221 حَدِيثٌ ثَانٍ وَخَمْسُونَ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَبِسَ خَمِيصَةً لَهَا عَلَمٌ ، ثُمَّ أَعْطَاهَا أَبَا جَهْمٍ ، وَأَخَذَ مِنْ أَبِي جَهْمٍ أَنْبِجَانِيَّةً لَهُ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَلِمَ ؟ فَقَالَ : إِنِّي نَظَرْتُ إِلَى عَلَمِهَا فِي الصَّلَاةِ . وَهَذَا أَيْضًا مُرْسَلٌ عِنْدَ جَمِيعِ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ ، إِلَّا مَعْنَ بْنَ عِيسَى ، فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ مُسْنَدًا ، وَكَذَلِكَ يَرْوِيهِ جَمَاعَةُ أَصْحَابِ هِشَامٍ ، عَنْ هِشَامٍ مُسْنَدًا عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ . وَقَدْ يَسْتَنِدُ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ ، عَنْ أُمِّهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ عَلْقَمَةَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَقَدْ رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ . فَأَمَّا حَدِيثُ هِشَامٍ فَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ لَهُ خَمِيصَةٌ لَهَا عَلَمٌ ، فَكَانَ يَتَشَاغَلُ بِهَا فِي الصَّلَاةِ ، فَأَعْطَاهَا أَبَا جَهْمٍ ، وَأَخَذَ كِسَاءً لَهُ أَنْبِجَانِيًّا . وَأَمَّا حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ فَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّيْبُلِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ صُبَيْحٍ وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَيْلِيُّ قَالَا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا عَلَمٌ ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ : شَغَلَتْنِي أَعْلَامُ هَذِهِ ، اذْهَبُوا بِهَا إِلَى أَبِي جَهْمٍ وَتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةٍ ، وَالْخَمِيصَةُ : كِسَاءٌ رَقِيقٌ يُصْبَغُ بِالْحُمْرَةِ ، أَوْ بِالسَّوَادِ ، أَوِ الصُّفْرَةِ ، وَكَانَتِ الْخَمَائِصُ مِنْ لِبَاسِ أَشْرَافِ النَّاسِ ، وَالأَنْبِجَانِيُّ : كِسَاءٌ غَلِيظٌ كَاللُّبَدِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : لَا تَكُونُ الْخَمِيصَةُ إِلَّا مُعَلَّمَةً ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : تَكُونُ بِعَلَمٍ وَبِغَيْرِ عَلَمٍ ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ عَلْقَمَةَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَبِسَ خَمِيصَةً لَهَا عَلَمٌ · ص 314 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارمرسل عروة في رواية حديث عائشة · ص 387 221 192 - وَذُكِرَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَبِسَ خَمِيصَةً لَهَا عَلَمٌ ، ثُمَّ أَعْطَاهَا أَبَا جَهْمٍ ، وَأَخَذَ مِنْ أَبِي جَهْمٍ أَنْبَجَانِيَّةً لَهُ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَلِمَ ؟ فَقَالَ : إِنِّي نَظَرْتُ إِلَى عَلَمِهَا فِي الصَّلَاةِ . 5562 - وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا عَلَمٌ ، فَقَالَ : شَغَلَنِي أَعْلَامُ هَذِهِ ، اذْهَبُوا بِهَا إِلَى أَبِي جَهْمٍ ، وَأَتُونِي بِأَنْبَجَانِيَّةٍ . 5563 - هَكَذَا هُوَ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ بِالتَّذْكِيرِ ، وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ أَنْبَجَانِيَّةَ لَهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ كِسَاءٌ أَنْبَجَانِيٌّ . 5564 - وَالْكِسَاءُ لَا يُؤَنَّثُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ خَمِيصَةً ، أَوْ شَمْلَةً ، أَوْ نَحْوَ هَذَا . 5565 - وَالْخَمِيصَةُ كِسَاءُ صُوفٍ رَقِيقٌ بِعَلَمِ أَكْثَرِ شَيْءٍ . 5566 - وَقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ عَلَمٍ ، وَالْخَمَائِصُ مِنْ لِبْسِ الْأَشْرَافِ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ ، وَقَدْ يَكُونُ الْعَلَمُ فِيهَا أَحْمَرَ وَأَصْفَرَ وَأَخْضَرَ . 5567 - وَأَمَّا الْأَنْبَجَانِيُّ فَكِسَاءُ صُوفٍ غَلِيظٌ لَا عَلَمَ فِيهِ . 5568 - وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : إِنَّمَا هُوَ كِسَاءٌ مَنْبَجَانِيٌّ ، قَالَ : وَلَا يُقَالُ : أَنْبَجَانِيٌّ ; لِأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إِلَى مَنْبَجَ . 5569 - قَالَ : وَفُتِحَتْ بَاؤُهُ فِي النَّسَبِ ; لِأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ مَنْظَرَانِيٍّ وَمَخْبَرَانِيٍّ . 5570 - وَقَالَ ثَعْلَبٌ : أَنْبَجَانِيٌّ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِهَا : كُلُّ مَا كَثُفَ وَالْتَفَّ . 5571 - قَالُوا : شَاةٌ أَنْبَجَانِيَّةٌ : أَيْ كَثِيرَةُ الصُّوفِ مُلْتَفَّتُهُ . 5572 - وَغَيْرُ ابْنِ قُتَيْبَةَ يَقُولُ : جَائِزٌ أَنْ يُقَالَ : أَنْبَجَانِيٌّ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ ; لِأَنَّ رُوَاتَهُ عَرَبٌ فُصَحَاءُ ، وَمِنَ الْأَنْسَابِ مَا يَجْرِي عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ مَسْمُوعٌ ، هَذَا لَوْ صَحَّ أَنَّهُ مَنْسُوبٌ إِلَى مَنْبَجَ . 5573 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ قَبُولُ الْهَدَايَا ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيَأْكُلُهَا ، وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ . 5574 - وَالْهَدِيَّةُ مِنْ أَفْعَالِ الْمُسْلِمِينَ الْكُرَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَالْفُضَلَاءِ ، وَيَسْتَحِبُّهَا الْعُلَمَاءُ مَا لَمْ يَسْلُكْ بِهَا سَبِيلَ الرِّشْوَةِ لِدَفْعِ حَقٍّ ، أَوْ تَحْقِيقِ بَاطِلٍ ، أَوْ أَخْذٍ عَلَى حَقٍّ يَجِبُ الْقِيَامُ بِهِ . 5575 - وَقَدْ أَوْضَحْنَا مَا يَجِبُ مِنَ الْهَدَايَا لِإِمَامِ الْمُسْلِمِينَ وَعُمَّالِهِ وَسَائِرِ النَّاسِ مِنْ قِبَلِ الْمُسْلِمِينَ ، وَمِنْ قِبَلِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْحَرْبِيِّينَ - فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ . 5576 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : نَظَرْتُ إِلَى عَلَمِهَا فِي الصَّلَاةِ فَكَادَ يَفْتِنُنِي - فَإِنَّ قَوْلَهُ : كَادَ يَفْتِنُنِي ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفِتْنَةَ لَمْ تَقَعْ . 5577 - وَكَادَ فِي اللُّغَةِ تُوجِبُ الْقُرْبَ ، وَتَدْفَعُ الْوُقُوعَ ; وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : لَا يَخْطَفُ الْبَرْقُ بَصَرَ أَحَدٍ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ . 5578 - وَالْفِتْنَةُ الَّتِي خَشِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَنْزِلَ بِهِ بِسَبَبِ تِلْكَ الْخَمِيصَةِ وَنَظَرِهِ إِلَى عَلَمِهَا - هُوَ الشُّغْلُ عَنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ بِمَا يَجِبُ فِيهَا مِنْ خُشُوعٍ وَعَمَلٍ ، وَفِكْرُهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ الْعَظِيمِ ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ . 5579 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ خَالِهِ مُسَافِعِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَيْبَةَ ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ ، عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ أَنَّهَا قَالَتْ لِعُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ : لِمَ دَعَاكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الْبَيْتِ ؟ فَقَالَ : قَالَ : إِنِّي رَأَيْتُ قَرْنَيِ الْكَبْشِ فِي الْبَيْتِ ، فَنَسِيتُ أَنْ آمُرَكَ أَنْ تُخَمِّرَهُمَا ; فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الْبَيْتِ شَيْءٌ يَشْغَلُ مُصَلِّيًا . 5580 - وَسُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ وَغَيْرِهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ فِي الْبَيْتِ شَيْءٌ يَشْغَلُ مُصَلِّيًا . 5581 - وَسُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ وَغَيْرِهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ فِي الْقِبْلَةِ شَيْءٌ مُعَلَّقٌ : مُصْحَفٌ ، أَوْ سَيْفٌ ، أَوْ نَحْوُهُ . 5582 - وَسُفْيَانُ عَنِ الْأَحْوَصِ بْنِ حَكِيمٍ ، عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ ، قَالَ : تَقَدَّمَ أَبُو الدَّرْدَاءِ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ بِحِمْصَ ، فَرَأَى فِي الْقِبْلَةِ عَرَقَةً ، فَقَالَ : غَطُّوا عَنَّا هَذِهِ الْعَرَقَةَ . 5583 - وَقَالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ : إِنَّمَا رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْخَمِيصَةَ إِلَى أَبِي جَهْمٍ ; لِأَنَّهُ كَرِهَهَا ، إِذْ كَانَتْ سَبَبَ غَفْلَةٍ ، وَشُغْلٍ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ، كَمَا قَالَ : اخْرُجُوا عَنْ هَذَا الْوَادِي الَّذِي أَصَابَتْكُمْ فِيهِ الْغَفْلَةُ ; فَإِنَّهُ وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ . 5584 - قَالَ ; وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَبْعَثُ إِلَى غَيْرِهِ مَا يَكْرَهُهُ لِنَفْسِهِ . 5585 - أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ لِعَائِشَةَ : لَا تَتَصَدَّقِي مِمَّا لَا تَأْكُلِينَ . 5586 - قَالَ : وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْوَى خَلْقِ اللَّهِ عَلَى دَفْعِ الْوَسْوَسَةِ ، وَلَكِنْ كَرِهَهَا لِلْغَفْلَةِ عَنِ الذِّكْرِ . 5587 - هَذَا كُلُّهُ قَوْلُ ابْنِ عُيَيْنَةَ . 5588 - وَمِمَّا قَدَّمْتُهُ فِيمَا ظَهَرَ إِلَيَّ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْحَدِيثِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - ; وَلِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا رَدَّ الْخَمِيصَةَ إِلَى مُهْدِيهَا بَعْدَ أَنْ أَعْلَمَهُمْ وَأَعْلَمَهُ بِمَا نَابَهُ فِيهَا - كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ يَسْتَحِبُّ لِبَاسَهَا فِي الصَّلَاةِ ; لِأَنَّهُ لَا مَحَالَةَ أَحْرَى بِأَنْ يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الشُّغْلِ بِهَا فِي صَلَاتِهِ فَوْقَ مَا خَشِيَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ذَلِكَ . 5589 - وَلِهَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - كَانَ إِخْبَارُهُمْ لَهُ بِمَا عَرَضَ لَهُ فِي صَلَاتِهِ بِالنَّظَرِ إِلَيْهَا . 5590 - وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِعْلَامُهُ بِمَا نَابَهُ فِي الْخَمِيصَةِ عِنْدَ رَدِّهَا إِلَى أَبِي جَهْمٍ لِتَطِيبَ نَفْسُهُ ، وَقَدْ ذَهَبَ عَنْهُ مَا لَا يَكَادُ يَنْفَكُّ مِنْهُ مَنْ رُدَّتْ هَدِيَّتُهُ عَلَيْهِ . 5591 - وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَاهِبَ وَالْمُهْدِي إِذَا رُدَّتْ عَلَيْهِ عَطِيَّتُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَرْجِعُ فِيهَا فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَقْبَلَهَا . 5592 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَائْتُوِنِي بِأَنْبَجَانِيَّةٍ لَهُ ، أَوْ بِأَنْبَجَانِيَّةٍ عَلَى الرِّوَايَةِ فِي ذَلِكَ - فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ رُدَّتْ عَلَيْهِ هَدِيَّتُهُ يَشُقُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، فَلِذَلِكَ أَنَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنْ أَخَذَ مِنْهُ كِسَاءً آخَرَ لَا عَلَمَ فِيهِ ; لِيَعْلَمَ أَنَّهُ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ هَدِيَّتَهُ اسْتِخْفَافًا بِهِ ، وَلَا قَلًى لَهُ ، وَلَا كَرَاهِيَةً لِكَسْبِهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 5593 - وَفِيهِ أَنَّ كُلَّ مَا يَشْغَلُ الْمَرْءَ فِي صَلَاتِهِ إِذَا لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ إِقَامَةِ فَرَائِضِهَا وَأَرْكَانِهَا لَا يُفْسِدُهَا وَلَا يُوجِبُ عَلَيْهِ إِعَادَتَهَا . 5594 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ حَدِيثَ أَنَسٍ ، قَالَ : كَانَ لِعَائِشَةَ قِرَامٌ قَدْ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ ; فَإِنَّهُ لَا تَزَالُ تَعْرِضُ لِي تَصَاوِيرُهُ فِي صَلَاتِي . 5595 - وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ الْمَدَنِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ مُعَاذًا الْقَارِئَ يَسْأَلُ أَبِي زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ عَنِ الرَّجُلِ يُصَلِّي ، وَالرَّجُلُ فِي قِبْلَتِهِ مُسْتَقْبِلَهُ بِوَجْهِهِ ، فَقَالَ : إِنِّي مَا أُبَالِي أَعَمُودٌ مِنْ عَمَدِ الْمَسْجِدِ اسْتَقْبَلَنِي فِي صَلَاتِي ، أَوِ اسْتَقْبَلَنِي رَجُلٌ ، إِنَّ الرَّجُلَ لَا يَقْطَعُ صَلَاةَ الرَّجُلِ . 5596 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِنَّمَا كَرِهَهُ مَنْ كَرِهَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَشْغَلَهُ النَّظَرُ إِلَيْهِ عَنْ شَيْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ ، وَرُبَّمَا كَانَ مِنْهُ مَا يَشْغَلُ الْمُصَلِّي الَّذِي يَسْتَقْبِلُهُ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب النَّظَرِ فِي الصَّلَاةِ إِلَى مَا يَشْغَلُكَ عَنْهَا · ص 362 219 - وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبِسَ خَمِيصَةً لَهَا عَلَمٌ ثُمَّ أَعْطَاهَا أَبَا جَهْمٍ وَأَخَذَ مِنْ أَبِي جَهْمٍ أَنْبِجَانِيَّةً لَهُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِمَ ؟ فَقَالَ : إِنِّي نَظَرْتُ إِلَى عَلَمِهَا فِي الصَّلَاةِ . 221 219 - ( مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ ) كَذَا أَرْسَلَهُ جَمِيعُ الرُّوَاةِ إِلَّا مَعْنُ بْنُ عِيسَى فَقَالَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَكَذَا قَالَ كُلُّ أَصْحَابِ هِشَامٍ عَنْ عَائِشَةَ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَبِسَ خَمِيصَةً لَهَا عَلَمٌ ) زَادَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ رِوَايَةِ وَكِيعٍ ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ : فَكَادَ يَتَشَاغَلُ بِهَا فِي الصَّلَاةِ ( ثُمَّ أَعْطَاهَا إِلَى أَبِي جَهْمٍ وَأَخَذَ مِنْ أَبِي جَهْمٍ أَنْبِجَانِيَّةً ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَخِفَّةِ الْجِيمِ فَأَلِفٍ فَنُونٍ فَيَاءٍ نِسْبَةُ كِسَاءٍ غَلِيظٍ لَا عَلَمَ لَهُ ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ : يَجُوزُ فَتْحُ هَمْزَتِهِ وَكَسْرُهَا وَكَذَا الْبَاءُ الْمُوَحَّدَةُ ، قَالَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ : الصَّوَابُ أَنَّ هَذِهِ النِّسْبَةَ إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ أَنْبِجَانَ لَا إِلَى مَنْبِجَ بِالْمِيمِ الْبَلَدِ الْمَعْرُوفِ بِالشَّامِ ، وَبِهِ رُدَّ قَوْلُ أَبِي حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيِّ : لَا يُقَالُ كِسَاءٌ أَنْبِجَانِيٌّ ، وَإِنَّمَا يُقَالُ مَنْبِجَانِيٌّ وَهَذَا مِمَّا يُخْطِئُ فِيهِ الْعَامَّةُ ، وَرَدَ أَيْضًا بِأَنَّ الصَّوَابَ أَنْبِجَانِيَّةٌ كَمَا فِي الْحَدِيثِ لِأَنَّهَا رِوَايَةُ عَرَبٍ فُصَحَاءَ ، وَمِنَ النَّسَبِ مَا لَا يَجْرِي عَلَى قِيَاسٍ لَوْ صَحَّ أَنَّهُ مَنْسُوبٌ إِلَى مَنْبِجَ ( لَهُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِمَ ) فَعَلْتَ هَذَا ؟ ( فَقَالَ : إِنِّي نَظَرْتُ إِلَى عَلَمِهَا فِي الصَّلَاةِ ) زَادَ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ : فَأَخَافُ أَنْ تَفْتِنَنِي ، وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْحَدِيثِ سُؤَالَيْنِ : أَحَدُهُمَا : كَيْفَ يَخَافُ الِافْتِتَانَ بِعَلَمٍ مَنْ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى الْأَكْوُنِ بِلَيْلَةِ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ؟ وَأَجَابَ بِأَنَّهُ كَانَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ خَارِجًا عَنْ طِبَاعِهِ فَأَشْبَهَ ذَلِكَ نَظَرَهُ مِنْ وَرَائِهِ ، فَإِذَا رُدَّ إِلَى طِبَاعِهِ أَثَّرَ فِيهِ مَا يُؤَثِّرُ فِي الْبَشَرِ . الثَّانِي : الْمُرَاقَبَةُ فِي الصَّلَاةِ شَغَلَتْ خَلْقًا مِنْ أَتْبَاعِهِ حَتَّى أَنَّهُ وَقَعَ السَّقْفُ إِلَى جَانِبِ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ وَلَمْ يَعْلَمْ . وَأَجَابَ بِأَنَّ أُولَئِكَ كَانُوا يُؤْخَذُونَ عَنْ طِبَاعِهِمْ فَيُغَيَّبُونَ عَنْ وُجُودِهِمْ ، وَكَانَ الشَّارِعُ يَسْلُكُ طَرِيقَ الْخَوَاصِّ وَغَيْرِهِمْ ، فَإِذَا سَلَكَ طَرِيقَ الْخَوَاصِّ عَبَرَ الْكُلَّ فَقَالَ : لَسْتُ كَأَحَدِكُمْ ، وَإِنْ سَلَكَ طَرِيقَ غَيْرِهِمْ قَالَ : إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ، فَرُدَّ إِلَى حَالَةِ الطَّبْعِ لِيُسْتَنَّ بِهِ فِي تَرْكِ كُلِّ شَاغِلٍ ، اهـ . وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَمُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ بِنَحْوِهِ .