447 حَدِيثٌ خَامِسٌ وَثَلَاثُونَ لِهِشَامٍ مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا قَالَتْ : أَتَيْتُ عَائِشَةَ حِينَ خُسِفَتِ الشَّمْسُ ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ يُصَلُّونَ ، وَإِذَا هِيَ قَائِمَةٌ تُصَلِّي ، فَقُلْتُ : مَا لِلنَّاسِ ؟ فَأَشَارَتْ ( بِيَدِهَا ) نَحْوَ السَّمَاءِ وَقَالَتْ : سُبْحَانَ اللَّهِ ! فَقُلْتُ : آيَةٌ ، فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ نَعَمْ ، قَالَتْ : فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلَّانِي الْغَشْيُ ، وَجَعَلْتُ أَصُبُّ فَوْقَ رَأْسِي الْمَاءَ ، فَحَمِدَ اللَّهَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : مَا مِنْ شَيْءٍ كُنْتُ لَمْ أَرَهُ إِلَّا وَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ ، وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ مِثْلَ أَوْ قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ - لَا أَدْرِي أَيَّتُهُمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ - : يُؤْتَى أَحَدُكُمْ فَيُقَالُ لَهُ : مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ أَوِ الْمُوقِنُ - لَا أَدْرِي ، أَيُّ ذَلِكَ ، قَالَتْ أَسْمَاءُ - ؟ فَيَقُولُ : هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى ، فَأَجَبْنَا وَآمَنَّا وَاتَّبَعْنَا ، فَيُقَالُ لَهُ : نَمْ صَالِحًا ، قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُؤْمِنًا ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ أَوِ الْمُرْتَابُ - لَا أَدْرِي أَيُّهُمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ : لَا أَدْرِي سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ . قَدْ مَضَى مَعْنَى الْكُسُوفِ وَالْخُسُوفِ فِي اللُّغَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ هِشَامٍ ، وَمَضَتْ مَعَانِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الشَّمْسَ إِذَا كُسِفَتْ بِأَقَلِّ شَيْءٍ مِنْهَا وَجَبَتِ الصَّلَاةُ لِذَلِكَ عَلَى سُنَّتِهَا ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ أَسْمَاءَ : مَا لِلنَّاسِ ؟ فَأَشَارَتْ لَهَا عَائِشَةُ إِلَى السَّمَاءِ ، فَلَوْ كَانَ كُسُوفًا بَيِّنًا مَا خَفِيَ عَلَى أَسْمَاءَ وَلَا غَيْرِهَا حَتَّى تَحْتَاجَ أَنْ يُشَارَ إِلَى السَّمَاءِ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ : إِنَّ الشَّمْسَ لَا يُصَلَّى لَهَا حَتَّى تَسْوَدَّ بِالْكُسُوفِ أَوْ يَسْوَدَّ أَكْثَرُهَا ، لِمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ الْكُسُوفِ : إِنَّ الشَّمْسَ كَسْفٌ بِهَا وَصَارَتْ كَأَنَّهَا تَنُّومَةٌ ، أَيْ : ذَهَبَ ضَوْؤُهَا وَاسْوَدَّتْ ، وَالتَّنُّومُ نَبَاتٌ أَسْوَدُ ، وَهَذَا الْقَوْلُ لَيْسَ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقُلْ : لَا يُصَلَّى لِكُسُوفِهَا حَتَّى تَسْوَدَّ ، بَلْ صَلَّى لَهَا فِي كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ ، وَلَيْسَ فِي إِحْدَاهِمَا مَا يَدْفَعُ الْأُخْرَى ، وَلَيْسَ مَا ذُكِرَ فِي الصِّحَّةِ كَحَدِيثِ أَسْمَاءَ . وَفِيهِ أَيْضًا مِنَ الْفِقْهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ خُسُوفَ الشَّمْسِ يُصَلَّى لَهَا فِي جَمَاعَةٍ ، وَهَذَا الْمَعْنَى وَإِنْ قَامَ دَلِيلُهُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَدْ جَاءَ مَنْصُوصًا فِي غَيْرِهِ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ - ، وَهُوَ أَمْرٌ لَا خِلَافَ فِيهِ ، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي كَيْفِيَّةِ تِلْكَ الصَّلَاةِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ خُسُوفِ الشَّمْسِ لَا يُجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْحُجَّةَ فِي أَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الْكُسُوفِ سِرًّا ، وَاخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ وَوُجُوهَ أَقْوَالِهِمْ فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ . وَفِيهِ أَنَّ الْمُصَلِّيَ إِذَا كَلَّمَ أَشَارَ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ فِي الصَّلَاةِ . وَفِيهِ أَنَّ النِّسَاءَ يُسَبِّحْنَ إِذَا نَابَهُنَّ شَيْءٌ فِي الصَّلَاةِ ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ حِينَ سَأَلَتْهَا أَسْمَاءُ : مَا لِلنَّاسِ ؟ فَقَالَتْ : سُبْحَانَ اللَّهِ ! وَأَشَارَتْ بِيَدِهَا وَلَمْ تُصَفِّقْ ، وَفِي هَذَا حُجَّةٌ فِي قَوْلِهِ : إِنَّ النِّسَاءَ وَالرِّجَالَ فِي هَذَا الْمَعْنَى سَوَاءٌ ، مَنْ نَابَهُ مِنْهُمْ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ سَبَّحَ ، وَلَمْ يُصَفِّقْ رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنَ الْآثَارِ وَاخْتِلَافِهَا ، وَمَا لِلْعُلَمَاءِ مِنَ الْمَذَاهِبِ فِيهَا فِي بَابِ أَبِي حَازِمٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَفِيهِ أَنَّ الْإِشَارَةَ بِالْيَدِ وَبِالرَّأْسِ لَا تَضُرُّ الْمُصَلِّيَ ، وَلَا بَأْسَ بِهَا ، وَأَمَّا قَوْلُهَا فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلَّانِي الْغَشْيُ ، فَمَعْنَاهُ : أَنَّهَا قَامَتْ حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهَا أَوْ كَادَ أَنْ يُغْشَى عَلَيْهَا مِنْ طُولِ الْقِيَامِ ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى طُولِ الْقِيَامِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، فَذَلِكَ كَانَ بعد الفراغ مِنَ الصَّلَاةِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْفُقَهَاءِ فِي الْخُطْبَةِ بَعْدَ الْكُسُوفِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فِي هَذَا الْكِتَابِ . وَأَمَّا رُؤْيَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، فَذَلِكَ ثَابِتٌ عَنْهُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْآثَارِ ، وَنَحْنُ لَا نُكَيِّفُ ذَلِكَ وَلَا نَحدُهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ ، فَإِنَّهُ أَرَادَ فِتْنَةَ الْمَلَكَيْنِ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ حِينَ يَسْأَلَانِ الْعَبْدَ : مَنْ رَبُّكَ ؟ وَمَا دِينُكَ ؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ ؟ وَالْآثَارُ فِي هَذَا مُتَوَاتِرَةٌ ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ كُلُّهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ بِذَلِكَ ، وَلَا يُنْكِرُهُ إِلَّا أَهْلُ الْبِدَعِ ، وَفِي قَوْلِهِ : مِثْلُ أَوْ قَرِيبٌ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يُرَاعُونَ الْأَلْفَاظَ فِي الْحَدِيثِ الْمُسْنَدِ ، وَهَذَا فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَطَائِفَةٌ يُجِيزُونَ الْحَدِيثَ بِالْمَعَانِي ، وَهَذَا إِنَّمَا يَصِحُّ لِمَنْ يَعْرِفُ الْمَعَانِيَ وَمَذَاهِبَ الْعَرَبِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ شِهَابٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ وَجَمَاعَةٍ غَيْرِهِمْ ، وَكَانَ مَالِكٌ لَا يُجِيزُ الْإِخْبَارَ بِالْمَعَانِي فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ قَدَرَ عَلَى الْإِتْيَانِ بِأَلْفَاظِهِ : حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ ، أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ : سَمِعْتُ مَالِكًا ، وَسُئِلَ عَنِ الْمَسَائِلِ إِذَا كَانَ الْمَعْنَى وَاحِدًا ، وَالْكَلَامُ مُخْتَلِف ، فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ إِلَّا الْأَحَادِيثَ الَّتِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ بِشْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دُلَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْبِشْرِ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنُ وَهْبٍ يَقُولُ : سَأَلَ مَالِكًا رَجُلٌ فَقَالَ : الْكِتَابُ يُعْرَضُ عَلَيْكَ فَيَنْقَلِبُ بِهِ صَاحِبُهُ فَيَبِيتُ عِنْدَهُ ، أَيَجُوزُ أَنْ أُحَدِّثَ بِهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا خِلَافُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ ؛ لِأَنَّ أَشْهَبَ رَوَى فِي مِثْلِ هَذَا الْمَعْنَى ، أَخْشَى أَنْ يُزَادَ فِي كُتُبِهِ بِاللَّيْلِ ، وَمَحْمَلُ الرِّوَايَتَيْنِ - عِنْدِي - عَلَى أَنَّ الثِّقَةَ جَائِزٌ أَنْ يُعَارَ الْكُتُبَ ثُمَّ يُحَدِّثُ بِمَا اسْتَعَارَ مِنْ ذَلِكَ ، وَأَمَّا غَيْرُ الثِّقَةِ الْمَأْمُونِ عَلَيْهَا فَلَا ، وَأَمَّا الْفِتْنَةُ فَلَهَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا أَنْ يُفْتَنَ الرَّجُلُ فِي دِينِهِ بِبَلْوَى مِنْ سُلْطَانٍ غَالِبٍ ، أَوْ بِهَوًى يَصْرِفُهُ ، عَنِ الصَّوَابِ فِي الدِّينِ ، أَوْ بِحُبٍّ يَشْغَلُ قَلْبَهُ حَتَّى يَرْكَبَ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ ، فَهَذِهِ فِتْنَةٌ تَشْرَبُهَا الْقُلُوبُ كَمَا أُشْرِبَ بَنُو إِسْرَائِيلَ حُبَّ الْعِجْلَ وَفُتِنُوا بِهِ ، وَالْفِتْنَةُ : الْحَرْقُ بِالنَّارِ ، وَلِلْفِتْنَةِ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ كَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ أَوْ قَرِيبٍ مِنْهَا ، فَالْفِتْنَةُ هَاهُنَا مَعْنَاهَا : الِابْتِلَاءُ وَالِامْتِحَانُ وَالِاخْتِبَارُ ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - لِمُوسَى وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا أَيِ : ابْتَلَيْنَاكَ ابْتِلَاءً وَاخْتَبَرْنَاكَ اخْتِبَارًا ، وَفِي عَذَابِ الْقَبْرِ نَزَلَتْ : يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ مُحَارِبٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ قَالَ : فِي الْقَبْرِ إِذَا سُئِلَ : مَنْ رَبُّكَ ؟ وَمَا دِينُكَ ؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ ؟ وَرَوَاهُ غُنْدَرٌ وَغَيْرُهُ هَكَذَا عَنْ شُعْبَةَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلِهِ . وَرَوَى أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنِ الْبَرَاءِ مِثْلَهُ مَوْقُوفًا . وَذَكَرَ بَقِيٌّ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ : يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَفِي الْآخِرَةِ الْمَسْأَلَةُ فِي الْقَبْرِ ، أَخْبَرَنِيهِ ابْنُ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ . وَرَوَى الْأَعْمَشُ وَيُونُسُ بْنُ خَبَّابٍ ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ زَاذَانَ ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي جِنَازَةٍ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ الطَّوِيلَ بتمَامه ، وَفِيهِ فِي صِفَةِ الْمُؤْمِنِ : ثُمَّ يُعَادُ رُوحُهُ إِلَى جَسَدِهِ ، وَأنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالَ أَصْحَابِهِ إِذَا وَلَّوْا عَنْهُ ، وَيَدْخُلُ عَلَيْهِ مَلَكَانِ فَيَقُولَانِ لَهُ : مَنْ رَبُّكَ ؟ فَيَقُولُ : اللَّهُ ، فَيَقُولَانِ لَهُ : مَا دِينُكَ ؟ فَيَقُولُ : الْإِسْلَامُ ، فَيَقُولَانِ لَهُ : مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ ؟ فَيَقُولُ : وَأَيُّ رَجُلٍ ؟ فَيَقُولَانِ : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ فَيَقُولُ : أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ، قَالَ : فَيَنْتَهِرَانِهِ وَيَقُولَانِ لَهُ : وَمَا يُدْرِيكَ ؟ فَيَقُولُ : إِنِّي قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ فَصَدَّقْتُ بِهِ وَآمَنْتُ . قَالَ : فَهِيَ آخِرُ فِتْنَةٍ تُعْرَضُ عَلَى الْمُؤْمِنِ ، وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ قَالَ : وَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ : أَنْ صَدَقَ عَبْدِي فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ ، وَأَرُوهُ مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ ، فَيَأْتِيهِ مِنْ طِيبِهَا ... وَسَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى صِفَةِ الْمُنَافِقِ وَالْمُرْتَابِ ، قَالَ : فَيَدْخُلُ عَلَيْهِ مَلَكَانِ فَيَقُولَانِ لَهُ : اجْلِسْ ، قَالَ : وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِ أَصْحَابِهِ إِذَا وَلَّوْا عَنْهُ ، قَالَ : فَيَجْلِسُ فَيَقُولَانِ لَهُ : مَنْ رَبُّكَ ؟ وَمَا دِينُكَ ؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ ؟ فَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ خَبَّابٍ ، فَيَقُولُ : رَبِّيَ اللَّهُ ، وَدِينِي الْإِسْلَامُ ، وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَيَنْتَهِرَانِهِ انْتِهَارًا شَدِيدًا وَيَقُولَانِ : مَنْ رَبُّكَ ؟ وَمَا دِينُكَ ؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ ؟ فَيَقُولُ : لَا أَدْرِي ، فَيَقُولَانِ : لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ . وَقَالَ الْأَعْمَشُ فِي حَدِيثِهِ : فَيَقُولَانِ مَنْ رَبُّكَ ؟ وَمَا دِينُكَ ؟ فَيَقُولُ : لَا أَدْرِي ، فَيَقُولَانِ : مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ ؟ فَيَقُولُ : وَأَيُّ رَجُلٍ ؟ فَيَقُولَانِ : مُحَمَّدٌ ، فَيَقُولُ : لَا أَدْرِي ، سَمِعْتُ النَّاسَ قَالُوا قَوْلًا ، فَقُلْتُ كَمَا يَقُولُ النَّاسُ ، قَالَ : فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ : أَنْ كَذَبَ عَبْدِي ، فَأَفْرِشُوهُ مِنَ النَّارِ ، وَأَرُوهُ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ، وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلَاعُهُ ... وَسَاقَا الْحَدِيثَ إِلَى آخِرِهِ . وَرُوِّينَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ ، عَنْ أَصْحَابِهِ ، وَعَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، وَعَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعُمَرَ : كَيْفَ بِكَ يَا عُمَرُ إِذَا جَاءَكَ مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ إِذَا مِتَّ ، وَانْطَلَقَ بِكَ قَوْمُكَ فَقَاسُوا ثَلَاثَةَ أَذْرُعٍ وَشِبْرًا فِي ذِرَاعٍ وَشِبْرٍ ، ثُمَّ غَسَّلُوكَ وَكَفَّنُوكَ وَحَنَّطُوكَ وَاحْتَمَلُوكَ فَوَضَعُوكَ فِيهِ ، ثُمَّ أَهَالُوا عَلَيْكَ التُّرَابَ ، فَإِذَا انْصَرَفُوا عَنْكَ أَتَاكَ فَتَّانَا الْقَبْرِ مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ ، أَصْوَاتُهُمَا كَالرَّعْدِ الْقَاصِفِ ، وَأَبْصَارُهُمَا كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ ، يَجُرَّانِ شُعُورَهُمَا ، مَعَهُمَا مِرْزَبَّةٌ ، لَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهَا أَهْلُ الْأَرْضِ لَمْ يُقِلُّوهَا ، فَقَالَ عُمَرُ : إِنْ فَرَقْنَا ، فَنَحْنُ أَحَقُّ أَنْ نَفْرُقَ ، أَنُبْعَثُ عَلَى مَا نَحْنُ عَلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ؛ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، قَالَ : إِذَنْ أَكْفِيكَهُمَا . وَذَكَرَ سُنَيْدٌ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا مَاتَ الْمُسْلِمُ أَوِ الْمُؤْمِنُ أَتَاهُ مَلَكَانِ أَزْرَقَانِ أَسْوَدَانِ يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا مُنْكَرٌ وَالْآخَرُ نَكِيرٌ ، فَيَقُولَانِ : مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ ؟ فَيَقُولُ : مَا كَانَ يَقُولُ فِي الدُّنْيَا ؟ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ جَاءَ بِالْحَقِّ ، فَيُقَالُ لَهُ : قَدْ كُنْتَ تَقُولُ هَذَا ، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا فِي سَبْعِينَ ، وَيُنَوَّرُ لَهُ عِنْدَهُ نُورٌ ، وَيُقَالُ لَهُ : نَمْ صَالِحًا ، فَيَقُولُ : أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي فَأُخْبِرُهُمْ ، فَيُقَالُ لَهُ : نَمْ نَوْمَةَ الْعَرُوسِ الَّذِي لَا يُوقِظُهُ إِلَّا أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْهِ ، حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ مُنَافِقًا قَالَ : سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ ، فَيُقَالُ : قَدْ كُنْتَ تَقُولُ ذَلِكَ ، قَالَ : ثُمَّ تُؤْمَرُ الْأَرْضُ فَتَلْتَئِمُ عَلَيْهِ حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلَاعُهُ ، فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ مُعَذَّبًا حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ . وَالْآثَارُ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ لَا يَحُوطُ بِهَا كِتَابٌ ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا مِنْهَا هَاهُنَا مَا فِي مَعْنَى حَدِيثِنَا ، وَمَا رَجَوْنَا أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لَهُ ، وَالْآثَارُ الْمَرْفُوعَةُ كُلُّهَا فِي هَذَا الْمَعْنَى تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفِتْنَةَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ . وَكَانَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي الْحَارِثِ عَنْهُ يَقُولُ : يُفْتَنُ رَجُلَانِ : مُؤْمِنٌ وَمُنَافِقٌ ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيُفْتَنُ سَبْعًا ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ فَيُفْتَنُ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْآثَارُ الثَّابِتَةُ فِي هَذَا الْبَابِ إِنَّمَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفِتْنَةَ فِي الْقَبْرِ لَا تَكُونُ إِلَّا لِمُؤْمِنٍ أَوْ مُنَافِقٍ مِمَّنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا مَنْسُوبًا إِلَى أَهْلِ الْقِبْلَةِ وَدِينِ الْإِسْلَامِ مِمَّنْ حُقِنَ دَمُهُ بِظَاهِرِ الشَّهَادَةِ ، وَأَمَّا الْكَافِرُ الْجَاحِدُ الْمُبْطِلُ فَلَيْسَ مِمَّنْ يُسْأَلُ عَنْ رَبِّهِ وَدِينِهِ وَنَبِيِّهِ ، وَإِنَّمَا يُسْأَلُ عَنْ هَذَا أَهْلُ الْإِسْلَامِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ الْآيَةَ . وَأَمَّا مَا جَاءَ مِنَ الْآثَارِ فِي أَنَّ الْيَهُودَ تُعَذَّبُ فِي قُبُورِهَا ، فَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ مَعَ بِلَالٍ عَلَى الْبَقِيعِ فَقَالَ : أَلَا تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ يَا بِلَالُ ؟ قَالَ : لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَسْمَعُ ، قَالَ : أَمَا تَسْمَعُ أَهْلَ الْقُبُورِ يُعَذَّبُونَ ؟ يَعْنِي قُبُورَ الْجَاهِلِيَّةِ ؟ فَهَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - عَذَابٌ غَيْرُ الْفِتْنَةِ وَالِابْتِلَاءِ الَّذِي يَعْرِضُ الْمُؤْمِنَ ، وَإِنَّمَا هَذَا عَذَابٌ وَاصِبٌ لِلْكُفَّارِ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ فَيَصِيرُونَ إِلَى النَّارِ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ عَذَابُ الْقَبْرِ غَيْرَ فِتْنَةِ الْقَبْرِ . وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَسْتَعِيذُ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ ، وَعَذَابِ النَّارِ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ غَيْرُ فِتْنَةِ الْقَبْرِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّ الْفِتْنَةَ قَدْ تَكُونُ فِيهِ النَّجَاةُ ، وَقَدْ يُعَذَّبُ الْكَافِرُ فِي قَبْرِهِ عَلَى كُفْرِهِ دُونَ أَنْ يُسْأَلَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَثِيرًا مَا يَدْعُو بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ ، وَشَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْقَبْرِ ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ ، وَأَنْقِ قَلْبِي مِنَ الْخَطَايَا ، كَمَا أَنْقَيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ ، وَبَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَالْهَرَمِ وَالْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ النَّارِ ، وَفِتْنَةِ النَّارِ ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ ، وَفِتْنَةِ الْقَبْرِ ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ، وَمِنْ شَرِّ الْغِنَى وَشَرِّ فِتْنَةِ الْفَقْرِ ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ . وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ بِمَعْنَى مَا تَقَدَّمَ سَوَاءً ، فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِتْنَةَ الْقَبْرِ غَيْرُ عَذَابِ الْقَبْرِ ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ تَفْصِلُ بَيْنَ ذَلِكَ ، هَذَا مَا تُوجِبُهُ اللُّغَةُ ، وَهُوَ الظَّاهِرُ فِي الْخِطَابِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا يُفْتَنُ رَجُلَانِ مُؤْمِنٌ وَمُنَافِقٌ ، وَهُوَ مَعْنَى مَا قُلْنَا ، وَفِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِيهِ : تُسْأَلُ فِي قُبُورِهَا ، وَهَذَا اللَّفْظُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْأُمَّةُ خُصَّتْ بِذَلِكَ ، وَهُوَ أَمْرٌ لَا يُقْطَعُ عَلَيْهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَحَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ هَذَا رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ، ذَكَرَهُ سُنَيْدٌ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَا : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ : تُسْأَلُ فِي قُبُورِهَا ، فَلَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ مَا أَسْمَعُ . وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَتَأَوَّلَ مُتَأَوِّلٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَسِيَاقَتِهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِيهِ : أَنَّ فِتْنَةَ الْقَبْرِ وَالسُّؤَالِ فِيهِ هُوَ عَذَابُ الْقَبْرِ ، وَلَكِنْ مَا ذَكَرْنَا أَظْهَرُ فِي الْمَعْنَى ، وَأَحْكَامُ الْآخِرَةِ لَا مَدْخَلَ فِيهَا لِلْقِيَاسِ وَالِاجْتِهَادِ ، وَلَا لِلنَّظَرِ وَالِاحْتِجَاجِ ، وَاللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ لَا شَرِيكَ لَهُ . وَقَدْ ذَكَرَ سُنَيْدٌ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : ذَكَرَ لَنَا أَنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ ثَلَاثَةُ أَثْلَاثٍ : ثُلُثٌ مِنَ الْبَوْلِ ، وَثُلُثٌ مِنَ الْغِيبَةِ ، وَثُلُثٌ مِنَ النَّمِيمَةِ . وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْنَدٍ وَلَا مُتَّصِلٍ ، وَلَا يُحْتَجُّ بِمِثْلِهِ عَلَى أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَذَابُ الْقَبْرِ هَاهُنَا لِلْمُرْتَابِ بَعْدَ السُّؤَالِ الَّذِي هُوَ الْفِتْنَةُ وَسَبَبُهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : عَذَابُ الْقَبْرِ ، بِمَعْنَى فِتْنَةِ الْقَبْرِ ، فَإِنَّهَا تُئَوَّلُ إِلَى الْعَذَابِ وَفِيهَا عَذَابٌ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - بِحَقِيقَةِ ( ذَلِكَ ) لَا شَرِيكَ لَهُ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ مَا مِنْ شَيْءٍ كُنْتُ لَمْ أَرَهُ إِلَّا وَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ · ص 245 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث أسماء أتيت عائشة حين خسفت الشمس فإذا الناس قياما يصلون · ص 115 447 ( 2 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ 421 - ذَكَرَ فِيهِ مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ; أَنَّهَا قَالَتْ : أَتَيْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ . فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ يُصَلُّونَ . وَإِذَا هِيَ قَائِمَةٌ تُصَلَّى . فَقُلْتُ : مَا لِلنَّاسِ ؟ فَأَشَارَتْ بِيَدِهَا نَحْوَ السَّمَاءِ وَقَالَتْ : سُبْحَانَ اللَّهِ ! فَقُلْتُ : آيَةٌ ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ نَعَمْ . قَالَتْ : فَقُمْتُ حَتَّى تُجِلَّانِي الْغَشْيُ . وَجَعَلْتُ أَصُبُّ فَوْقَ رَأْسِيَ الْمَاءَ . فَحَمِدَ اللَّهَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : مَا مِنْ شَيْءٍ كُنْتُ لَمْ أَرَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا . حَتَّى الْجَنَّةُ وَالنَّارُ . وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تَفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ مِثْلَ أَوْ قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ ( لَا أَدْرِي أَيَّتَهُمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ ) يُؤْتَى أَحَدُكُمْ فَيُقَالُ لَهُ : مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ أَوِ الْمُوقِنُ ( لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ ) فَيَقُولُ ، هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ . جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى . فَأَجَبْنَا ، وَآمَنَّا ، وَاتَّبَعْنَا ، فَيُقَالُ لَهُ : نَمْ صَالِحًا . قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُؤْمِنًا . وَأَمَّا الْمُنَافِقُ أَوِ الْمُرْتَابُ ( لَا أَدْرِي أَيَّتَهُمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ ) فَيَقُولُ : لَا أَدْرِي . سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا ، فَقُلْتُهُ . 9884 - فِيهِ مِنَ الْفِقْهِ : أَنَّ كُسُوفَ الشَّمْسِ يُصَلَّى لَهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ : وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 9885 - وَفِيهِ أَنَّ الشَّمْسَ إِذَا كَسَفَتْ بِأَقَلِّ شَيْءٍ مِنْهَا وَجَبَتِ الصَّلَاةُ لِذَلِكَ عَلَى سُنَّتِهَا . 9886 - أَلَّا تَرَى إِلَى قَوْلِ أَسْمَاءَ : مَا لِلنَّاسِ وَأَشَارَتْ لَهَا عَائِشَةُ بِيَدِهَا نَحْوَ السَّمَاءِ ، فَلَوْ كَانَ كُسُوفًا بَيِّنًا مَا خَفِيَ عَنْ أَسْمَاءَ وَلَا غَيْرِهَا حَتَّى تَحْتَاجَ أَنَّ يُشَارَ إِلَى السَّمَاءِ ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي سِرِّ الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ . 9878 - وَفِيهِ : أَنَّ الْمُصَلِّي إِذَا كُلِّمَ أَشَارَ وَسَبَّحَ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ فِي الصَّلَاةِ . 9888 - وَفِيهِ : أَنَّ النِّسَاءَ يُسَبِّحْنَ إِذَا نَابَهُنَّ شَيْءٌ فِي الصَّلَاةِ . 9889 - وَذَلِكَ حُجَّةٌ لِمَالِكٍ عَلَى مَنْ قَالَ : إِنَّ سُنَّتَهُنَّ التَّصْفِيقُ . 9890 - وَقَدْ مَضَى قَوْلُهُ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ ، فَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ . 9891 - وَقَوْلُهُ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ فِي بَابِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ . 9892 - وَفِيهِ أَنَّ إِشَارَةَ الْمُصَلِّي بِرَأْسِهِ وَبِيَدِهِ لَا بَأْسَ بِهَا . 9893 - وَأَمَّا قَوْلُهَا : فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلَّانِي الْغَشْيُ . بِمَعْنَى أَنَّهَا قَامَتْ حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهَا . 9894 - وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى طُولِ الْقِيَامِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ . 9895 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، فَذَلِكَ كَانَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الصَّلَاةِ . 9896 - وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي الْخُطْبَةِ بَعْدَ صَلَاةِ الْكُسُوفِ . 9897 - وَمَضَى الْقَوْلُ فِي رُؤْيَتِهِ لِلْجَنَّةِ وَالنَّارِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ . 9898 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ ، فَإِنَّهُ أَرَادَ فِتْنَةَ الْمَلَكَيْنِ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ حِينَ يَسْأَلَانِ الْعَبْدَ مَنْ رَبُّكَ ؟ وَمَا دِينُكَ ؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ ؟ فَالْآثَارُ بِذَلِكَ مُتَوَاتِرَةٌ ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ - وَهُمْ أَهْلُ الْحَدِيثِ وَالرَّأْيِ فِي أَحْكَامِ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ - كُلُّهَمْ مُجْمِعُونَ عَلَى الْإِيمَانِ وَالتَّصْدِيقِ بِذَلِكَ ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَا يَتَكَلَّفُونَ فِيهِ شَيْئًا ، وَلَا يُنْكِرُهُ إِلَّا أَهْلُ الْبِدَعِ . 9899 - رَوَى شُعْبَةُ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ ، قَالَ فِي الْقَبْرِ إِذَا سُئِلَ : مَنْ رَبُّكَ ؟ وَمَا دِينُكَ ؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ ؟ . 9900 - وَرَوَاهُ الْأَعْمَشُ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنِ الْبَرَاءِ مَوْقُوفًا . 9901 - وَفِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ ، وَيُونُسَ بْنِ جَنَابٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَعَنْ زَاذَانَ ، عَنِ الْبَرَاءِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صِفَةِ الْمُؤْمِنِ : مَنْ يُعَادُ رُوحُهُ إِلَى جَسَدِهِ وَأَنَّهُ يَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِ أَصْحَابِهِ إِذَا وَلَّوْا عَنْهُ ، وَيَدْخُلُ عَلَيْهِ مَلَكَانِ فَيَقُولَانِ لَهُ : مَا دِينُكَ ؟ فَيَقُولُ : الْإِسْلَامُ ، فَيَقُولَانِ لَهُ : مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ ؟ فَيَقُولُ : وَأَيُّ رَجُلٍ ؟ فَيَقُولَانِ : مُحَمَّدٌ . فَيَقُولُ : أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ، فَيَنْهَرَانِهِ وَيَقُولَانِ لَهُ : مَا يُدْرِيكَ ؟ فَيَقُولُ : إِنِّي قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ فَصَدَّقْتُ بِهِ وَآمَنْتُ . قَالَ : فَهِيَ آخِرُ فِتْنَةٍ تَعْرِضُ عَلَى الْمُؤْمِنِ ، وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ : يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . 9902 - وَفِيهِ فِي الْمُنَافِقِ فَيَنْهَرَانِهِ انْتِهَارًا شَدِيدًا وَيَقُولَانِ : مَنْ رَبُّكَ ؟ وَمَا دِينُكَ ؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ ؟ فَيَقُولُ : لَا أَدْرِي . فَيَقُولَانِ : لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ وَسَاقَ تَمَامَ الْخَبَرِ . 9903 - وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي التَّمْهِيدِ إِلَى آثَارٍ ثَابِتَةٍ صِحَاحٍ وَرَدَتْ بِمَعْنَاهُ وَالْآثَارُ الْوَارِدَةُ أَيْضًا بِأَنَّ الْيَهُودَ تُعَذَّبُ فِي قُبُورِهَا . 9904 - كُلُّ ذَلِكَ ذَكَرْنَاهُ هُنَاكَ وَأَوْضَحْنَا الْفَرْقَ بَيْنَ عَذَابِ الْقَبْرِ وَفِتْنَةِ الْقَبْرِ ، وَأَنَّ الْفِتْنَةَ لِلْمُؤْمِنِ وَالْعَذَابَ لِلْمُنَافِقِ وَالْكَافِرِ وَأَوْرَدْنَا فِيهِ مِنَ الْآثَارِ مَا بَانَ بِهِ ذَلِكَ . وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 9905 - وَلِلْفِتْنَةِ وُجُوهٌ فِي اللُّغَةِ مَذْكُورَةٌ هُنَاكَ أَيْضًا . 9906 - وَفِي قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ مِثْلُ أَوْ قُرْبٌ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يُرَاعُونَ الْأَلْفَاظَ فِي الْحَدِيثِ الْمُسْنَدِ ، وَقَدْ أَفْرَدْنَا لِهَذَا الْمَعْنَى بَابًا فِي كِتَابِ بَيَانِ الْعِلْمِ وَفَضْلِهِ وَذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ . 9907 - وَأَمَّا مَالِكٌ فَكَانَ لَا يُجِيزُ الْإِخْبَارَ بِالْمَعَانِي فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ قَدَرَ عَلَى الْإِتْيَانِ بِالْأَلْفَاظِ . 9908 - رَوَى الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَمْرٍو ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ مَالِكًا سُئِلَ عَنِ الْمَسَائِلِ إِذَا كَانَ الْمَعْنَى وَاحِدًا وَالْكَلَامُ مُخْتَلِفًا ، فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ إِلَّا الْأَحَادِيثَ الَّتِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 9909 - وَأَمَّا قَوْلُهُ ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ وَالْمُرْتَابُ فَإِنَّمَا هُوَ شَكٌّ مِنَ الْمُحَدِّثِ . 9910 - وَكَذَلِكَ قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْمُنْذِرِ : لَا أَدْرِي أَيُّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ . 9911 - وَالْمُنَافِقُ كَافِرٌ أَظْهَرَ الْإِيمَانَ ، وَاعْتَقَدَ الْكُفْرَ ، وَالْمُرْتَابُ : الشَّاكُّ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ · ص 641 2 - بَاب مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ 448 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهَا قَالَتْ : أَتَيْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ خَسَفَتْ الشَّمْسُ ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ يُصَلُّونَ وَإِذَا هِيَ قَائِمَةٌ تُصَلِّي ، فَقُلْتُ : مَا لِلنَّاسِ ؟ فَأَشَارَتْ بِيَدِهَا نَحْوَ السَّمَاءِ وَقَالَتْ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، فَقُلْتُ : آيَةٌ ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ نَعَمْ ، قَالَتْ : فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلَّانِي الْغَشْيُ وَجَعَلْتُ أَصُبُّ فَوْقَ رَأْسِي الْمَاءَ ، فَحَمِدَ اللَّهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : مَا مِنْ شَيْءٍ كُنْتُ لَمْ أَرَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا حَتَّى الْجَنَّةُ وَالنَّارُ ، وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ مِثْلَ أَوْ قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ ، لَا أَدْرِي أَيَّتَهُمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ ، يُؤْتَى أَحَدُكُمْ فَيُقَالُ لَهُ : مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ أَوْ الْمُوقِنُ ، لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ ، فَيَقُولُ : هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى فَأَجَبْنَا وَآمَنَّا وَاتَّبَعْنَا ، فَيُقَالُ لَهُ : نَمْ صَالِحًا قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُؤْمِنًا ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ أَوْ الْمُرْتَابُ ، لَا أَدْرِي أَيَّتَهُمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ ، فَيَقُولُ : لَا أَدْرِي سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ . 2 - بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ 447 448 - ( مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ ) زَوْجَتِهِ ( فَاطِمَةَ بِنْتِ ) عَمِّهِ ( الْمُنْذِرِ ) بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ( عَنْ ) جَدَّتِهِمَا لِأَبَوَيْهِمَا ( أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ) ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ ، زَوْجِ الزُّبَيْرِ ، مَاتَتْ بِمَكَّةَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَقَدْ بَلَغَتِ الْمِائَةَ ، وَلَمْ يَسْقُطْ لَهَا سِنٌّ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ لَهَا عَقْلٌ ( أَنَّهَا قَالَتْ : أَتَيْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ ) بِفَتْحِ الْخَاءِ وَالسِّينِ ذَهَبَ ضَوْءُهَا كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ ، ( فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ يُصَلُّونَ ) لِلْكُسُوفِ ( وَإِذَا هِيَ ) أَيْ : عَائِشَةُ ( قَائِمَةٌ تُصَلِّي ، فَقُلْتُ : مَا لِلنَّاسِ ؟ ) قَائِمِينَ مُضْطَرِبِينَ فَزِعِينَ ، وَفِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ : مَا شَأْنُ النَّاسِ ؟ ( فَأَشَارَتْ ) عَائِشَةُ ( بِيَدِهَا نَحْوَ السَّمَاءِ ) تَعْنِي انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ ( وَقَالَتْ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، فَقَلْتُ : آيَةٌ ) بِالرَّفْعِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ؛ أَيْ : هَذِهِ عَلَامَةٌ لِلْعَذَابِ كَأَنَّهَا مُقَدِّمَةٌ لَهُ ، قَالَ تَعَالَى : وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا ( سُورَةُ الْإِسْرَاءِ : الْآيَةُ 59 ) ، أَوْ عَلَامَةٌ لِقُرْبِ زَمَانِ قِيَامِ السَّاعَةِ ، وَيَجُوزُ حَذْفُ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَإِثْبَاتُهَا . ( فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ ) بِالنُّونِ وَيُرْوَى بِالْيَاءِ ، وَهُمَا حَرْفُ تَفْسِيرٍ ( نَعَمْ ، قَالَتْ : ) أَسْمَاءُ ( فَقُمْتُ ) فِي الصَّلَاةِ ( حَتَّى تَجَلَّانِي ) بِفَوْقِيَّةٍ وَجِيمٍ وَلَامٍ ثَقِيلَةٍ ؛ أَيْ : غَطَّانِي ( الْغَشْيُ ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَإِسْكَانِ الشِّينِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَخِفَّةِ الْيَاءِ ، وَبِكَسْرِ الشِّينِ وَشَدِّ الْيَاءِ ؛ طَرَفٌ مِنَ الْإِغْمَاءِ مِنْ طُولِ تَعَبِ الْوُقُوفِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْحَالَةُ الْقَرِيبَةُ مِنْهُ فَأَطْلَقَتْهُ مَجَازًا ، وَلِذَا قَالَتْ : ( وَجَعَلْتُ أَصْبُّ فَوْقَ رَأْسِي الْمَاءَ ) أَيْ : فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لِيَذْهَبَ ، فَإِنَّ تَوَلِّيَهَا الصَّبَّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَوَاسَّهَا كَانَتْ مُدْرِكَةً ، وَذَلِكَ لَا يُنْقِضُ الْوُضُوءَ ، وَوَهِمَ مَنْ قَالَ : إِنَّ صَبَّهَا كَانَ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : الْغَشْيُ مَرَضٌ يَعْرِضُ مِنْ طُولِ التَّعَبِ وَالْوُقُوفِ ، وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ الْإِغْمَاءِ إِلَّا أَنَّهُ دُونَهُ ، وَلَوْ كَانَ شَدِيدًا لَكَانَ كَالْإِغْمَاءِ وَهُوَ يُنْقِضُ الْوُضُوءَ بِالْإِجْمَاعِ ، ( فَحَمِدَ اللَّهَ ) وَلِابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ وَلِابْنِ يُوسُفَ : فَلَمَّا انْصَرَفَ ( رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) حَمِدَ اللَّهَ ( وَأَثْنَى عَلَيْهِ ) عَطْفٌ عَامٌّ عَلَى خَاصٍّ ( ثُمَّ قَالَ : مَا مِنْ شَيْءٍ ) مِنَ الْأَشْيَاءِ ( كُنْتُ لَمْ أَرَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ ) رُؤْيَةُ عَيْنٍ حَقِيقَةٌ ( فِي مَقَامِي ) بِفَتْحِ الْمِيمِ ( هَذَا ) صِفَةٌ لِمَقَامِي ، وَتَعَسَّفَ مَنْ جَعَلَهُ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ ؛ أَيْ : هُوَ هَذَا الْمُشَارُ إِلَيْهِ ( حَتَّى الْجَنَّةُ وَالنَّارُ ) ضُبِطَ بِالْحَرَكَاتِ الثَّلَاثِ فِيهِمَا كَمَا قَالَ الْحَافِظُ وَغَيْرُهُ ، فَالرَّفْعُ عَلَى أَنَّ حَتَّى ابْتِدَائِيَّةٌ ، وَ الْجَنَّةُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الْخَبَرِ ؛ أَيْ : مَرْئِيَّةٌ ، وَ النَّارُ عَطْفٌ عَلَيْهِ ، وَالنَّصْبُ عَلَى أَنَّهَا عَاطِفَةٌ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ فِي رَأَيْتُهُ ، وَالْجَرُّ عَلَى أَنَّهَا جَارَّةٌ أَوْ عَاطِفَةٌ عَلَى الْمَجْرُورِ السَّابِقِ وَهُوَ شَيْءٌ ، وَإِنْ لَزِمَ عَلَيْهِ زِيَادَةُ مِنْ مَعَ الْمَعْرِفَةِ ، وَالصَّحِيحُ مَنْعُهُ ؛ لِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي التَّابِعِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْمَتْبُوعِ ، وَلِأَنَّ الْمُقَدَّرَ لَيْسَ كَالْمَلْفُوظِ بِهِ ، وَمُفَادُ الْإِغْيَاءِ أَنَّهُ لَمْ يَرَهُمَا قَبْلُ مَعَ أَنَّهُ رَآهُمَا لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ ، وَهُوَ قَبْلَ الْكُسُوفِ بِزَمَانٍ . وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ هُنَا فِي الْأَرْضِ ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : فِي مَقَامِي ، أَوْ بِاخْتِلَافِ الرُّؤْيَةِ . ( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ ) تُمْتَحَنُونَ وَتُخْتَبَرُونَ ( فِي الْقُبُورِ ) قَالَ الْبَاجِيُّ : يُقَالُ إِنَّهُ أُعْلِمَ بِذَلِكَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، قَالَ : وَلَيْسَ الِاخْتِبَارُ فِي الْقَبْرِ بِمَنْزِلَةِ التَّكْلِيفِ وَالْعِبَادَةِ ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ إِظْهَارُ الْعَمَلِ ، وَإِعْلَامٌ بِالْمَآلِ وَالْعَاقِبَةِ كَاخْتِبَارِ الْحِسَابِ ، لِأَنَّ الْعَمَلَ وَالتَّكْلِيفَ قَدِ انْقَطَعَ بِالْمَوْتِ ( مِثْلَ ) بِلَا تَنْوِينٍ ( أَوْ قَرِيبًا ) بِالتَّنْوِينِ ( مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ ) الْكَذَّابِ ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : وَوَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَ الْفِتْنَتَيْنِ الشِّدَّةُ وَالْهَوْلُ وَالْهُمُومُ . وَقَالَ الْبَاجِيُّ : شَبَّهَهَا بِهَا لِشَدَّتِهَا ، وَعِظَمِ الْمِحْنَةِ بِهَا ، وَقِلَّةِ الثَّبَاتِ مَعَهَا . قَالَتْ فَاطِمَةُ : ( لَا أَدْرِي أَيَّتُهُمَا ) بِتَحْتِيَّةٍ وَفَوْقِيَّةٍ ؛ أَيْ : لَفْظُ مِثْلَ أَوْ قَرِيبًا ( قَالَتْ أَسْمَاءُ ) هَكَذَا الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ بِتَرْكِ تَنْوِينِ مِثْلَ وَتَنْوِينِ قَرِيبًا . وَوَجْهُهُ أَنَّ أَصْلَهُ مِثْلَ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ ، فَحُذِفَ مَا أُضِيفَ إِلَى مِثْلَ ، وَتُرِكَ عَلَى هَيْئَتِهِ قَبْلَ الْحَذْفِ ، وَجَازَ الْحَذْفُ لِدَلَالَةِ مَا بَعْدَهُ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ : بَيْنَ ذِرَاعَيْ وَجَبْهَةِ الْأَسَدِ ، تَقْدِيرُهُ : بَيْنَ ذِرَاعَيِ الْأَسَدِ وَجَبْهَةِ الْأَسَدِ . وَفِي رِوَايَةٍ : بِتَرْكِ التَّنْوِينِ فِي قَرِيبًا أَيْضًا ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ مُضَافٌ إِلَى فِتْنَةٍ أَيْضًا ، وَإِظْهَارُ حَرْفِ الْجَرِّ بين المضاف وَالْمُضَافِ إِلَيْهِ جَائِزٌ عِنْدَ قَوْمٍ ، نَقَلَهُ الْحَافِظُ عَنِ ابْنِ مَالِكٍ . وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ عَنْ أَسْمَاءَ : قَامَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطِيبًا فَذَكَرَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ الَّتِي يُفْتَنُ فِيهَا الْمَرْءُ ، فَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ ضَجَّ الْمُسْلِمُونَ ضَجَّةً حَالَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَنْ أَفْهَمَ آخِرَ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَلَمَّا سَكَتَ ضَجِيجُهُمْ قُلْتُ لِرَجُلٍ قَرِيبٍ مِنِّي : بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ ، مَاذَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي آخِرِ كَلَامِهِ ؟ قَالَ : قَالَ : قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ . وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ فَاطِمَةَ عَنْ أَسْمَاءَ أَيْضًا أَنَّهُ لَغَطَ نِسْوَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ، وَإِنَّهَا ذَهَبَتْ لِتُسْكِتَهُنَّ ، فَاسْتَفْهَمَتْ عَائِشَةُ عَمَّا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَالَ الْحَافِظُ : فَيُجْمَعُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّهَا احْتَاجَتْ إِلَى الِاسْتِفْهَامِ مَرَّتَيْنِ ، وَأَنَّهَا لَمَّا حَدَّثَتْ فَاطِمَةَ لَمْ تُبَيِّنْ لَهَا الِاسْتِفْهَامَ الثَّانِيَ ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ الرَّجُلِ الَّذِي اسْتَفْهَمَتْ مِنْهُ عَلَى ذَلِكَ إِلَى الْآنِ ( يُؤْتَى أَحَدُكُمْ ) قِي قَبْرِهِ ، وَالْآتِي مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا : الْمُنْكَرُ ، وَالْآخَرِ : النَّكِيرُ ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَكَذَا ابْنُ حِبَّانَ ، لَكِنْ قَالَ : يُقَالُ لَهُمَا مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ ، زَادَ الطَّبَرَانِيُّ : أَعْيُنُهُمَا مِثْلُ قُدُورِ النُّحَاسِ ، وَأَنْيَابُهُمَا مِثْلُ صَيَاصِي الْبَقَرِ ، وَأَصْوَاتُهُمَا مِثْلُ الرَّعْدِ ، زَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : يَحْفِرَانِ بِأَنْيَابِهِمَا وَيَطَآنِ فِي أَشْعَارِهِمَا مَعَهُمَا مِرْزَبَّةٌ لَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهَا أَهْلُ مِنًى لَمْ يُقِلُّوهَا . وَأَوْرَدَ فِي الْمَوْضُوعَاتِ حَدِيثًا فِيهِ أَنَّ فِيهِمْ رُومَانُ وَهُوَ كَبِيرُهُمْ ، وَذَكَرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ اسْمَ اللَّذَيْنِ يَسْأَلَانِ الْمُذْنِبَ مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ ، وَاسْمُ اللَّذَيْنِ يَسْأَلَانِ الْمُطِيعَ بِشْرٌ وَبَشِيرٌ ( فَيُقَالُ لَهُ : مَا عِلْمُكَ ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ( بِهَذَا الرَّجُلِ ) مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلَمْ يَقُلْ : بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، لِئَلَّا يَصِيرَ تَلْقِينًا لِحُجَّتِهِ ، قَالَ عِيَاضٌ : قِيلَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مُثِّلَ لِلْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ سُمِّيَ لَهُ ، انْتَهَى . أَيْ : لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ الْمُتَبَادَرُ مِنْ قَوْلِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، عَنْ أَنَسٍ : فَيَقُولَانِ : مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ ؟ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ أَسْمَاءَ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَعَدَلَ عَنِ خطاب الْجَمْعِ فِي : إِنَّكُمْ تُفْتَنُونَ إِلَى الْمُفْرَدِ فِي : مَا عِلْمُكَ ؛ لِأَنَّهُ تَفْصِيلٌ ؛ أَيْ : كُلُّ وَاحِدٍ يُقَالُ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ السُّؤَالَ عَنِ الْعِلْمِ يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ ، وَكَذَا الْجَوَابُ بِخِلَافِ الْفِتْنَةِ . ( فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ أَوِ الْمُوقِنُ ) أَيِ : الْمُصَدِّقُ بِنُبُوَّتِهِ ( لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ ) الْمُؤْمِنُ أَوِ الْمُوقِنُ ( قَالَتْ أَسْمَاءُ ) جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ ، بَيَّنَتْ فَاطِمَةُ أَنَّهَا شَكَّتْ هَلْ قَالَتِ : الْمُؤْمِنُ أَوِ الْمُوقِنُ ؟ قَالَ الْبَاجِيُّ : وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ الْمُؤْمِنُ لِقَوْلِهِ : فَآمَنَّا دُونَ أَيْقَنَّا ، وَلِقَوْلِهِ : لَمُؤْمِنًا ( فَيَقُولُ : هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ ) الْمُعْجِزَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى نُبُوَّتِهِ ( وَالْهُدَى ) الدَّلَالَةِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى الْبُغْيَةِ ، ( فَأَجَبْنَا وَآمَنَّا وَاتَّبَعْنَا ) بِحَذْفِ ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ لِلْعِلْمِ بِهِ فِي الثَّلَاثَةِ ؛ أَيْ : قَبْلِنَا نُبُوَّتَهُ مُصَدِّقِينَ مُتَّبِعِينَ ( فَيُقَالُ لَهُ : نَمْ ) حَالَ كَوْنِكَ ( صَالِحًا ) مُنْتَفِعًا بِأَعْمَالِكَ ، إِذِ الصَّلَاحُ كَوْنُ الشَّيْءِ فِي حَدِّ الِانْتِفَاعِ ( قَدْ عَلِمْنَا إِنْ ) بِالْكَسْرِ ؛ أَيْ : لِلشَّأْنِ ( كُنْتُ لَمُؤْمِنًا ) وَفِي رِوَايَةِ الْأُوَيْسِيِّ : لَمُوقِنًا بِالْقَافِ وَاللَّامِ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ لِلْفَرْقِ بَيْنَ إِنِ الْمُخَفَّفَةِ وَبَيْنَ النَّافِيَةِ ، وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ إِنَّ بِمَعْنَى مَا ، وَاللَّامُ بِمَعْنَى إِلَّا ؛ أَيْ : مَا كُنْتُ إِلَّا مُؤْمِنًا ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ( سُورَةُ الطَّارِقِ : الْآيَةُ 4 ) أَيْ : مَا كَلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ فَتْحَ هَمْزَةِ أَنْ عَلَى جَعْلِهَا مَصْدَرِيَّةً ؛ أَيْ : عِلْمُنَا كَوْنَكَ مُؤْمِنًا بِهِ ، وَرَدَّهُ بِدُخُولِ اللَّامِ ، وَتَعَقَّبَهُ فِي الْمَصَابِيحِ بِأَنَّ اللَّامَ إِنَّمَا تُمْنَعُ إِذَا جُعِلَتْ لَامَ ابْتِدَاءٍ عَلَى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ وَمَنْ تَابَعَهُ ، أَمَّا عَلَى رَأْيِ الْفَارِسِيِّ وَابْنِ جِنِّيٍّ وَجَمَاعَةٍ أَنَّهَا لَيْسَتْ لِلِابْتِدَاءِ اجْتُلِبَتْ لِلْفَرْقِ ، فَيَسُوغُ الْفَتْحُ بَلْ يَتَعَيَّنُ لِوُجُودِ الْمُقْتَضَى وَانْتِفَاءِ الْمَانِعِ . قَالَ الْبَاجِيُّ : أَرَادَ بِالنَّوْمِ الْعَوْدَ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ، سَمَّاهُ نَوْمًا لِمَا صَحِبَهُ مِنَ الرَّاحَةِ وَصَلَاحِ الْحَالِ ، انْتَهَى . وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ : فَيُقَالُ لَهُ : نَمْ نَوْمَةَ عَرُوسٍ ، فَيَكُونُ فِي أَحْلَى نَوْمَةٍ نَامَهَا أَحَدٌ حَتَّى يُبْعَثَ وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : وَيُقَالُ لَهُ : نَمْ ، فَيَنَامُ نَوْمَةَ الْعَرُوسِ الَّذِي لَا يُوقِظُهُ إِلَّا أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ ، وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ : فَيُقَالُ : انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ ، أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ ، فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا وَلِابْنِ حِبَّانَ وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ : وَيُقَالُ لَهُ : عَلَى الْيَقِينِ كُنْتَ ، وَعَلَيْهِ مِتَّ ، وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَفِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنْ قَتَادَةَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا ، وَيُمْلَأُ خَضِرًا إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ وَفِي التِّرْمِذِيِّ وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : فَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا فِي سَبْعِينَ ذِرَاعًا ، وَيُنَوَّرُ لَهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ، وَفِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ : فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ : أَنْ صَدَقَ عَبْدِي ، أَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا فِي الْجَنَّةِ ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ ، قَالَ : فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا ، وَيُفْسَحُ لَهُ مُدَّ بَصَرِهِ زَادَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : فَيَزْدَادُ غِبْطَةً وَسُرُورًا ، وَيُعَادُ الْجِلْدُ إِلَى مَا بَدَا مِنْهُ ، وَتُجْعَلُ رُوحُهُ فِي نَسَمَةِ طَائِرٍ يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ . ( وَأَمَّا الْمُنَافِقُ ) مَنْ لَمْ يُصَدِّقْ بِقَلْبِهِ بِنُبُوَّتِهِ ( أَوِ الْمُرْتَابُ ) الشَّاكُّ قَالَتْ فَاطِمَةُ : ( لَا أَدْرِي أَيَّتَهُمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِيهِ : إِنَّهُمْ كَانُوا يُرَاعُونَ الْأَلْفَاظَ فِي الْحَدِيثِ الْمُسْنَدِ ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ ، وَلَمْ يُجِزْ مَالِكٌ الْإِخْبَارَ بِالْمَعَانِي فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ قَدَرَ عَلَى الْأَلْفَاظِ ، وَأَجَازَ ذَلِكَ فِي الْمَسَائِلِ إِذَا كَانَ الْمَعْنَى وَاحِدًا ، رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ ( فَيَقُولُ : لَا أَدْرِي سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقَلْتُهُ ) ، زَادَ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ : فَيَقُولَانِ : لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ وَلِعَبْدِ الرَّزَّاقِ : لَا دَرَيْتَ وَلَا أَفْلَحْتَ ، وَيَضْرِبَانِهِ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً ، وَفِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ : لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَلٌ لَصَارَ تُرَابًا ، وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ : وَيُسَلَّطُ عَلَيْهِ دَابَّةٌ فِي قَبْرِهِ مَعَهَا سَوْطٌ تَمْرَتُهُ جَمْرَةٌ مِثْلُ عُرْفِ الْبَعِيرِ تَضْرِبُهُ مَا شَاءَ اللَّهُ ، لَا تَسْمَعُ صَوْتَهُ فَتَرْحَمَهُ ، وَزَادَ فِي أَحَادِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَعَائِشَةَ : ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ ، فَيُقَالُ لَهُ : هَذَا مَنْزِلُكَ لَوْ آمَنْتَ بِرَبِّكَ ، وَأَمَّا إِذْ كَفَرْتَ فَإِنَّ اللَّهَ أَبْدَلَكَ هَذَا وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى النَّارِ ، زَادَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : فَيَزْدَادُ حَسْرَةً وَثُبُورًا ، وَيَضِيقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلَاعُهُ ، وَفِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ : فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ : أَفْرِشُوهُ مِنَ النَّارِ وَأَلْبِسُوهُ مِنَ النَّارِ ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ ، فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسُمُومِهَا . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : فِي الْحَدِيثِ ذَمُّ التَّقْلِيدِ ، وَأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ اسْمَ الْعِلْمِ التَّامِّ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، وَرَدَّهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ مَا حُكِيَ عَنْ حَالِ الْمُجِيبِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ تَقْلِيدٌ مُعْتَبَرٌ ، وَهُوَ الَّذِي لَا وَهَنَ عِنْدَ صَاحِبِهِ وَلَا شَكَّ ، وَشَرْطُهُ أَنْ يَعْتَقِدَ كَوْنَهُ عَالِمًا وَلَوْ شَعَرَ بِأَنَّ مُسْتَنَدَهُ كَوْنُ النَّاسِ قَالُوا : شَيْئًا فَقَالَهُ لَمْ يَحِلَّ اعْتِقَادُهُ وَرَجَعَ شَكًّا ، فَعَلَى هَذَا لَا يَقُولُ الْمُعْتَقِدُ الْمُصَمِّمُ يَوْمَئِذٍ : سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ ؛ لِأَنَّهُ يَمُوتُ عَلَى مَا عَاشَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ فِي حَالِ الْحَيَاةِ قَدْ قَرَّرْنَا أَنَّهُ لَا يَشْعُرُ بِذَلِكَ ، بَلْ عِبَارَتُهُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِثْلُهَا هُنَا مِنَ التَّصْمِيمِ ، وَبِالْحَقِيقَةِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لِلْمُصَمِّمِ أَسْبَابٌ حَمَلَتْهُ عَلَى التَّصْمِيمِ غير مُجَرَّدِ الْقَوْلِ ، وَرُبَّمَا لَا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْ تِلْكَ الْأَسْبَابِ كَمَا نَقُولُ فِي الْعُلُومِ الْعَادِيَّةِ : أَسْبَابُهَا لَا تَنْضَبِطُ ، انْتَهَى . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ ، عَنْ هِشَامٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا .