492 حَدِيثٌ رَابِعٌ وَخَمْسُونَ لِأَبِي الزِّنَادِ مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ يَدْعُو بِهَا ، فَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي فِي الْآخِرَةِ . هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - وَهُوَ غَرِيبٌ . حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ رَشِيقٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ ، فَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَيُّوبُ بْنُ سُوَيْدٍ عَنْ مَالِكٍ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَادِلَ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي حَيَّةَ ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُوَيْدٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ يَدْعُو بِهَا ، فَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَهُمَا إِسْنَادَانِ صَحِيحَانِ لِمَالِكٍ ، أَحَدُهُمَا فِي الْمُوَطَّأِ ، وَهُوَ حَدِيثُ أَبِي الزِّنَادِ ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ . وَحَدِيثُ أَبِي الزِّنَادِ مَحْفُوظٌ عَنْ ثِقَاتِ أَصْحَابِ أَبِي الزِّنَادِ ، مِنْهُمْ : وَرْقَاءُ بْنُ عُمَرَ الْيَشْكُرِيُّ ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، وَجَمَاعَةٌ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي غَالِبٍ بِمِصْرَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَدْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا رِزْقُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ يَدْعُو بِهَا فِي الدُّنْيَا فَيُسْتَجَابُ لَهُ ، فَأُرِيدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ أُخَبِّئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي فِي الْآخِرَةِ . وَرَوَاهُ الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي ، وَهِيَ نَائِلَةٌ مِنْكُمْ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا . وَرَوَى أَبُو أُسَامَةَ وَوَكِيعٌ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ يَزِيدَ الْأَوْدِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا قَالَ : الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي أَشْفَعُ فِيهِ لِأُمَّتِي ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : عَلَى هَذَا أَهْلُ الْعِلْمِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا أَنَّهُ الشَّفَاعَةُ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنْ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ : أَنْ يُقْعِدَهُ مَعَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى الْعَرْشِ ، وَهَذَا عِنْدَهُمْ مُنْكَرٌ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ ، وَالَّذِي عَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْخَالِفِينَ أَنَّ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ هُوَ الْمُقَامُ الَّذِي يَشْفَعُ فِيهِ لِأُمَّتِهِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلُ مَا عَلَيْهِ الْجَمَاعَةُ مِنْ ذَلِكَ ، فَصَارَ إِجْمَاعًا فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ وَالسَّنَةِ . ذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ شَبَابَةَ ، عَنْ وَرْقَاءَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا قَالَ : شَفَاعَةُ مُحَمَّدٍ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَذَكَرَ بَقِيٌّ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَيْسٌ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ زِرٍّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا الشَّفَاعَةُ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ زِرٍّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ . وَذَكَرَ الْفِرْيَابِيُّ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِي الزَّعْرَاءِ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ . وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ ، عَنْ سَلْمَانَ قَالَ : الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ : الشَّفَاعَةُ . وَرَوَى سُفْيَانُ ، وَإِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ صِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : يَجْتَمِعُ النَّاسُ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ يَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ ، وَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي - زَادَ سُفْيَانُ فِي حَدِيثِهِ : حُفَاةً عُرَاةً سُكُوتًا كَمَا خُلِقُوا قِيَامًا لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ - ثُمَّ اجْتَمَعَا : فَيُنَادِي مُنَادٍ : يَا مُحَمَّدُ ، عَلَى رُؤُوسِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ ، فَيَقُولُ : لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ - زَادَ سُفْيَانُ : وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ - ثُمَّ اجْتَمَعَا : وَالْمَهْدِيُّ مَنْ هَدَيْتَ ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ ، وَمِنْكَ وَإِلَيْكَ ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَى إِلَّا إِلَيْكَ ، قَالَ حُذَيْفَةُ : فَذَلِكَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ : حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَبِي أَنِيسَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ صِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ . وَرَوَى عَبْدُ الرَّزاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرٍ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ فَذَكَرَ مِثْلَهُ . وَرَوَى يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَبْدَا نَبِيًّا أَوْ مَلِكًا نَبِيًّا ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ أَنْ تَوَاضَعْ ، فَاخْتَارَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَكُونَ عَبْدًا نَبِيًّا ، فَأُعْطِيَ بِهَا اثْنَيْنِ : أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ ، قَالَ قَتَادَةُ : وَكَانَ أَهْلُ الْعِلْمِ يَرَوْنَ أن الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا شَفَاعَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الشَّفَاعَةُ ، الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَابْنُ شِهَابٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ وَغَيْرُهُمْ . وَفِي الشَّفَاعَةِ أَحَادِيثُ مَرْفُوعَةٌ صِحَاحٌ مُسْنَدَةٌ ، مِنْ أَحْسَنِهَا : مَا حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ فَتْحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى قَالَا : حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ هِلَالٍ الْعَنْزِيُّ قَالَ : اجْتَمَعَ رَهْطٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَنَا فِيهِمْ ، فَأَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ، وَاسْتَشْفَعْنَا عَلَيْهِ بِثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ فَأَجْلَسَ ثَابِتًا مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ ، فَقُلْتُ : لَا تَسْأَلُوهُ عَنْ شيء غير هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَ ثَابِتٌ : يَا أَبَا حَمْزَةَ ، إِخْوَانُكَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ جَاءُوا يَسْأَلُونَكَ عَنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الشَّفَاعَةِ فَقَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ ، فَيُؤْتَى آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَيَقُولُونَ : يَا آدَمُ ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ ، فَيَقُولُ : لَسْتُ لَهَا ، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَإِنَّهُ خَلِيلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَيُؤْتَى إِبْرَاهِيمُ فَيَقُولُ : لَسْتُ لَهَا ، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى ، فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللَّهِ ، فَيُؤْتَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَيَقُولُ : لَسْتُ لَهَا ، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ، فَإِنَّهُ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ ، فَيُؤْتَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَيَقُولُ : لَسْتُ لَهَا ، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ ; فَأُوتَى فَأَقُولُ : أَنَا لَهَا ; فَأَنْطَلِقُ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ ، فَيُؤْذَنُ لِي ، فَأَقُومُ بَيْنَ يَدَيْهِ مَقَامًا ، فَيُلْهِمُنِي فِيهِ مَحَامِدَ لَا أَقْدِرُ عَلَيْهَا الْآنَ ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا ، فَيَقُولُ لِي : يَا مُحَمَّدُ ، ارْفَعْ رَأْسَكَ ، وَقُلْ تُسْمَعْ ، وَسَلْ تُعْطَ ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ ، فَأَقُولُ : أَيْ رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي ، فَيُقَالُ لِي : انْطَلِقْ ، فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ أَوْ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ فَأَخْرِجْهُ ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ ، ثُمَّ أَرْجِعُ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا ، فَيُقَالُ : يَا مُحَمَّدُ ، ارْفَعْ رَأْسَكَ ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ ، وَسَلْ تُعْطَ ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ ، فَأَقُولُ : أَيْ رَبِّ ، أُمَّتِي أُمَّتِي ، فَيُقَالُ : انْطَلِقْ ، فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى مِثْقَالِ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ . فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ أَنَسٍ قُلْتُ لِأَصْحَابِي : هَلْ لَكُمْ فِي الْحَسَنِ ، وَهُوَ مُسْتَخْفٍ فِي مَنْزِلِ أَبِي خَلِيفَةَ فِي عَبْدِ الْقَيْسِ ، فَأَتَيْنَاهُ فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ ، فَقُلْنَا : خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ أَخِيكَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، فَلَمْ نَسْمَعْ مِثْلَ مَا حَدَّثَنَا فِي الشَّفَاعَةِ . قَالَ : كَيْفَ حَدَّثَكُمْ ؟ فَحَدَّثْنَاهُ الْحَدِيثَ حَتَّى إِذَا انْتَهَيْنَا قُلْنَا : لَمْ يَزِدْنَا عَلَى هَذَا . قَالَ : لَقَدْ حَدَّثَنَا ( هَذَا ) الْحَدِيثَ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً ، وَلَقَدْ تَرَكَ مِنْهُ شَيْئًا ، فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ الشَّيْخُ أَمْ كَرِهَ أَنْ يُحَدِّثَكُمُوهُ فَتَتَّكِلُوا ؟ ثُمَّ قَالَ : فِي الرَّابِعَةِ ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا ، ثُمَّ أَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ ، فَيُقَالُ لِي : يَا مُحَمَّدُ ، ارْفَعْ رَأْسَكَ ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ ، وَسَلْ تُعْطَ ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ ، فَأَقُولُ : أَيْ رَبِّ ، ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ صَادِقًا . قَالَ : فَيَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : لَيْسَ لَكَ ، وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي ، لَأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ . فَأَشْهَدُ عَلَى الْحَسَنِ لَحَدَّثَنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ يَوْمَ حَدَّثَنَا بِهِ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ . وَرَوَى هَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ فِي الشَّفَاعَةِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ بِأَتَمِّ أَلْفَاظٍ . وَرَوَى سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ زِيَادٍ النُّمَيْرِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ بِمَعْنَاهُ فِي الشَّفَاعَةِ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الشَّفَاعَةَ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَكُونُ مَرَّتَيْنِ : مَرَّةً فِي الْمَوْقِفِ يَشْفَعُ فِي قَوْمٍ ، فَيَنْجُونَ مِنَ النَّارِ وَلَا يَدْخُلُونَهَا ، وَمَرَّةً بَعْدَ دُخُولِ قَوْمٍ مِنْ أُمَّتِهِ النَّارَ ، فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا بِشَفَاعَتِهِ ، وَقَدْ رُوِيَتْ آثَارٌ بِنَحْوِ هَذَا الْوَجْهِ ، يَعْنِي الْوَجْهَ الْأَوَّلَ فَاللَّهُ أَعْلَمُ . حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الرَّافِقِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْمُونٍ القرشي ، حَدَّثَنَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ أَنَّهَا قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِيَ مِمَّنْ تَشْفَعُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَقَالَ : لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَنْ تَخْمِشُكِ النَّارُ ، فَإِنَّ شَفَاعَتِي لِكُلِّ هَالِكٍ مِنْ أُمَّتِي تَخْمِشُهُ النَّارُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُضَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَمِّ حَبِيبَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ مَا تَلْقَى أُمَّتُهُ بَعْدَهُ مِنْ سَفْكِ دَمِ بَعْضِهَا بَعْضًا ، وَسَبْقِ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ كَمَا سَبَقَ فِي الْأُمَمِ قَبْلَهُمْ ، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يُوَلِّيَنِي شَفَاعَةً فِيهِمْ ، فَفَعَلَ . قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مُضَرُ قَالَ ، قال : حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنْ قَبْلِي ، بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ ، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ شَهْرًا ، فَيُرْعَبُ الْعَدُوُّ مِنِّي مَسِيرَةَ شَهْرٍ ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا ، وَقِيلَ لِي : سَلْ تُعْطَ ، فَاخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَهِيَ نَائِلَةٌ مِنْكُمْ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - مَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَامِدِ بْنِ ثَرْثَالٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الطَّيِّبِ بْنِ حَمْزَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ سُرَيْجٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : مَا زِلْنَا نُمْسِكُ عَنْ الِاسْتِغْفَارِ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ حَتَّى سَمِعْنَا مِنْ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَقَالَ : إِنِّي ادَّخَرْتُ ( دَعْوَتِي ) شَفَاعَةً لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ سُرَيْجٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ بِشْرٍ ، حَدَّثَنَا مَسْلَمَةُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَصْبَهَانِيُّ بِسِيرَافٍ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَابِتٍ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي قَالَ : فَقَالَ جَابِرٌ : مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ فَمَا لَهُ وَلِلشَّفَاعَةِ ؟ وَالْآثَارُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ ، وَالْجَمَاعَةُ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى التَّصْدِيقِ بِهَا ، وَلَا يُنْكِرُهَا إِلَّا أَهْلُ الْبِدَعِ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ فَلَا تُخْدَعُنَّ عَنْهُ ، وَآيَةُ ذَلِكَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ رَجَمَ وَأَبَا بَكْرٍ ، وَرَجَمْنَا بَعْدَهُمَا ، وَإِنَّهُ سَيَكُونُ أُنَاسٌ يُكَذِّبُونَ بِالرَّجْمِ ، وَيُكَذِّبُونَ بِاللِّعَانِ ، وَيُكَذِّبُونَ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا ، وَيُكَذِّبُونَ بِعَذَابِ الْقَبْرِ ، وَيُكَذِّبُونَ بِالشَّفَاعَةِ ، وَيُكَذِّبُونَ بِقَوْمٍ يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ بَعْدَمَا امْتُحِشُوا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : كُلُّ هَذَا يُكَذِّبُ بِهِ جَمِيعُ طَوَائِفِ أَهْلِ الْبِدَعِ : الْخَوَارِجِ ، وَالْمُعْتَزِلَةِ ، وَالْجَهْمِيَّةِ ، وَسَائِرِ الْفِرَقِ الْمُبْتَدِعَةِ ; وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّة أَئِمَّةُ الْفِقْهِ وَالْأَثَرِ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ فَيُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ كُلِّهِ وَيُصَدِّقُونَهُ ، وَهُمْ أَهْلُ الْحَقِّ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ فِي هَذَا الْبَابِ : لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ يَدْعُو بِهَا ، فَمَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أُعْطِيَ أُمْنِيَةً وَسُؤَالًا وَدَعْوَةً يَدْعُو بِهَا فِيمَا شَاءَ ، أُجِيبَ وَأُعْطِيَهُ . وَلَا وَجْهَ لِهَذَا الْحَدِيثِ غَيْرَ ذَلِكَ لِأَنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٍ ، وَلِغَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ أَيْضًا دَعَوَاتٌ مُسَتجَابَاتٌ ، وَمَا يَكَادُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ يَخْلُو مِنْ أَنْ تُجَابَ دَعْوَتُهُ وَلَوْ مَرَّةً فِي عُمْرِهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - يَقُولُ : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ وَقَالَ : بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلَّا كَانَ بَيْنَ إِحْدَى ثَلَاثٍ : إِمَّا أَنْ يُسْتَجَابَ لَهُ فِيمَا دَعَا بِهِ ، وَإِمَّا أَنْ يُدَّخَرَ لَهُ مِثْلُهُ ، أَوْ يُكَفَّرَ عَنْهُ . وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْخَبَرَ فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَقَالَ : دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ لَا تُرَدُّ وَلَوْ كَانَتْ مِنْ كَافِرٍ ، وَالدُّعَاءُ عِنْدَ حَضْرَةِ النِّدَاءِ ، وَالصَّفِّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَعِنْدَ نُزُولِ الْغَيْثِ ، وَفِي سَاعَةِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ لَا يُرَدُّ . فَإِنْ كَانَ هَذَا هَكَذَا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ ، فَكَيْفَ يَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٌ أَنْ لَيْسَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا لِسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا دَعْوَةٌ وَاحِدَةٌ يُجَابُونَ فِيهَا ، هَذَا مَا لَا يَتَوَهَّمُهُ ذُو لُبٍّ وَلَا إِيمَانٍ ، وَلَا مَنْ لَهُ أَدْنَى فَهْمٍ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةً قَدْ دَعَا بِهَا يُسْتَجَابُ فِيهَا ، فَاخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ القَيِامةِ ، أَوْ كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، آخِرُ حَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ . وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ يَدْعُو بِهَا فَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي · ص 62 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث أبي هريرة لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ يَدْعُو بِهَا · ص 133 492 ( 8 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي الدُّعَاءِ 468 - ذَكَرَ فِيهِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ يَدْعُو بِهَا ، فَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي فِي الْآخِرَةِ . 10744 - فَذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي ( التَّمْهِيدِ ) ، وَذَكَرْنَا أَنَّهُ عِنْدَ مَالِكٍ أَيْضًا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 10745 - وَمَعْنَاهُ عِنْدَنَا أَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ قَدْ أُعْطِيَ أُمْنِيَّةً يَتَمَنَّى بِهَا وَسُؤَالًا يَسْأَلُهُ وَيَدْعُو فِيهِ عَلَى نَحْوِ هَذَا الْوَجْهِ فَيُعْطَاهُ . 10746 - لَا وَجْهَ لِهَذَا الْحَدِيثِ عِنْدِي غَيْرَ هَذَا ، لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٍ ، وَلِغَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ أَيْضًا دَعَوَاتٌ مُسْتَجَابَاتٌ ، وَمَا يَكَادُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَلَا مِنَ الْمَظْلُومِينَ مَنْ كَانَ يَخْلُو مِنْ إِجَابَةِ دَعْوَتِهِ إِذَا شَاءَ رَبُّهُ . 10747 - قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ . 10748 - وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا مِنْ دَاعٍ إِلَّا كَانَ بَيْنَ أَحَدِ ثَلَاثٍ ، إِمَّا يُسْتَجَابُ لَهُ فِيمَا دَعَا بِهِ ، وَإِمَّا يُدَّخَرُ لَهُ مِثْلُهُ ، وَإِمَّا أَنْ يُكَفَّرَ عَنْهُ . 10749 - وَقَالَ : دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ لَا تُرَدُّ ، وَلَوْ كَانَتْ مِنْ كَافِرٍ . 10750 - وَقَالَ فِي السَّاعَةِ الَّتِي فِي يَوْمَ الْجُمُعَةِ : إِنَّهُ لَا يَسْأَلُ فِيهَا عَبْدٌ رَبَّهُ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ . 10751 - وَقَالَ فِي الدُّعَاءِ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَعِنْدَ الصَّفِّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَعِنْدَ نُزُولِ الْغَيْثِ : إِنَّهَا أَوْقَاتٌ يُرْجَى فِيهَا إِجَابَةُ الدُّعَاءِ . 10752 - وَهَذَا الْمَعْنَى كَثِيرٌ جِدًّا ، وَلِذَلِكَ ذَهَبْنَا فِي تَأْوِيلِ حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ إِلَى مَا وَصَفْنَا ، وَمُحَالٌ أَنْ لَا يَكُونَ نَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ غَيْرُهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ يُجَابُ مِنْ دُعَائِهِ إِلَّا فِي دَعْوَةٍ وَاحِدَةٍ ، هَذَا مَا لَا يَظُنُّهُ ذُو لُبٍّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 10753 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ قَدْ سَأَلَ سُؤَالًا أَوْ قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنْ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةً قَدْ دَعَا بِهَا يُسْتَجَابُ فِيهَا ، فَاخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ . 10754 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إِثْبَاتُ الشَّفَاعَةِ ، وَهُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَهُمْ مُجْمِعُونَ أَنَّ تَأْوِيلَ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا الْإِسْرَاءِ 79 ، الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ هُوَ شَفَاعَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمُذْنِبِينَ مِنْ أُمَّتِهِ ، وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا مُخَالِفًا إِلَّا شَيْئًا رَوَيْتُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ ، ذَكَرْتُهُ فِي ( التَّمْهِيدِ ) ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ خِلَافُهُ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْجَمَاعَةُ فَصَارَ إِجْمَاعًا مِنْهُمْ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 10755 - وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي ( التَّمْهِيدِ ) كَثِيرًا مِنْ أَقَاوِيلِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بِذَلِكَ ، وَذَكَرْتُ مِنْ أَحَادِيثَ الشَّفَاعَةِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ ، وَالْأَحَادِيثُ فِيهِ مُتَوَاتِرَةٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صِحَاحٌ ثَابِتَةٌ . 10756 - وَذَكَرْنَا أَيْضًا فِي ( التَّمْهِيدِ ) حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ ، وَحَدِيثَ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ . 10757 - وَقَالَ جَابِرٌ : مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ فَمَا لَهُ وَالشَّفَاعَةُ . 10758 - وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : مَا زِلْنَا نُمْسِكُ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ حَتَّى نَزَلَتْ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ النِّسَاءِ 116 . 10759 - وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَخَّرْتُ شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي . 10760 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ بِذَلِكَ فِي ( التَّمْهِيدِ ) . 10761 - وَهَذَا الْأَصْلُ الَّذِي يُنَازِعُنَا فِيهِ أَهْلُ الْبِدَعِ وَالنَّكْبَةِ الَّتِي عَوَّلَ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالسُّنَّةِ وَالْحَقِّ عَلَيْهَا ، وَفِي هَذَا الْبَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُوَفِّقُ لَهُمْ إِلَى الصَّوَابِ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب مَا جَاءَ فِي الدُّعَاءِ · ص 41 495 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ يَدْعُو بِهَا ، فَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي فِي الْآخِرَةِ . 492 495 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ ، ( عَنِ الْأَعْرَجِ ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ ، ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صَخْرٍ أَوْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ ) مُسْتَجَابَةٌ ( يَدْعُو بِهَا ) بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ مَقْطُوعٌ فِيهَا بِالْإِجَابَةِ وَمَا عَدَاهَا عَلَى رَجَاءِ الْإِجَابَةِ عَلَى غَيْرِ يَقِينٍ وَلَا وَعْدٍ . وَبِهَذَا أُجِيبَ عَنْ إِشْكَالٍ ظَاهِرُهُ بِمَا وَقَعَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الدَّعَوَاتِ الْمُجَابَةِ وَلَا سِيَّمَا نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِأَنَّ مَعْنَاهُ أَفْضَلُ دَعَوَاتِ كُلِّ نَبِيٍّ ، وَلَهُمْ دَعَوَاتٌ أُخْرَى ، وَبِأَنَّ مَعْنَاهُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ دَعْوَةٌ عَامَّةٌ مُسْتَجَابَةٌ فِي أُمَّتِهِ إِمَّا بِإِهْلَاكِهِمْ وَإِمَّا بِنَجَاتِهِمْ . وَأَمَّا الدَّعَوَاتُ الْخَاصَّةُ فَمِنْهَا مَا يُسْتَجَابُ وَمِنْهَا مَا لَا يُسْتَجَابُ . وَقِيلَ : لِكُلٍّ مِنْهُمْ دَعْوَةٌ تَخُصُّهُ لِدُنْيَاهُ أَوْ لِنَفْسِهِ كَقَوْلِ نُوحٍ : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ( سُورَةُ نُوحٍ : الْآيَةُ 26 ) ، وَقَوْلِ زَكَرِيَّا : رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ( سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : الْآيَةُ 38 ) ، وَقَوْلِ سُلَيْمَانَ : رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ( سُورَةُ ص : الْآيَةُ 35 ) حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : مَعْنَاهُ عِنْدِي أَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أُعْطِيَ أُمْنِيَةً يَتَمَنَّى بِهَا ; لِأَنَّهُ مُحَالٌ أَنْ يَكُونَ نَبِيُّنَا أَوْ غَيْرُهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لَا يُجَابُ مِنْ دُعَائِهِ إِلَّا دَعْوَةً وَاحِدَةً ، وَمَا يَكَادُ أَحَدٌ يَخْلُو مِنْ إِجَابَةِ دَعْوَتِهِ إِذَا شَاءَ رَبُّهُ ، قَالَ تَعَالَى : فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ ( سُورَةُ الْأَنْعَامِ : الْآيَةُ 41 ) وَقَالَ ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ لَا تُرَدُّ وَلَوْ كَانَتْ مِنْ كَافِرٍ . وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : مَا مِنْ دَاعٍ إِلَّا كَانَ بَيْنَ إِحْدَى ثَلَاثٍ : إِمَّا أَنْ يُسْتَجَابَ لَهُ فِيمَا دَعَا ، وَإِمَّا أَنْ يُدَّخَرَ مِثْلُهُ ، وَإِمَّا أَنْ يُكَفَّرَ عَنْهُ . وَجَاءَ فِي سَاعَةِ الْجُمُعَةِ لَا يَسْأَلُ فِيهَا عَبْدٌ رَبَّهُ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ . وَقَالَ فِي الدُّعَاءِ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ ، وَعِنْدَ الصَّفِّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَعِنْدَ الْغَيْثِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ أَنَّهَا أَوْقَاتٌ تُرْجَى فِيهَا إِجَابَةُ الدُّعَاءِ . ( فَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ ) بِسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ فَهَمْزَةٍ ، أَيْ أَدَّخِرَ ( دَعْوَتِي ) الْمَقْطُوعَ بِإِجَابَتِهَا ( شَفَاعَةً لِأُمَّتِي فِي الْآخِرَةِ ) فِي أَهَمِّ أَوْقَاتِ حَاجَتِهِمْ ، فَفِيهِ كَمَالُ شَفَقَتِهِ عَلَى أُمَّتِهِ وَرَأْفَتُهُ بِهِمْ وَاعْتِنَاؤُهُ بِالنَّظَرِ فِي مَصَالِحِهِمْ ، جَزَاهُ اللَّهُ عَنَّا أَفْضَلَ مَا جَزَى نَبِيًّا عَنْ أُمَّتِهِ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : فِي الْحَدِيثِ بَيَانُ فَضِيلَةِ نَبِيِّنَا عَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ حَيْثُ آثَرَ أُمَّتَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ بِدَعْوَتِهِ الْمُجَابَةِ ، وَلَمْ يَجْعَلْهَا أَيْضًا دُعَاءً عَلَيْهِمْ كَمَا وَقَعَ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ تَقَدَّمَ . وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : هَذَا مِنْ حُسْنِ تَصَرُّفِهِ ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ; لِأَنَّهُ جَعَلَ الدَّعْوَةَ فِيمَا يَنْبَغِي ، وَمِنْ كَثْرَةِ كَرَمِهِ ; لِأَنَّهُ آثَرَ أُمَّتَهُ عَلَى نَفْسِهِ ، وَمِنْ صِحَّةِ نَظَرِهِ ; لِأَنَّهُ جَعَلَهَا لِلْمُذْنِبِينَ مِنْ أُمَّتِهِ لِكَوْنِهِمْ أَحْوَجَ إِلَيْهَا مِنَ الطَّائِعِينَ ، هَذَا وَقَوْلُ بَعْضِ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ : جَمِيعُ دَعَوَاتِ الْأَنْبِيَاءِ مُجَابَةٌ ، وَالْمُرَادُ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ دَعَا عَلَى أُمَّتِهِ بِالْإِهْلَاكِ إِلَّا أَنَا فَلَمْ أَدْعُ فَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ عِوَضًا عَنْ ذَلِكَ لِلصَّبْرِ عَلَى أَذَاهُمْ . وَالْمُرَادُ بِالْأُمَّةِ أُمَّةُ الدَّعْوَةِ لَا أُمَّةُ الْإِجَابَةِ ، تَعَقَّبَهُ الطِّيبِيُّ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعَا عَلَى أَحْيَاءِ الْعَرَبِ وَعَلَى أُنَاسٍ مِنْ قُرَيْشٍ بِأَسْمَائِهِمْ ، وَدَعَا عَلَى رَعْلٍ وَذَكْوَانَ وَمُضَرَ ، قَالَ : وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةً تُسْتَجَابُ فِي حَقِّ أُمَّتِهِ فَنَالَهَا كُلٌّ مِنْهُمْ فِي الدُّنْيَا ، وَأَمَّا نَبِيُّنَا فَإِنَّهُ لَمَّا دَعَا عَلَى بَعْضِ أَمَتِهِ نَزَلَ عَلَيْهِ : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ( سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : الْآيَةُ 128 ) فَأَبْقَى تِلْكَ الدَّعْوَةَ الْمُسْتَجَابَةَ مُدَّخَرَةً لِلْآخِرَةِ . وَغَالِبُ مَنْ دَعَا عَلَيْهِمْ لَمْ يُرِدْ إِهْلَاكَهُمْ وَإِنَّمَا أَرَادَ رَدْعَهُمْ لِيَتُوبُوا . قَالَ : وَأَمَّا جَزْمُهُ أَوَّلًا بِأَنَّ جَمِيعَ أَدْعِيَةِ الْأَنْبِيَاءِ مُجَابَةٌ فَغَفْلَةٌ عَنِ الْحَدِيثِ : سَأَلْتُ اللَّهَ ثَلَاثًا فَأَعْطَانِي اثْنَتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً . الْحَدِيثَ ، انْتَهَى . وَفِيهِ إِثْبَاتُ الشَّفَاعَةِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَهِيَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ ، قَالَ : وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى : عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ( سُورَةُ الْإِسْرَاءِ : الْآيَةُ 79 ) هُوَ الشَّفَاعَةُ فِي الْمُذْنِبِينَ مِنْ أُمَّتِهِ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ جُلُوسُهُ عَلَى الْعَرْشِ . وَرُوِيَ عَنْهُ كَالْجَمَاعَةِ فَصَارَ إِجْمَاعًا ، وَقَدْ صَحَّ نَصًّا عَنِ النَّبِيِّ ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَأَحَادِيثُ الشَّفَاعَةِ مُتَوَاتِرَةٌ صِحَاحٌ مِنْهَا : شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي . وَقَالَ جَابِرٌ : مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ فَمَا لَهُ وَلِلشَّفَاعَةِ وَلَا يُنَازِعُ فِي ذَلِكَ إِلَّا أَهْلُ الْبِدَعِ ، انْتَهَى . وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ : حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِكٌ بِهِ ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِهِ ، فَلِمَالِكٍ فِيهِ إِسْنَادَانِ .