425 حَدِيثٌ ثَانٍ لِأَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ مَالِكٌ ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ ، يَقُولُ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ، ثَائِرَ الرَّأْسِ ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ وَلَا نَفْقَهُ مَا يَقُولُ ، حَتَّى دَنَا ، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الْإِسْلَامِ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ، قَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ ؟ قَالَا : لَا ، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ ، قَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ ؟ قَالَ : لَا ، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ ، قَالَ : وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الزَّكَاةَ ، فَقَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا ؟ قَالَ : لَا ، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ ، قَالَ : فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ : وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، لَمْ يُخْتَلَفْ فِي إِسْنَادِهِ وَلَا فِي مَتْنِهِ ، إِلَّا أَنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ جَعْفَرٍ رَوَاهُ عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ نَافِعِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ مَعْنَاهُ سَوَاءً . وَقَالَ فِي آخِرِهِ : أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ - أَوْ - دَخَلَ الْجَنَّةَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ وَهَذِهِ لَفْظَةٌ إِنْ صَحَّتْ فَهِيَ مَنْسُوخَةٌ ; لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْحَلِفِ بِالْآبَاءِ وَبِغَيْرِ اللَّهِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا سَلَفَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ - قَالَا جَمِيعًا - : أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو سُهَيْلٍ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَائِرَ الرَّأْسِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ ؟ قَالَ : الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ ، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا ، قَالَ : أَخْبِرْنِي بِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصِّيَامِ ، قَالَ : صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ ، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ ، قَالَ : أَخْبِرْنِي بِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ ، فَقَالَ : وَالَّذِي أَكْرَمَكَ لَا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا غَيْرَهُ ، وَلَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ - أَوْ - دَخَلَ الْجَنَّةَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعْنَى حَدِيثِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ هَذَا ، مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ، وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَتَمِّ أَلْفَاظٍ وَأَكْمَلِ مَعَانٍ ، وَفِيهَا ذِكْرُ الْحَجِّ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَسَنَذْكُرُهَا بَعْدُ فِي هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ وَهَذَا يَقْتَضِي الْحَجَّ مَعَ مَا فِي حَدِيثِ طَلْحَةَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : خَمْسُ صَلَوَاتٍ فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْإِسْلَامِ تَقْتَضِي شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَالْإِيمَانَ بِاللَّهِ ، وَمَلَائِكَتِهِ ، وَكُتُبِهِ ، وَرُسُلِهِ ، ثُمَّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ ، وَالزَّكَاةَ ، وَصَوْمَ رَمَضَانَ ، وَالْحَجَّ . وَقَدْ مَضَى مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى الْإِسْلَامِ ، وَمَعْنَى الْإِيمَانِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَمِنَ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَسَدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ السَّكَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ : شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ، وَالْحَجِّ ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ . وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، وَحَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو الْمُعَافِرِيِّ ، أَنَّ بُكَيْرَ بْنَ الْأَشَجِّ حَدَّثَهُ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ رَجُلًا أَتَى ابْنَ عُمَرَ ، فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، مَا جعلك عَلَى الْحَجِّ عَامًا ، وَتُقِيمُ عَامًا ، وَتَتْرُكُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَقَدْ عَلِمْتَ مَا رَغَّبَ اللَّهُ فِيهِ ؟ فَقَالَ : يَا ابْنَ أَخِي ، بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ : إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ، وَالصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَصِيَامُ رَمَضَانَ وَأَدَاءُ الزَّكَاةِ وَحَجُّ الْبَيْتِ وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ ، وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ أَعْمِدَةَ الدِّينِ الَّتِي بُنِيَ عَلَيْهَا خَمْسٌ عَلَى مَا فِي خَبَرِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا ، إِلَّا أَنَّهُ جَاءَ عَنْ حُذَيْفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ خَبَرٌ يُخَالِفُ ظَاهِرُهُ خَبَرَ ابْنِ عُمَرَ هَذَا فِي الْإِسْلَامِ ، رَوَاهُ شُعْبَةُ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ ، قَالَ : الْإِسْلَامُ ثَمَانِيَةُ أَسْهُمٍ : الشَّهَادَةُ سَهْمٌ ، وَالصَّلَاةُ سَهْمٌ ، وَالزَّكَاةُ سَهْمٌ ، وَحَجُّ الْبَيْتِ سَهْمٌ ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ سَهْمٌ ، وَالْجِهَادُ سَهْمٌ ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ سَهْمٌ ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ سَهْمٌ ، وَقَدْ خَابَ مَنْ لَا سَهْمَ لَهُ . وَقَدْ ذَكَرْنَا فَرْضَ الْجِهَادِ وَمَا يَتَعَيَّنُ مِنْهُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ وَمَا مِنْهُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ ، وَأَنَّهُ لَا يَجْرِي مَجْرَى الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ - فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهِ ههنا . وَأَمَّا الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ ، فَلَيْسَ يَجْرِي أَيْضًا مَجْرَى الْخَمْسِ الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ; لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ وَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا ، وَهَوًى مُتَّبَعًا ، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيهِ ، فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ الْآيَةَ قَالُوا : إِذَا اخْتَلَفَتِ الْقُلُوبُ فِي آخِرِ الزَّمَنِ ، وَأُلْبِسَ النَّاسُ شِيَعًا ، وَأُذِيقَ بَعْضُهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ، وَكَانَ الْهَوَى مُتَّبَعًا ، وَالشُّحُّ مُطَاعًا ، وَأُعْجِبَ كُلُّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ ، فَحِينَئِذٍ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ ، وَقَدْ قِيلَ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ : لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ دِينِكُمْ - إِذَا أَدَّى الْجِزْيَةَ إِلَيْكُمْ وَهَذَا الِاخْتِلَافُ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ يُخْرِجُهَا مِنْ أَنْ تُجْرَى مَجْرَى الْخَمْسِ الَّتِي بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَيْهَا ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أَعْمِدَةَ الْإِسْلَامِ ثَلَاثَةٌ : الشَّهَادَةُ ، وَالصَّلَاةُ ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ . حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ شَعْبَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ وَسَعِيدُ بْنُ حَفْصٍ النَّجَّارِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَالِكٍ النُّكْرِيُّ ، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ حَمَّادٌ : لَا أَظُنُّهُ إِلَّا رَفَعَهُ ، قَالَ : عُرَى الْإِسْلَامِ وَقَوَاعِدُ الدِّينِ ثَلَاثَةٌ بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَيْهَا ، مَنْ تَرَكَ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً فَهُوَ حَلَالُ الدَّمِ : شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَالصَّلَاةُ ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : نَجِدُهُ كَثِيرَ الْمَالِ وَلَا يُزَكِّي ، فَلَا نَقُولُ لَهُ بِذَلِكَ : كَافِرٌ ، وَلَا حَلَالٌ دَمُهُ ، وَنَجِدُهُ كَثِيرَ الْمَالِ وَلَا يَحُجُّ ، فَلَا نَرَاهُ بِذَاكَ كَافِرًا وَلَا حل دَمُهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي حَدِيثِ مَالِكٍ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّهُ لَا فَرْضَ مِنَ الصَّلَاةِ إِلَّا الْخَمْسُ صلوات فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ، وَأَنَّهُ لَا فَرْضَ مِنَ الصِّيَامِ إِلَّا صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ ، وَفِيهِ أَنَّ الزَّكَاةَ فَرِيضَةٌ عَلَى حَسَبِ سُنَنِهَا الْمَعْلُومَةِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا وَفِي سَائِرِ كُتُبِنَا ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ الْحَجُّ ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَمَنْ قَبْلَهُ مِنْهُمْ : إِنَّ الْحَجَّ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ مُفْتَرَضًا ، وَإِنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ نَزَلَ فَرْضُهُ ، وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ زَعَمَ أَنَّ فَرْضَ الْحَجِّ عَلَى مَنِ اسْتَطَاعَ السَّبِيلَ إِلَيْهِ يَجِبُ فِي فَوْرِ الِاسْتِطَاعَةِ عَلَى حَسَبِ الْمُمْكِنِ ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ لَيْسَ فِيهَا لِمَالِكٍ جَوَابٌ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهَا الْمَالِكِيُّونَ : فَطَائِفَةٌ مِنْهُمْ قَالَتْ : وُجُوبُ الْحَجِّ عَلَى الْفَوْرِ ، وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْمَالِكِيِّينَ ، وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ : بَلْ ذَلِكَ عَلَى التَّرَاخِي ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَكْثَرُ الْمَالِكِيِّينَ مِنْ أَهْلِ الْمَغْرِبِ وَبَعْضِ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْهُمْ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ خُوَازِ بنْدَادْ الْبَصْرِيُّ الْمَالِكِيُّ ، وَلَهُ احْتَجَّ فِي كِتَابِ الْخِلَافِ ، وَجَاءَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْمَرْأَةِ تَكُونُ صَرُورَةً مُسْتَطِيعَةً عَلَى الْحَجِّ ، تَسْتَأْذِنُ زَوْجَهَا فِي ذَلِكَ فَيَأْبَى أَنْ يَأْذَنَ لَهَا ، هَلْ يُجْبَرُ عَلَى إِذْنٍ لَهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ وَلَكِنْ لَا يُعَجَّلُ عَلَيْهِ ، وَيُؤَخَّرُ الْعَامَ بَعْدَ الْعَامِ ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ مَالِكٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ عِنْدَهُ لَيْسَ عَلَى الْفَوْرِ ، بَلْ عَلَى التَّرَاخِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاخْتَلَفَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ فِي سَعَةٍ مِنْ تَأْخِيرِهِ أَعْوَامًا ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ، وَالشَّافِعِيِّ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْحَجِّ بَعْدَ الِاسْتِطَاعَةِ الْعَامَ بَعْدَ الْعَامِ وَلَمْ يُحَدَّ ، وَقَالَ سَحْنُونٌ - وَسُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَجِدُ مَا يَحُجُّ بِهِ فَيُؤَخِّرُ ذَلِكَ سِنِينَ كَثِيرَةً مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ - هَلْ يَفْسُقُ بِتَأْخِيرِهِ الْحَجَّ وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ ؟ قَالَ : لَا يَفْسُقُ ، وَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ ، وَإِنْ مَضَى مِنْ عُمْرِهِ سِتُّونَ سَنَةً ، فَإِنْ زَادَ عَلَى السِّتِّينَ فُسِّقَ وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ : إِنَّهُ يَفْسُقُ وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ إِذَا جَاوَزَ السِّتِّينَ غَيْرَ سَحْنُونٍ ، وَهَذَا تَوْقِيتٌ لَا يَجِبُ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ مِمَّنْ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ ، وَكُلُّ مَنْ قَالَ بِالتَّرَاخِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا يُحَدُّ فِي ذَلِكَ حَدًّا ، وَالْحُدُودُ فِي الشَّرْعِ لَا تُؤْخَذُ إِلَّا عَمَّنْ لَهُ أَنْ يُشَرِّعَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدِ اخْتَلَفَ فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَصْحَابُ مَالِكٍ وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ، إِلَّا أَنَّ جُمْهُورَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي ، وَهُوَ تَحْصِيلُ مَذْهَبِهِ . وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ شُرَيْحٍ - مُحْتَجًّا لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ لَيْسَ عَلَى الْفَوْرِ عِنْدَ الِاسْتِطَاعَةِ - قَالَ : وَجْهُ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ أَنَّا وَجَدْنَا الْمُسْلِمِينَ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا لَا يُفَسِّقُونَ مَنْ تَأَخَّرَ عَامًا أَوْ عَامَيْنِ بَعْدَ بُلُوغِهِ مَعَ اسْتِطَاعَتِهِ عَلَى الْحَجِّ ، وَلَا يُسْقِطُونَ شَهَادَتَهُ ، وَلَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ قَدْ تَرَكَ أَدَاءَ الْحَجِّ فِي وَقْتِهِ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ كَتَارِكِ الصَّلَاةِ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا فَيَكُونُ قَاضِيًا لَهَا بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا ، وَوَجَدْنَا هَذَا مِنْ شَأْنِهِمْ لَيْسَ مِمَّا يَحْدُثُ فِي عَصْرٍ دُونَ عَصْرٍ ، فَعَلِمْنَا أَنَّ ذَلِكَ مِيرَاثُ الْخَلَفِ عَنِ السَّلَفِ ، وَوَجَدْنَا فَرَائِضَ كَثِيرَةً سَبِيلُهَا كَسَبِيلِ الْحَجِّ فِي ذَلِكَ ، مِنْهَا : قَضَاءُ الصَّوْمِ ، وَالصَّلَاةِ ، فَلَمْ نَرَهُمْ ضَيَّقُوا عَلَى الْحَائِضِ إِذَا طَهُرَتْ فِي قَضَاءِ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا - وَلَهَا أَنْ تُؤَخِّرَهُ مَا دَامَ فِي وَقْتِهَا سَعَةٌ - وَلَا فِي قَضَاءِ مَا عَلَيْهَا مِنَ الصَّوْمِ ، وَلَا عَلَى الْمُسَافِرِ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ سَفَرِهِ ، وَكُلُّهُمْ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ هَجْمَةُ الْمَوْتِ . وَقَالَتْ عَائِشَةُ : إِنَّهُ لَيَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَقْضِيهِ حَتَّى يَدْخُلَ شَعْبَانُ ، فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ أُمُورٌ لَمْ يُضَيِّقْهَا الْمُسْلِمُونَ ، فَبَطَلَ بِذَلِكَ قَوْلُ مَنْ شَذَّ فَضَيَّقَهَا ، ثُمَّ نَظَرْنَا فِي أَمْرِ الْحَجِّ إِذَا أَخَّرَهُ الْمَرْءُ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ ، كَرَجُلٍ تَرَكَ أَنْ يَحُجَّ خَمْسِينَ سَنَةً - وَهُوَ مُسْتَطِيعٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ - فَوَجَدْنَا ذَلِكَ مُسْتَنْكَرًا لَا يَأْمُرُ بِذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا حَجَّ بَعْدَ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ لَمْ يَكُنْ قَاضِيًا لِلْحَجِّ كَقَضَاءِ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا ، فَقُلْنَا : الْوَقْتُ مَمْدُودٌ بَعْدُ وَإِنْ كَانَ قَدْ أُخِّرَ تَأْخِيرًا مُسْتَنْكَرًا ، فَإِذَا مَاتَ عَلِمْنَا أَنَّهُ قَدْ أَخَّرَ الْفَرْضَ حَتَّى فَاتَ بِمَوْتِهِ ، وَصَارَ الْمَوْتُ عَلَامَةً لِتَفْرِيطِهِ حِينَ فَاتَ وَقْتُ حَجِّهِ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَمَتَى يَكُونُ عَاصِيًا ؟ وَبِمَاذَا عَصَى ؟ قُلْنَا : أَمَّا الْمَعْصِيَةُ ، فَتَأْخِيرُهُ الْفَرْضَ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهُ ، وَيَقَعُ عِصْيَانُهُ بِالْحَالِ الَّتِي عَجَزَ فِيهَا مِنَ النُّهُوضِ إِلَى الْحَجِّ ، وَبَانَ ذَلِكَ بِالْمَوْتِ ، وَكَذَلِكَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ ، فَلْيَمُتْ يَهُودِيًّا إِنْ شَاءَ أَوْ نَصْرَانِيًّا . فَعَلَّقَ الْوَقْتَ بِالْمَوْتِ ، أَيْ : يَمُوتُ كَمَا يَمُوتُ الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ دُونَ أَنْ يَحُجَّ ، وَالنَّصْرَانِيُّ وَالْيَهُودِيُّ يَمُوتُ كَافِرًا بِكُفْرِهِ ، وَهَذَا يَمُوتُ عَاصِيًا بِتَرْكِهِ الْحَجَّ مُسْتَطِيعًا لَهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الَّذِي عِنْدِي فِي ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ إِذَا جَازَ لَهُ التَّأْخِيرُ وَكَانَ مُبَاحًا لَهُ وَهُوَ مَغِيبٌ عَنْهُ مَوْتُهُ ، فَلَمْ يَمُتْ عَاصِيًا إِذَا كَانَتْ نِيَّتُهُ مُنْعَقِدَةً عَلَى أَدَاءِ مَا وَجَبَ مِنْ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ كَمَنْ مَاتَ فِي آخِرِ وَقْتِ صَلَاةٍ لَمْ يَظُنَّ أَنَّهُ يَفُوتُهُ كُلُّ الْوَقْتِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ النَّاسِ لِسَحْنُونٍ بِمَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ الْمَأْثُورِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : مُعْتَرَكُ أُمَّتِي مِنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ ، وَقَلَّ مَنْ يُجَاوِزُ ذَلِكَ وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ كَلَامٌ خَرَجَ عَلَى الْأَغْلَبِ مِنْ أَعْمَارِ أُمَّتِهِ - لَوْ صَحَّ الْحَدِيثُ - وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى التَّوْسِعَةِ إِلَى السَّبْعِينَ ; لِأَنَّهُ مِنَ الْأَغْلَبِ أَيْضًا ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْطَعَ بِتَفْسِيقِ مَنْ صَحَّتْ عَدَالَتُهُ وَدِينُهُ وَأَمَانَتُهُ بِمِثْلِ هَذَا مِنَ التَّأْوِيلِ الضَّعِيفِ - وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ خَوَازِ بِنْدَادْ فِي جَوَازِ تَأْخِيرِ الْحَجِّ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْفَوْرِ - حَدِيثُ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ السَّعْدِيِّ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ، قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَهُ عَنِ الْإِسْلَامِ ، فَذَكَرَ الشَّهَادَةَ ، وَالصَّلَاةَ ، وَالزَّكَاةَ ، وَصَوْمَ رَمَضَانَ ، وَالْحَجَّ ، وَقَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا ؟ قَالَ : لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ الْحَدِيثَ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ مِنْ حَدِيثِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ فِي الْأَعْرَابِيِّ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ، إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ ذِكْرُ الْحَجِّ . وَقَدْ رَوَى حَدِيثَ ضِمَامٍ هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، وَفِيهَا كُلِّهَا ذِكْرُ الْحَجِّ ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ أَحْسَنُهَا سِيَاقَةً وَأَتَمُّهَا ، وَنَحْوُهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَاخْتَلَفَ فِي وَقْتِ قُدُومِهِ ، فَقِيلَ : قَدِمَ ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَنَةِ خَمْسٍ ، وَقِيلَ : فِي سَنَةِ سَبْعٍ ، وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ : سَنَةِ وَفْدِ أَكْثَرِ الْعَرَبِ . وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ قُدُومَ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَذْكُرِ الْعَامَ الَّذِي قَدِمَ فِيهِ . وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ : قَدِمَ ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ وَافِدُ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ عَامَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ انْصِرَافِ الْأَحْزَابِ ، فَأَسْلَمَ فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ قَدِمَ مِنْ وَفْدِ الْعَرَبِ ، وَيُقَالُ : أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ وَافِدًا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَالُ بْنُ الْحَارِثِ الْمُزَنِيُّ مِنْ وَفْدِ مُزَيْنَةَ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ - قِرَاءَةً مِنِّي عَلَيْهِ - قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ ، وَعُبَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْبَزَّارُ ، قَالَا : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ نُوَيْفِعٍ مَوْلَى الزُّبَيْرِ ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ضِمَامَ بْنَ ثَعْلَبَةَ أَخَا بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ لَمَّا أَسْلَمَ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ فَرَائِضِ الْإِسْلَامِ ، فَعَدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِنَّ ، ثُمَّ الزَّكَاةَ ، ثُمَّ صِيَامَ رَمَضَانَ ، ثُمَّ حَجَّ الْبَيْتِ ، ثُمَّ أَعْلَمَهُ بِمَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ، وَسَأَفْعَلُ مَا أَمَرَتْنِي بِهِ وَلَا أَزِيدُ وَلَا أَنْقُصُ ، ثُمَّ وَلَّى ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنْ يَصْدُقْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا حَمْزَةُ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا حَمْزَةُ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمَارَةَ حَمْزَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عُمَيْرٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي يَذْكُرُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : بَيْنَمَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ أَصْحَابِهِ ، جَاءَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ ، فَقَالَ : أَيُّكُمُ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ؟ قَالُوا : هَذَا الْأَمْغَرُ الْمُرْتَفِقُ ، قَالَ : إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشْتَدٌّ عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ ، قَالَ : سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ ، قَالَ : أَنْشُدُكَ بِرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ ، وَرَبِّ مَنْ بَعْدَكَ ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ ؟ قَالَ : اللَّهُمَّ نَعَمْ ، قَالَ : فَأَنْشُدُكَ بِاللَّهِ ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ؟ قَالَ : اللَّهُمَّ نَعَمْ ، قَالَ : أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْ أَمْوَالِ أَغْنِيَائِنَا فَتَرُدَّهُ عَلَى فُقَرَائِنَا ؟ قَالَ : اللَّهُمَّ نَعَمْ ، قَالَ : وَأَنْشُدُكَ بِاللَّهِ آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا ؟ قَالَ : اللَّهُمَّ نَعَمْ ، قَالَ : وَأَنْشُدُكَ بِاللَّهِ ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نَحُجَّ هَذَا الْبَيْتَ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ؟ قَالَ : اللَّهُمَّ نَعَمْ ، قَالَ : فَإِنِّي آمَنْتُ وَصَدَّقْتُ ، وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : الْأَمْغَرُ الْمُرْتَفِقُ ، يُرِيدُ : الْأَبْيَضَ الْمُتَّكِئَ ، وَالْأَمْغَرُ : هُوَ الَّذِي يَشُوبُ بَيَاضَهُ حُمْرَةٌ ، وَأَصْلُ الْأَمْغَرِ : الْأَبْيَضُ الْوَجْهِ وَالثَّوْبِ ، وَقَدْ يَكُونُ الْأَحْمَرُ كِنَايَةً عَنِ الْأَبْيَضِ كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ يُرِيدُ الْأَبْيَضَ وَالْأَسْوَدَ ، وَفِي خَبَرِ ضِمَامٍ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فَرْضَ الْحَجِّ قَدْ كَانَ تَقَدَّمَ قَبْلَ وَقْتِ وِفَادَتِهِ عَلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَأَنَّ ذَلِكَ قَدْ كَانَ اشْتَهَرَ ، وَانْتَشَرَ فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ ، وَظَهَرَ ظُهُورَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ الَّتِي كَانَ يَخْرُجُ فِيهَا السُّعَاةُ إِلَيْهِمْ وَيَأْخُذُونَهَا مِنْهُمْ عَلَى مِيَاهِهِمْ ، وَكَظُهُورِ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ ; لِأَنَّهُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ وَقَفَهُ وَسَأَلَهُ عَنْهُ ; لِتَقَدُّمِ عِلْمِ ضِمَامٍ بِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ دِينُهُ الَّذِي بُعِثَ بِهِ إِلَيْهِ يَدْعُو ، وَأَنَّهُ الْإِسْلَامُ وَمَعَانِيهِ وَشَرَائِعُهُ الَّتِي كَانَ يُقَاتِلُ مَنْ أَبَى مِنْهَا ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ بِأَكْمَلِ سِيَاقَةٍ مِنْ حَدِيثِ طَلْحَةَ ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شَبَّابَةُ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ : قَالَ : كُنَّا قَدْ نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ الْعَاقِلُ فَيَسْأَلَهُ وَنَحْنُ نَسْمَعُ ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ مَنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، أَتَانَا رَسُولُكَ فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَكَ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَدَقَ ، فَقَالَ : مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ ؟ قَالَ : اللَّهُ ، قَالَ : فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ ؟ قَالَ : اللَّهُ ، قَالَ : فَمَنْ نَصَبَ الْجِبَالَ ؟ قَالَ : اللَّهُ ، قَالَ : فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ ، وَخَلَقَ الْأَرْضَ ، وَنَصَبَ الْجِبَالَ ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِنَا ، قَالَ : صَدَقَ ، قَالَ : فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ ، وَخَلَقَ الْأَرْضَ ، وَنَصَبَ الْجِبَالَ ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا صَوْمَ شَهْرٍ فِي سَنَتِنَا ، قَالَ : صَدَقَ ، قَالَ : فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ ، وَخَلَقَ الْأَرْضَ ، وَنَصَبَ الْجِبَالَ ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا الْحَجَّ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ؟ قَالَ : صَدَقَ ، قَالَ : فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ وَخَلَقَ الْأَرْضَ ، وَنَصَبَ الْجِبَالَ ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا ؟ قَالَ : نَعَمْ فَقَالَ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ ، لَا أَزِيدُ عَلَيْهَا شَيْئًا وَلَا أَنْقُصُ مِنْهَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنْ صَدَقَ دَخَلَ الْجَنَّةَ . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا غُلَامَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَعَلَيْكَ ، فَقَالَ : إِنِّي رَجُلٌ مِنْ أَخْوَالِكَ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ، وَأَنَا رَسُولُ قَوْمِي إِلَيْكَ وَوَافِدُهُمْ ، وَأَنَا سَائِلُكَ فَمُشْتَدَّةٌ مَسْأَلَتِي إِيَّاكَ ، وَنَاشِدُكَ فَمُشْتَدَّةٌ مُنَاشَدَتِي إِيَّاكَ قَالَ : قُلْ يَا أَخَا بَنِي سَعْدٍ ، قَالَ : مَنْ خَلَقَكَ وَهُوَ خَالِقُ مَنْ قَبْلَكَ وَخَالِقُ مَنْ بَعْدَكَ ؟ قَالَ : اللَّهُ ، قَالَ : فَنَشَدْتُكَ بِذَلِكَ أَهْوَ أَرْسَلَكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرْضِينَ السَّبْعَ وَأَجْرَى بَيْنَهُنَّ الرِّزْقَ ؟ قَالَ : اللَّهُ ، قَالَ : فَأَنْشُدُكَ بِذَلِكَ أَهْوَ أَرْسَلَكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : وَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا فِي كِتَابِكَ ، وَأَتَتْنَا رُسُلُكَ أَنْ نُصَلِّيَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ لِمَوَاقِيتِهَا ، فَأَنْشُدُكَ بِذَلِكَ أَهُوَ أَمَرَكَ بِهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا فِي كِتَابِكَ ، وَأَتَتْنَا رُسُلُكَ أَنْ نَأْخُذَ مِنْ حَوَاشِي أَمْوَالِنَا فَتُرَدَّ عَلَى فُقَرَائِنَا فَنَشَدْتُكَ بِذَلِكَ أَهْوَ أَمَرَكَ بِذَلِكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : وَوَجَدْنَا فِي كِتَابِكَ ، وَآتَتْنَا رُسُلُكَ أَنْ نَصُومَ شَهْرًا مِنَ السَّنَةِ - شَهْرَ رَمَضَانَ - فَنَشَدْتُكَ بِذَلِكَ آللَّهُ أَمَرَكَ بِهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، ثُمَّ قَالَ : وَأَمَّا الْخَامِسَةُ - يَعْنِي الْحَجَّ - فَلَسْتُ أَسْأَلُكَ عَنْهَا ، قَالَ : ثُمَّ قَالَ : أَمَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ ، لَأَعْمَلَنَّ بِهَا ، وَلِآمُرَنَّ مَنْ أَطَاعَنِي مِنْ قَوْمِي ، ثُمَّ رَجَعَ ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ، ثُمَّ قَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ صَدَقَ لِيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كُلِّهَا ذِكْرُ الْحَجِّ ، وَهِيَ أَحَادِيثُ ثَابِتَةٌ حِسَانٌ صَحِيحَةٌ ، وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَأَمَّا الْخَامِسَةُ فَلَا أَسْأَلُكَ عَنْهَا يَعْنِي الْحَجَّ بَعْدَ أَنْ جَعَلَهَا خَامِسَةً ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ وَدِينَهُ عَلَى خَمْسَةِ أَعْمِدَةٍ عِنْدَهُ ، فَمِنْهَا الْحَجُّ ، وَالْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ ذَلِكَ : أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَعْرِفُ الْحَجَّ ، وَتَحُجُّ كُلَّ عَامٍ فِي الْأَغْلَبِ ، فَلَمْ يَرَ فِي ذَلِكَ مَا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الْمُنَاشَدَةِ ، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا تَرْغَبُ فِيهِ الْعَرَبُ لِأَسْوَاقِهَا وَتُبَرِّرُهَا وَتُحَنِّفُهَا ، فَلَمْ يَحْتَجْ فِي الْحَجِّ إِلَى مَا احْتَاجَ فِي غَيْرِهِ مِنَ السُّؤَالِ وَالْمُنَاشَدَةِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَأَظُنُّ سُقُوطَ ذِكْرِ الْحَجِّ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ - حَدِيثَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، كَانَ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَلَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدُ رُوَاتِهِ فِيهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ الْحَجِّ : إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَرْكِ تَفْسِيقِ الْقَادِرِ عَلَى الْحَجِّ إِذَا أَخَّرَهُ الْعَامَ وَالْعَامَيْنِ وَنَحْوَهُمَا ، وَأَنَّهُ إِذَا حَجَّ بَعْدَ أَعْوَامٍ مِنْ حِينِ اسْتِطَاعَتِهِ فَقَدْ أَدَّى الْحَجَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ فِي وَقْتِهِ ، وَلَيْسَ عِنْدَ الْجَمِيعِ كَمَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا فَقَضَاهَا بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا ، وَلَا كَمَنْ فَاتَهُ صِيَامُ رَمَضَانَ ; لِمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ فَقَضَاهُ ، وَلَا عَمَّنْ أَفْسَدَ حَجَّهُ فَلَزِمَهُ قَضَاؤُهُ ، فَلَمَّا أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يُقَالُ لِمَنْ حَجَّ بَعْدَ أَعْوَامٍ مِنْ وَقْتِ اسْتِطَاعَتِهِ : أَنْتَ قَاضٍ لِمَا كَانَ وَجَبَ عَلَيْكَ ، وَلَمْ يَأْتِ بِالْحَجِّ وَفِي وَقْتِهِ - عَلِمْنَا أَنَّ وَقْتَ الْحَجِّ مُوَسَّعٌ فِيهِ ، وَأَنَّهُ عَلَى التَّأْخِيرِ وَالتَّرَاخِي ، لَا عَلَى الْفَوْرِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَمِمَّا نَزَعَ بِهِ مَنْ رَآهُ عَلَى التَّرَاخِي ، مَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ أَمْرِ الْحَجِّ فِي سُورَةِ الْحَجِّ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ ، وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ، وَنَزَلَتْ فِي عَامِ أُحُدٍ ، وَذَلِكَ سَنَةَ ثَلَاثٍ مِنَ الْهِجْرَةِ ، وَلَمْ يَحُجَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا سَنَةَ عَشْرٍ ، فَإِنْ قِيلَ : إِنَّ مَكَّةَ كَانَتْ مَمْنُوعَةً مِنْهُ وَمِنَ الْمُسْلِمِينَ ، قِيلَ : قَدِ افْتَتَحَهَا سَنَةَ ثَمَانٍ فِي رَمَضَانَ ، وَلَمْ يَحُجَّ حَجَّتَهُ الَّتِي لَمْ يَحُجَّ بَعْدَ فَرْضِ الْحَجِّ عَلَيْهِ غَيْرَهَا إِلَّا فِي سَنَةِ عَشْرٍ ، وَأَمَرَ عَتَّابَ بْنَ أُسَيْدٍ إِذْ وَلَّاهُ مَكَّةَ سَنَةَ ثَمَانٍ أَنْ يُقِيمَ الْحَجَّ لِلنَّاسِ ، وَبَعَثَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سَنَةَ تِسْعٍ فَأَقَامَ لِلنَّاسِ الْحَجَّ وَحَجَّ هُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَنَةَ عَشْرٍ مِنَ الْهِجْرَةِ ، فَصَادَفَ الْحَجَّ فِي ذِي الْحِجَّةِ ، وَأَخْبَرَ أَنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، وَأَنَّ الْحَجَّ فِي ذِي الْحِجَّةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ; إِبْطَالًا لِمَا كَانَتِ الْعَرَبُ فِي جَاهِلِيَّتِهَا عَلَيْهِ فِي تَأْخِيرِ الْحَجِّ الْمنسئ الَّذِي كَانُوا يُنْسِئُونَهُ لَهُ عَامًا بَعْدَ عَامٍ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا الْآيَةَ . نَقَلَتْ ذَلِكَ كُلَّهُ الْكَافَّةُ ، لَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ ، وَاسْتَقَرَّ الْحَجُّ مِنْ حِجَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذِي الْحِجَّةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ : وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ فَفِيهِ دَلِيلٌ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - عَلَى أَنَّ مَنْ أَدَّى فَرَائِضَ اللَّهِ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ إِذَا اجْتَنَبَ مَحَارِمَهُ ; لِأَنَّ الْفَلَاحَ مَعْنَاهُ الْبَقَاءُ فِي نَعِيمِ الْجَنَّةِ الَّتِي أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا ، وَفَاكِهَتُهَا لَا مَقْطُوعَةٌ وَلَا مَمْنُوعَةٌ ، وَعَلَى أَدَاءِ فَرَائِضِ اللَّهِ وَاجْتِنَابِ مَحَارِمِهِ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْجَنَّةِ ، وَاللَّهُ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ . كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ : أَلَا إِنَّ أَفْضَلَ الْفَضَائِلِ أَدَاءُ الْفَرَائِضِ وَاجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ . وَشَكَا رَجُلٌ إِلَى سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ بِاللَّيْلِ ، فَقَالَ لَهُ : يَا ابْنَ أَخِي ، لَا تَعْصِ اللَّهَ بِالنَّهَارِ ، تَسْتَغْنِ عَنِ الْقِيَامِ بِاللَّيْلِ . وَأَصْلُ الْفَلَاحِ فِي اللُّغَةِ : الْبَقَاءُ وَالدَّوَامُ ، قَالَ الشَّاعِرُ : لِكُلِّ هَمٍّ مِنَ الْأُمُورِ سَعَهْ وَالْمُسْيُ وَالصُّبْحُ لَا فَلَاحَ مَعَهُ أَيْ : لَا بَقَاءَ مَعَهُ . وَقَالَ لَبِيدٌ : اعْقِلِي إِنْ كُنْتِ لَمَّا تَعْقِلِي وَلَقَدْ أَفْلَحَ مَنْ كَانَ عَقِلْ وَقَالَ الرَّاجِزُ : لَوْ كَانَ حَيٌّ مُدْرِكَ الْفَلَاحِ أَدْرَكَهُ مُلَاعِبُ الرِّمَاحِ أَيْ : لَوْ كَانَ أَحَدٌ يَبْقَى وَلَا يَمُوتُ لَكَانَ ذَلِكَ مُلَاعِبَ الْأَسِنَّةِ - وَهُوَ أَبُو الْبَرَاءِ عَامِرُ بْنُ مَالِكٍ . وَمِنَ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا ، قَوْلُ الْمُؤَذِّنِ : حَيِّ عَلَى الْفَلَاحِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَقَوْلُهُ : أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الثَّانِي جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرَ الرَّأْسِ · ص 157 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرَ الرَّأْسِ يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ · ص 356 425 ( 25 ) بَابُ جَامِعِ التَّرْغِيبِ فِي الصَّلَاةِ . 399 - مَالِكٌ ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ يَقُولُ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرَ الرَّأْسِ ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ وَلَا نَفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَى ، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الْإِسْلَامِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ قَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ ؟ قَالَ : لَا ، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ قَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ ؟ قَالَ : لَا . إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ قَالَ : وَذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الزَّكَاةَ . فَقَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا ؟ قَالَ : لَا . إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ قَالَ : فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ : وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا ، وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْلَحَ الرَّجُلُ ، إِنْ صَدَقَ . 9356 - وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ طَلْحَةَ ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَائِرَ الرَّأْسِ ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ ؟ قَالَ : الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ ، قَالَ : فَأَخْبِرْنِي بِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصِّيَامِ ؟ قَالَ : صِيَامَ شَهْرِ رَمَضَانَ إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ ، قَالَ أَخْبِرْنِي بِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ ؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ ، فَقَالَ : وَالَّذِي أَكْرَمَكَ لَا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا وَلَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَفْلَحَ وَاللَّهِ إِنْ صَدَقَ ، أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَاللَّهِ إِنْ صَدَقَ . 9357 - قَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ أَنَّ قَوْلَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : وَأَبِيهِ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ . 9358 - وَذَكَرْنَا إِسْنَادَهُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ مَنْ طُرُقٍ . 9359 - وَهَذَا الْأَعْرَابِيُّ النَّجْدِيُّ هُوَ ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ السَّعْدِيُّ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ، رَوَى حَدِيثَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَأَنَسٌ بِمَعَانٍ مُتَّفِقَةٍ وَأَلْفَاظٍ مُتَقَارِبَةٍ ، كُلُّهَا أَكْمَلُ مِنْ حَدِيثِ طَلْحَةَ هَذَا ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا بِطُرُقِهَا فِي التَّمْهِيدِ وَفِيهَا ذِكْرُ الْحَجِّ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ ، وَفِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ . وَشَرَائِعُ الْإِسْلَامِ فِيهَا الْحَجُّ لَا شَكَّ فِيهِ . 9360 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ وَصْفَ الْإِنْسَانِ بِبَعْضِ مَا فِيهِ مِنْ خِلْقَتِهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَحْمُودَةً فَلَيْسَ بِغَيْبَةٍ إِذَا لَمْ يَقْصِدِ الْوَاصِفُ عَيْبَهُ . 9361 - وَفِيهَا أَيْضًا مِنَ الْفِقْهِ : أَلَّا فَرْضَ مِنَ الصَّلَوَاتِ إِلَّا خَمْسَ ، وَفِي ذَلِكَ رَدُّ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ . 9362 - وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّ اللَّهَ زَادَكُمْ صَلَاةً إِلَى صَلَاتِكُمْ وَهِيَ الْوِتْرُ . 9363 - وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ زَادَنَا فِي أَعْمَالِنَا الَّتِي نُؤْجَرُ عَلَيْهَا فَضِيلَةً وَنَافِلَةً بِقَوْلِهِ : زَادَكُمْ وَزَادَ لَكُمْ وَلَمْ يَقُلْ : زَادَ عَلَيْكُمْ ، وَمَا لَنَا هُوَ خِلَافٌ لِمَا عَلَيْنَا . 9364 - وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَلَوْ كَانَتْ سِتًّا لَمْ تَكُنْ فِيهِنَّ وَسَطًا . 9365 - وَدَلِيلٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُوتِرُ فِي سَفَرِهِ عَلَى رَاحِلَتِهِ ، وَكَانَ يُصَلِّي الْفَرِيضَةَ بِالْأَرْضِ . 9366 - وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي بَابِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ . 9367 - وَالْآثَارُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّ الصَّلَوَاتِ خَمْسٌ كَثِيرَةٌ . 9368 - مِنْهَا حَدِيثُ عُبَادَةَ : خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ . 9369 - وَمِنْهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ : الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ كَمَثَلِ نَهْرٍ . . . . الْحَدِيثَ . 9370 - وَمِنْهَا حَدِيثُ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ . . . . . . الْحَدِيثَ . 9371 - وَمِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ وَفِيهِ ذِكْرُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ . 9372 - وَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : الْوِتْرُ لَيْسَ بِحَتْمٍ كَالصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ ، وَلَكِنَّهَا سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 9373 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْخَبَرَ عَنْهُ بِذَلِكَ فِيمَا سَلَفَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَطُرُقًا عَنْهُ فِي التَّمْهِيدِ . 9374 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا مِنَ الْفِقْهِ : أَنْ لَا فَرْضَ مِنَ الصِّيَامِ إِلَّا شَهْرَ رَمَضَانَ ، وَهَذَا أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ . 9375 - وَفِيهِ : أَنَّ الزَّكَاةَ فَرِيضَةٌ ، وَهُوَ أَمْرٌ أَيْضًا لَا اخْتِلَافَ فِي جُمْلَتِهِ لَكِنْ فِي تَفْصِيلِهِ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ سَيَأْتِي فِي أَبْوَابِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 9376 - وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ذِكْرُ الْحَجِّ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَأَنَسٌ ، فِي حَدِيثِ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ . 9377 - وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِطُرُقِهِ فِي التَّمْهِيدِ . 9378 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ : فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الْإِسْلَامِ ، وَفِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ ، فَإِنَّ الْإِسْلَامَ بُنِيَ عَلَى خَمْسٍ . رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامُ الصَّلَاةِ ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ ، وَالْحَجُّ ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ . 9379 - وَقَدْ ذَكَرْنَا خَبَرَ ابْنِ عُمَرَ هَذَا فِي التَّمْهِيدِ . 9380 - وَالْعُلَمَاءُ يُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ أَعْمِدَةَ الدِّينِ وَأَرْكَانَهُ الَّتِي بُنِيَ عَلَيْهَا خَمْسٌ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا وَهُوَ : الدِّينُ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ . 9381 - وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ ، وَمَا لِعُلَمَاءِ الْأُمَّةِ فِي ذَلِكَ فِي الْمَذَاهِبِ وَالتَّنَازُعِ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 9382 - وَلَا أَعْلَمُ بِهَذَا الْمَعْنَى حَدِيثًا يُخَالِفُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ : بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ ، إِلَّا مَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : عُرَى الْإِسْلَامِ ثَلَاثٌ بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَيْهَا مَنْ تَرَكَ مِنْهَا وَاحِدَةً فَهُوَ حَلَالُ الدَّمِ : شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَالصَّلَاةُ ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ . 9383 - ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : تَجِدُهُ كَثِيرَ الْمَالِ وَلَا يُزَكِّي فَلَا نَرَاهُ بِذَلِكَ كَافِرًا وَلَا يَحِلُّ بِذَلِكَ دَمُهُ ، وَتَجِدُهُ كَثِيرَ الْمَالِ وَلَا يَحُجُّ فَلَا يَحِلُّ بِذَلِكَ دَمُهُ ، وَلَا نَرَاهُ بِذَلِكَ كَافِرًا . 9384 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَلِيٌّ الْعَامِرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ شَعْبَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ سَعِيدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْبُخَارِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَالِكٍ الْبَكْرِيُّ ، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ حَمَّادٌ : وَلَا أَظُنُّهُ إِلَّا رَفَعَهُ ، قَالَ : عُرَى الْإِسْلَامِ . . . . . . . . . . . . فَذَكَرَهُ . 9385 - وَجَاءَ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ قَالَ : الْإِسْلَامُ ثَمَانِيَةُ أَسْهُمٍ : الشَّهَادَةُ سَهْمٌ ، وَالصَّلَاةُ سَهْمٌ ، وَالزَّكَاةُ سَهْمٌ ، وَحَجُّ الْبَيْتِ سَهْمٌ ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ سَهْمٌ ، وَالْجِهَادُ سَهْمٌ ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ سَهْمٌ ، وَالنَّهْي عَنِ الْمُنْكَرِ سَهْمٌ ، وَقَدْ خَابَ مَنْ لَا سَهْمَ لَهُ . 9386 - رَوَاهُ شُعْبَةُ وَالثَّوْرِيُّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ . 9387 - وَأَمَّا فَرْضُ الْجِهَادِ وَتَقْسِيمُهُ عَلَى التَّعْيِينِ وَالْكِفَايَةِ فَسَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 9388 - وَأَمَّا الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا فَإِنَّهُ لَيْسَ يَجْرِي مَجْرَى الْخَمْسِ الَّتِي عَلَيْهَا بُنِيَ الْإِسْلَامُ ، لِقَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا ، وَهَوًى مُتَّبَعًا ، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيهِ ، فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ . 9389 - وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّ تَأْوِيلَ هَذِهِ الْآيَةِ : إِذَا اخْتَلَفَتِ الْقُلُوبُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أُلْبِسَ النَّاسُ شِيَعًا ، وَأُذِيقَ بَعْضُهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ، وَكَانَ الْهَوَى مُتَّبَعًا ، وَالشُّحُّ مُطَاعًا ، وَأُعْجِبَ ذُو الرَّأْيِ بِرَأْيِهِ . 9390 - وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَمَّادٍ الْعَسْكَرِيُّ ، وَقَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ ذَكَوَيْهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْخَلِيلُ بْنُ يَزِيدَ بِمَكَّةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ عِيسَى أَبُو الْحُمَيْدِيِّ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَتَى لَا نَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا نَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ ؟ قَالَ : إِذَا كَانَ الْبُخْلُ فِي كِبَارِكُمْ وَالْعِلْمُ فِي رُذَالِكُمْ ، وَالِادِّهَانُ فِي خِيَارِكُمْ ، وَالْمُلْكُ فِي صِغَارِكُمْ . 9391 - وَقَدْ ذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مَنْ طُرُقٍ فِي كِتَابِ جَامِعِ بَيَانِ الْعَلَمِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 9392 - وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَطَائِفَةٍ ، أَنَّهُمْ قَالُوا فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ قَالُوا : أَقْبِلُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ دِينِكُمْ إِذَا أَدَّوُا الْجِزْيَةَ . 9393 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَلِهَذَا قُلْنَا : إِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَإِنْ كَانَ فَرْضًا عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ ، فَلَيْسَ يَجْرِي مَجْرَى الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ; لِأَنَّهَا مَا لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ جُمْلَتِهَا . 9394 - وَقَالَ مَنْ ذَهَبَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ إِلَى أَنَّ الْحَجَّ عَلَى الْفَوْرِ : لَمْ يَكُنِ الْحَجُّ مُفْتَرَضًا فِي حِينِ سُؤَالِ هَذَا الْأَعْرَابِيِّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْإِسْلَامِ وَشَرَائِعِهِ ، وَهَذَا لَا مَعْنَى لَهُ ; لِأَنَّ الْأَعْرَابِيَّ هُوَ ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ، وَفِي خَبَرِهِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَنَسٍ ، ذِكْرُ الْحَجِّ وَكَانَ قُدُومُهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا زَعَمَ أَهْلُ السِّيَرِ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الْهِجْرَةِ ، وَلَيْسَ مَنْ قَصَّرَ عَنْ حِفْظِ الْحَجِّ فِي ذَلِكَ الْخَبَرِ بِحُجَّةٍ عَلَى مَنْ حَفِظَهُ . 9395 - وَقَدِ اخْتَلَفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَصْحَابُ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا عَلَى الْفَوْرِ ، وَالْآخِرُ عَلَى التَّرَاخِي . 9396 - وَسَنُبَيِّنُ أَقْوَالَهُمْ وَوُجُوهَهَا فِي كِتَابِ الْحَجِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 9397 - وَفِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : لَا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ نَدْبٌ إِلَى التَّطَوُّعِ ، كَأَنَّهُ قَالَ : مَا عَلَيْكَ فَرْضٌ إِلَّا الْخَمْسَ وَلَكِنْ إِنْ تَطَوَّعَتْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ ، وَكَذَلِكَ الصِّيَامُ ، وَالْحَجُّ ، وَالْعُمْرَةُ ، وَالْجِهَادُ . 9398 - وَفِي فَضَائِلَ ذَلِكَ كُلِّهِ مَا يَضِيقُ الْكِتَابُ عَنْ مَثَلِهِ . 9399 - وَفِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ : أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ بَعْدَ قَوْلِهِ : لَا أَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَدَّى فَرْضَ اللَّهِ وَاجْتَنَبَ مَحَارِمَ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنَ الْكَبَائِرِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ ; لِأَنَّ الصَّغَائِرَ قَدْ وَعَدَ اللَّهُ غُفْرَانَهَا بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ ، وَوَعَدَ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا آمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ ، وَأَدُّوا مَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، وَاجْتَنَبُوا كَبَائِرَ مَا يُنْهَوْنَ عَنْهُ أَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ . 9400 - قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا 9401 - أَتَى رَجُلٌ إِلَى سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ لَهُ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، أَشْكُو إِلَيْكَ أَنِّي لَا أَقْدِرُ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ ، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ : يَا أَخِي ، لَا تَعْصِ اللَّهَ بِالنَّهَارِ تَسْتَعِينُ عَلَى الْقِيَامِ بِاللَّيْلِ . 9402 - وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ : أَلَا إِنَّ أَفْضَلَ الْفَضَائِلِ أَدَاءُ الْفَرَائِضِ ، وَاجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ . 9403 - وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ فَمَعْنَاهُ : فَازَ بِالْبَقَاءِ الدَّائِمِ فِي الْخَيْرِ وَالنَّعِيمِ وَهِيَ الْجَنَّةُ لَا يَبِيدُ نَعِيمُهَا . 9404 - وَالْفَلَاحُ وَالْبَقَاءُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ : حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ . 9405 - قَالَ الْأَضْبَطُ بْنُ قُرَيْعٍ : لِكُلِّ ضِيقٍ مِنَ الْأُمُورِ سَعَهْ وَالْمُسْيُ وَالصُّبْحُ لَا فَلَاحَ مَعَهْ أَيْ لَا بَقَاءَ مَعَهُ . 9406 - وَقَالَ الْآخَرُ : لَوْ كَانَ حَيٌّ مُدْرِكَ الْفَلَاحِ أَدْرَكَهُ مُلَاعِبُ الرِّمَاحِ . 9407 - وَقَالَ لَبِيَدٌ : أَعْقِلِي إِنْ كُنْتِ لَمَّا تَعْقِلِي فَلَقَدْ أَفْلَحَ مَنْ كَانَ عَقَلْ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب جَامِعِ التَّرْغِيبِ فِي الصَّلَاةِ · ص 604 25 - بَاب جَامِعِ التَّرْغِيبِ فِي الصَّلَاةِ 426 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ يَقُولُ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّأْسِ يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ وَلَا نَفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا ، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنْ الْإِسْلَامِ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ، قَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ ؟ قَالَ : لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ قَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ ؟ قَالَ : لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ قَالَ : وَذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزَّكَاةَ فَقَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا ؟ قَالَ : لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ ، قَالَ : فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ : وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَفْلَحَ الرَّجُلُ إِنْ صَدَقَ . 25 - بَابُ جَامِعِ التَّرْغِيبِ فِي الصَّلَاةِ . 425 426 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ ) بِضَمِّ السِّينِ نَافِعِ ( ابْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ ) مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ الْأَصْبَحِيِّ ( أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ ابْنِ عُثْمَانَ الْقُرَشِيَّ التَّيْمِيَّ ، أَحَدُ الْعَشْرَةِ ( يَقُولُ : جَاءَ رَجُلٌ ) ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَابْنُ بَطَّالٍ ، وَعِيَاضٌ ، وَابْنُ الْعَزْلِيِّ ، وَالْمُنْذِرِيُّ وَغَيْرُهُمْ : هُوَ ضَمَانُ بْنُ ثَعْلَبَةَ وَافِدُ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَالْحَامِلُ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ إِيرَادُ مُسْلِمٍ قِصَّتَهُ عَقِبَ حَدِيثِ طَلْحَةَ ؛ وَلِأَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا أَنَّهُ بَدَوِيٌّ ، وَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَالَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ : لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ ، لَكِنْ تَعَقَّبَهُ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّ سِيَاقَهُمَا مُخْتَلِفٌ ، وَأَسْئِلَتَهُمَا مُتَبَايِنَةٌ ، قَالَ : وَدَعْوَى أَنَّهُمَا قِصَّةٌ وَاحِدَةٌ دَعْوَى فَرْطٍ وَتَكَلُّفُ شَطَطٍ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ ، قَالَ فِي الْمُقَدِّمَةِ : وَهُوَ كَمَا قَالَ ( إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَهْلِ نَجْدَ ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْجِيمِ ، وَهُوَ مَا ارْتَفَعَ مِنْ تِهَامَةَ إِلَى أَرْضِ الْعِرَاقِ كَمَا فِي الْعُبَابِ وَغَيْرِهِ ( ثَائِرُ ) بِمُثَلَّثَةٍ ؛ أَيْ : مُتَفَرِّقُ شَعْرِ ( الرَّأْسِ ) مِنْ تَرْكِ الرَّفَاهِيَةِ ، فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قُرْبِ عَهْدِهِ بِالْوِفَادَةِ ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ لِلْقَرِينَةِ الْعَقْلِيَّةِ ، أَوْ أَوْقَعَ اسْمَ الرَّأْسِ عَلَى الشَّعْرِ ، إِمَّا مُبَالَغَةً أَوْ لِأَنَّ الشَّعْرَ مِنْهُ يَنْبُتُ ، وَثَائِرٌ بِالرَّفْعِ صِفَةٌ وَيَجُوزُ نَصْبُهُ عَلَى الْحَالِ ، وَلَا تَضُرُّ إِضَافَتُهُ ؛ لِأَنَّهَا لَفْظِيَّةٌ ، قَالَ عِيَاضٌ : فِيهِ أَنَّ ذِكْرَ مِثْلَ هَذَا عَلَى غَيْرِ وَجْهِ التَّنْقِيصِ لَيْسَ بِغَيْبَةٍ ( يُسْمَعُ ) بِالْيَاءِ الْمَضْمُومَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَبِالنُّونِ الْمَفْتُوحَةِ عَلَى الْجَمْعِ ( دَوِيُّ ) بِفَتْحِ الدَّالِّ وَكَسْرِ الْوَاوِ وَشَدِّ الْيَاءِ وَالرَّفْعِ أَوِ النَّصْبِ ( صَوْتِهِ ) قَالَ عِيَاضٌ : وَجَاءَ عِنْدَنَا فِي الْبُخَارِيِّ بِضَمِّ الدَّالِّ ، وَالصَّوَابُ الْفَتْحُ ( وَلَا نَفْقَهُ ) بِالنُّونِ وَالْيَاءِ لَا نَفْهَمُ ( مَا يَقُولُ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الدَّوِيُّ صَوْتٌ مُرْتَفِعٌ مُتَكَرِّرٌ لَا يُفْهَمُ ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ نَادَى مِنْ بُعْدٍ ( حَتَّى دَنَا ) أَيْ : إِلَى أَنْ قَرُبَ فَهِمْنَاهُ ( فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الْإِسْلَامِ ) أَيْ : عَنْ أَرْكَانِهِ وَشَرَائِعِهِ بَعْدَ التَّوْحِيدِ وَالتَّصْدِيقِ ، أَوْ عَنْ حَقِيقَتِهِ ، وَاسْتُبْعِدَ بِعَدَمِ الْمُطَابَقَةِ بَيْنَ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ وَهُوَ ( فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ) هُنَّ ( خَمْسُ صَلَوَاتٍ ) أَوْ خُذْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ ، وَيَجُوزُ الْجَرُّ بَدَلًا مِنَ الْإِسْلَامِ ، فَظَهَرَ أَنَّ السُّؤَالَ وَقَعَ عَنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ وَشَرَائِعِهِ ، وَوَقَعَ الْجَوَابُ مُطَابِقًا لَهُ ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ : أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ ؟ فَقَالَ : الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ ، وَلَيْسَتِ الصَّلَوَاتُ عَيْنَ الْإِسْلَامِ فَفِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ : إِقَامَةُ خَمْسِ صَلَوَاتٍ ( فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ) فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ غَيْرُهَا ، خِلَافًا لِمَنْ أَوْجَبَ الْوِتْرَ أَوْ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ أَوْ صَلَاةَ الضُّحَى أَوْ صَلَاةَ الْعِيدِ أَوِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ ، وَلَمْ يَذْكُرِ الشَّهَادَةَ ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ يَعْلَمُهَا ، أَوْ عَلِمَ أَنَّهُ إِنَّمَا يَسْأَلُ عَنِ الشَّرَائِعِ الْفِعْلِيَّةِ أَوْ ذَكَرَهَا فَلَمْ يَنْقُلْهَا الرَّاوِي لِشُهْرَتِهَا . وَأَمَّا الْحَجُّ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَرْضٌ أَوْ لِأَنَّهُ رَآهُ غَيْرَ مُسْتَطِيعٍ أَوِ اخْتَصَرَهُ الرَّاوِي ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ فِي الصِّيَامِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ فَدَخَلَ فِيهِ بَاقِي الْمَفْرُوضَاتِ بَلْ وَالْمَنْدُوبَاتِ ، كَمَا قَالَ عِيَاضٌ وَيَأْتِي رَدُّهُ ( قَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ ؟ قَالَ : لَا ، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ ) بِشَدِّ الطَّاءِ وَالْوَاوِ أَصْلُهُ تَتَطَوَّعُ فَأُدْغِمَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ ، وَيَجُوزُ تَخْفِيفُ الطَّاءِ عَلَى حَذْفِ إِحْدَاهُمَا ، وَفِيهِ أَنَّ الشُّرُوعَ فِي التَّطَوُّعِ يَجِبُ إِتْمَامُهُ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُتَّصِلٌ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : لِأَنَّهُ نَفْيُ وُجُوبِ شَيْءٍ آخَرَ ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ وَلَا قَائِلَ بِوُجُوبِ التَّطَوُّعِ ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ إِلَّا أَنْ تُشْرِعَ فِي تَطَوُّعٍ فَيَلْزَمُكَ إِتْمَامُهُ . وَتَعَقَّبَهُ الطِّيبِيُّ بِأَنَّهُ مُغَالَطَةٌ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ هُنَا مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ ، لِأَنَّ التَّطَوُّعَ لَا يُقَالُ فِيهِ عَلَيْكَ وَكَأَنَّهُ قَالَ : لَا يَجِبُ عَلَيْكَ شَيْءٌ إِلَّا إِنْ أَرَدْتَ أَنَّ تَطَّوَّعَ فَذَلِكَ لَكَ ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ التَّطَوُّعَ لَا يَجِبُ فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ آخَرُ أَصْلًا . قَالَ فِي الْفَتْحِ : كَذَا قَالَ ، وَحَرْفُ الْمَسْأَلَةِ دَائِرٌ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ ، فَمَنْ قَالَ : إِنَّهُ مُتَّصِلٌ تَمَسَّكَ بِالْأَصْلِ ، وَمَنْ قَالَ : مُنْقَطِعٌ احْتَاجَ إِلَى دَلِيلٍ ، وَدَلِيلُهُ مَا لِلنَّسَائِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ أَحْيَانًا يَنْوِي صَوْمَ التَّطَوُّعِ ثُمَّ يُفْطِرُ ، وَفِي الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ أَمَرَ جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ أَنْ تُفْطِرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ أَنْ شَرَعَتْ فِيهِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الشُّرُوعَ فِي الْعِبَادَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْإِتْمَامَ نصا فِي الصَّوْمِ وَقِيَاسًا فِي الْبَاقِي ، وَلَا يُرَدُّ الْحَجُّ لِأَنَّهُ امْتَازَ عَنْ غَيْرِهِ بِالْمُضِيِّ فِي فَاسِدِهِ فَكَيْفَ فِي صَحِيحِهِ ! انْتَهَى . وَفِيهِ نَظَرٌ ، فَأَمَّا أَمْرُهُ لِجُوَيْرِيَةَ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا صَامَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَاحْتَاجَ لَهَا ، وَأَمَّا فِعْلُهُ فَلَعَلَّهُ لِعُذْرٍ ، وَإِذَا احْتُمِلَ ذَلِكَ سَقَطَ بِهِ الِاسْتِدْلَالُ ؛ لِأَنَّ الْقِصَّتَيْنِ مِنْ وَقَائِعِ الْأَحْوَالِ الَّتِي لَا عُمُومَ لَهَا ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ( سُورَةُ مُحَمَّدٍ : الْآيَةُ 33 ) ، وَفِي الْمُوَطَّأِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ وَمُسْنَدِ أَحْمَدَ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَصْبَحْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ صَائِمَتَيْنِ فَأُهْدِيَتْ لَنَا شَاةٌ ، فَأَكَلْنَا ، فَدَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : اقْضِيَا يَوْمًا مَكَانَهُ ، وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الشُّرُوعَ مُلْزِمٌ . ( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ ) بِالرَّفْعِ عَطَفَ عَلَى خَمْسِ صَلَوَاتٍ ( قَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرَهُ ؟ قَالَ : لَا ، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ ) فَيَلْزَمُكَ إِتْمَامُهُ عَلَى الْأَصْلِ مِنْ الِاتِّصَالِ ، وَيُؤَيِّدُهُ الْآيَةُ ، أَوْ فَلَا يَلْزَمُكَ إِتْمَامُهُ إِذَا شَرَعْتَ فِيهِ عَلَى الِانْقِطَاعِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَفِي اسْتِدْلَالِ الْحَنَفِيَّةِ نَظَرٌ لِأَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِفَرْضِيَّةِ الْإِتْمَامِ بَلْ بِوُجُوبِهِ ، وَاسْتِثْنَاءُ الْوَاجِبِ مِنَ الْفَرْضِ مُنْقَطِعٌ لِتَبَايُنِهِمَا ، وَأَيْضًا فَالِاسْتِثْنَاءُ عِنْدَهُمْ مِنَ النَّفْيِ لَيْسَ لِلْإِثْبَاتِ بَلْ مَسْكُوتٌ عَنْهُ . ( قَالَ ) الرَّاوِي طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ( وَذَكَرَ ) لَهُ ( رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الزَّكَاةَ ) ، وَفِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ : أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ ؟ قَالَ : فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ ، فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَنَّ فِي الْقِصَّةِ أَشْيَاءَ أُجْمِلَتْ فِيهَا بَيَانُ نَصْبِ الزَّكَاةِ ، فَإِنَّهَا لَمْ تُفَسَّرْ فِي الرِّوَايَتَيْنِ . ( فَقَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا ؟ قَالَ : لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ ، قَالَ ) طَلْحَةُ ( فَأَدْبَرَ ) مِنَ الْإِدْبَارِ أَيْ : تَوَلَّى ( الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ ) جُمْلَةً حَالِيَّةً ( وَاللَّهِ ) ، وَفِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ : وَالَّذِي أَكْرَمَكَ ، وَفِيهِ الْحَلِفُ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْلَافٍ وَلَا ضَرُورَةٍ ، وَجَوَازُ الْحَلِفِ فِي الْأَمْرِ الْمُهِمِّ ( لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ ) شَيْئًا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَفْلَحَ الرَّجُلُ أَيْ : فَازَ ، قَالَ تَعَالَى : فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( سُورَةُ الْأَعْرَافِ : الْآيَةُ 8 ) ، وَالْفَلَاحُ أَيْضًا الْبَقَاءُ ، وَالْمُرَادُ بِهِ شَرْعًا الْبَقَاءُ فِي الْجَنَّةِ ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ ( إِنْ صَدَقَ ) فِي كَلَامِهِ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : دَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَصْدُقْ فِيمَا الْتَزَمَ لَا يُفْلِحُ ، وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِ الْمُرْجِئَةِ ، فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ أَثْبَتَ لَهُ الْفَلَاحَ بِمُجَرَّدِ مَا ذَكَرَ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ لَهُ جَمِيعَ الْوَاجِبَاتِ وَلَا الْمَنْهِيَّاتِ ؟ وَأَجَابَ بِاحْتِمَالِ أَنَّ ذَلِكَ قَبْلَ وُرُودِ فَرَائِضِ النَّهْيِ ، وَتَعَجَّبَ الْحَافِظُ مِنْهُ لِجَزْمِهِ بِأَنَّ السَّائِلَ ضِمَامٌ ، وَقَدْ وَفَدَ سَنَةَ خَمْسٍ ، وَقِيلَ : بَعْدَ ذَلِكَ ؛ وَأَكْثَرُ الْمَنْهِيَّاتِ وَقَعَ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَالصَّوَابُ أَنَّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ : فَأَخْبَرَهُ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ ، وَسَبَقَهُ لِذَلِكَ عِيَاضٌ قَائِلًا : إِنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ تَرْفَعُ الْإِشْكَالَ ، وَتَعَقَّبَهُ الْأُبِّيُّ بِرُجُوعِ لَفْظِ شَرَائِعَ إِلَى مَا ذَكَرَ قَبْلَهُ ؛ لِأَنَّ الْعَامَّ الْمَذْكُورَ عَقِبَ خَاصٍّ يَرْجِعُ إِلَى ذَلِكَ الْخَاصِّ عَلَى الصَّحِيحِ ، انْتَهَى . وَأَقَرَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى الْحَلِفِ مَعَ وُرُودِ النَّكِيرِ عَلَى مَنْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُ خَيْرًا ؛ قَالَ تَعَالَى : وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ ( سُورَةُ النُّورِ : الْآيَةُ 22 ) ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَحُطَّ عَنْ غَرِيمِهِ : تَأَلَّى عَلَى اللَّهِ ، قَالَ الْبَاجِيُّ : لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ سُومِحَ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ . ا هـ . وَأَجَابَ غَيْرُهُ بِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَشْخَاصِ ، فَإِنْ قِيلَ : أَمَّا فَلَاحُهُ بِأَنَّهُ لَا يَنْقُصُ فَوَاضِحٌ ، وَأَمَّا بِأَنْ لَا يَزِيدَ فَكَيْفَ يَصِحُّ ؟ وَلِأَنَّ فِيهِ تَسْوِيغَ التَّمَادِي عَلَى تَرْكِ السُّنَنِ وَهُوَ مَذْمُومٌ ، أَجَابَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ أَثْبَتَ لَهُ الْفَلَاحَ ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ إِذَا زَادَ لَا يُفْلِحُ لِأَنَّهُ إِذَا أَفْلَحَ بِالْوَاجِبِ ففلاحه بِالْمَنْدُوبِ مَعَ الْوَاجِبِ أَوْلَى ، وَبِأَنَّهُ لَا إِثْمَ عَلَى غَيْرِ تَارِكِ الْفَرَائِضِ فَهُوَ مُفْلِحٌ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَكْثَرُ فَلَاحًا مِنْهُ ، وَرَدَّهُ الْأُبِّيُّ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْإِشْكَالُ فِي ثُبُوتِ الْفَلَاحِ مَعَ تَرْكِ السُّنَنِ حَتَّى يُجَابَ بِأَنَّهُ حَاصِلٌ إِذْ لَيْسَ بِعَاصٍ ، وَإِنَّمَا الْإِشْكَالُ فِي أَنَّ ثُبُوتَهُ مَعَ عَدَمِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْفَرْضِ تَسْوِيغٌ لِتَرْكِ السُّنَنِ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : لَمْ يُسَوِّغْ لَهُ تَرْكَهَا دَائِمًا وَلَكِنْ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ اكْتَفَى مِنْهُ بِالْوَاجِبَاتِ ، وَأَخَّرَهُ حَتَّى يَأْنَسَ ، وَيَنْشَرِحَ صَدْرُهُ ، وَيَحْرِصَ عَلَى الْخَيْرِ ، فَيَسْهُلُ عَلَيْهِ الْمَنْدُوبَاتُ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مُبَالَغَةٌ فِي التَّصْدِيقِ وَالْقَبُولِ ، أَيْ : قَبِلْتُ كَلَامَهُ قَبُولًا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ السُّؤَالِ وَلَا نُقْصَانَ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْقَبُولِ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : يَحْتَمِلُ تَعَلُّقُ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ بِالْإِبْلَاغِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ وَافِدَ قَوْمِهِ لِيَتَعَلَّمَ وَيُعَلِّمَهُمْ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : يَحْتَمِلُ لَا أُغَيِّرُ صِفَةَ الْفَرْضِ كَمَنْ يُنْقِصُ الظُّهْرَ مَثَلًا رَكْعَةً أَوْ يَزِيدُ الْمَغْرِبَ ، وَرَدَّ الْحَافِظُ الِاحْتِمَالَاتِ الثَّلَاثَ بِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ : لَا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا وَلَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا . وَقَالَ الْبَاجِيُّ : يَحْتَمِلُ لَا أَزِيدُ وُجُوبًا وَإِنْ زَادَ تَطَوُّعًا أَوْ عَلَى اعْتِقَادِ وُجُوبِ غَيْرِهِ أَوْ فِي الْبَلَاغِ ، قَالَ : وَرِوَايَةُ مَالِكٍ أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ ؛ لِأَنَّهُ أَحْفَظُ ، وَقَدْ تَابَعَهُ الرُّوَاةُ ، وَلَعَلَّ إِسْمَاعِيلَ نَقَلَهُ بِالْمَعْنَى ، وَلَوْ صَحَّ احْتَمَلَ الْمَعْنَى لَا أَتَطَوَّعُ بِشَيْءٍ الْتَزَمَهُ وَاجِبًا ، انْتَهَى . هَذَا وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ ، أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ . وَلِأَبِي دَاوُدَ مِثْلُهُ لَكِنْ بِحَذْفِ أَوْ ، وَجَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّهْيِ عَنِ الْحَلِفِ بِالْآبَاءِ بِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ النَّهْيِ ، أَوْ بِأَنَّهَا كَلِمَةٌ جَارِيَةٌ عَلَى اللِّسَانِ لَا يُقْصَدُ بِهَا الْحَلِفُ كَمَا جَرَى عَلَى لِسَانِهِمْ عَقْرى وَحَلْقى وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، أَوْ فِيهِ إِضْمَارُ اسْمِ الرَّبِّ كَأَنَّهُ قَالَ : وَرَبُّ أَبِيهِ ، وَقِيلَ : هُوَ خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْحَلِفِ بِالْآبَاءِ إِنَّمَا هُوَ لِخَوْفِ تعظيم غير اللَّهِ وَهُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُتَوَهَّمُ فِيهِ ذَلِكَ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ . وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِهِ أَنَّهُ تَصْحِيفٌ ، وَإِنَّمَا كَانَ : وَاللَّهِ فَقُصِّرَتِ اللَّامَانِ ، وَأَنْكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ وَقَالَ : إِنَّهُ يَخْرِمُ الثِّقَةَ بِالرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ ، وَغَفَلَ الْقَرَافِيُّ فَادَّعَى أَنَّ الرِّوَايَةَ بِلَفْظِ : وَأَبِيهِ ، لَمْ تَصِحَّ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ الْجَوَابَ فَعَدَلَ إِلَى رَدِّ الْخَبَرِ وَهُوَ صَحِيحٌ لَا مِرْيَةَ فِيهِ ، وَأَقْوَى الْأَجْوِبَةِ الْأَوَّلَانِ . قَالَ الْبَاجِيُّ : وَأَدْخَلَ مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ فِي التَّرْغِيبِ فِي الصَّلَاةِ ، فَإِنْ أَرَادَ قَوْلَهُ : إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ ؛ كَانَ تَرْغِيبًا فِي النَّافِلَةِ ، وَإِنْ أَرَادَ : أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ ؛ كَانَ تَرْغِيبًا فِي الْخَمْسِ ، انْتَهَى . وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَهُمَا مَعًا فَالتَّرْجَمَةُ مُطْلَقَةٌ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ كِلَاهُمَا ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِنَحْوِهِ .