499 حَدِيثٌ خَامِسٌ لِأَبِي الزُّبَيْرِ . مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ ، عَنْ طَاوُسَ الْيَمَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ ، يَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ الدُّعَاءَ فَيَحُضُّهُمْ عَلَيْهِ وَيَأْمُرُهُمْ بِهِ ، وَيَقُولُ : إِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ ، وَيَتْلُو : وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ وَقَدْ قَالُوا : إِنَّ الدُّعَاءَ مخ [في المطبوع مَعَ والصواب ما أثبتناه] الْعِبَادَةِ ; لِأَنَّ فِيهَا الْإِخْلَاصَ وَالضَّرَاعَةَ وَالْإِيمَانَ وَالْخُضُوعَ ، وَاللَّهُ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ ، وَلِذَلِكَ أَمَرَ عِبَادَهُ أَنْ يَسْأَلُوهُ مِنْ فَضْلِهِ ، وَقَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْوَاعٌ مِنَ الدُّعَاءِ يُوَاظِبُ عَلَيْهِ وَيَدْعُو بِهِ لَا يَقُومُ بِهِ كِتَابٌ لِكَثْرَتِهِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْإِقْرَارُ بِعَذَابِ الْقَبْرِ ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي جَوَازِ تَصْحِيحِهِ وَاعْتِقَادِ ذَلِكَ وَالْإِيمَانِ بِهِ ، وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ بِالدَّجَّالِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَخْبَارَ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ فِي بَابِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ وَغَيْرِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَذَكَرْنَا أَخْبَارَ الدَّجَّالِ فِي بَابِ نَافِعٍ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَأَمَّا فِتَنُ الْمَحْيَا فَكَثِيرَةٌ جِدًّا فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالدِّينِ ( وَالدُّنْيَا ) ، أَجَارَنَا اللَّهُ مِنْ مُضِلَّاتِ الْفِتَنِ ، وَأَمَّا فِتَنُ الْمَمَاتِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِذَا احْتُضِرَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْقَبْرِ أَيْضًا ، وَمِمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُوَاظِبُ عَلَيْهِ مِنَ الدُّعَاءِ مَا أَخْبَرَنَاهُ خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَادَةُ بْنُ مُسْلِمٍ الْفَزَارِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي جُبَيْرُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مَعَ ابْنِ عُمَرَ فَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ فِي دُعَائِهِ حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ - لَمْ يَدَعْهُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا وَمَاتَ - : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي ، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي وَآمِنْ رَوْعَاتِي ، اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي ، وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي ، وَمِنْ فَوْقِي وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي قَالَ جُبَيْرٌ : وَهُوَ الْخَسْفُ . قَالَ عُبَادَةُ : فَلَا أَدْرِي أَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ قَوْلُ جُبَيْرٍ ؟
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْخَامِسُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ · ص 185 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثاراستعاذة النبي من عذاب القبر ومن فتنة المسيح الدجال · ص 158 499 475 - وَأَمَّا حَدِيثُهُ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ عَنْ طَاوُسٍ الْيَمَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ ، يَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ، وَأَعُوِذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ . 10873 - فَفِيهِ الْإِقْرَارُ بِعَذَابِ جَهَنَّمَ ، أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْهَا ، وَالْإِقْرَارُ بِعَذَابِ الْقَبْرِ وَفِتْنَتِهِ ، وَتَعْلِيمِ الدُّعَاءِ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَمِنْ فِتَنِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ . 10874 - وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ وَمَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالسُّنَّةِ فِي ذَلِكَ . 10875 - وَفِيهِ الْإِقْرَارُ بِخُرُوجِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ، وَالْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ كَثِيرٍ مِنْهَا فِي كِتَابِ ( الْجَامِعِ ) وَهُنَاكَ يُذْكَرُ اشْتِقَاقُ اسْمِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ وَالْمَسِيحِ ابْنِ مَرْيَمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 10876 - وَلَمَّا كَانَتِ السَّاعَةُ آتِيَةً لَا مَحَالَةَ ، وَكَانَ وَقْتُهَا مَغِيبًا عَنَّا ، وَالْخَبَرُ الصَّادِقُ أَنَّهَا تَأْتِينَا بَغْتَةً ، وَكَانَ مِنْ أَشْرَاطِهَا خُرُوجُ الدَّجَّالِ ، أَمَرَنَا بِالتَّعَوُّذِ مِنْ فِتْنَتِهِ ، وَهِيَ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ لِمَنْ أَدْرَكَتْهُ وَخَذَلَهُ اللَّهُ وَلَمْ يَعْصِمْهُ . 10877 - وَأَمَّا فِتَنُ الْمَحْيَا فَكَثِيرَةٌ جِدًّا فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالدِّينِ ، أَجَارَنَا اللَّهُ مِنْ مُضِلَّاتِ الْفِتَنِ . 10878 - وَفِتْنَةُ الْمَمَاتِ تَكُونُ عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْمَوْتِ وَتَكُونُ فِي الْقَبْرِ ، ثَبَّتَنَا اللَّهُ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ، فَكَمْ مِمَّنْ يُفْتَنُ عَنْ دِينِهِ فِي حِينِ الْمَوْتِ خَتَمَ اللَّهُ لَنَا بِالْإِيمَانِ وَفِي أَفْضَلِ مَا يَزْكُو مَعَهُ مِنَ الْأَعْمَالِ . 10879 - وَقَدْ رَوَيْنَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ فِي ( التَّمْهِيدِ ) أَنَّهُ قَالَ : النَّاسُ خُلِقُوا طَبَقَاتٍ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِنًا وَيَحْيَا مُؤْمِنًا وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا وَيَحْيَا كَافِرًا وَيَمُوتُ كَافِرًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا وَيَحْيَا كَافِرًا وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِنًا وَيَحْيَا مُؤْمِنًا وَيَمُوتُ كَافِرًا . 10880 - فَوَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ ذِي لُبٍّ أَنْ يَتَعَوَّذَ بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ . 10881 - فَهَذَا إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ ( إِبْرَاهِيمَ 35 ) . 10882 - وَيُوسُفُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ يُوسُفَ 101 . 10883 - وَكَانَ مِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَإِذَا أَرَدْتَ بِالنَّاسِ فِتْنَةً فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ . 10884 - فَمَا يَأْمَنُ الْفِتْنَةَ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا مَنْ خَذَلَهُ اللَّهُ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب مَا جَاءَ فِي الدُّعَاءِ · ص 51 502 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ ، عَنْ طَاوُسٍ الْيَمَانِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمْ السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ ، يَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ . 499 502 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ) مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ ( الْمَكِّيِّ ) الْأَسَدِيِّ ، مَوْلَاهُمْ صَدُوقٌ . وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ : ثِقَةٌ . وَقَالَ أَحْمَدُ : لَا بَأْسَ بِهِ . وَقَالَ أَبُو عُمَرَ : ثِقَةٌ ، حَافِظٌ ، مُتْقِنٌ ، رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ وَالسُّفْيَانَانِ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ ، لَا يُلْتَفَتُ إِلَى قَوْلِ شُعْبَةَ فِيهِ ، وَرَوَى لَهُ الْجَمِيعُ ، مَاتَ بِمَكَّةَ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ ، وَقِيلَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ ( عَنْ طَاوُسٍ ) ابْنِ كَيْسَانَ ( الْيَمَانِيِّ ) الْحَضْرَمِيِّ ، مَوْلَاهُمُ الْفَارِسِيِّ ، يُقَالُ اسْمُهُ ذَكْوَانَ ، وَطَاوُسٌ لَقَبٌ ، ثِقَةٌ ، فَقِيهٌ ، فَاضِلٌ ، مَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَمِائَةٍ ، وَقِيلَ بَعْدَهَا ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ ) تَشْبِيهٌ فِي تَحْفِيظِ حُرُوفِهِ وَتَرْتِيبِ كَلِمَاتِهِ وَمَنْعِ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ مِنْهُ وَالدَّرْسِ لَهُ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ ( يَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ ) أَيْ عُقُوبَتِهَا ، وَالْإِضَافَةُ مَجَازِيَّةٌ ، أَوْ مِنْ إِضَافَةِ الْمَظْرُوفِ إِلَى ظَرْفِهِ ( وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ) الْعَذَابُ اسْمٌ لِلْعُقُوبَةِ وَالْمَصْدَرُ التَّعْذِيبُ ، فَهُوَ مُضَافٌ إِلَى الْفَاعِلِ مَجَازًا ، أَوِ الْإِضَافَةُ مِنْ إِضَافَةِ الْمَظْرُوفِ إِلَى ظَرْفِهِ عَلَى تَقْدِيرِ فِي ، أَيْ مِنْ عَذَابٍ فِي الْقَبْرِ ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَهُ . ( وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ ) امْتِحَانِ وَاخْتِبَارِ ( الْمَسِيحِ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَخِفَّةِ السِّينِّ الْمَكْسُورَةِ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ ، وَصَحَّفَ مَنْ أَعْجَمَهَا ، يُطْلَقُ عَلَى الدَّجَّالِ وَعَلَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، لَكِنْ إِذَا أُرِيدَ الْأَوَّلُ قُيِّدَ كَمَا قَالَ ( الدَّجَّالِ ) وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : الْمَسِيحُ مُثَقَّلٌ الدَّجَّالُ ، وَمُخَفَّفٌ عِيسَى ، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ . وَنَقَلَ الْمُسْتَمْلِي عَنِ الْفَرَبْرِيِّ ، عَنْ خَلَفِ بْنِ عَامِرٍ الْهَمْدَانِيِّ أَحَدِ الْحُفَّاظِ : الْمَسِيحُ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ وَاحِدٌ يُقَالُ لِلدَّجَّالِ وَلِعِيسَى لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا ، بِمَعْنَى لَا اخْتِصَاصَ لِأَحَدِهِمَا بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ ، لُقِّبَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ أَوْ لِأَنَّ أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ خُلِقَ مَمْسُوحًا لَا عَيْنَ فِيهِ وَلَا حَاجِبَ ، أَوْ لِأَنَّهُ يَمْسَحُ الْأَرْضَ إِذَا خَرَجَ . وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ : مَنْ خَفَّفَهُ فَلِمَسْحِهِ الْأَرْضَ ، وَمَنْ شَدَّدَ فَلِأَنَّهُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ . وَأَمَّا عِيسَى فَقِيلَ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ مَمْسُوحًا بِالدُّهْنِ ، أَوْ لِأَنَّ زَكَرِيَّا مَسَحَهُ ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَمْسَحُ ذَا عَاهَةٍ إِلَّا بَرِئَ ، أَوْ لِمَسْحِهِ الْأَرْضَ بِسِيَاحَتِهِ ، أَوْ لِأَنَّ رِجْلَهُ لَا أَخْمَصَ لَهَا ، أَوْ لِلَبْسِهِ الْمُسُوحَ ، وَقِيلَ هُوَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَاسِحٌ فَعُرِّبَ الْمَسِيحُ ، وَقِيلَ : الْمَسِيحُ الصِّدِّيقُ . ( وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا ) هِيَ مَا يَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ مِنْ الِافْتِتَانِ بِالدُّنْيَا وَالشَّهَوَاتِ وَالْجَهَالَاتِ ، وَأَعْظَمُهَا وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ أَمْرُ الْخَاتِمَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ ( وَ ) فِتْنَةِ ( الْمَمَاتِ ) قَالَ الْبَاجِيُّ : هِيَ فِتْنَةُ الْقَبْرِ . وَقَالَ أَبُو عُمَرَ : يَحْتَمِلُ إِذَا احْتُضِرَ ، وَيَحْتَمِلُ فِي الْقَبْرِ أَيْضًا . وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : يَجُوزُ أَنَّهَا الْفِتْنَةُ عِنْدَ الْمَوْتِ أُضِيفَتْ إِلَيْهِ لِقُرْبِهَا مِنْهُ ، وَفِتْنَةُ الْمَحْيَا مَا قَبْلَ ذَلِكَ ، وَيَجُوزُ أَنَّهَا فِتْنَةُ الْقَبْرِ ، وَقَدْ صَحَّ : إِنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ مِثْلَ أَوْ قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ ، وَلَا يَتَكَرَّرُ مَعَ قَوْلِهِ : ( عَذَابِ الْقَبْرِ ) ; لِأَنَّ الْعَذَابَ مُرَتَّبٌ عَلَى الْفِتْنَةِ وَالسَّبَبُ غَيْرُ الْمُسَبَّبِ ، وَقِيلَ : فِتْنَةُ الْمَحْيَا الِابْتِلَاءُ مَعَ زَوَالِ الصَّبْرِ ، وَالْمَمَاتِ : السُّؤَالُ فِي الْقَبْرِ مَعَ الْحَيْرَةِ ، وَهُوَ مِنَ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ ; لِأَنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ دَاخِلٌ تَحْتَ فِتْنَةِ الْمَمَاتِ ، وَفِتْنَةَ الدَّجَّالِ دَاخِلَةٌ تَحْتَ فِتْنَةِ الْمَحْيَا . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ : إِنَّ الْمَيِّتَ إِذَا سُئِلَ ، مَنْ رَبُّكَ ؟ تَرَاءَى لَهُ الشَّيْطَانُ فَيُشِيرُ إِلَى نَفْسِهِ أَنَا رَبُّكَ ، فَلِذَا وَرَدَ سُؤَالُ الثَّبَاتِ لَهُ حِينَ يُسْأَلُ ، ثُمَّ رُوِيَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ إِذَا وُضِعَ الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ أَنْ يَقُولُوا : اللَّهُمَّ أَعِذْهُ مِنَ الشَّيْطَانِ . وَفِي مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الْآخِرِ فَلْيَتَعَوَّذْ مِنْ أَرْبَعٍ : مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ ، وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ قَالَ الْحَافِظُ : فَهَذَا يُعَيِّنُ أَنَّ هَذِهِ الِاسْتِعَاذَةَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ التَّشَهُّدِ فَيَكُونُ سَابِقًا عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَدْعِيَةِ . وَمَا وَرَدَ أَنَّ الْمُصَلِّيَ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ مَا شَاءَ يَكُونُ بَعْدَ هَذِهِ الِاسْتِعَاذَةِ وَقَبْلَ السَّلَامِ ، انْتَهَى . وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَقَالَ مُسْلِمٌ بَعْدَهُ : بَلَغَنِي أَنَّ طَاوُسًا قَالَ لِابْنِهِ : أَدَعَوْتَ بِهَا فِي صَلَاتِكَ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : أَعِدْ صَلَاتَكَ ؛ لِأَنَّ طَاوُسًا رَوَاهُ عَنْ ثَلَاثَةٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ ، وَهَذَا الْبَلَاغُ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَرَى وُجُوبَهُ ، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ .