476 حَدِيثٌ رَابِعٌ لِزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مُسْنَدٌ يَجْرِي مَجْرَى الْمُتَّصِلِ مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسِيرُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسِيرُ مَعَهُ لَيْلًا ، فَسَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ شَيْءٍ فَلَمْ يُجِبْهُ ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ فَقَالَ عُمَرُ : ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا عُمَرُ ، نَزَرْتَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، كُلُّ ذَلِكَ لَا يُجِيبُكَ ، قَالَ عُمَرُ : فَحَرَّكْتُ بَعِيرِي حَتَّى إِذَا كُنْتُ أَمَامَ النَّاسِ ، وَخَشِيتُ أَنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ ، فَمَا نَشِبْتُ أَنْ سَمِعْتُ صَارِخًا يَصْرُخُ بِي قَالَ : فَقُلْتُ : لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ فِيَّ قُرْآنٌ قَالَ : فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ : أُنْزِلَ عَلَيَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ، ثُمَّ قَرَأَ : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا . هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَنَا عَلَى الِاتِّصَالِ ; لِأَنَّ أَسْلَمَ رَوَاهُ عَنْ عُمَرَ ، وَسَمَاعُ أَسْلَمَ مِنْ مَوْلَاهُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَحِيحٌ لَا رَيْبَ فِيهِ ، وَقَدْ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ كَمَا ذَكَرْنَا . اهـ . أَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ ، وَعَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَا : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ رَشِيقٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زُرَيْقِ بْنِ جَامِعٍ ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَرْوَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَيَّانَ قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسِيرُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ ، وَعُمَرُ يَسِيرُ مَعَهُ لَيْلًا ، فَسَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ شَيْءٍ فَلَمْ يُجِبْهُ ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ ثَلَاثًا فَقَالَ عُمَرُ : ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ ، عُمَرُ ، نَزَرْتَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، كُلُّ ذَلِكَ لَا يُجِيبُكَ ، قَالَ عُمَرُ : فَحَرَّكْتُ بَعِيرِي حَتَّى تَقَدَّمْتُ أَمَامَ النَّاسِ ، وَخَشِيتُ أَنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ ، فَمَا نَشِبْتُ أَنْ سَمِعْتُ صَارِخًا يَصْرُخُ بِي ، قَالَ : فَقُلْتُ لَهُ : لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ يَنْزِلُ فِيَّ قُرْآنٌ ، فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ لِي : لَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةً ، لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ، ثُمَّ قَرَأَ : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْنَدًا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَثْمَةَ جَمِيعًا أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ كَرِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ سَوَاءٍ ، ذَكَرَهُ النَّسَائِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ . فِي هَذَا الْحَدِيثِ السَّفَرُ بِاللَّيْلِ ، وَالْمَشْيُ عَلَى الدَّوَابِّ بِاللَّيْلِ ، وَذَلِكَ عِنْدَ الْحَاجَةِ ، مَعَ اسْتِعْمَالِ الرِّفْقِ ; لِأَنَّهَا بَهَائِمُ عُجْمٌ ، وَقَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالرِّفْقِ بِهَا ، وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهَا . وَفِيهِ أَنَّ الْعَالِمَ إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ لَا يَجِبُ الْجَوَابُ فِيهِ أَنْ يَسْكُتَ ، وَلَا يُجِيبُ بِنَعَمْ ، وَلَا بِلَا ، وَرُبَّ كَلَامٍ جَوَابُهُ السُّكُوتُ . وَفِيهِ مِنَ الْأَدَبِ أَنَّ سُكُوتَ الْعَالِمِ عَنِ الْجَوَابِ يُوجِبُ عَلَى الْمُتَعَلِّمِ تَرْكَ الْإِلْحَاحِ عَلَيْهِ . وَفِيهِ النَّدَمُ عَلَى الْإِلْحَاحِ عَلَى الْعَالِمِ خَوْفَ غَضَبِهِ ، وَحِرْمَانِ فَائِدَتِهِ فِيمَا يُسْتَأْنَفُ ، وَقَلَّمَا أُغْضِبَ عَالِمٌ إِلَّا احْتُرِمَتْ فَائِدَتُهُ . قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : لَوْ رَفِقْتَ بِابْنِ عَبَّاسٍ لَاسْتَخْرَجْتَ مِنْهُ عِلْمًا . اهـ . وَفِيهِ مَا كَانَ عُمَرُ عَلَيْهِ مِنَ التَّقْوَى وَالْوَجَلِ ; لِأَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يَكُونَ عَاصِيًا بِسُؤَالِهِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، كُلُّ ذَلِكَ لَا يُجِيبُهُ ; إِذِ الْمَعْهُودُ أَنَّ سُكُوتَ الْمَرْءِ عَنِ الْجَوَابِ ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ عَالِمٌ بِهِ ، دَلِيلٌ عَلَى كَرَاهِيَةِ السُّؤَالِ . وَفِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّكُوتَ عَنِ السَّائِلِ يَعِزُّ عَلَيْهِ ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي طِبَاعِ النَّاسِ ، وَلِهَذَا أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي عُمَرَ يُؤْنِسُهُ ، وَيُبَشِّرُهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَفِيهِ أَوْضَحُ الدَّلِيلِ عَلَى مَنْزِلَةِ عُمَرَ مِنْ قَلْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَمَوْضِعُهُ مِنْهُ ، وَمَكَانَتُهُ عِنْدَهُ . وَفِيهِ أَنَّ غُفْرَانَ الذُّنُوبِ خَيْرٌ لِلْإِنْسَانِ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ لَوْ أُعْطِيَ ذَلِكَ ، وَذَلِكَ تَحْقِيرٌ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلدُّنْيَا ، وَتَعْظِيمٌ لِلْآخِرَةِ ، وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يُحَقِّرَ مَا حَقَّرَ اللَّهُ مِنَ الدُّنْيَا ، وَيَزْهَدَ فِيهَا ، وَيُعَظِّمَ مَا عَظَّمَ اللَّهُ مِنَ الْآخِرَةِ ، وَيَرْغَبَ فِيهَا . وَإِذَا كَانَ غُفْرَانُ الذُّنُوبِ لِلْإِنْسَانِ خَيْرًا مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُكَفَّرْ عَنْهُ إِلَّا الصَّغَائِرُ مِنَ الذُّنُوبِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ قَطُّ كَبِيرَةً ، لَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ ; لِأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنَ الْكَبَائِرِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، فَعَلَى هَذَا : الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ خَيْرٌ لِلْإِنْسَانِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ; لِأَنَّهَا تُكَفِّرُ الصَّغَائِرَ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَفِيهِ أَنَّ نُزُولَ الْقُرْآنِ كَانَ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ مِنْ حَضَرٍ ، وَسَفَرٍ ، وَلَيْلٍ ، وَنَهَارٍ . وَالسَّفَرُ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ سُورَةُ الْفَتْحِ مُنْصَرَفُهُ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ ، لَا أَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ خِلَافًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَالَ مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : نَزَلَتْ عَلَيْهِ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ مَرْجِعُهُ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا عَلَى الْأَرْضِ ، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا : هَنِيئًا مَرِيئًا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَكَ مَا يَفْعَلُ بِكَ ، فَمَاذَا يَفْعَلُ بِنَا ؟ فَنَزَلَتْ : لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ إِلَى قَوْلِهِ فَوْزًا عَظِيمًا وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ نَحْوَ ذَلِكَ ، وَزَادَ : فَنَزَلَ مَا فِي الْأَحْزَابِ " وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا وَأَنْزَلَ " لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ الْآيَتَيْنِ إِلَى قَوْلِهِ : غَفُورًا رَحِيمًا وَقَالَ غَيْرُ ابْنِ جُرَيْجٍ : فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ : وَمَاذَا يَفْعَلُ بِنَا ؟ فَنَزَلَتْ : بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَنَزَلَتْ : وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ إِلَى قَوْلِهِ : وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ، وَأَصْحَابُهُ : يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أَنَّهُ غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ ، وَأَنْ يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَيَنْصُرَهُ نَصْرًا عَزِيزًا ، هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ ، الَّذِي بَقِيَ لَهُ أَكْثَرُ فَارِسَ وَالرُّومِ ، أَيَظُنُّ مُحَمَّدٌ أَنَّهُمْ مِثْلُ مَنْ نَزَلَ بَيْنَ ظَهْرَيْهِ ؟ فَنَزَلَتْ : وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ بِأَنَّهُ لَا يَنْصُرُ ، فَبِئْسَ مَا ظَنُّوا ، وَنَزَلَتْ : وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْآيَةَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي قَوْلِهِ : فَتْحًا مُبِينًا فَقَالَ قَوْمٌ : خَيْبَرُ . وَقَالَ قَوْمٌ : الْحُدَيْبِيَةُ مَنْحَرَهُ ، وَحَلْقَهُ . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : فَتَحْنَا لَكَ حَكَمْنَا لَكَ حُكْمًا بَيِّنًا ، حِينَ ارْتَحَلَ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ رَاجِعًا قَالَ : وَقَدْ كَانَ شَقَّ عَلَيْهِمْ أَنْ صُدُّوا عَنِ الْبَيْتِ . وَقَالَ : لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَقَالَ : أَوَّلُهُ ، وَآخِرُهُ . وَيَنْصُرُكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا ، قَالَ : يُرِيدُ بِذَلِكَ فَتْحَ مَكَّةَ ، وَالطَّائِفِ ، وَحُنَيْنَ الْعَرَبِ ، وَلَمْ يَكُنْ بَقِيَ فِي الْعَرَبِ غَيْرُهُمْ . وَقَالَ قَتَادَةُ ، وَمُجَاهِدٌ : فَتَحْنَا لَكَ قَضَيْنَا لَكَ قَضَاءً مُبِينًا مَنْحَرَهُ وَحَلْقَهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ ، ذَكَرَهُ مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، وَذَكَرَهُ وَرْقَاءُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ . وَرَوَى شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ : فَتْحًا مُبِينًا قَالَ : الْحُدَيْبِيَةَ . وَذَكَرَ وَكِيعٌ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : خَيْبَرُ ، وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ أَيْضًا . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ : نَزَرْتَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : مَعْنَاهُ : أَكْرَهْتَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَسْأَلَةِ ، أَيْ : أَتَيْتُهُ بِمَا يَكْرَهُ . وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : مَعْنَاهُ : أَلْحَحْتَ ، وَكَرَّرْتَ السُّؤَالَ ، وَأَبْرَمْتَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَذَكَرَ حَبِيبٌ ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ : نَزَرْتَ رَاجَعْتَهُ . وَقَالَ الْأَخْفَشُ : نَزَرْتَ ، وَأَنْزَرْتَ الْبِئْرَ أَكْثَرْتَ الِاسْتِقَاءَ مِنْهَا حَتَّى يَقِلَّ مَاؤُهَا ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ ، وَدَفْعٌ نَزُورٌ أَيْ يَأْتِي مِنْهَا الشَّيْءُ مُنْقَطِعًا قَالَ : وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ سَأَلَهُ حَتَّى قَطَعَ عَنْهُ كَلَامَهُ لِأَنَّهُ تَبَرَّمَ بِهِ
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الرَّابِعُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَسِيرُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسِيرُ مَعَهُ لَيْلًا · ص 263 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث نزول سورة الفتح · ص 73 476 451 - وَأَمَّا حَدِيثُهُ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسِيرُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسِيرُ مَعَهُ لَيْلًا ، فَسَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ شَيْءٍ فَلَمْ يُجِبْهُ ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ ، فَقَالَ عُمَرُ : ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ عُمَرُ ، نَزَرْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ . كُلُّ ذَلِكَ لَا يُجِيبُكَ ، قَالَ عُمَرُ : فَحَرَّكْتُ بَعِيرِي حَتَّى إِذَا كُنْتُ أَمَامَ النَّاسِ ، وَخَشِيتُ أَنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ ، فَمَا نَشِبْتُ أَنْ سَمِعْتُ صَارِخًا يَصْرُخُ بِي ، قَالَ : فَقُلْتُ : لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ فِيَّ قُرْآنٌ . قَالَ : فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ : لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ثُمَّ قَرَأَ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا . 10526 - قَدْ ذَكَرْنَا فِي ( التَّمْهِيدِ ) مَنْ قَالَ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ فَأَسْنَدَهُ . 10527 - وَفِيهِ مِنْ وُجُوهِ الْعِلْمِ إِبَاحَةُ الْمَشْيِ عَلَى الدَّوَابِّ بِاللَّيْلِ ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى مَنْ لَا يَمْشِي بِهَا نَهَارًا ، أَوْ مَنْ يَمْشِي بِهَا نَهَارًا بَعْضَ الْمَشْيِ ، وَيَسْتَعْمِلُ فِي ذَلِكَ الرِّفْقَ عِنْدَ حَاجَتِهِ إِلَى الْمَشْيِ بِاللَّيْلِ لِأَنَّهَا عُجْمٌ لَا تُخْبِرُ عَنْ حَالِهَا ، وَقَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالرِّفْقِ بِهَا وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهَا . 10528 - وَفِيهِ أَنَّ الْعَالَمَ إِذَا سُئِلَ عَمَّا لَا يُرِيدُ الْجَوَابَ فِيهِ إِنْ سَكَتَ وَلَا يُجِيبُ بِـ نَعَمْ وَلَا بِـ لَا ، وَرُبَّ كَلَامٍ جَوَابُهُ السُّكُوتُ . 10529 - وَفِيهِ مِنَ الْأَدَبِ أَنَّ سُكُوتَ الْعَالِمِ عَنِ الْجَوَابِ يُوجِبُ عَلَى الْمُتَعَلِّمِ تَرْكَ الْإِلْحَاحِ عَلَيْهِ . 10530 - وَفِيهِ النَّدَمُ عَلَى إِيذَاءِ الْعَالَمِ وَالْإِلْحَاحِ عَلَيْهِ خَوْفَ غَضَبِهِ وَحِرْمَانِ فَائِدَتِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ; وَقَلَّ مَا أَغْضَبَ أَحَدٌ عَالِمًا إِلَّا حُرِمَ الْفَائِدَةَ مِنْهُ . 10531 - قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : لَوْ رَفَقْتُ بِابْنِ عَبَّاسٍ لَاسْتَخْرَجْتُ مِنْهُ عِلْمًا . 10532 - وَقَالُوا : كَانَ أَبُو سَلَمَةَ يُمَارِي ابْنَ عَبَّاسٍ ، فَحُرِمَ بِذَلِكَ عِلْمًا كَثِيرًا . 10533 - وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ عُمَرُ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) مِنَ التَّقْوَى وَخَوْفِ اللَّهِ تَعَالَى ، لِأَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يَكُونَ عَاصِيًا لِسُؤَالِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلَّ ذَلِكَ لَا يُجِيبُهُ ، وَالْمَعْلُومُ أَنَّ سُكُوتَ الْعَالِمِ عَنِ الْجَوَابِ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ دَلِيلٌ عَلَى كَرَاهَةِ ذَلِكَ السُّؤَالِ . 10534 - وَفِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّكُوتَ عَنِ السَّائِلِ يَعِزُّ عَلَيْهِ ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي طَبَائِعِ النَّاسِ ، وَلِهَذَا أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعُمَرَ يُؤْنِسُهُ . 10535 - وَفِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى مَنْزِلَةِ عُمَرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَوْضِعِهِ مِنْ قَلْبِهِ . 10536 - وَفِيهِ أَنَّ غُفْرَانَ الذُّنُوبِ خَيْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ لَوْ أُعْطِيَ ذَلِكَ ، وَذَلِكَ تَحْقِيرٌ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالدُّنْيَا وَتَعْظِيمٌ لِلْآخِرَةِ ، وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يُحَقِّرَ مَا حَقَّرَ اللَّهُ وَيُعَظِّمَ مَا عَظَّمَ اللَّهُ . 10537 - وَإِذَا كَانَ غُفْرَانُ الذُّنُوبِ كَمَا وُصِفَ ، فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ ( عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ) لَمْ يُكَفِّرْ عَنْهُ إِلَّا الصَّغَائِرُ ، لِأَنَّهُ لَا يَأْتِي كَبِيرَةً أَبَدًا لَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ، لِأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنَ الْكَبَائِرِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ . 10538 - وَالسَّفَرُ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ سُورَةُ الْفَتْحِ هُوَ مُنْصَرَفُهُ مِنْ خَيْبَرَ ، وَقِيلَ : مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ . 10539 - وَاخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ فَتْحًا مُبِينًا فَقَالَ قَوْمٌ : خَيْبَرُ ، وَقَالَ آخَرُونَ : الْحُدَيْبِيَةُ مَنْحَرُهُ وَمَحْلَقُهُ . 10540 - وَقَدْ ذَكَرْنَا أَقْوَالَهُمْ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ فِي ( التَّمْهِيدِ ) . 10541 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ : نَزَرْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : مَعْنَاهُ : أَكْرَهْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ ، أَيْ أَتَيْتَهُ بِمَا يَكْرَهُ . 10542 - وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : أَلْحَحْتُ ، وَكَرَّرْتُ السُّؤَالَ ، وَأَبْرَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 10543 - وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : نَزَرْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَيْ : أَلْحَحْتَ عَلَيْهِ . قَالَ : وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ : أَعْطَى عَطَاءً غَيْرَ مَنْزُورٍ ، أَيْ : بِغَيْرِ إِلْحَاحٍ ، وَأَنْشَدَ : فَخُذْ عَفْوَ مَا آتَاكَ لَا تَنْزُرَنَّهُ فَعِنْدَ بُلُوغِ الْكَدَرِ رَنْقُ الْمَشَارِبِ . 10544 - وَقَدْ ذَكَرَ حَبِيبٌ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : نَزَرْتُ رَاجَعْتُ . 10545 - وَقَالَ الْأَخْفَشُ : نَزَرْتُ الْبِئْرَ إِذَا أَكْثَرْتُ الْإِسْقَاءَ مِنْهَا حَتَّى يَقِلَّ مَاؤُهَا . يُقَالُ : بِئْرٌ نَزُورٌ : أَيْ قَلِيلَةُ الْمَاءِ وَكَذَلِكَ : دَمْعٌ نَزُورٌ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ سَأَلَهُ حَتَّى قَطَعَ عَلَيْهِ كَلَامَهُ فَتَبَرَّمَ بِهِ . 10546 - وَفِي إِدْخَالِ مَالِكٍ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) هَذَا الْحَدِيثَ فِي بَابٍ مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ التَّعْرِيفَ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَانَ يَنْزِلُ عَلَى النَّبِيِّ ( عَلَيْهِ السَّلَامِ ) عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ وَمَا يَعْرِضُ لَهُ مَعَ أَصْحَابِهِ ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ، وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي مَا مَضَى .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ · ص 17 478 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسِيرُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسِيرُ مَعَهُ لَيْلًا ، فَسَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ شَيْءٍ فَلَمْ يُجِبْهُ ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ ، فَقَالَ عُمَرُ : ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ عُمَرُ ، نَزَرْتَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلُّ ذَلِكَ لَا يُجِيبُكَ ، قَالَ عُمَرُ : فَحَرَّكْتُ بَعِيرِي حَتَّى إِذَا كُنْتُ أَمَامَ النَّاسِ وَخَشِيتُ أَنْ يُنْزَلَ فِيَّ قُرْآنٌ فَمَا نَشِبْتُ أَنْ سَمِعْتُ صَارِخًا يَصْرُخُ بِي ، قَالَ : فَقُلْتُ : لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ فِيَّ قُرْآنٌ ، قَالَ : فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ، ثُمَّ قَرَأَ : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا . 476 478 - ( مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ) الْعَدَوِيِّ مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيِّ ( عَنْ أَبِيهِ ) أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ ، ثِقَةٌ ، مُخَضْرَمٌ ، مَاتَ سَنَةَ ثَمَانِينَ ، وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَمِائَةِ سَنَةٍ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسِيرُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ ) هُوَ سَفَرُ الْحُدَيْبِيَةِ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا الْحَدِيثُ مُرْسَلٌ إِلَّا أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاتِّصَالِ ; لِأَنَّ أَسْلَمَ رَوَاهُ عَنْ عُمَرَ ، وَقَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُمَرَ مَوْصُولًا ، انْتَهَى . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، قَالَ الْحَافِظُ : هَذَا السِّيَاقُ صُورَتُهُ الْإِرْسَالُ ; لِأَنَّ أَسْلَمَ لَمْ يُدْرِكْ زَمَانَ هَذِهِ الْقِصَّةِ لَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ عُمَرَ ؛ لِقَوْلِهِ فِي أَثْنَائِهِ : قَالَ عُمَرُ : فَحَرَّكْتُ بَعِيرِي . وَقَدْ جَاءَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى : سَمِعْتُ عُمَرَ . أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدِ بْنِ عَثْمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، ثُمَّ قَالَ : لَا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ هَكَذَا إِلَّا ابْنَ عَثْمَةَ ، وَابْنَ غَزْوَانَ ، وَرِوَايَةُ ابْنِ غَزْوَانَ أَخْرَجَهَا أَحْمَدُ عَنْهُ ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْغَرَائِبِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ ، وَيَزِيدَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ ، وَإِسْحَاقَ الْحُنَيْنِيِّ كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ عَلَى الِاتِّصَالِ . ( وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسِيرُ مَعَهُ لَيْلًا ) فَفِيهِ إِبَاحَةُ السَّيْرِ عَلَى الدَّوَابِّ لَيْلًا ، وَحَمَلَهُ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَنْ لَا يَمْشِي بِهَا نَهَارًا ، أَوْ قَلَّ مَشْيُهُ بِهَا نَهَارًا ; لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِالرِّفْقِ بِهَا وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهَا قَالَهُ أَبُو عُمَرَ . ( فَسَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ شَيْءٍ فَلَمْ يُجِبْهُ ) لِاشْتِغَالِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْوَحْيِ ( ثُمَّ سَأَلَهُ ) ثَانِيًا ( فَلَمْ يَجُبْهُ ، ثُمَّ سَأَلَهُ ) ثَالِثًا ( فَلَمْ يَجُبْهُ ) وَلَعَلَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ ( فَقَالَ عُمَرُ : ثَكِلَتْكَ ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَكَسْرِ الْكَافِ ، أَيْ فَقَدَتْكَ ( أُمُّكَ ) يَا ( عُمَرُ ) فَهُوَ مُنَادَى بِحَذْفِ الْيَاءِ ، وَثَبَتَتْ فِي رِوَايَةٍ : دَعَا عَلَى نَفْسِهِ بِسَبَبِ مَا وَقَعَ مِنْهُ مِنَ الْإِلْحَاحِ خَوْفَ غَضَبِهِ وَحِرْمَانَ فَائِدَتِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَمَا غَضِبَ عَالِمٌ إِلَّا حُرِمَتْ فَائِدَتُهُ . قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : دَعَا عَلَى نَفْسِهِ بِالْمَوْتِ ، وَالْمَوْتُ يَعُمُّ كُلَّ أَحَدٍ ، فَإِذًا : الدُّعَاءُ كَلَا دُعَاءٍ ( نَزَرْتَ ) بِفَتْحِ النُّونِ وَالزَّايِ مُخَفَّفَةً فَرَاءٍ سَاكِنَةٍ ( رَسُولَ اللَّهِ ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أَيْ أَلْحَحْتَ عَلَيْهِ وَبَالَغْتَ فِي السُّؤَالِ ، أَوْ رَاجَعْتَهُ أَوْ أَتَيْتَهُ بِمَا يَكْرَهُ مِنْ سُؤَالِكَ . وَفِي رِوَايَةٍ بِتَشْدِيدِ الزَّايِ ، وَهُوَ عَلَى الْمُبَالَغَةِ ، أَيْ أَقْلَلْتَ كَلَامَهُ إِذْ سَأَلْتَهُ مَا لَا يُحِبُّ أَنْ يُجِيبَ عَنْهُ ، وَالتَّخْفِيفُ هُوَ الْوَجْهُ ، قَالَ الْحَافِظُ أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ : سَأَلْتُ عَنْهُ مِمَّنْ لَقِيتُ أَرْبَعِينَ فَمَا قَرَؤُوهُ قَطُّ إِلَّا بِالتَّخْفِيفِ ( ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلُّ ذَلِكَ لَا يُهيبُكَ ) فَفِيهِ أَنَّ سُكُوتَ الْعَالِمِ يُوجِبُ عَلَى الْمُتَعَلِّمِ تَرْكَ الْإِلْحَاحِ عَلَيْهِ ، وَإِنَّ لَهُ أَنْ يَسْكُتَ عَمَّا لَا يُرِيدُ أَنْ يُجِيبَ فِيهِ ( قَالَ عُمَرُ : فَحَرَّكْتُ بَعِيرِي حَتَّى إِذَا كُنْتُ أَمَامَ ) بِالْفَتْحِ ، قُدَّامَ ( النَّاسِ وَخَشِيتُ أَنْ يُنْزَلَ فِيَّ ) بِشَدِّ الْيَاءِ ( قُرْآنٌ فَمَا نَشِبْتُ ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ فَفَوْقِيَّةٍ ، فَمَا لَبِثْتُ وَمَا تَعَلَّقْتُ بِشَيْءٍ ( أَنْ سَمِعْتُ صَارِخًا ) لَمْ يُسَمَّ ( يَصْرُخُ بِي قَالَ ) عُمَرُ ( فَقُلْتُ : لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ فِيَّ قُرْآنٌ ) قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَرَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ يُؤْنِسُهُ ، وَيَدُلُّ عَلَى مَنْزِلَتِهِ عِنْدَهُ ( قَالَ ) عُمَرُ : ( فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ ) بَعْدَ رَدِّ السَّلَامِ ( لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ لَهِيَ ) بِلَامِ التَّأْكِيدِ ( أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ) لِمَا فِيهَا مِنَ الْبِشَارَةِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالْفَتْحِ وَغَيْرِهِمَا ، وَأَفْعَلُ قَدْ لَا يُرَادُ بِهَا الْمُفَاضَلَةُ ( ثُمَّ قَرَأَ : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَنَسٌ ، وَالْبَرَاءُ : هُوَ فَتْحُ الْحُدَيْبِيَةِ وَوُقُوعُ الصُّلْحِ . قَالَ الْحَافِظُ : فَإِنَّ الْفَتْحَ لُغَةً فَتْحُ الْمُغْلَقِ ، وَالصُّلْحُ كَانَ مُغْلَقًا حَتَّى فَتَحَهُ اللَّهُ ، وَكَانَ مِنْ أَسْبَابِ فَتْحِهِ صَدُّ الْمُسْلِمِينَ عَنِ الْبَيْتِ ، فَكَانَتِ الصُّورَةُ الظَّاهِرَةُ ضَيْمًا لِلْمُسْلِمِينَ ، وَالْبَاطِنَةِ عِزًّا لَهُمْ ، فَإِنَّ النَّاسَ لِلْأَمْنِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِمُ اخْتَلَطَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ ، وَأَسْمَعَ الْمُسْلِمُونَ الْمُشْرِكِينَ الْقُرْآنَ وَنَاظَرُوهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ جَهْرَةً آمِنِينَ ، وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ لَا يَتَكَلَّمُونَ عِنْدَهُمْ بِذَلِكَ إِلَّا خُفْيَةً فَظَهَرَ مَنْ كَانَ يُخْفِي إِسْلَامَهُ ، فَذَلَّ الْمُشْرِكُونَ مِنْ حَيْثُ أَرَادُوا الْعِزَّةَ وَقُهِرُوا مِنْ حَيْثُ أَرَادُوا الْغَلَبَةَ ، وَقِيلَ : هُوَ فَتْحُ مَكَّةَ ، نَزَلَتْ مَرْجِعَهُ مِنَ الْحُدَيْبِيَةَ عِدَةً لَهُ بِفَتْحِهَا ، وَأُتِيَ بِهِ مَاضِيًا لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ ، وَفِيهِ مِنَ الْفَخَامَةِ وَالدَّلَالَةِ عَلَى عُلُوِّ شَأْنِ الْمُخْبَرِ بِهِ مَا لَا يَخْفَى ، وَقِيلَ : الْمَعْنَى قَضَيْنَا لَكَ قَضَاءً بَيِّنًا عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ أَنْ تَدْخُلَهَا أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ قَابِلًا مِنَ الْفُتَاحَةِ وَهِيَ الْحُكُومَةُ ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُرَادِ مِنَ الْآيَاتِ . فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ ( سُورَةُ الْفَتْحِ : الْآيَةُ 1 ) فَتْحُ الْحُدَيْبِيَةِ لِمَا تَرَتَّبَ عَلَى الصُّلْحِ مِنَ الْأَمْنِ وَرَفْعِ الْحَرْبِ ، وَتَمَكُّنُ مَنْ كَانَ يَخْشَى الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ وَالْوُصُولَ إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْهُ ، وَتَتَابُعُ الْأَسْبَابِ إِلَى أَنْ كَمُلَ الْفَتْحُ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا فَالْمُرَادُ فَتْحُ خَيْبَرَ عَلَى الصَّحِيحِ ; لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ( سُورَةُ النَّصْرِ : الْآيَةُ 1 ) ، وَقَوْلُهُ : لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ فَفَتْحُ مَكَّةَ بِاتِّفَاقٍ ، فَبِهَذَا يَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ وَتَجْتَمِعُ الْأَقْوَالُ ، انْتَهَى . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَدْخَلَ مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ تَعْرِيفًا بِأَنَّهُ يَنْزِلُ فِي الْأَحْيَانِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ وَمَا يَعْرِضُ ، انْتَهَى . وَلِإِفَادَةِ أَنَّ مِنْهُ لَيْلِيٌّ . وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْمَغَازِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَفِي التَّفْسِيرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ .