفِيهَا التَّعْظِيمُ لَهُ ، وَأَنَّهُ رَبُّ الْعَالَمِ أَجْمَعَ ، وَمَالِكُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَهُوَ الْمَعْبُودُ الْمُسْتَعَانُ . 4661 - وَفِيهَا تَعْلِيمُ الدُّعَاءِ إِلَى الْهُدَى ، وَمُجَانَبَةُ طَرِيقِ مَنْ ضَلَّ وَغَوَى ، وَالدُّعَاءُ لِبَابُ الْعِبَادَةِ ; فَهِيَ أَجْمَعُ سُورَةٍ لِلْخَيْرِ ، وَلَيْسَ فِي الْكِتَابِ مِثْلُهَا عَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 4662 - وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ لِأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ إِلَّا بِهَا دُونَ غَيْرِهَا ، وَلَا يُجْزِئُ غَيْرُهَا مِنْهَا ، وَلَيْسَ هَذَا بِتَأْوِيلٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ . 4663 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ - فَمَعْنَاهُ عِنْدِي هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي الَّتِي أُعْطِيتُ ; لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - : وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ، فَخَرَجَ وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ عَلَى مَعْنَى التِّلَاوَةِ . 4664 - وَأَوْلَى مَا قِيلَ بِهِ فِي تَأْوِيلِ السَّبْعِ الْمَثَانِي أَنَّهَا فَاتِحَةُ الْكِتَابِ ; لِأَنَّ الْقَوْلَ بِذَلِكَ أَرْفَعُ مَا رُوِيَ فِيهِ ، وَهُوَ يَخْرُجُ فِي التَّفْسِيرِ الْمُسْنَدِ . 4665 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - : وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي قَالَ : فَاتِحَةُ الْكِتَابِ ، قِيلَ لَهَا ذَلِكَ لِأَنَّهَا تُثَنَّى فِي كُلِّ رَكْعَةٍ . 4666 - وَقَالَ بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ ، مِنْهُمْ قَتَادَةُ . 4667 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي قَالَ : هِيَ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ ; تَثُنَّى فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مَكْتُوبَةٍ وَتَطَوُّعٍ . 4668 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا فِي السَّبْعِ الْمَثَانِي أَنَّهَا السَّبْعُ الطِّوَالُ : الْبَقَرَةُ ، وَآلُ عِمْرَانَ ، وَالنِّسَاءُ ، وَالْمَائِدَةُ ، وَالْأَنْعَامُ ، وَالْأَعْرَافُ ، وَالْأَنْفَالُ ، وَبَرَاءَةٌ ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ; لِأَنَّهَا تُثَنَّى فِيهَا حُدُودُ الْقُرْآنِ وَالْفَرَائِضِ . 4669 - وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَثْبَتُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ ; لِمَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي ذَلِكَ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب مَا جَاءَ فِي أُمِّ الْقُرْآنِ · ص 317 8 - بَاب مَا جَاءَ فِي أُمِّ الْقُرْآنِ 8 - بَابُ مَا جَاءَ فِي أُمِّ الْقُرْآنِ أَيْ أَصْلُ الْقُرْآنِ كَمَا قِيلَ أُمُّ الْقُرَى مَكَّةُ ؛ لِأَنَّهَا أَوَّلُ مَا يُقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ ، وَكَرِهَتْ طَائِفَةٌ أَنْ يُقَالَ أُمُّ الْقُرْآنِ ، وَقَالُوا : فَاتِحَةَ الْكِتَابِ ، وَلَا وَجْهَ لِكَرَاهَتِهِمْ لِذَلِكَ ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَطَقَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : أُمُّ الْقُرْآنِ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهَذَا اللَّفْظِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ رَدٌّ عَلَى ابْنِ سِيرِينَ فِي قَوْلِهِ : لَا يُقَالُ لَهَا أُمُّ الْقُرْآنِ بَلْ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ ، وَأُمُّ الْكِتَابِ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ ، وَأُمُّ الشَّيْءِ أَصْلُهُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا أَصْلُ الْقُرْآنِ ، وَقِيلَ : لِأَنَّهَا مُتَقَدِّمَةٌ كَأَنَّهَا تَؤُمُّهُ . 185 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ مَوْلَى عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَادَى أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَهُوَ يُصَلِّي ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ لَحِقَهُ فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ عَلَى يَدِهِ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ : إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ حَتَّى تَعْلَمَ سُورَةً مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الْقُرْآنِ مِثْلَهَا ، قَالَ أُبَيٌّ : فَجَعَلْتُ أُبْطِئُ فِي الْمَشْيِ رَجَاءَ ذَلِكَ ثُمَّ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ السُّورَةَ الَّتِي وَعَدْتَنِي ؟ قَالَ : كَيْفَ تَقْرَأُ إِذَا افْتَتَحْتَ الصَّلَاةَ ؟ قَالَ : فَقَرَأْتُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [ الفاتحة : 2] حَتَّى أَتَيْتُ عَلَى آخِرِهَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هِيَ هَذِهِ السُّورَةُ ، وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُ . 187 185 - ( مَالِكٌ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ ) الْمَدَنِيِّ ( أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هُوَ تَابِعِيٌّ مَدَنِيٌّ لَا يُوقَفُ لَهُ عَلَى اسْمٍ ، وَفِي تَهْذِيبِ الْمِزِّيِّ : أَنَّهُ رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُمَا ثَالِثًا ، مَعَ أَنَّ مِنَ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ مَنْ قَالَ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ مَوْلَى عَامِرٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ يَقُولُ : إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَادَاهُ ، أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ . قَالَ الْحَافِظُ : وَوَهِمَ ابْنُ الْأَثِيرِ حَيْثُ ظَنَّ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ هُوَ ابْنُ الْمُعَلَّى ، فَإِنَّهُ صَحَابِيٌّ أَنْصَارِيٌّ مَدَنِيٌّ ، وَهَذَا تَابِعِيٌّ مَكِّيٌّ مِنْ مَوَالِي قُرَيْشٍ كَمَا قَالَ . ( مَوْلَى عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ ) بِضَمِّ الْكَافِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ الْقُرَشِيِّ الْعَبْشَمِيِّ صَحَابِيٌّ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ ، وَعَاشَ حَتَّى قَدِمَ الْبَصْرَةَ عَلَى ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَلَهُ صُحْبَةٌ لَمَّا كَانَ أَمِيرًا عَلَيْهَا مِنْ جِهَةِ عُثْمَانَ ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى الْعَلَاءِ ، فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ الدَّرَاوَرْدِيِّ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ ، وَأَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ ، كُلُّهُمْ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ الْحَدِيثَ . وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ ، كِلَاهُمَا عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أُبَيٍّ ، وَرَجَّحَ التِّرْمِذِيُّ أَنَّهُ مِنْ مُسْنَدِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، انْتَهَى . وَلَكِنْ حَيْثُ صَحَّتِ الطَّرِيقُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَيْضًا ، فَأَيُّ مَانِعٍ مِنْ كَوْنِهِمَا جَمِيعًا رَوَيَا الْحَدِيثَ ؟ ( أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَادَى أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَهُوَ يُصَلِّي ) ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : خَرَجَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَ : أَيْ أُبَيُّ فَالْتَفَتَ فَلَمْ يُجِبْهُ ثُمَّ صَلَّى فَخَفَّفَ . ( فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ لَحِقَهُ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ : سَلَامٌ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : وَيْحَكَ مَا مَنَعَكَ إِذْ دَعَوْتُكَ أَنْ تُجِيبَنِي ؟ أَوَلَيْسَ تَجِدُ فِيمَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ أَنِ : اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ( سُورَةُ الْأَنْفَالِ : الْآيَةُ 24 ) الْآيَةَ ، فَقُلْتُ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا أَعُودُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . ( فَوَضْعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَهُ عَلَى يَدِهِ ) لِلتَّأْنِيسِ وَتَأْكِيدِ الْوُدِّ ، وَهَذَا يُسْتَحْسَنُ مِنَ الْكَبِيرِ لِلصَّغِيرِ . ( وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ : إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى تَعْلَمَ سُورَةً ) أَيْ تَعْلَمَ مِنْ حَالِهَا مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُهُ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَإِلَّا فَقَدَ كَانَ عَالِمًا بِالسُّورَةِ وَحَافِظًا لَهَا ، وَعَبَّرَ بِأَرْجُو عَلَى مَعْنَى التَّسْلِيمِ لِأَمْرِ اللَّهِ وَالْإِقْرَارِ بِقُدْرَتِهِ ، وَأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ يَسِيرًا إِلَّا أَنَّهُ لَا يَقْطَعُ بِتَمَامِهِ إِلَّا أَنْ يُعْلِمَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ . وَقَالَ غَيْرُهُ : قَالَ الْعُلَمَاءُ : الرَّجَاءُ مِنَ اللَّهِ وَمِنْ نَبِيِّهِ وَاقِعٌ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَتُحِبُّ أَنْ أُعَلِّمَكَ سُورَةً ( مَا أَنْزَلَ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ ) ، زَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ : وَلَا فِي الزَّبُورِ ( وَلَا فِي الْقُرْآنِ مِثْلَهَا ) ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : يَعْنِي فِي جَمْعِهَا لِمَعَانِي الْخَيْرِ ؛ لِأَنَّ فِيهَا الثَّنَاءَ عَلَى اللَّهِ بِالْحَمْدِ الَّذِي هُوَ لَهُ حَقِيقَةٌ ، لِأَنَّ كُلَّ خَيْرٍ مِنْهُ ، وَإِنَّ حُمِدَ غَيْرُهُ ، فَإِلَيْهِ يَعُودُ الْحَمْدُ ، وَفِيهَا التَّعْظِيمُ لَهُ ، وَأَنَّهُ الرَّبُّ لِلْعَالَمِ أَجْمَعَ ، وَمَالِكُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، الْمَعْبُودُ الْمُسْتَعَانُ ، وَفِيهَا الدُّعَاءُ إِلَى الْهُدَى وَمُجَانَبَةُ مَنْ ضَلَّ ، وَالدُّعَاءُ بَابُ الْعِبَادَةِ ، فَهِيَ أَجْمَعُ سُورَةٍ لِلْخَيْرِ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ تُجْزِي فِي الصَّلَاةِ دُونَ غَيْرِهَا عَنْهَا ، وَلَيْسَ هَذَا بِتَأْوِيلٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ . وَقَالَ الْبَاجِيُّ : ذَكَرَ بَعْضُ شُيُوخِنَا أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهَا تُجْزِي عَنْ غَيْرِهَا فِي الصَّلَاةِ ، وَلَا يُجْزِي عَنْهَا غَيْرُهَا ، وَسَائِرُ السُّوَرِ يُجْزِي بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ ، وَهِيَ سُورَةٌ قَسَمَهَا اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ من الصفات الَّتِي تَخْتَصُّ بِهَا ، وَلَهَا مَعَ ذَلِكَ صِفَاتٌ تَخْتَصُّ بِهَا مِنْ أَنَّهَا السَّبْعُ الْمَثَانِي ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ كَثْرَةِ ثَوَابٍ أَوْ حَسَنَةٍ ، وَأَيَّدَهُ السُّيُوطِيُّ بِمَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ : فَاتِحَةُ الْكِتَابِ تَعْدِلُ بِثُلُثَيِ الْقُرْآنِ ، وَلَمْ يَرِدْ فِي سُورَةٍ مِثْلُ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا وَرَدَ أَنَّ : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ ثُلْثَ الْقُرْآنِ ، وَفِي : قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ أَنَّهَا رُبْعُ الْقُرْآنِ ، انْتَهَى ، وَفِيهِ نَظَرٌ . فَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ : مَنْ قَرَأَ يس مَرَّةً فَكَأَنَّمَا قَرَأَ الْقُرْآنَ عَشْرَ مَرَّاتٍ ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ هُوَ فِي جَامِعَيْهِ . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : مَعْنَاهُ أَنَّ ثَوَابَهَا أَعْظَمُ مِنْ غَيْرِهَا ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ تَفْضِيلِ بَعْضِ الْقُرْآنِ عَلَى بَعْضٍ ، وَقَدْ مَنَعَ ذَلِكَ الْأَشْعَرِيُّ وَجَمَاعَةٌ ؛ لِأَنَّ الْمَفْضُولَ نَاقِصٌ عَنْ دَرَجَةِ الْأَفْضَلِ وَأَسْمَاءُ اللَّهِ وَصِفَاتُهُ وَكَلَامُهُ لَا نَقْصَ فِيهَا . وَأُجِيبُ بِأَنَّ مَعْنَى التَّفَاضُلِ أَنَّ ثَوَابَ بَعْضِهِ أَعْظَمُ مِنْ ثَوَابِ بَعْضٍ ، فَالتَّفَاضُلُ إِنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ الْمَعَانِي لَا مِنْ حَيْثُ الصِّفَةُ ، وَيُؤَيِّدُ التَّفْضِيلَ قَوْلُهُ تَعَالَى : نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 106 ) ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : بِخَيْرٍ مِنْهَا أَيْ فِي الْمَنْفَعَةِ وَالرِّفْعَةِ ، وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ ، وَالتَّقْدِيرُ نَأْتِ مِنْهَا بِخَيْرٍ وَهُوَ كَقَوْلِهِ : مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا ( سُورَةُ النَّمْلِ : الْآيَةُ 89 ) لَكِنَّ قَوْلَهُ فِي الْآيَةِ أَوْ مِثْلِهَا يُرَجِّحُ الاحتمال الْأَوَّلَ فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ . ( قَالَ أُبَيٌّ ) هَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ أَبَا سَعِيدٍ حَمَلَ الْحَدِيثَ عَنْ أُبَيٍّ ( فَجَعَلْتُ أُبْطِئُ فِي الْمَشْيِ رَجَاءَ ذَلِكَ ) ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ : إِبْطَاؤُهُ خَوْفًا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ النِّسْيَانِ ( ثُمَّ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ) عَلِّمْنِي ( السُّورَةَ الَّتِي وَعَدْتَنِي ، قَالَ : كَيْفَ تَقْرَأُ إِذَا افْتَتَحْتَ الصَّلَاةَ ؟ قَالَ ) أُبَيٌّ : ( فَقَرَأْتُ ) عَلَيْهِ ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حَتَّى أَتَيْتُ عَلَى آخِرِهَا ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّ الْبَسْمَلَةَ لَيْسَتْ مِنْهَا وَلَا حُجَّةٌ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ اسْمٌ لَهَا كَمَا يُقَالُ : قَرَأْتُ يس وَغَيْرَهَا مِنْ أَسْمَاءِ السُّورَةِ ، انْتَهَى . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا تُسَمَّى سُورَةَ الْحَمْدِ وَلَا تُسَمَّى الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَرُدُّ هَذَا التَّعَقُّبَ وَرُدَّ بِقَوْلِهِ : ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هِيَ هَذِهِ السُّورَةُ ) ، وَقَدْ قَرَأَهَا أُبَيٌّ بِلَا بَسْمَلَةٍ عَلَى الْمُتَبَادِرِ الظَّاهِرِ مِنْهُ ، فَثَبَتَ الْمُدَّعَى لَا سِيَّمَا مَعَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي ) الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي ( سُورَةُ الْحِجْرِ : الْآيَةُ 87 ) ، فَالْمُرَادُ السَّبْعُ الْآي ؛ لِأَنَّهَا سَبْعُ آيَاتٍ سُمِّيَتْ مَثَانِيَ ؛ لِأَنَّهَا تُثَنَّى فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ، أَيْ تُعَادُ أَوْ لِأَنَّهَا يُثْنَى بِهَا عَلَى اللَّهِ ، أَوْ لِأَنَّهَا اسْتُثْنِيَتْ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَلَمْ تَنْزِلْ عَلَى مَنْ قَبْلَهَا . وَرَوَى النَّسَائِيُّ وَالطَّبَرِيُّ وَالْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ السَّبْعَ الْمَثَانِيَ هِيَ السَّبْعُ الطُّوَلُ أَيِ السُّورُ مِنْ أَوَّلِ الْبَقَرَةِ إِلَى آخِرِ الْأَعْرَافِ ثُمَّ بَرَاءَةٍ . وَفِي لَفْظِ الطَّبَرِيِّ : الْبَقَرَةُ وَآلُ عِمْرَانَ وَالنِّسَاءُ وَالْمَائِدَةُ وَالْأَنْعَامُ وَالْأَعْرَافُ . قَالَ الرَّاوِي : وَذَكَرَ السَّابِعَةَ فَنَسِيتُهَا . وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهَا يُونُسُ . وَعِنْدَ الْحَاكِمِ أَنَّهَا الْكَهْفُ ، وَزَادَ : قِيلَ لَهُ : مَا الْمَثَانِي ؟ قَالَ : تُثَنَّى فِيهِنَّ الْقِصَصُ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِهَا . وَرَجَّحَ ابْنُ جَرِيرٍ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ لِصِحَّةِ الْخَبَرِ فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا مَعْدِلَ عَنْهُ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَهُوَ الصَّحِيحُ وَالْأَثْبَتُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ ثُمَّ قَالَ : وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ المثاني فَقَالَ : هِيَ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ . وَبِإِسْنَادَيْنِ جَيِّدَيْنِ عَنْ عُمَرَ ثُمَّ عَنْ عَلِيٍّ : السَّبْعُ الْمَثَانِي فَاتِحَةُ الْكِتَابِ ، زَادَ عَنْ عُمَرَ : تُثَنَّى فِي كُلِّ رَكْعَةٍ . وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ : السَّبْعُ الْمَثَانِي الْفَاتِحَةُ ، قُلْتُ لِلرَّبِيعِ : إِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّهَا السَّبْعُ الطُّوَلُ ، قَالَ : لَقَدْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَمَا أُنْزِلَ مِنَ الطُّوَلِ شَيْءٌ . ( وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُ ) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ أَيْ هُوَ الَّذِي أُعْطِيتُهُ فَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ : وَهِيَ السَّبْعُ وَلَيْسَ مَعْطُوفًا عَلَى السَّبْعِ ; لِأَنَّ الْفَاتِحَةَ لَيْسَتْ هِيَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ وَإِنْ جَازَ إِطْلَاقُهُ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهَا مِنْهُ ، لَكِنَّهَا لَيْسَتْ هِيَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الْحَدِيثَ بِلَفْظِ : وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُمُوهُ أَيْ هُوَ الَّذِي أُعْطِيتُمُوهُ فَيَكُونُ هَذَا هُوَ الْخَبَرَ ، ذَكَرَهُ الْحَافِظُ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : مَعْنَاهُ عِنْدِي هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي ، وَخَرَّجَ وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ عَلَى مَعْنَى التِّلَاوَةِ ، اهـ . لَكِنْ فِيهِ أَنَّهُ قَالَ : الَّذِي أُعْطِيتُ ، فَلَا يَكُونُ مُجَرَّدَ تِلَاوَةٍ فَتَعَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ عَطْفِ الْجُمَلِ ، وَعُلِمَ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِقَوْلِ الْبَاجِيِّ ، إِنَّمَا قِيلَ لَهَا الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ عَلَى مَعْنَى التَّخْصِيصِ لَهَا بِهَذَا الِاسْمِ ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ عَظِيمًا ، كَمَا يُقَالُ : الْكَعْبَةُ بَيْتُ اللَّهِ وَإِنْ كَانَتِ الْبُيُوتُ كُلُّهَا لِلَّهِ ، وَلَكِنْ عَلَى سَبِيلِ التَّخْصِيصِ وَالتَّعْظِيمِ لَهَا ، اهـ . وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ : كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ أُجِبْهُ ، وَفِي رِوَايَةٍ : فَلَمْ آتِهِ حَتَّى صَلَّيْتُ ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقُلْتُ : إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي ، فَقَالَ : أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ : اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ( سُورَةُ الْأَنْفَالِ : الْآيَةُ 24 ) ، ثُمَّ قَالَ : لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ ، قُلْتُ لَهُ : أَلَمْ تَقُلْ لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ ؟ قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ ، وَجَمَعَ الْبَيْهَقِيُّ فَإِنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَلِأَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى ، وَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إِلَى ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ مَخْرَجِ الْحَدِيثَيْنِ وَاخْتِلَافِ سِيَاقِهِمَا كَمَا رَأَيْتَهُ . وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ اسْتِعْمَالُ صِيغَةِ الْعُمُومِ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا ، وَإِجْرَاءُ لَفْظِ الْعُمُومِ عَلَى جَمِيعِ مُقْتَضَاهُ ، وَأَنَّ الْخَاصَّ وَالْعَامَّ إِذَا تَقَابَلَا كَانَ الْعَامُّ مُنَزَّلًا عَلَى الْخَاصِّ ؛ لِأَنَّهُ حَرَّمَ الْكَلَامَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْعُمُومِ ، ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْهُ إِجَابَةَ دُعَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّلَاةِ ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : الْإِجْمَاعُ عَلَى تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ يَدُلُّ عَلَى خُصُوصِيَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ ، وَكَذَا قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ ، وَأَبُو الْوَلِيدِ أَنَّ إِجَابَتَهُ فِيهَا فَرْضٌ يَعْصِي الْمَرْءُ بِتَرْكِهِ ، وَأَنَّهُ حُكْمٌ مُخْتَصٌّ بِهِ . وَصَرَّحَ جَمَاعَةٌ بِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَبْطُلُ بِذَلِكَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ ، وَبَحَثَ فِيهِ الْحَافِظُ لِاحْتِمَالِ أَنَّ إِجَابَتَهُ وَاجِبَةٌ مُطْلَقًا ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُخَاطَبُ مُصَلِّيًا أَوْ غَيْرَ مُصَلٍّ ، أَمَّا كَوْنُهُ يَخْرُجُ بِالْإِجَابَةِ مِنَ الصَّلَاةِ أَوْ لَا يَخْرُجُ ، فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَسْتَلْزِمُهُ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَجِبَ الْإِجَابَةُ وَلَوْ خَرَجَ الْمُجِيبُ مِنَ الصَّلَاةِ ، وَإِلَى ذَلِكَ جَنَحَ بَعْضُهُمْ ، وَهَلْ يَخْتَصُّ هَذَا الْحُكْمُ بِالنِّدَاءِ أَوْ يَشْمَلُ مَا هُوَ أَعَمُّ حَتَّى تَجِبَ إِجَابَتُهُ إِذَا سَأَلَ فِيهِ بَحْثٌ ؟ وَقَدْ جَزَمَ ابْنُ حِبَّانَ بِأَنَّ إِجَابَةَ الصَّحَابَةِ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ كَانَ كَذَلِكَ .