564 حَدِيثُ تَاسِعَ عَشَرَ لِنَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ . مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ، فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ ، يُقَالُ لَهُ : هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . . هَكَذَا قَالَ يَحْيَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ : حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَهُوَ خَارِجُ الْمَعْنَى عَلَى وَجْهِ التَّفْسِيرِ وَالْبَيَانِ لِحَتَى يَبْعَثَكَ اللَّهُ . وَقَالَ الْقَعْنَبِيُّ : حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَهَذَا أَبْيَنُ وَأَصَحُّ مِنْ أَنْ يُحْتَاجَ فِيهِ إِلَى قَوْلٍ . وَقَالَ فِيهِ ابْنُ الْقَاسِمِ : حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَهَذَا أَيْضًا بَيَّنٌ ، يُرِيدُ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إِلَى ذَلِكَ الْمَقْعَدِ ، وَإِلَيْهِ تَصِيرُ ; وَهُوَ عِنْدِي - أَشْبَهُ بِقَوْلِهِ : عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ ، لِأَنَّ مَعْنَى مَقْعَدِهِ - عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - مُسْتَقَرُّهُ ، وَمَا يَصِيرُ إِلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ بُكَيْرٍ ، كَمَا رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ سَوَاءٌ فِي رِوَايَةِ قَوْمٍ عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ ، مِنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَازٍ ، وَيَحْيَى بْنُ عَامِرٍ وَغَيْرُهُمْ ، وَرَوَاهُ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ ، فَقَالَ فِيهِ : حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ - لَمْ يَزِدْ . وَاخْتُلِفَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَرِيبًا مِنْ هَذَا الِاخْتِلَافِ عَلَى مَالِكٍ . أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، وَابْنُ نُمَيْرٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يُعْرَضُ أَحَدُكُمْ إِذَا مَاتَ عَلَى مَقْعَدِهِ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً . هَكَذَا قَالَ أَبُو أُسَامَةَ ، وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ : إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ عُرِضَ عَلَى مَقْعَدِهِ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ، فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ . قَالَ أَبُو أُسَامَةَ : إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ : حَتَّى يُبْعَثَ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَرِوَايَةُ أَبِي أُسَامَةَ نَحْوُ رِوَايَةِ يَحْيَى ، وَرِوَايَةُ ابْنِ نُمَيْرٍ نَحْوُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَابْنِ بُكَيْرٍ . وَرَوَاهُ اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ ، فَقَالَ فِيهِ : حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَهَذَا نَحْوُ رِوَايَةِ الْقَعْنَبِيِّ . قَرَأْتُهُ عَلَى عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سُفْيَانَ ، عَنْ قَاسِمٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ اللَّيْثِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : أَلَا إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ ، حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَالْمَعَانِي فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مُتَقَارِبَةٌ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مَخْلُوقَتَانِ ، كَمَا يَقُولُ أَهْلُ السُّنَّةِ فِي ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي آلِ فِرْعَوْنَ : النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا الْآيَةَ ، وَقَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا . الْحَدِيثَ ، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْمَسَاكِينَ ، وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ . وَقَوْلُهُ : دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَأَخَذْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا ، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ حَفَّهَا بِالْمَكَارِهِ ، وَخَلَقَ النَّارَ فَحَفَّهَا بِالشَّهَوَاتِ . الْحَدِيثَ ، وَهَذَا كَثِيرٌ وَالْآثَارُ فِي خَلْقِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ بِأَنَّهُمَا قَدْ خُلِقَتَا كَثِيرَةٌ ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ ; حَدِيثُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ الْحَدِيثُ الطَّوِيلُ ، رَوَاهُ سُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، وَعَنْ زَاذَانَ ، عَنِ الْبَرَاءِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ حَدِيثٌ فِيهِ طُولٌ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ ، قَالَ فِيهِ : فَيُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ ، وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ ، فَيَقُولَانِ لَهُ مَنْ رَبُّكَ ؟ فَيَقُولُ رَبِّيَ اللَّهُ ; فَيَقُولَانِ لَهُ : مَا دِينُكَ ؟ فَيَقُولُ : دِينِيَ الْإِسْلَامُ ; فَيَقُولَانِ ( لَهُ ) : مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ ؟ فَيَقُولُ : هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ; فَيَقُولَانِ : وَمَا عِلْمُكَ ؟ فَيَقُولُ : قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ ، وَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ ، فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ : أَنْ صَدَقَ عَبْدِي فَافْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ ; قَالَ : فَيَأْتِيهِ مِنْ طِيبِهَا وَرَوْحِهَا ، وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ . وَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى قِصَّةِ الْكَافِرِ ، فَيُقَالُ لَهُ : مَنْ رَبُّكَ ؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ ؟ وَمَا دِينُكَ ؟ فَيَقُولُ : لَا أَدْرِي لَا أَدْرِي ; فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ : افْرِشُوا لَهُ مِنَ النَّارِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ ; قَالَ : فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسُمُومِهَا . قَالَ : وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلَاعُهُ - وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ . وَهَذَا الْحَدِيثُ يُفَسِّرُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْبَابِ ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، قَوْلُهُ : إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، أَوْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ . وَيُبَيِّنُ الْمُرَادَ مِنْهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ ، لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ ، فَيَأْتِيهِ الْمَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ ، فَيَقُولَانِ : مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ ، لِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ ، فَيَقُولُ : أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ، فَيُقَالُ لَهُ : انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا ، قَالَ قَتَادَةُ : وَذَكَرَ لَنَا أَنَّهُ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ : إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا ، فَإِذَا أُدْخِلَ الْمُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ ; أَتَاهُ مَلَكٌ شَدِيدُ الِانْتِهَارِ ; فَيَقُولُ : مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ ؟ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ : كُنْتُ أَقُولُ : إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَبْدُهُ ; فَيَقُولُ الْمَلَكُ : اطَّلِعْ إِلَى مَقْعَدِكِ الَّذِي كَانَ لَكَ مِنَ النَّارِ ، قَدْ أَنْجَاكَ اللَّهُ مِنْهُ ، وَأَبْدَلَكَ مَكَانَهُ مَقْعَدَكَ الَّذِي تَرَى مِنَ الْجَنَّةِ ، فَيَرَاهُمَا كِلَيْهِمَا ; فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ : دَعُونِي أُبَشِّرُ أَهْلِي ، فَيُقَالُ لَهُ : اسْكُنْ هَذَا مَقْعَدَكَ أَبَدًا - وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ فِي الْمُنَافِقِ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ خَبَّابٍ ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عمرو ، عَنْ زَاذَانَ ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ; قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَلَسَ عَلَى الْقَبْرِ ، وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ كَأَنَّ عَلَى رُؤُوسِنَا الطَّيْرُ ; فَقَالَ : أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْقَبْرِ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي إِقْبَالٍ مِنَ الْآخِرَةِ وَانْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا ، نَزَلَتْ إِلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : فَإِذَا عَرَجَ بِرُوحِهِ ، قَالُوا : أَيْ رَبِّ ، عَبْدُكُ ; فَيُقَالُ : أَرْجِعُوهُ ، فَإِنِّي عَهِدْتُ إِلَيْهِمْ أَنَّ مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ ، وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ ، وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى . وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَسَاقَ فِي الْكَافِرِ مِثْلَ ذَلِكَ أَيْضًا ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : أَحَدُكُمْ ، فَإِنَّ الْخِطَابَ تَوَجَّهَ إِلَى أَصْحَابِهِ وَإِلَى الْمُنَافِقِينَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ . فَيُعْرَضُ عَلَى الْمُؤْمِنِ مِنْهُمْ مَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ ، وَعَلَى الْمُنَافِقِ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ ، عَلَى نَحْوِ مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْإِقْرَارُ بِالْمَوْتِ وَالْبَعْثِ بَعْدَهُ ، وَالْإِقْرَارُ بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْأَرْوَاحَ عَلَى أَفْنِيَةِ الْقُبُورِ ، وَهُوَ أَصَحُّ مَا ذُهِبَ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ الْآثَارِ ، لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الدَّالَّةَ عَلَى ذَلِكَ ثَابِتَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ ، وَكَذَلِكَ أَحَادِيثُ السَّلَامِ عَلَى الْقُبُورِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ . .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ التَّاسِعَ عَشَرَ إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ · ص 103 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث ابن عمر إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مِقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ · ص 347 564 525 - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مِقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ ، يُقَالُ لَهُ : هَذَا مِقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . 11820 - هَكَذَا قَالَ يَحْيَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ : حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . 11821 - وَهُوَ مَعْنًى مَفْهُومٌ عَلَى مَعْنَى التَّفْسِيرِ وَالْبَيَانِ لِـ حَتَى يَبْعَثُكَ اللَّهُ . 11822 - وَقَالَ الْقَعْنَبِيُّ : حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . 11823 - وَهَذَا أَثْبَتُ وَأَوْضَحُ مِنْ أَنْ يُحْتَاجَ فِيهِ إِلَى قَوْلٍ . 11824 - وَقَالَ فِيهِ ابْنُ الْقَاسِمِ : حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . 11825 - وَهَذَا أَيْضًا بَيِّنٌ ، يُرِيدُ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إِلَى ذَلِكَ الْمَقْعَدِ وَإِلَيْهِ تَصِيرُ . 11826 - وَهُوَ عِنْدِي أَشْبَهُ لِقَوْلِهِ عُرِضَ عَلَيْهِ مِقْعَدُهُ ، لِأَنَّ مَعْنَى مِقْعَدُهُ عِنْدِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ : مُسْتَقَرُّهُ وَمَا يَسِيرُ إِلَيْهِ مِنْ جَنَّةٍ أَوْ نَارٍ . 11827 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ بُكَيْرٍ كَمَا رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ : حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ لَمْ يَزِدْ . 11828 - وَاخْتُلِفَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَرِيبًا مِنَ الِاخْتِلَافِ فِيهِ عَلَى مَالِكٍ فِيمَا وَصَفْنَا . 11829 - وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْهَاءُ فِي حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إِلَيْهِ رَاجِعَةً عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَيْ : إِلَى اللَّهِ ، فَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ، وَإِلَيْهِ تَرْجِعُ الْأُمُورُ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ عِنْدِي ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 11830 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مَخْلُوقَتَانِ كَمَا يَقُولُ جَمَاعَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَهُمُ الْجَمَاعَةُ الَّذِينَ هُمُ الْحُجَّةُ ، أَهْلُ الرَّأْيِ وَالْآثَارِ . 11831 - وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ ( عَزَّ وَجَلَّ ) : يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ الْبَقَرَةِ 35 . 11832 - وَقَوْلُهُ تَعَالَى : لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ الْأَعْرَافِ 27 . 11833 - وَقَالَ : إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى طه 117 . 11834 - وَقَالَ لِإِبْلِيسَ : فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ الْحِجْرِ 34 . 11835 - وَقَالَ ( عَزَّ وَجَلَّ ) فِي آلِ فِرْعَوْنَ : النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا غَافِرَ 46 . 11836 - وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا . . الْحَدِيثَ . 11837 - وَقَوْلُهُ ( عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ) : اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْمَسَاكِينَ ، وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ . 11838 - وَقَوْلُهُ : دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَأَخَذْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا . 11839 - وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ حَفَّهَا بِالْمَكَارِهِ ، وَخَلَقَ النَّارَ فَحَفَّهَا بِالشَّهَوَاتِ . 11840 - وَالْآثَارُ فِي أَنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ قَدْ خُلِقَتَا كَثِيرَةٌ جِدًّا . 11841 - وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ مَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ دُحَيْمٌ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنِ الْمَيِّتَ تَحْضُرُهُ الْمَلَائِكَةُ ، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ قَالُوا : اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ ، اخْرُجِي حَمِيدَةً وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ . . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ قَالَ : فَيَجْلِسُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فِي قَبْرِهِ غَيْرَ فَزِعٍ ، وَيُفْرَجُ لَهُ فُرْجَةً إِلَى النَّارِ فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا يُحَطِّمُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَيُقَالُ لَهُ : انْظُرْ إِلَى مَا وَقَاكَ اللَّهُ ، ثُمَّ يُفْرَجُ لَهُ فُرْجَةٌ إِلَى الْجَنَّةِ فَيَنْظُرُ إِلَى زَهْرَتِهَا وَمَا فِيهَا ، فَيُقَالُ لَهُ : هَذَا مَقْعَدُكَ . . وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ . 11842 - وَفِيهِ بَيَانُ وَتَفْسِيرُ حَدِيثِ الْبَرَاءِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ فِي ( التَّمْهِيدِ ) . 11843 - وَفِيهِ قَالَ : فَتُعَادُ رُوحُهُ إِلَى جَسَدِهِ وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ وَيَقُولَانِ لَهُ : مَنْ رَبُّكَ ؟ فَيَقُولُ : رَبِّيَ اللَّهُ ، وَيَقُولَانِ لَهُ : مَا دِينُكَ ؟ فَيَقُولُ : دِينِي الْإِسْلَامُ ، وَيَقُولَانِ لَهُ : مَنْ نَبِيُّكَ ؟ فَيَقُولُ : نَبِيِّي مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ : صَدَقَ عَبْدِي ، فَافْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ . قَالَ : فَيَأْتِيهِ مِنْ طِيبِهَا وَرَوْحِهَا وَيُفْتَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ . . الْحَدِيثَ . 11844 - وَفِيهِ فِي الْكَافِرِ أَنَّهُ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى النَّارِ فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلَاعُهُ . 11845 - وَهَذَا الْحَدِيثُ يُفَسِّرُ أَيْضًا حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْبَابِ وَيُبَيِّنُ الْمُرَادَ مِنْهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 11846 - وَالْأَحَادِيثُ بِهَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ جِدًّا . 11847 - وَأَمَّا قَوْلُهُ إِن أَحَدَكُمْ فَإِنَّ الْخِطَابَ مُوَجَّهٌ إِلَى أَصْحَابِهِ وَإِلَى الْمُنَافِقِينَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، فَيُعْرَضُ عَلَى الْمُؤْمِنِ مِقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ ، وَعَلَى الْمُنَافِقِ مِقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ . 11848 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْإِقْرَارُ بِالْمَوْتِ وَالْبَعْثِ بَعْدَهُ وَالْإِقْرَارُ بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ . 11849 - وَكَذَا يَسْتَدِلُّ بِهِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْأَرْوَاحَ عَلَى أَفَنِيَّةِ الْقُبُورِ وَهُوَ أَصَحُّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ بِذَلِكَ أَحْسَنُ مَجِيئًا وَأَثْبَتُ نَقْلًا مِنْ غَيْرِهَا . 11850 - وَالْمَعْنَى عِنْدِي أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ عَلَى أَفَنِيَّةِ قُبُورِهَا لَا عَلَى أَنَّهَا لَا تَرِيمُ وَلَا تُفَارِقُ أَفَنِيَّةَ الْقُبُورِ بَلْ هِيَ كَمَا قَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْأَرْوَاحَ تَسْرَحُ حَيْثُ شَاءَتْ . 11851 - وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ : الْأَرْوَاحُ عَلَى الْقُبُورِ سَبْعَةُ أَيَّامٍ مِنْ يَوْمِ دَفْنِ الْمَيِّتِ لَا تُفَارِقُ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب جَامِعِ الْجَنَائِزِ · ص 121 566 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ ، يُقَالُ لَهُ : هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . 564 566 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ) أَيْ فِيهِمَا ، قَالَ الْبَاجِيُّ : الْعَرْضُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى حَيٍّ يَعْلَمُ مَا يُعْرَضُ عَلَيْهِ وَيَفْهَمُ مَا يُخَاطَبُ بِهِ ، قَالَ : وَيَحْتَمِلُ غَدَاةً وَاحِدَةً وَعَشِيَّةً وَاحِدَةً ، وَيَحْتَمِلُ كُلَّ غَدَاةٍ وَكُلَّ عَشِيٍّ . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : يَحْتَمِلُ غَدَاةً وَاحِدَةً وَعَشِيَّةً وَاحِدَةً يَكُونُ الْعَرْضُ فِيهِمَا ، وَيَكُونُ مَعْنى حَتَّى يَبْعَثَكَ أَيْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ ، وَيَحْتَمِلُ كُلَّ غَدَاةٍ وَعَشِيٍّ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ يُحْيَا مِنْهُ جُزْءٌ لِيُدْرِكَ ذَلِكَ ، فَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ أَنْ تُعَادَ الْحَيَاةُ إِلَى جُزْءٍ مِنَ الْمَيِّتِ أَوْ أَجْزَاءٍ ، وَتَصِحُّ مُخَاطَبَتُهُ وَالْعَرْضُ عَلَيْهِ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَالْأَوَّلُ مُوَافِقٌ لِأَحَادِيثِ سِيَاقِ الْمَسْأَلَةِ وَعَرْضُ الْمَقْعَدَيْنِ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : يَجُوزُ أَنَّ هَذَا الْعَرْضَ عَلَى الرُّوحِ فَقَطْ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مَعَ جُزْءٍ مِنَ الْبَدَنِ ، قَالَ : وَالْمُرَادُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ وَقْتُهُمَا وَإِلَّا فَالْمَوْتَى لَا صَبَاحَ عِنْدَهُمْ وَلَا مَسَاءَ ، قَالَ : وَهَذَا فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ وَاضِحٌ ، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ الْمُخَلِّطُ فَمُحْتَمَلٌ أَيْضًا فِي حَقِّهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ فِي الْجُمْلَةِ ثُمَّ هُوَ مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ الشُّهَدَاءِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ فَائِدَةُ الْعَرْضِ فِي حَقِّهِمْ تَبْشِيرُ أَرْوَاحِهِمْ بِاسْتِقْرَارِهَا فِي الْجَنَّةِ مُقْتَرِنَةً بِأَجْسَادِهَا ، فَإِنَّ فِيهِ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى مَا هِيَ فِيهِ الْآنَ . ( إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ) اتَّحَدَ فِيهِ الشَّرْطُ وَالْجَزَاءُ لَفْظًا فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرٍ ، قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ : التَّقْدِيرُ : فَمَقْعَدٌ مِنْ مَقَاعِدِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يُعْرَضُ عَلَيْهِ ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ : الشَّرْطُ وَالْجَزَاءُ إِذَا اتَّحَدَا لَفْظًا دَلَّ عَلَى الْفَخَامَةِ ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَرَى بَعْدَ الْبَعْثِ مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ مَا يُنْسِيهِ هَذَا الْمَقْعَدَ ، انْتَهَى . وَعِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ : إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَالْجَنَّةُ ، أَيْ فَالْمَعْرُوضُ الْجَنَّةُ . ( وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ ) أَيْ فَمَقْعَدُهُ مِنْ مَقَاعِدِ أَهْلِهَا يُعْرَضُ عَلَيْهِ أَوْ يَعْلَمُ بِالْعَكْسِ مِمَّا يُسَرُّ بِهِ أَهْلُ الْجَنَّةِ ; لِأَنَّ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ طَلِيعَةُ تَبَاشِيرِ أَهْلِ السَّعَادَةِ الْكُبْرَى وَمُقَدِّمَةُ تَبَارِيحِ الشَّقَاوَةِ الْعُظْمَى ، وَفِي ذَلِكَ تَنْعِيمٌ لِمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَتَعْذِيبٌ لِمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ بِمُعَايَنَةِ مَا أُعِدَّ لَهُ ، وَانْتِظَارِهِ ذَلِكَ الْيَوْمَ الْمَوْعُودَ ( يُقَالُ ) لَهُ ( هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) كَذَا فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بِلَفْظِ إِلَى وَلِلْأَكْثَرِ بِحَذْفِهَا ، وَلِيَحْيَى النَّيْسَابُورِيِّ ، وَابْنِ الْقَاسِمِ إِلَيْهِ بِالضَّمِيرِ ، حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ : وَالْمَعْنَى حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إِلَى هَذَا الْمَقْعَدِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ إِلَى اللَّهِ ، فَإِلَى اللَّهِ تَرْجِعُ الْأُمُورُ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ . قَالَ الْحَافِظُ : وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ : ثُمَّ يُقَالُ : هَذَا مَقْعَدُكَ الَّذِي تُبْعَثُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ . وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ رِوَايَةَ ابْنِ الْقَاسِمِ لَكِنْ بِحَذْفِ إِلَيْهِ كَالْأَكْثَرِينَ ، وَفِيهِ إِثْبَاتُ عَذَابِ الْقَبْرِ وَأَنَّ الرُّوحَ لَا تَفْنَى بِفَنَاءِ الْجَسَدِ ; لِأَنَّ الْعَرْضَ لَا يَقَعُ إِلَّا عَلَى حَيٍّ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْأَرْوَاحَ عَلَى أَفْنِيَةِ الْقُبُورِ وَهُوَ الصَّحِيحُ ; لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ بِذَلِكَ أَصَحُّ مِنْ غَيْرِهَا ، وَالْمَعْنَى عِنْدِي أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ عَلَى أَفْنِيَةِ الْقُبُورِ لَا أَنَّهَا لَا تُفَارِقُهَا ، بَلْ هِيَ كَمَا قَالَ مَالِكٌ : بَلَغَنِي أَنَّ الْأَرْوَاحَ تَسْرَحُ حَيْثُ شَاءَتْ ، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، ومسلم عَنْ يَحْيَى ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ .