( ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ حَدِيثٌ وَاحِدٌ مُرْسَلٌ ) يَتَّصِلُ مِنْ وُجُوهٍ ، وَلَا يُوقَفُ عَلَى اسْمِ أَبِي بَكْرٍ هَذَا . وَهُوَ قُرَشِيٌّ عَدَوِيٌّ ، يُقَالُ فِي نَسَبِهِ : أَبُو بَكْرِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ بْنِ غَانِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُوَيْجِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ . وَهُوَ مِنْ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ بِالْمَدِينَةِ مِمَّنْ لَهُ قَدْرٌ ، وَعِلْمٌ بِالْأَنْسَابِ ، وَأَيَّامِ النَّاسِ . 212 وَحَدِيثُ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ مِنْ إِحْدَى صَلَاتَيِ النَّهَارِ ، الظَّهْرِ أَوِ الْعَصْرِ ، فَسَلَّمَ مِنَ اثْنَتَيْنِ ، فَقَالَ لَهُ ذُو الشِّمَالَيْنِ - رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ - : أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ نَسِيتَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا قُصِرَتْ ، وَمَا نَسِيتُ ، فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ : قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى النَّاسِ فَقَالَ : أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ ؟ فَقَالُوا : نَعَمْ ، فَأَتَمَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا بَقِيَ مِنَ الصَّلَاةِ ثُمَّ سَلَّمَ . مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِثْلُ ذَلِكَ . هَكَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ جَمِيعِ الرُّوَاةِ . وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ خَاصَّةً مُنْقَطِعٌ ، وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأِ مُسْنَدٌ مُتَّصِلٌ مِنْ طَرِيقٍ قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِيمَا سَلَفَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ فَقَدْ وَصَلَهُ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَمَعْمَرٌ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ مُحَمَّدُ بْنُ الْهَيْثَمِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَكْعَتَيْنِ ، فَقَامَ ابْنُ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ فَضِيلَةَ مِنْ خُزَاعَةَ ، حَلِيفٌ لِبَنِي زُهْرَةَ ، فَقَالَ : أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ نَسِيتَ ؟ فَقَالَ : كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ، ثُمَّ أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى النَّاسِ فَقَالَ : أَصَدَقَ ذُو الشِّمَالَيْنِ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، فَأَتَمَّ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ . وَرَوَاهُ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ حَبِيبٍ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبُو سَلَمَةَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَذْكُرْ أَبَا هُرَيْرَةَ ، وَقَالَ فِيهِ : فَأَتَمَّ مَا بَقِيَ مِنَ الصَّلَاةِ ولَمْ يَسْجُدِ السَّجْدَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يُسْجَدَانِ فِي وَهْمِ الصَّلَاةِ حِينَ ثَبَّتَهُ النَّاسُ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي حَسَّانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ فَذَكَرَهُ . وَرَوَاهُ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : فَأَتَمَّ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ ، وَلَمْ يَسْجُدِ السَّجْدَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يُسْجَدَانِ إِذَا شَكَّ الرَّجُلُ فِي صَلَاتِهِ حِينَ لَقَّنَهُ النَّاسُ . قَالَ صَالِحٌ : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَأَخْبَرَنِي هَذَا الْخَبَرَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَخْبَرَنِيهِ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ . وَرَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ : كُلٌّ حَدَّثَنِي بِذَلِكَ ، قَالَ : صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالنَّاسِ الظُّهْرَ فَسَلَّمَ مِنَ اثْنَتَيْنِ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَقَالَ فِيهِ : قَالَ الزُّهْرِيُّ : وَلَمْ يُخْبِرْنِي رَجُلٌ مِنْهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ . فَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ يَقُولُ : إِذَا عَرَفَ الرَّجُلُ مَا نَسِيَ مِنْ صَلَاتِهِ فَأَتَمَّهَا ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ سُجُودُ سَهْوٍ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَمَّنْ يَقْتَنِعَانِ بِحَدِيثِهِ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ أَوْ صَلَاةِ الظُّهْرِ ، ثُمَّ سَلَّمَ فَقَالَ لَهُ ذُو الشِّمَالَيْنِ ابْنُ عَبْدِ عَمْرٍو : يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَمْ تُقْصَرْ ، وَلَمْ أَنْسَ ، فَقَالَ ذُو الشِّمَالَيْنِ : بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ ، فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى النَّاسِ فَقَالَ : أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ ؟ قَالُوا : نَعَمْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، فَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَتَمَّ الصَّلَاةَ حِينَ اسْتَيْقَنَ . قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ سِلْيمانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الظُّهْرَ أَوِ الْعَصْرَ ، فَسَهَا فِي رَكْعَتَيْنِ فَانْصَرَفَ ، فَقَالَ لَهُ ذُو الشِّمَالَيْنِ بْنُ عَبْدِ عَمْرٍو ، وَكَانَ حَلِيفًا لِبَنِي زُهْرَةَ : أَخَفَّتِ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ ؟ فَقَالُوا : صَدَقَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، فَأَتَمَّ بِهِمُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ نَقَصَ . قَالَ الزُّهْرِيُّ : وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ بَدْرٍ ، ثُمَّ اسْتَحْكَمَتِ الْأُمُورُ بَعْدُ ، هَكَذَا يَقُولُ ابْنُ شِهَابٍ : إِنَّ ذَلِكَ قَبْلَ بَدْرٍ ، وَإِنَّهُ ذُو الشِّمَالَيْنِ . وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ غَيْرُ مَا ذُكِرَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ . وَقَدْ أَوْضَحْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ ، وَشَرَحْنَاهُ ، وَبَسَطْنَاهُ فِي بَابِ أَيُّوبَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا ، وَلَمْ نَذْكُرْ فِي بَابِ أَيُّوبَ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي كَيْفِيَّةِ السَّلَامِ مِنَ الصَّلَاةِ ، وَنَذْكُرُهُ هُنَا لِقَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَسَلَّمَ مِنَ اثْنَتَيْنِ ، وَلِقَوْلِهِ فِي آخِرِهِ : فَأَتَمَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا بَقِيَ مِنَ الصَّلَاةِ ثُمَّ سَلَّمَ . اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي كَيْفِيَّةِ السَّلَامِ مِنَ الصَّلَاةِ ، وَاخْتَلَفَتِ الْآثَارُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا ، وَاخْتَلَفَ أَئِمَّةُ الْفَتْوَى بِالْأَمْصَارِ فِي وُجُوهِ السَّلَامِ مِنَ الصَّلَاةِ ، وَهَلْ هُوَ مِنْ فُرُوضِهَا أَمْ لَا ؟ فَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : يُسَلِّمُ الْمُصَلِّي مِنَ الصَّلَاةِ نَافِلَةً كَانَتْ أَوْ فَرِيضَةً تَسْليمَةً وَاحِدَةً ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، وَلَا يَقُلْ وَرَحْمَة اللَّهِ ، وَقَالَ سَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ : يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ الْأُولَى عَنْ يَمِينِهِ يَقُولُ فِيهَا : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَة اللَّهِ ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا كُلِّهِ : سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَأَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ . وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ : يُسَلِّمُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ . وَقَالَ أَشْهَبُ ، عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ تَسْلِيمِ الْمُصَلِّي وَحْدَهُ فَقَالَ : يُسَلِّمُ وَاحِدَةً عَنْ يَمِينِهِ ، فَقِيلَ لَهُ : وَعَنْ يَسَارِهِ ؟ فَقَالَ : مَا كَانُوا يُسَلِّمُونَ إِلَّا وَاحِدَةً ، وَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَفْعَلُهُ ، وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى : إِنَّمَا حَدَثَتِ التَّسْلِيمَتَانِ مِنْ زَمَنِ بَنِي هَاشِمٍ ، فَقَالَ مَالِكٌ : وَالْمَأْمُومُ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً عَنْ يَمِينِهِ ، وَأُخْرَى عَنْ يَسَارِهِ ثُمَّ يَرُدُّ عَلَى الْإِمَامِ . وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مِثْلُهُ ، وَقَالَ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ : مَنْ صَلَّى لِنَفْسِهِ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ ، وَقَالَ : وَأَمَّا الْإِمَامُ فَيُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً تِلْقَاءَ وَجْهِهِ يَتَيَامَنُ بِهَا قَلِيلًا ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي مَوْضِعِ رَدِّ الْمَأْمُومِ عَلَى الْإِمَامِ ، فَمَرَّةً قَالَ : يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ ثُمَّ يَرُدُّ عَلَى الْإِمَامِ ، وَمَرَّةً قَالَ : يَرُدُّ عَلَى الْإِمَامِ بَعْدَ أَنْ يُسَلِّمَ عَنْ يَمِينِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الَّذِي تَحَصَّلَ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْإِمَامَ يُسَلِّمُ وَاحِدَةً تِلْقَاءَ وَجْهِهِ وَيَتَيَامَنُ بِهَا قَلِيلًا ، وَالْمُصَلِّي لِنَفْسِهِ يُسَلِّمُ اثْنَتَيْنِ ، وَالْمَأْمُومُ يُسَلِّمُ ثَلَاثًا إِنْ كَانَ عَنْ يَسَارِهِ أَحَدٌ . وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : أَدْرَكْتُ الْأَئِمَّةَ ، وَالنَّاسُ يُسَلِّمُونَ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً تِلْقَاءَ وُجُوهِهِمُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، وَكَانَ اللَّيْثُ يَبْدَأُ بِالرَّدِّ عَلَى الْإِمَامِ ثُمَّ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ ، وَعَنْ يَسَارِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَى الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ سعد : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُسَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً السَّلَامُ عَلَيْكُمْ . وَقَدْ وَهِمَ فِيهِ الدَّرَاوَرْدِيُّ ، وَإِنَّمَا الْحَدِيثُ لِمُصْعَبِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدَّيْهِ مِنْ هُنَا وهنا ، هَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَغَيْرُهُ ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتٍ بِإِسْنَادِهِ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً فَلَا يَصِحُّ مَرْفُوعًا لِأَنَّهُ لَمْ يَرْفَعْهُ إِلَّا وَهْبُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ . وَفِي التَّسْلِيمَتَيْنِ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ثَابِتٌ صَحِيحٌ ، رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَعَلَّقَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ يُسَلِّمُونَ عَنْ أَيْمَانِهِمْ ، وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ فِي الصَّلَاةِ ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَة اللَّهِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَة اللَّهِ ، وَرَوَاهَا ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالتَّسْلِيمَتَيْنِ فِي وُجُوبِهِمَا فَرْضًا ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ : كِلَا التَّسْلِيمَتَيْنِ سُنَّةٌ ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِالسَّلَامِ بَعْدَ أَنْ يَقْعُدَ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ . قَالُوا : وَإِنَّمَا السَّلَامُ إِعْلَامٌ بِانْقِضَاءِ الصَّلَاةِ وَتَمَامِهَا . وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ السَّلَامَ إِذَا وُضِعَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ كَالْكَلَامِ فَكَذَلِكَ هُوَ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ . وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ : أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْكُوفَةِ إِلَّا الْحَسَنَ بْنَ حَيٍّ ، فَإِنَّهُ أَوْجَبَ التَّسْلِيمَتَيْنِ جَمِيعًا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : تَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ ، ثُمَّ بَيَّنَ بِفِعْلِهِ كَيْفَ التَّسْلِيمُ . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ : التَّسْلِيمَةُ الْأُولَى يَخْرُجُ بِهَا مِنْ صَلَاتِهِ وَاجِبَةٌ ، وَالْأُخْرَى سُنَّةٌ . وَمِنْ حُجَّتِهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : تَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ ، والتَّسْلِيمَةُ الْوَاحِدَةُ يَقَعُ عَلَيْهَا اسْمُ تَسْلِيمٍ ، وَهَذِهِ أَيْضًا حُجَّةُ مَنْ قَالَ بالتَّسْلِيمَةِ الْوَاحِدَةِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقِ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : إِذَا كُنْتَ إِمَامًا فَسَلِّمْ عَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ يَسَارِكَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَة اللَّهِ ، فَإِنْ كُنْتَ غَيْرَ إِمَامٍ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ فَسَلِّمْ عَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ يَسَارِكَ ، تَنْوِي بِهِ الْمَلَائِكَةَ ، وَمَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : نَأْمُرُ كُلَّ مُصَلٍّ أَنْ يُسَلِّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ ، إِمَامًا كَانَ أَوْ مُنْفَرِدًا أَوْ مَأْمُومًا ، وَيَقُولُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَة اللَّهِ ، وَيَنْوِي بِالْأُولَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ ، وَبِالثَّانِيَةِ مَنْ عَنْ يَسَارِهِ ، وَيَنْوِي الْمَأْمُومُ الْإِمَامَ بالتَّسْلِيمَةِ الَّتِي إِلَى نَاحِيَتِهِ فِي الْيَمِينِ أَوْ فِي الْيَسَارِ ، قَالَ : وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى تَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إِعَادَةٌ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدحَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ · ص 201 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين · ص 307 210 ( 15 ) بَابُ مَا يَفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ سَاهِيًا 181 - 182 - ذَكَرَ فِيهِ مَالِكٌ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ مُسْنَدًا مِنْ طَرِيقَيْنِ : عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَفِيهِمَا جَمِيعًا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ ؟ . 183 - 184 - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِإِسْنَادَيْنِ مُرْسَلَيْنِ ، وَقَالَ فِيهِ : فَقَالَ ذُو الشِّمَالَيْنِ مَرَّتَيْنِ ، وَفِيهِ فَقَالَ : أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ ؟ أَيْضًا . 5216 - وَلَيْسَ يَأْتِي ذِكْرُ ذِي الشِّمَالَيْنِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِلَّا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَلَمْ يُتَابِعْ عَلَيْهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 5217 - وَسَائِرُ الْآثَارِ إِنَّمَا فِيهَا ذُو الْيَدَيْنِ لَيْسَ فِيهَا ذُو الشِّمَالَيْنِ . 5218 - قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ : قَدْ قِيلَ : إِنَّ ذَا الْيَدَيْنِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَإِسْلَامُ أَبِي هُرَيْرَةَ كَانَ يَوْمَ خَيْبَرَ . 5219 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ إِلَّا أَنَّ الَّذِي اسْتُشْهِدَ يَوْمَ بَدْرٍ ذُو الشِّمَالَيْنِ ، لَا ذُو الْيَدَيْنِ . 5220 - وَنَحْنُ نُبَيِّنُ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ مَعَانِي الْعِلْمِ هُنَا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - : 5221 - أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الصَّلَاةِ عَمْدًا إِذَا كَانَ الْمُصَلِّي يَعْلَمُ أَنَّهُ فِي صَلَاةٍ ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي إِصْلَاحِ صَلَاتِهِ - تَفْسُدُ صَلَاتُهُ ، إِلَّا الْأَوْزَاعِيَّ ; فَإِنَّهُ قَالَ : مَنْ تَكَلَّمَ فِي صَلَاتِهِ لِإِحْيَاءِ نَفْسٍ ، أَوْ مِثْلِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الْجِسَامِ - لَمْ تَفْسَدْ بِذَلِكَ صَلَاتُهُ ، وَمَضَى عَلَيْهَا . 5222 - وَذَكَرَ الْوَلِيدُ بْنُ مَزِيدٍ وَغَيْرُهُ عَنْهُ قَالَ : لَوْ نَظَرَ الْمُصَلِّي إِلَى غُلَامٍ يُرِيدُ أَنْ يَسْقُطَ فِي بِئْرٍ أَوْ مَكَانٍ ، فَصَاحَ بِهِ - لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ بَأْسٌ أَنْ يُتِمَّ صَلَاتَهُ . 5223 - قَالَ : وَكَذَلِكَ لَوْ رَأَى ذِئْبًا يَثِبُ عَلَى غَنَمِهِ ، فَصَاحَ بِهِ - أَتَمَّ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ . 5224 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ عَلَى قَوْلِهِ هَذَا ، وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ تَرُدُّهُ السُّنَنُ وَالْأُصُولُ ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - : وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ . 5225 - قَالَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ : كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى نَزَلَتْ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ، فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ ، وَنُهِينَا عَنِ الْكَلَامِ . 5226 - وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا شَاءَ ، وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ أَلَّا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ . 5227 - وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ الْحَكَمِ السُّلَمِيُّ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إِنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامٍ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّهْلِيلُ وَالتَّحْمِيدُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ . 5228 - وَقَدْ ذَكَرْنَا أَسَانِيدَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فِي التَّمْهِيدِ . 5229 - وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ تَحْرِيمَ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ جُمْلَةٌ إِلَّا مَا نَذْكُرُهُ بَعْدُ عَنْهُمْ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - . 5230 - وَلَيْسَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ إِغَاثَةَ الْمَلْهُوفِ وَمَا أَشْبَهَهُ لَيْسَتْ تَمْنَعُ مِنَ اسْتِئْنَافِ الصَّلَاةِ ، وَلَا تُوجِبُ الْبِنَاءَ عَلَى مَا مَضَى مِنْهَا ; إِذْ ذَلِكَ الْفِعْلُ مُبَايِنٌ لَهَا مُفْسِدٌ قَاطِعٌ ; فَإِنَّهُ يُطَابِقُ النَّهْيَ . 5231 - وَفِي مُوَافَقَةِ الْأَوْزَاعِيِّ لِلْجَمَاعَةِ فِيمَنْ تَكَلَّمَ عَامِدًا فِي صَلَاتِهِ بِغَيْرِ مَا ذَكَرَ : أَنَّهَا قَدْ فَسَدَتْ عَلَيْهِ وَيَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُهَا - مَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ قَوْلِهِ ; لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ كَلَامِ النَّاسِ فِيهَا عَامٌّ ، فَمَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ بِالدَّلِيلِ الْوَاضِحِ فَهُوَ عَلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ . وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 5232 - وَأَمَّا اخْتِلَافُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ فِي الَّذِي يَتَكَلَّمُ وَقَدْ سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّهَا وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ أَتَمَّهَا - فَإِنَّ مَالِكًا وَأَصْحَابَهُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ : 5233 - فَرَوَى سَحْنُونٌ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : لَوْ أَنَّ قَوْمًا صَلَّى بِهِمْ رَجُلٌ رَكْعَتَيْنِ ، وَسَلَّمَ سَاهِيًا ; فَسَبَّحُوا بِهِ ، فَلَمْ يَفْقَهْ ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِهِ مِمَّنْ هُوَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ : إِنَّكَ لَمْ تُتِمَّ ، فَأَتِمَّ صَلَاتَكَ ، فَالْتَفَتَ إِلَى الْقَوْمِ ، فَقَالَ : أَحَقٌّ مَا يَقُولُ هَذَا ؟ فَقَالُوا : نَعَمْ - قَالَ : يُصَلِّي بِهِمُ الْإِمَامُ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِمْ ، وَيُصَلُّونَ مَعَهُ بَقِيَّةَ صَلَاتِهِمْ : مَنْ تَكَلَّمَ مِنْهُمْ ، وَمَنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ ، وَيَفْعَلُونَ فِي ذَلِكَ مَا فَعَلَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَوْمَ ذِي الْيَدَيْنِ . 5234 - هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي كُتُبِهِ الْأَسَدِيَّةِ ، وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ ، وَبِهِ قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَاحْتَجَّ لَهُ فِي كِتَابٍ رَدَّهُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ . 5235 - وَكَذَلِكَ رَوَى عِيسَى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، قَالَ عِيسَى : سَأَلْتُ ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ إِمَامٍ فَعَلَ الْيَوْمَ كَفِعْلِ النَّبِيِّ يَوْمَ ذِي الْيَدَيْنِ ، وَتَكَلَّمَ أَصْحَابُهُ عَلَى نَحْوِ مَا تَكَلَّمَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَوْمَ ذِي الْيَدَيْنِ ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : يَفْعَلُ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَوْمَ ذِي الْيَدَيْنِ ، وَلَا يُخَالِفُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّهَا سُنَّةً سَنَّهَا عَلَيْهِ السَّلَامُ . 5236 - زَادَ الْعُتْبِيُّ فِي هَذِهِ عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، قَالَ : وَلِيَرْجِعِ الْإِمَامُ فِيمَا شَكَّ فِيهِ إِلَيْهِمْ ، وَيُتِمُّ مَعَهُمْ ، وَتَجْزِيهِمْ . 5237 - قَالَ عِيسَى : قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَوْ أَنَّ إِمَامًا قَامَ مِنْ أَرْبَعٍ ، أَوْ جَلَسَ فِي ثَالِثَةٍ ، فَسُبِّحَ بِهِ ، فَلَمْ يَفْقَهْ ، فَكَلَّمَهُ رَجُلٌ مِمَّنْ خَلْفَهُ - كَانَ مُحْسِنًا ، وَأَجْزَتْهُ صَلَاتُهُ . 5238 - قَالَ عِيسَى : وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ : لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْيَوْمَ مَا جَازَ لِمَنْ كَانَ يَوْمئِذٍ مَعَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ; لِأَنَّ ذَا الْيَدَيْنِ ظَنَّ أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ قُصِرَتْ ، فَاسْتَفْهَمَ عَنْ ذَلِكَ ، وَقَدْ عَلِمَ النَّاسُ الْيَوْمَ أَنَّ قَصْرَهَا لَا يَنْزِلُ ; فَعَلَى مَنْ تَكَلَّمَ الْإِعَادَةُ . 5239 - قَالَ عِيسَى : فَقَرَأْتُهُ عَلَى ابْنِ الْقَاسِمِ ، فَقَالَ : مَا أَرَى فِي هَذَا حُجَّةً ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ، فَقَالُوا لَهُ : بَلَى ; فَقَدْ كَلَّمُوهُ عَمْدًا بُعْدَ عِلْمِهِمْ أَنَّهَا لَمْ تَقْصُرْ . 5240 - قَالَ عِيسَى : وَقَالَ لِي ابْنُ وَهْبٍ : إِنَّمَا ذَلِكَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ، وَلَا أَرَى لِأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَهُ الْيَوْمَ . 5241 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا كَلَامُ الْقَوْمِ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَعْدَ أَنْ سَمِعُوهُ يَقُولُ : لَمْ تَقْصُرِ الصَّلَاةُ ، وَلَمْ أَنْسَ - فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ ، وَلَا حُجَّةَ لِمَنْ نَزَعَ بِهِ ; لِأَنَّ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ - هُوَ أَثْبُتُ النَّاسِ فِي أَيُّوبَ - رَوَى حَدِيثَ ذِي الْيَدَيْنِ عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ فِيهِ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَحَقٌّ مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ ؟ ، فَأَوْمَئُوا إِي نَعَمْ ، فَبَانَ بِهَذَا أَنَّهُمْ لَمْ يَتَكَلَّمُوا بَعْدَ أَنْ سَمِعُوا النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَقُولُ لَمْ تَقْصُرِ الصَّلَاةُ ، وَلَمْ أَنْسَ ، وَلَكِنَّهُمْ أَوْمَئُوا إِي نَعَمْ ، فَعَبَّرَ الْمُحَدِّثُ عَنِ الْإِيمَاءِ بِالْقَوْلِ . 5242 - وَالْعَرَبُ قَدْ تَفْعَلُ ذَلِكَ فِيمَا لَا يَصِحُّ مِنْهُ الْقَوْلُ ; فَالْإِيمَاءُ بِذَلِكَ أَحْرَى مِمَّنْ يَصِحُّ قَوْلُهُ إِذَا مُنِعَ مِنَ الْكَلَامِ ، وَتَحْرِيمُ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ ; فَلَا يُبَاحُ بِرِوَايَةٍ مُخْتَلِفٍ فِيهَا . 5243 - وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، عَنِ ابْنِ نَافِعٍ : لَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ ، فَإِنْ فَعَلَ لَمْ آمُرْهُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ . 5244 - وَرَوَى أَبُو قُرَّةَ مُوسَى بْنُ طَارِقٍ عَنْ مَالِكٍ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ نَافِعٍ خِلَافَ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ . 5245 - قَالَ أَبُو قُرَّةَ : سَمِعْتُ مَالِكًا يَسْتَحِبُّ إِذَا تَكَلَّمَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يَعُودَ لَهَا وَلَا يَبْنِيَ . 5246 - قَالَ : وَقَالَ لَنَا مَالِكٌ : إِنَّمَا تَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَكَلَّمَ أَصْحَابُهُ مَعَهُ يَوْمَئِذٍ ; لِأَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ قَصُرَتْ ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأَحَدٍ الْيَوْمَ . 5247 - وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : أَبْلَغَكَ أَنَّ رَبِيعَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ صَلَّى خَلَفَ إِمَامٍ ، فَأَطَالَ التَّشَهُّدَ ، فَخَافَ رَبِيعَةُ أَنْ يُسَلِّمَ - وَكَانَ عَلَى الْإِمَامِ سُجُودُ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ - ، فَكَلَّمَهُ رَبِيعَةُ ; فَقَالَ : إِنَّهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ ؟ فَقَالَ : مَا بَلَغَنِي ، وَلَوْ بَلَغَنِي مَا تَكَلَّمْتُ بِهِ ، أَنَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ ؟ . 5248 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ وُجُوهَ الرِّوَايَاتِ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي هَذَا الْبَابِ . 5249 - وَرَوَى ابْنُ وَضَّاحٍ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ ، قَالَ : أَصْحَابُ مَالِكٍ كُلُّهُمْ عَلَى خِلَافِ مَا رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي مَسْأَلَةِ ذِي الْيَدَيْنِ ، وَلَمْ يَقُلْ بِقَوْلِهِ إِلَّا ابْنُ الْقَاسِمِ وَحْدَهُ ، وَغَيْرُهُ يَأْبَوْنَهُ ، وَيَقُولُونَ : إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ، وَأَمَّا الْآنُ فَقَدْ عَرَفَ النَّاسُ الصَّلَاةَ ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهَا أَعَادَهَا . 5250 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَقَالَ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ : لَا يَشُكُّ مُسْلِمٌ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَنْصَرِفْ إِلَّا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ قَدْ أَكْمَلَ الصَّلَاةَ ، وَظَنَّ ذُو الْيَدَيْنِ أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ قَصُرَتْ بِحَادِثٍ مِنَ اللَّهِ ، وَلَمْ يَقْبَلْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ذِي الْيَدَيْنِ ; إِذْ سَأَلَ غَيْرَهُ ، وَلَمَّا سَأَلَ غَيْرَهُ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ سَأَلَ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ كَلَامَ ذِي الْيَدَيْنِ ، فَيَكُونُ فِي مَعْنَى ذِي الْيَدَيْنِ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ سَأَلَ مَنْ سَمِعَ كَلَامَهُ وَلَمْ يَسْمَعِ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رَدَّهُ عَلَيْهِ ، كَانَ فِي مَعْنَى ذِي الْيَدَيْنِ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يُدْرِ : أَقَصُرَتِ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيَ ، فَأَجَابَهُ ، وَمَعْنَاهُ مَعْنَى ذِي الْيَدَيْنِ ، مَعَ أَنَّ الْفَرْضَ عَلَيْهِمْ جَوَابُهُ . 5251 - أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا أَخْبَرُوهُ فَقَبِلَ قَوْلَهَم - لَمْ يَتَكَلَّمْ ، وَلَمْ يَتَكَلَّمُوا حَتَّى بَنَوْا عَلَى صَلَاتِهِمْ ؟ قَالَ : فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تَنَاهَتِ الْفَرَائِضُ ، فَلَا يُزَادُ فِيهَا وَلَا يُنْقَصُ مِنْهَا أَبَدًا . 5252 - قَالَ : فَهَذَا فَرْقُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ إِذَا كَانَ أَحَدُنَا إِمَامًا الْيَوْمَ . 5253 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ مَعَ أَنَّ الْفَرْضَ عَلَيْهِمْ جَوَابُهُ - فَمَوْجُودٌ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى ، قَالَ : كُنْتُ أُصْلِي ، فَنَادَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ أُجِبْهُ حَتَّى قَضَيْتُ صَلَاتِي ، فَأَتَيْتُهُ ، فَقَالَ : مَا مَنَعَكَ أَنْ تُجِيبَنِي ؟ قُلْتُ : كُنْتُ أَصْلِي ، قَالَ : أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ : اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ ؟ 5254 - وَهُوَ حَدِيثٌ يَرْوِيهِ شُعْبَةُ عَنْ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ حَفْصٍ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى . وَهُوَ مَحْفُوظٌ مِنْ حَدِيثِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ . 5255 - وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيمَا مَضَى مِنْ هَذَا الْكِتَابِ . وَفِيهِ أَنَّ مُجَاوَبَةَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَاجِبَةٌ عَلَى الْعُمُومِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا . 5256 - وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَا الْيَدَيْنِ وَأَصْحَابَهُ مَخْصُوصُونَ بِذَلِكَ ، مَا كَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَيَّا فِيهِمْ . وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ إِجَابَتُهُ فِي الصَّلَاةِ إِشَارَةً ، كَمَا كَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَصْنَعُ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ بِالْأَنْصَارِ ; إِذْ دَخَلُوا ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ ، وَهُوَ يُصَلِّي فَكَانَ يُشِيرُ . 5257 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْخِلَافُ بَيْنَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِنَّمَا هُوَ أَنَّ مَالِكًا يَقُولُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ : لَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ تَعَمُّدُ الْكَلَامِ فِيهَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي صَلَاحِهَا وَشَأْنِهَا . 5258 - وَهُوَ قَوْلُ رَبِيعَةَ وَابْنِ الْقَاسِمِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ . 5259 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَسَائِرُ أَصْحَابِ مَالِكٍ : إِنَّ الْمُصَلِّيَ إِذَا تَعَمَّدَ الْكَلَامَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ عَالِمًا أَنَّهُ لَمْ يُتِمْهَا فَقَدْ أَفْسَدَ صَلَاتَهُ ، فَإِنْ تَكَلَّمَ سَاهِيًا ، أَوْ تَكَلَّمَ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ أَكْمَلَ صَلَاتَهُ وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ عِنْدَ نَفْسِهِ - فَهَذَا يَبْنِي ، وَلَا يُفْسِدُ عَلَيْهِ كَلَامُهُ ذَلِكَ صَلَاتَهُ . 5260 - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِيمَا حَكَى عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ : مَا تَكَلَّمَ بِهِ الْإِنْسَانُ فِي صَلَاتِهِ لِإِصْلَاحِهَا لَا يُفْسِدُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ ، وَإِنَّ تَكَلَّمَ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَسَدَتْ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ . 5261 - وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ : إِنَّمَا تَكَلَّمَ ذُو الْيَدَيْنِ وَهُوَ يَرَى أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ قَصُرَتْ ، وَتَكَلَّمَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَهُوَ دَافِعٌ لِقَوْلِ ذِي الْيَدَيْنِ ، وَكَلَّمَ الْقَوْمَ فَأَجَابُوهُ ; لِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُجِيبُوهُ . 5261 م - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَهَذَا نَحْوَ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي ذَلِكَ . 5262 - وَذَكَرَ الْخِرَقِيُّ أَنَّ مَذْهَبَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ الَّذِي تَحْصَّلَ عَلَيْهِ - قَوْلُهُ فِيمَنْ تَكَلَّمَ عَامِدًا أَوْ سَاهِيًا فِي صَلَاتِهِ : بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إِلَّا الْإِمَامَ خَاصَّةً ; فَإِنَّهُ إِذَا تَكَلَّمَ لِيُصْلِحَ صَلَاتَهُ لَمْ تُبْطِلْ صَلَاتَهُ . 5263 - وَقَدْ ذَكَرْنَا مَذْهَبَ الْأَوْزَاعِيِّ فِيمَا مَضَى ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ أَيْضًا : لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِإِمَامِ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْعَصْرِ : إِنَّهَا الْعَصْرُ ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ . 5264 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَوْ كَانَ هَذَا مَا احْتَاجَ أَحَدٌ إِلَى التَّسْبِيحِ فِي الصَّلَاةِ ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ نَابُهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ . 5265 - وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ ، وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ . 5266 - وَكَلَامُ الْأَوْزَاعِيِّ فِي هَذَا الْبَابِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَهْمٌ وَخَطَأٌ لَيْسَ بِصَوَابٍ . 5267 - وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ السَّلَامَ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ تَمَامِهَا عَمْدًا يُفْسِدُهَا ; فَالْكَلَامُ بِذَلِكَ أَحْرَى . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 5268 - وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ : أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ - فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْكَلَامَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ : سَهَوًا كَانَ أَوْ عَمْدًا ، لِصَلَاحٍ كَانَ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ - يُفْسِدُ الصَّلَاةَ . 5269 - وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي السَّلَامِ فِيهَا سَاهِيًا قَبْلَ تَمَامِهَا : 5270 - فَبَعْضُهُمْ أَفْسَدَ صَلَاةَ الْمُسْلِمِ فِيهَا سَاهِيًا ، وَجَعْلَهُ كَالْمُتَكَلِّمِ عَامِدًا . 5271 - وَبَعْضُهُمْ لَمْ يُفْسِدْهَا بِالسَّلَامِ سَاهِيًا . 5272 - وَكُلُّهُمْ يُفْسِدُهَا بِالْكَلَامِ عَامِدًا ، وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَعَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَقَتَادَةَ . 5273 - وَزَعَمَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ حَدِيثَ ذِي الْيَدَيْنِ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي ذَكَرْنَا . 5274 - قَالُوا : وَفِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ بَيَانُ أَنَّ الْكَلَامَ كَانَ مُبَاحًا فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ نُسِخَ . 5275 - قَالُوا : فَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَنْسُوخٌ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ بِمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ . 5276 - قَالُوا : وَإِنْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ مُتَأَخِّرَ الْإِسْلَامِ ، فَإِنَّهُ أَرْسَلَ حَدِيثَ ذِي الْيَدَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ بِمَا سَمِعَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ . 5277 - لِأَنَّهُ جَائِزٌ لِلصَّاحِبِ إِذَا حَدَّثَهُ صَاحِبٌ مِنَ الصَّحَابَةِ بِمَا سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ أَنْ يُحَدِّثَ بِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ إِذَا لَمْ يَقِلُّ : سَمِعْتُ . 5278 - وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَمَنْ كَانَ مِثْلَهُ قَدْ حَدَّثُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ بِمَا أَخْبَرُوا عَنْ أَصْحَابِهِ عَنْهُ ، وَهُوَ عِنْدَ الْجَمِيعِ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ . 5279 - أَلَا تَرَى إِلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِيمَنْ أَدْرَكَهُ الْفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ : إِنَّهُ لَا صَوْمَ لَهُ ، فَلَمَّا وُقِفَ عَلَيْهِ سُئِلَ : هَلْ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ؟ قَالَ : لَا عِلْمَ لِي ، إِنَّمَا أَخْبَرَنِيهِ مُخْبِرٌ . ؟ . 5280 - وَقَالَ أَنَسٌ : مَا كَلَّ مَا نُحَدِّثُكُمْ بِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ سَمِعْنَاهُ مِنْهُ ، وَلَكِنَّ مِنْهُ مَا سَمِعْنَا ، وَمِنْهُ مَا أَخْبَرْنَا أَصْحَابُنَا . 5281 - وَكُلُّ حَدِيثِ الصَّحَابَةِ مَقْبُولٌ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ عَلَى كُلِّ حَالٍ . 5282 - قَالُوا : فَغَيْرُ نَكِيرٍ أَنْ يُحَدِّثَ أَبُو هُرَيْرَةَ بِقِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْهَا ، قَالُوا : وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي ذَلِكَ مَنْسُوخٌ أَنَّ ذَا الْيَدَيْنِ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ . 5283 - وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنِ الْعُمَرِيِّ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ إِسْلَامَ أَبِي هُرَيْرَةَ كَانَ بَعْدَ مَوْتِ ذِي الْيَدَيْنِ . 5284 - قَالُوا : وَهَذَا الزُّهْرِيُّ مَعَ عِلْمِهِ بِالْأَثَرِ وَالسِّيَرِ ، وَهُوَ الَّذِي لَا نَظِيرَ لَهُ بِالْأَثَرِ فِي ذَلِكَ - يَقُولُ : إِنَّ قِصَّةَ ذِي الْيَدَيْنِ كَانَتْ قَبْلَ بَدْرٍ . حَكَاهُ مَعْمَرٌ وَغَيْرُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ . 5285 - قَالَ الزُّهْرِيُّ : ثُمَّ اسْتَحْكَمَتِ الْأُمُورُ بَعْدُ . 5286 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا مَا ادَّعَاهُ الْعِرَاقِيُّونَ مِنْ أَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ - فَغَيْرُ مُسَلَّمِ لَهُمْ مَا ادَّعَوْا مِنْ نَسْخِهِ ، وَلَكِنَّهُ خَصَّ مِنْ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ مَعْنَى مَا تَضَمَّنَهُ ; لِأَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ يَوْمَ ذِي الْيَدَيْنِ كَانَ فِي الْمَدِينَةِ ، وَقَدْ شَهِدَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَإِسْلَامُهُ كَانَ عَامَ خَيْبَرَ . هَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ . 5287 - فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ بِمَكَّةَ ، وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ يَقُولُ : كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ ، يُكَلِّمُ الرَّجُلُ مِنَّا صَاحِبَهُ فِي الْحَاجَةِ حَتَّى نَزَلَتْ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ، فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ ، وَنُهِينَا عَنِ الْكَلَامِ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ سُورَةَ الْبَقَرَةِ مَدَنِيَّةٌ ؟ . 5288 - فَالْجَوَابُ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ مِمَّنْ هَاجَرَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فِي جَمَاعَةِ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهَا مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَأَنَّهُ مِنَ الْجَمَاعَةِ الْمُنْصَرِفِينَ مِنَ الْحَبَشَةِ إِلَى مَكَّةَ حِينَ بَلَغَهُمْ أَنَّ قُرَيْشًا دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ ، وَكَانَ الْخَبَرُ كَاذِبًا ، فَأَقْبَلُوا إِلَى مَكَّةَ فِي حِينِ كَوْنِ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ فِي الشِّعْبِ ، وَوَجَدُوا قُرَيْشًا أَشُدَّ مَا كَانُوا عَلَى النَّبِيِّ وَأَصْحَابِهِ ، ثُمَّ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ فِيمَنْ أَمَرَ مِنْ أَصْحَابِهِ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَهَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، ثُمَّ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ مَنْ شَهِدَهَا مِنْهُمْ ، إِلَّا أَنَّ حَدِيثَهُ مِنْ رِوَايَةِ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ يَوْمئِذٍ بِمَكَّةَ وَهُوَ يُصَلِّي ، فَقَالَ لَهُ : إِنَّ اللَّهَ أَحْدَثَ أَلَّا تُكَلِّمُوا فِي الصَّلَاةِ - قَدْ وَهِمَ فِي أَلْفَاظِهِ عَاصِمٌ ، وَكَانَ سَيِّئَ الْحِفْظِ عِنْدَهُمْ ، كَثِيرَ الْخَطَأِ ، لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ فِيمَا خُولِفَ فِيهِ . 5289 - وَحَدِيثُهُ حَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ ; حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ أَبِي النُّجُودِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ نَأْتِيَ أَرْضَ الْحَبَشَةِ ، فَيَرُدُّ عَلَيْنَا ، فَلَمَّا رَجَعْنَا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلِيَّ ، فَأَخَذَنِي مَا قَرُبَ وَمَا بَعُدَ ، فَجَلَسْتُ حَتَّى قَضَى النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَاتَهُ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، سَلَّمْتُ عَلَيْكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي فَلَمْ تَرُدَّ عَلِيَّ ، فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ ، وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ أَلَّا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ . 5290 - قَالَ سُفْيَانُ : هَذَا أَجْوَدُ مَا وَجَدْنَا عِنْدَ عَاصِمٍ فِي هَذَا الْوَجْهِ . 5291 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ شُعْبَةُ عَنْ عَاصِمٍ عَلَى خِلَافِ مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ : إِنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ فِي حِينِ انْصِرَافِهِ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ ، بَلْ ظَاهِرُهُ وَمَسَاقُهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ بِالْمَدِينَةِ ، فَيَكُونُ فِي مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ أَرْقَمَ . 5292 - حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَهُوَ يُصَلِّي ، فَسَلَّمْتُ ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلِيَّ ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ ، قَالَ : إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مَا شَاءَ ، وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ أَلَّا تُكَلِّمُوا فِي الصَّلَاةِ . 5293 - فَلَمْ يَذْكُرْ شُعْبَةَ أَنَّ كَلَامَهُ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ بِمَكَّةَ ، وَقَدْ رَوَاهُ الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، فَذَكَرَ انْصِرَافَهُ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ إِلَى مَكَّةَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ سَلَامَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فِي الصَّلَاةِ كَانَ بِمَكَّةَ . 5294 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْأَعْمَشِ بِخِلَافِ ذَلِكَ فِي الْإِسْنَادِ وَالْمَعْنَى . 5295 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا فُضَيْلٌ عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ ، فَيَرُدُّ عَلَيْنَا ، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ سَلَّمْنَا عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا ، وَقَالَ لَنَا : إِنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشَغَلًا . 5296 - وَهَذَا الْحَدِيثُ إِنَّمَا فِيهِ كَرَاهِيَةُ السَّلَامِ عَلَى الْمُصَلِّي . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ كُلْثُومُ بْنُ الْمُصْطَلِقِ الْخُزَاعِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ : إِنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ فِي حِينِ انْصِرَافِهِ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ . 5297 - أَخْبَرْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ ، قَالَ : أَخْبَرْنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرْنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ الْمَوْصِلِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرْنَا ابْنُ أَبِي عُيَيْنَةَ وَالْقَاسِمُ بْنُ زَيْدٍ الْجَرَمِيُّ عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ ، عَنْ كُلْثُومٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ . 5298 - وَهَذَا الْحَدِيثُ لِلْقَاسِمِ ، قَالَ : كُنْتُ آتِي النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَهُوَ يُصَلِّي ، فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ ، فَيَرُدُّ عَلِيَّ ، فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ يُصَلِّي ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلِيَّ ، فَلَمَّا سَلَّمَ أَشَارَ إِلَى الْقَوْمِ ، فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ أَحْدَثَ فِي الصَّلَاةِ أَلَّا تُكَلِّمُوا فِيهَا إِلَّا بِذِكْرِ اللَّهِ ، وَأَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ . 5299 - وَهَذَا حَدِيثٌ مُسْتَقِيمٌ صَحِيحٌ فِي مَعْنَى حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، لَيْسَ فِيهِ مَا يُخَالِفُهُ . 5300 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، قَالَ : كَانَ أَحَدُنَا يُكَلِّمُ الرَّجُلَ إِلَى جَنْبِهِ فِي الصَّلَاةِ ، فَنَزَلَتْ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ، ثُمَّ أُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ ، وَنُهَيْنَا عَنِ الْكَلَامِ . 5301 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ أَنْصَارِيٌّ ، وَسُورَةُ الْبَقَرَةِ مَدَنِيَّةٌ . 5302 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرْنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : أَخْبَرْنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ شُبَيْلٍ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ يُكَلِّمُ صَاحِبَهُ فِي الصَّلَاةِ بِالْحَاجَةِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَتَّى نَزَلَتْ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ، فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ . 5303 - وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمْ يَشْهَدْ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ بَدْرٍ ، وَإِسْلَامُ أَبِي هُرَيْرَةَ كَانَ عَامَ خَيْبَرَ ، فَالْجَوَابُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَسْلَمَ عَامَ خَيْبَرَ كَمَا ذَكَرْنَا ، وَلَكِنَّهُ قَدْ شَهِدَ هَذِهِ الْقِصَّةَ وَحَضَرَهَا ; لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ قَبْلَ بَدْرٍ ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ يَوْمَ ذِي الْيَدَيْنِ مَحْفُوظٌ مِنْ رِوَايَةِ الْحُفَّاظِ الثِّقَاتِ ، وَلَيْسَ تَقْصِيرُ مَنْ قَصَّرَ عَنْ ذِكْرِ ذَلِكَ فِي حَدِيثِهِ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ بِحُجَّةٍ عَلَى مَنْ حَفِظَهُ وَذَكَرَهُ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب مَا يَفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ سَاهِيًا · ص 350 210 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ مِنْ إِحْدَى صَلَاتَيْ النَّهَارِ الظُّهْرِ أَوْ الْعَصْرِ ، فَسَلَّمَ مِنَ اثْنَتَيْنِ ، فَقَالَ لَهُ ذُو الشِّمَالَيْنِ : أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ نَسِيتَ ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا قَصُرَتْ الصَّلَاةُ وَمَا نَسِيتُ ، فَقَالَ ذُو الشِّمَالَيْنِ : قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ : أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ ؟ فَقَالُوا : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَأَتَمَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا بَقِيَ مِنْ الصَّلَاةِ ثُمَّ سَلَّمَ . 212 210 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا يُوقَفُ لَهُ عَلَى اسْمٍ وَهُوَ مِنْ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ عَارِفٌ بِالنَّسَبِ ( ابْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْمُثَلَّثَةِ ابْنِ غَانِمٍ الْعَدَوِيِّ ، وَفِي الْإِصَابَةِ أَبُوهُ سُلَيْمَانُ لَهُ رُؤْيَةٌ وَجَدُّهُ أَبُو حَثْمَةَ صَحَابِيٌّ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ ( قَالَ : بَلَغَنِي ) قَالَ أَبُو عُمَرَ : حَدِيثُهُ هَذَا مُنْقَطِعٌ عِنْدَ جَمِيعِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ مِنْ إِحْدَى صَلَاتَيِ النَّهَارِ ) لَا تُخَالِفُ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ ؛ لِأَنَّ الْعَشِيَّ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَشَدِّ الْيَاءِ مِنَ الزَّوَالِ ، وَقَدْ قَالَ ( الظُّهْرِ أَوِ الْعَصْرِ ) بِالشَّكِّ ، وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ ( مِنِ اثْنَتَيْنِ ) أَيْ مِنْ رَكْعَتَيْنِ ( فَقَالَ لَهُ ذُو الشِّمَالَيْنِ ) رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ أَيْ مِنْ حُلَفَائِهِمْ وَهُوَ خُزَاعِيٌّ وَاسْمُهُ عُمَيْرُ بْنُ عَبْدِ عَمْرٍو اسْتُشْهِدَ يَوْمَ بَدْرٍ ، قَالَ الْحَافِظُ : اتَّفَقَ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّ الزُّهْرِيَّ وَهِمَ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ قُتِلَ بِبَدْرٍ وَهِيَ قَبْلَ إِسْلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِ سِنِينَ ، وَإِنَّمَا هُوَ ذُو الْيَدَيْنِ عَاشَ مُدَّةً بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ كَمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَجَوَّزَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ أَنْ تَكُونَ الْقِصَّةُ وَقَعَتْ لِكُلٍّ مِنْ ذِي الشِّمَالَيْنِ وَذِي الْيَدَيْنِ ، وَأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَوَى الْحَدِيثَيْنِ فَأَرْسَلَ أَحَدَهُمَا وَهُوَ قِصَّةُ ذِي الشِّمَالَيْنِ ، وَشَاهَدَ الثَّانِيَ وَهُوَ قِصَّةُ ذِي الْيَدَيْنِ ، وَهَذَا مُحْتَمَلٌ فِي طَرِيقِ الْجَمْعِ ، وَقِيلَ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ ذَا الشِّمَالَيْنِ كَانَ يُقَالُ لَهُ أَيْضًا ذُو الْيَدَيْنِ وَبِالْعَكْسِ ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ الِاشْتِبَاهِ ، قَالَ : وَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى أَنَّ اسْمَ ذِي الْيَدَيْنِ الْخِرْبَاقُ اعْتِمَادًا عَلَى مَا فِي مُسْلِمٍ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ : فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الْخِرْبَاقُ وَكَانَ فِي يَدَيْهِ طُولٌ ، وَهَذَا مَنْبَعُ مَنْ يُوَحِّدُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِحَدِيثِ عِمْرَانَ وَهُوَ الرَّاجِحُ فِي نَظَرِي ، وَإِنْ كَانَ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَمَنْ تَبِعَهُ جَنَحُوا إِلَى التَّعَدُّدِ لِاخْتِلَافِ السِّيَاقَيْنِ ، فَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَلَّمَ مِنَ اثْنَتَيْنِ وَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي الْمَسْجِدِ ، وَفِي حَدِيثِ عِمْرَانَ أَنَّهُ سَلَّمَ مِنْ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ ، وَأَنَّهُ دَخَلَ مَنْزِلَهُ لَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ ، فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَقَدْ حَكَى الْعَلَائِيُّ أَنَّ بَعْضَ شُيُوخِهِ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّهُ سَلَّمَ فِي ابْتِدَاءِ الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ وَاسْتَبْعَدَهُ ، وَلَكِنَّ طَرِيقَ الْجَمْعِ يُكْتَفَى فِيهَا بِأَدْنَى مُنَاسَبَةٍ ، وَلَيْسَ بِأَبْعَدَ مِنْ دَعْوَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ كَوْنُ ذِي الْيَدَيْنِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ سَأَلَ قَصُرَتِ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَفْهَمَ الصَّحَابَةَ عَنْ صِحَّةِ قَوْلِهِ ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلَعَلَّ الرَّاوِيَ لَمَّا رَآهُ تَقَدَّمَ مِنْ مَكَانِهِ إِلَى جِهَةِ الْخَشَبَةِ ظَنَّ أَنَّهُ دَخَلَ مَنْزِلَهُ لِأَنَّ الْخَشَبَةَ كَانَتْ فِي جِهَتِهِ ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ وَإِلَّا فَرِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَرْجَحُ لِمُوَافَقَةِ ابْنِ عُمَرَ لَهُ عَلَى سِيَاقِهِ ، كَمَا أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَلِمُوَافَقَةِ ذِي الْيَدَيْنِ نَفْسِهِ عَلَى سِيَاقِهِ ، كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زِيَادَاتِ الْمُسْنَدِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ وَغَيْرُهُمْ ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَرَى التَّوْحِيدَ بَيْنَهُمَا ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : نُبِّئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ : ثُمَّ سَلَّمَ وَفِيمَا رَجَّحَهُ نَظَرٌ ، فَإِنَّ حَمْلَهُ عَلَى أَنَّهُ سَلَّمَ فِي ابْتِدَاءِ الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ وَقَعَ وَهُوَ جَالِسٌ عَقِبَ الرَّكْعَتَيْنِ فَأَيْنَ ابْتِدَاءُ الثَّالِثَةِ ، وَغَايَةُ مَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ هُوَ فِي إِرَادَةِ ابْتِدَاءِ الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ فَسَلَّمَ سَهْوًا قَبْلَ الْقِيَامِ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ ، وَقَوْلُهُ : لَيْسَ بِأَبْعَدَ مِنْ دَعْوَى التَّعَدُّدِ لِلُزُومِ وُقُوعِ الِاسْتِفْهَامِ فِي الْمَرَّتَيْنِ مِنْ ذِي الْيَدَيْنِ وَالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرْدُودٌ بِأَنَّهُ لَا بُعْدَ فِيهِ ، وَلَوْ لَزِمَ ذَلِكَ اسْتِفْهَامُ دَعْوَى ذِي الْيَدَيْنِ أَوَّلًا لِأَنَّهُ لَمْ يَمْنَعِ اسْتِفْهَامَهُ ، ثَانِيًا لِأَنَّهُ زَمَانُ نَسْخٍ لَا سِيَّمَا وَقَدِ اقْتَصَرَ عِمْرَانُ عَلَى قَوْلِهِ : أَقَصُرَتِ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ كَمَا فِي مُسْلِمٍ ، وَكَذَلِكَ اسْتِفْهَامُ الْمُصْطَفَى الصَّحَابَةَ عَنْ صِحَّةِ قَوْلِ ذِي الْيَدَيْنِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَمْ تُقْصَرْ ، وَقَدْ سَلَّمَ مُعْتَقِدًا الْكَمَالَ ، وَالْإِمَامُ لَا يَرْجِعُ عَنْ يَقِينِهِ لِقَوْلِ الْمَأْمُومِينَ إِلَّا لِكَثْرَتِهِمْ جِدًّا ، بَلْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَلَا لِكَثْرَتِهِمْ جِدًّا ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا أَقْرَبُ مِنْ إِخْرَاجِ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ الْمُحْوَجِ إِلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ بِلَا قَرِينَةٍ ، وَكَوْنُهَا حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا يَنْهَضُ لِاخْتِلَافِ الْمُخَرِّجِ أَيِ الصَّحَابِيِّ ، ثُمَّ مَاذَا يَصْنَعُ بِقَوْلِ عِمْرَانَ فِي حَدِيثِهِ فَصَلَّى رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ ، وَفِي رِوَايَةٍ : فَصَلَّى الرَّكْعَةَ الَّتِي كَانَ تَرَكَ ثُمَّ سَلَّمَ ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ ، ثُمَّ سَلَّمَ وَكِلَاهُمَا فِي مُسْلِمٍ ، وَتَصْحِيحُهُ بِجِنْسِ الرَّكْعَةِ يَنْبُو عَنْهُ الْمُقَامُ نُبُوًّا ظَاهِرًا ، فَدَعْوَى التَّعَدُّدِ أَقْرَبُ مِنْ هَذَا بِكَثِيرٍ ، وَمُوَافَقَةُ ابْنِ عُمَرَ ، وَذِي الْيَدَيْنِ ، لِأَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى سِيَاقِهِ لَا يَمْنَعُ الْجَمْعَ بِالتَّعَدُّدِ الَّذِي صَارَ إِلَيْهِ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ ، وَلَيْسَ فِي قَوْلِ ابْنِ سِيرِينَ : نُبِّئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ قَالَ : ثُمَّ سَلَّمَ دَلَالَةٌ قَوِيَّةٌ عَلَى أَنَّهُ يَرَى اتِّحَادَ الْحَدِيثَيْنِ ، إِذْ غَايَةُ مَا أَفَادَهُ أَنَّ عِمْرَانَ قَالَ فِي حَدِيثِهِ : ثُمَّ سَلَّمَ فَفِيهِ إِثْبَاتُ السَّلَامِ عَقِبَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ الْخَالِي مِنْهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَبَعْدَ ذَلِكَ هَلْ هُوَ مُتَّحِدٌ مَعَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ حَدِيثٍ آخَرَ مَسْكُوتٍ عَنْهُ ؟ وَأَمَّا قَوْلُهُ : لَعَلَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ دَخَلَ مَنْزِلَهُ فَبَعِيدٌ جِدًّا أَوْ مَمْنُوعٌ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ عِمْرَانَ أَخْبَرَ بِالظَّنِّ وَهُوَ قَدْ شَاهَدَ الْقِصَّةَ ، كَيْفَ وَقَدْ قَالَ : إِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ سَلَّمَ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ مِنَ الْعَصْرِ ثُمَّ قَامَ فَدَخَلَ الْحُجْرَةَ فَقَامَ رَجُلٌ بَسِيطُ الْيَدَيْنِ فَقَالَ : أَقَصُرَتِ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَخَرَجَ مُغْضَبًا فَصَلَّى الرَّكْعَةَ الَّتِي كَانَ تَرَكَ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ ثُمَّ سَلَّمَ ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ عِمْرَانَ . أَفَلَا يَعْلَمُ الْحُجَرَةَ مِنَ الْخَشَبَةِ الَّتِي فِي الْمَسْجِدِ وَيُؤَوِّلُ بِذَلِكَ التَّأْوِيلِ الْمُتَعَسِّفِ فِرَارًا مِنْ دَعْوَى التَّعَدُّدِ مَعَ أَنَّهُ أَقْرَبُ مِنْ هَذَا بِلَا رَيْبٍ . ( أَقَصُرَتِ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ نَسِيتَ ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا قَصُرَتِ الصَّلَاةُ وَمَا نَسِيتُ ) فَصَرَّحَ بِنَفْيِهِمَا مَعًا عَنْهُ ، وَهُوَ يُفَسِّرُ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ : كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ، مِنْ أَنَّهُ نَفْيٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا لِمَجْمُوعِهِمَا وَلِذَا أَجَابَهُ ( فَقَالَ ذُو الشِّمَالَيْنِ : قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ : بَلَى قَدْ نَسِيتَ ، لِأَنَّهُ لَمَّا نَفَى الْأَمْرَيْنِ وَكَانَ مُقَرَّرًا عِنْدَ الصَّحَابِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ السَّهْوُ عَلَيْهِ فِي الْأُمُورِ الْبَلَاغِيَّةِ جَزَمَ بِوُقُوعِ النِّسْيَانِ لَا الْقَصْرِ ، وَفَائِدَةُ جَوَازِ السَّهْوِ فِي مِثْلِ هَذَا بَيَانُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ إِذَا وَقَعَ مِثْلُهُ لِغَيْرِهِ ، وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ جَوَّزَ السَّهْوَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ فِيمَا طَرِيقُهُ التَّشْرِيعُ وَلَكِنْ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا مَنْ مَنَعَ السَّهْوَ مُطْلَقًا فَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ نَفْيُ النِّسْيَانِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ نَفْيُ السَّهْوِ ، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَهُوَ مَرْدُودٌ ، وَيَكْفِي فِيهِ قَوْلُهُ : بَلَى قَدْ نَسِيتَ ، وَأَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَبِأَنَّ قَوْلَهُ : وَمَا نَسِيتُ ، عَلَى ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ ، وَكَانَ يَتَعَمَّدُ مَا يَقَعُ مِنْهُ مِنْ ذَلِكَ لِيَقَعَ لِلتَّشْرِيعِ بِالْفِعْلِ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ مِنَ الْقَوْلِ ، وَبِأَنَّ مَعْنَى وَمَا نَسِيتُ أَيْ فِي اعْتِقَادِي لَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الِاعْتِقَادَ عِنْدَ فَقْدِ الْيَقِينِ يَقُومُ مَقَامَهُ ، وَتُعُقِّبَ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ : إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ ، فَأَثْبَتَ الْعِلَّةَ قَبْلَ الْحُكْمِ بِقَوْلِهِ : إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ، وَلَمْ يَكْتَفِ بِإِثْبَاتِ وَصْفِ النِّسْيَانِ حَتَّى دَفَعَ قَوْلَ مَنْ عَسَاهُ يَقُولُ لَيْسَ نِسْيَانُهُ كَنِسْيَانِنَا فَقَالَ : كَمَا تَنْسَوْنَ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَيْضًا يَرُدُّ قَوْلَ مَنْ قَالَ مَعْنَى قَوْلِهِ : مَا نَسِيتُ إِنْكَارٌ لِلَّفْظِ الَّذِي نَفَاهُ عَنْ نَفْسِهِ حَيْثُ قَالَ : إِنِّي لَا أَنْسَى وَلَكِنْ أُنَسَّى ، وَإِنْكَارُ اللَّفْظِ الَّذِي أَنْكَرَهُ عَلَى غَيْرِهِ بِقَوْلِهِ : بِئْسَمَا لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَقُولَ نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وَكَذَا ، وَتَعَقَّبُوا هَذَا أَيْضًا بِأَنَّ حَدِيثَ إِنِّي لَا أَنْسَى مِنْ بَلَاغَاتِ مَالِكٍ الَّتِي لَمْ تُوجَدْ مَوْصُولَةً ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَمِّ إِضَافَةِ نِسْيَانِ الْآيَةِ ذَمُّ إِضَافَةِ كُلِّ شَيْءٍ ، فَإِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ جِدًّا ، وَقِيلَ : قَوْلُهُ : وَمَا نَسِيتُ رَاجِعٌ إِلَى السَّلَامِ أَيْ سَلَّمْتُ قَصْدًا بَانِيًا عَلَى اعْتِقَادِي أَنِّي صَلَّيْتُ أَرْبَعًا وَهَذَا جَيِّدٌ ، فَإِنَّ ذَا الْيَدَيْنِ فَهِمَ الْعُمُومَ فَقَالَ : بَلَى قَدْ نَسِيتَ ، فَأَوْقَعَ قَوْلُهُ شَكًّا احْتَاجَ مَعَهُ إِلَى الِاسْتِثْبَاتِ مِنَ الْحَاضِرِينَ . ( فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى النَّاسِ فَقَالَ : أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ ؟ فَقَالُوا : نَعَمْ ، يَا رَسُولَ اللَّهِ ) صَدَقَ لَمْ تُصَلِّ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ إِيرَادُ مَنِ اسْتَشْكَلَ كَوْنَ ذِي الْيَدَيْنِ لَمْ يُقْبَلْ خَبَرُهُ بِمُفْرَدِهِ ، فَسَبَبُ التَّوَقُّفِ فِيهِ كَوْنُهُ أَخْبَرَ بِأَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ الْمَسْؤُولِ مُغَايِرٍ لِمَا فِي اعْتِقَادِهِ ، وَبِهَذَا أُجِيبَ عَمَّنْ قَالَ : مَنْ أَخْبَرَ بِأَمْرٍ حِسِّيٍّ بِحَضْرَةِ جَمْعٍ لَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ التَّوَاطُؤُ وَلَا حَامِلَ لَهُمْ عَلَى السُّكُوتِ عَنْهُ ، ثُمَّ لَمْ يُكَذِّبُوهُ أَنَّهُ يُقْطَعُ بِصِدْقِهِ ، فَإِنَّ سَبَبَ عَدَمِ الْقَطْعِ كَوْنُ خَبَرِهِ مُعَارَضًا بِاعْتِقَادِ الْمَسْؤولِ خِلَافَ مَا أَخْبَرَ بِهِ ، وَفِيهِ أَنَّ الثِّقَةَ إِذَا انْفَرَدَ بِزِيَادَةِ خَبَرٍ وَكَانَ الْمَحَلُّ مُتَّحِدًا وَمَنَعَتِ الْعَادَةُ غَفْلَتَهُمْ عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ . ( فَأَتَمَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا بَقِيَ من الصَّلَاةِ ثُمَّ سَلَّمَ ) قَالَ الْبَاجِيُّ : لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ شِهَابٍ فِي حَدِيثِهِ هَذَا سُجُودَ السَّهْوِ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَالْأَخْذُ بِالزَّائِدِ أَوْلَى إِذَا كَانَ رِوَايَةَ ثِقَةٍ . وَقَالَ أَبُو عُمَرَ : كَانَ ابْنُ شِهَابٍ أَكْثَرَ النَّاسِ بَحْثًا عَنْ هَذَا الشَّأْنِ فَكَانَ رُبَّمَا اجْتَمَعَ لَهُ فِي الْحَدِيثِ جَمَاعَةٌ فَحَدَّثَ بِهِ مَرَّةً عَنْهُمُ وَمَرَّةً عَنْ أَحَدِهِمْ وَمَرَّةً عَنْ بَعْضِهِمْ عَلَى قَدْرِ نَشَاطِهِ حِينَ تَحْدِيثِهِ ، وَرُبَّمَا أَدْخَلَ حَدِيثَ بَعْضِهِمْ فِي حَدِيثِ بَعْضٍ كَمَا صَنَعَ فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ وَغَيْرِهِ ، وَرُبَّمَا كَسَلَ فَلَمْ يُسْنِدْ ، وَرُبَّمَا انْشَرَحَ فَوَصَلَ وَأَسْنَدَ عَلَى حَسَبِ مَا تَأْتِي بِهِ الْمُذَاكَرَةُ ، فَلِذَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ، وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ رِوَايَتُهُ حَدِيثَ ذِي الْيَدَيْنِ رَوَاهُ عَنْهُ جَمَاعَةٌ ، فَمَرَّةً يَذْكُرُ فِيهِ وَاحِدًا وَمَرَّةً اثْنَيْنِ وَمَرَّةً جَمَاعَةً وَمَرَّةً جَمَاعَةً غَيْرَهَا ، وَمَرَّةً يَصِلُ وَمَرَّةً يَقْطَعُ ، اهـ .