689 حَدِيثٌ ثَانٍ وَخَمْسُونَ لِأَبِي الزِّنَادِ مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الصِّيَامُ جُنَّةٌ ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ ، فَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ ، فَلْيَقُلْ : إِنِّي صَائِمٌ ، إِنِّي صَائِمٌ . أَمَّا الصِّيَامُ فِي الشَّرِيعَةِ فَمَعْنَاهُ الْإِمْسَاكُ عَنِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَوَطْءِ النِّسَاءِ نَهَارًا إِذَا كَانَ تَارِكُ ذَلِكَ يُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ وَيَنْوِيهِ ، هَذَا مَعْنَى الصِّيَامِ فِي الشَّرِيعَةِ عِنْدَ جَمِيعِ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ ، وَأَمَّا أَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ فَالْإِمْسَاكُ مُطْلَقًا ، وَكُلُّ مَنْ أَمْسَكَ عَنْ شَيْءٍ فَقَدْ صَامَ عَنْهُ ، ويسمى صائما ، أَلَا تَرَى قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا فَسَمَّى الْإِمْسَاكَ عَنِ الْكَلَامِ صَوْمًا ، وَكُلُّ مُمْسِكٍ عَنْ حَرَكَةٍ أَوْ عَمَلٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ فَهُوَ صَائِمٌ فِي أَصْلِ اللِّسَانِ ، لَكِنَّ الِاسْمَ الشَّرْعِيَّ مَا قَدَّمْتُ لَكَ ، وَهُوَ يَقْضِي فِي الْمَعْنَى عَلَى الِاسْمِ اللُّغَوِيِّ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا شَوَاهِدَ الشِّعْرِ عَلَى الِاسْمِ اللُّغَوِيِّ فِي الصِّيَامِ ، وَاسْتَوْعَبْنَا الْقَوْلَ فِي مَعْنَاهُ فِي بَابِ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : الصِّيَامُ جُنَّةٌ ، فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ ، وَيَحْيَى ، وَأَبُو مُصْعَبٍ ، وَجَمَاعَةٌ ، وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ بُكَيْرٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الصِّيَامُ جَنَّةٌ ، وَإِنَّمَا قَالَ : عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلَا يَرْفُثْ ، الْحَدِيثَ ، وَالْجُنَّةُ : الْوِقَايَةُ وَالسِّتْرُ مِنَ النَّارِ ، وَحَسْبُكَ بِهَذَا فَضْلًا لِلصَّائِمِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْحَجَبِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ الْغَنَوِيُّ ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِي كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : الصِّيَامُ جُنَّةٌ يَسْتَجِنُّ بِهَا الْعَبْدُ مِنَ النَّارِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلَا يَرْفُثْ . فَإِنَّ الرَّفَثَ هُنَا الْكَلَامُ الْقَبِيحُ ، وَالتَّشَاتُمُ وَالْخَنَا وَالتَّلَاعُنُ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ قَبِيحِ الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ سِلَاحُ اللِّئَامِ ، وَمِنْهُ اللَّغْوُ كُلُّهُ وَالْبَاطِلُ وَالزُّورُ . قَالَ الْعَجَّاجُ : عَنِ اللَّغَا وَرَفَثِ الْكَلَامِ . قَرَأْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ، أَنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْرُوقٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مِسْكِينٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَنْجَرٍ الْجُرْجَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا فِطْرٌ قَالَ : حَدَّثَنِي زِيَادُ بْنُ الْحُصَيْنِ ، عَنْ رَفِيعٍ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ حُجَّاجًا فَأَحَرَمَ فَأَحْرَمْنَا ، ثُمَّ نَزَلَ يَسُوقُ الْإِبِلَ وَهُوَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ : وَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسَا إِنْ تَصْدُقِ الطَّيْرُ تُجَامِعْ لَمِسَا قُلْتُ : يَا أَبَا عَبَّاسٍ ، أَلَسْتَ مُحْرِمًا ؟ قَالَ : بَلَى . قُلْتُ : فَهَذَا الْكَلَامُ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ ؟ قَالَ : إِنَّهُ لَا يَكُونُ الرَّفَثُ إِلَّا مَا وَاجَهْتَ بِهِ النِّسَاءَ وَلَيْسَ مَعِي نِسَاءٌ . وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : وَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسَا إِنْ تَصْدُقِ الطَّيْرُ تَنِكْ لَمِيسَا قَالَ أَبُو عُمَرَ : الرَّفَثُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : الْجِمَاعُ ، وَالْآخَرُ : الْكَلَامُ الْقَبِيحُ ، وَالْفُحْشُ مِنَ الْمَقَالِ ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ فَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الرَّفَثَ ههُنَا جِمَاعُ النِّسَاءِ وَغَشَيَانُهُنَّ ، وَالْفُسُوقُ : الْمَعَاصِي بِإِجْمَاعٍ ، وَالْجِدَالُ : الْمِرَاءُ ، وَقِيلَ : السِّبَابُ وَالْمُشَاتَمَةُ ، وَقِيلَ : أَلَّا تُغْضِبَ صَاحِبَكَ ، وَقِيلَ : أَن لَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ الْيَوْمِ ، لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَقَامَ فِي ذِي الْحِجَّةِ ، وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ أَنَّ الرَّفَثَ هَهُنَا الْجِمَاعُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ ، فَلْيَقُلْ : إِنِّي صَائِمٌ . فَفِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ يَقُولُ لِلَّذِي يُرِيدُ مُشَاتَمَتَهُ وَمُقَاتَلَتَهُ : إِنِّي صَائِمٌ ، وَصَوْمِي يَمْنَعُنِي مِنْ مُجَاوَبَتِكَ لِأَنِّي أَصُونُ صَوْمِي عَنِ الْخَنَا وَالزُّورِ مِنَ الْقَوْلِ ، بِهَذَا أُمِرْتُ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَانْتَصَرْتُ لِنَفْسِي بِمِثْلِ مَا قُلْتَ لِي سَوَاءً ، وَنَحْوَ ذَلِكَ ، وَالْمَعْنَى حِينَئِذٍ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فِي الْحَدِيثِ أَنْ الصَّائِمَ نُهِيَ عَنْ مُقَاتَلَتِهِ بِلِسَانِهِ وَمُشَاتَمَتِهِ ، وَصَوْنُهُ صَوْمَهُ عَنْ ذَلِكَ ، وَبِهَذَا وَرَدَ الْحَدِيثُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ : فَهِمْتُ الْإِسْنَادَ مِنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، وَأَفْهَمَنِي الْحَدِيثَ رَجُلٌ إِلَى جَنْبِهِ أُرَاهُ ابْنَ أَخِيهِ ، وَرَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّ الصَّائِمَ يَقُولُ فِي نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ : إِنِّي صَائِمٌ يَا نَفْسِي ، فَلَا سَبِيلَ إِلَى شِفَاءِ غَيْظِكِ بِالْمُشَاتَمَةِ ، وَلَا يُظْهِرُ قَوْلَهُ : إِنِّي صَائِمٌ لِمَا فِيهِ مِنَ الرِّيَاءِ وَاطْلَاعِ النَّاسِ عَلَى عَمَلِهِ ; لِأَنَّ الصَّوْمَ مِنَ الْعَمَلِ الَّذِي لَا يَظْهَرُ ، وَلِذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الصَّائِمَ أَجَرَهُ بِغَيْرِ حِسَابٍ عَلَى حَسَبِمَا نَذْكُرُ فِي الْبَابِ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَلِلصِّيَامِ فَرَائِضُ وَسُنَنٌ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فَرَائِضَهُ فِي بَابِ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَمِنْ سُنَنِهِ أَنْ لَا يَرْفُثَ الصَّائِمُ وَلَا يَغْتَابَ أَحَدًا ، وَأَنْ يَجْتَنِبَ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ ، عَلَى مَا جَاءَ فِي آثَارِ هَذَا الْبَابِ وَغَيْرِهَا ، وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ، فَمَعْنَاهُ الْكَرَاهِيَةُ وَالتَّغْلِيظُ ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : مِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَلْيُشَقِّصِ الْخَنَازِيرَ . أَيْ يَذْبَحْهَا أَوْ يَنْحَرْهَا أَوْ يَقْتُلْهَا بِالْمِشْقَصِ . وَلَيْسَ هَذَا عَلَى الْأَمْرِ بِشَقْصِ الْخَنَازِيرِ ، وَلَكِنَّهُ عَلَى تَعْظِيمِ إِثْمِ شَارِبِ الْخَمْرِ ، فَكَذَلِكَ مَنِ اغْتَابَ أَوْ شَهِدَ زُورًا أَوْ مُنْكَرًا لَمْ يُؤْمَرْ بِأَنْ يَدَعَ صِيَامَهُ ، وَلَكِنَّهُ يُؤْمَرُ بِاجْتِنَابِ ذَلِكَ لِيَتِمَّ لَهُ أَجْرُ صَوْمِهِ ، فَاتَّقَى عَبْدٌ رَبَّهُ وَأَمْسَكَ عَنِ الْخَنَا وَالْغَيْبَةِ وَالْبَاطِلِ بِلِسَانِهِ ، صَائِمًا كَانَ أَوْ غَيْرَ صَائِمٍ ، فَإِنَّمَا يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلرَّشَادِ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ · ص 53 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث أبي هريرة الصيام جنة · ص 242 689 649 - وَذُكِرَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الصِّيَامُ جُنَّةٌ ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلَا يَرْفُثْ ، وَلَا يَجْهَلْ ، فَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ : إِنِّي صَائِمٌ إِنِّي صَائِمٌ . 14718 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الصِّيَامُ فِي الشَّرِيعَةِ : الْإِمْسَاكُ عَنِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ . هَذَا فَرْضُهُ عِنْدَ جَمِيعِ الْأَئِمَّةِ . وَسُنَنُهُ اجْتِنَابُ قَوْلِ الزُّورِ وَاللَّغْوِ وَالرَّفَثِ . 14719 - وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ : الْإِمْسَاكُ مُطْلَقًا ، وَكُلُّ مَنْ أَمْسَكَ عَنْ شَيْءٍ فَهُوَ صَائِمٌ مِنْهُ ، أَلَا تَرَى قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى : إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا 14720 - وَقَوْلُهُ : جُنَّةٌ فَهِيَ الْوِقَايَةُ وَالسِّتْرُ عَنِ النَّارِ ، وَحَسْبُكَ بِهَذَا فَضْلًا لِلصَّائِمِ . 14721 - وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الصِّيَامُ جُنَّةٌ : يَسْتَجِنُّ بِهَا الْعَبْدُ مِنَ النَّارِ . 14722 - وَقَوْلُهُ : فَلَا يَرْفُثُ فَالرَّفَثُ هُنَا الْكَلَامُ الْقَبِيحُ ، وَالشَّتْمُ ، وَالْخَنَا ، وَالْغَيْبَةُ ، وَالْجَفَاءُ ، وَأَنْ تُغْضِبَ صَاحِبَكَ بِمَا يَسُوءُهُ ، وَالْمِرَاءُ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ كُلِّهِ . 14723 - وَمَعْنَى لَا يَجْهَلْ قَرِيبٌ مِمَّا يُصِيبُنَا مِنَ الشَّتْمِ وَالسِّبَابِ وَالْقِبَاحِ ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ : أَلَا لَا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا فَنَجْهَلُ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَا 14724 - وَ اللَّغْوُ هُوَ الْبَاطِلُ . قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا 14725 - قَالَ الْعَجَّاجُ : عَنِ اللَّغَا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ 14726 - وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أَنَّهُ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ حُجَّاجًا ، فَأَحْرَمَ وَأَحْرَمْنَا ، ثُمَّ نَزَلَ يَرْتَجِزُ يَسُوقُ الْإِبِلَ وَيَقُولُ : وَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسَا إِنْ تَصْدُقِ الطَّيْرُ تَنِكْ لَمِيسًا فَقُلْتُ : يَا أَبَا عَبَّاسٍ : أَلَسْتَ مُحْرِمًا ؟ قَالَ : بَلَى ، فَقُلْتُ : هَذَا الْكَلَامُ الَّذِي تَكَلَّمُ بِهِ ؟ قَالَ : لَا يَكُونُ الرَّفَثُ إِلَّا مَا وَاجَهْتَ بِهِ النِّسَاءَ ، وَلَيْسَ مَعَنَا نِسَاءٌ . 14727 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِهِ - عِزَّ وَجَلَّ - : فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ . 14728 - فَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الرَّفَثَ هَاهُنَا جِمَاعُ النِّسَاءِ . 14729 - وَكَذَلِكَ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ أَنَّهُ الْجِمَاعُ . 14730 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ : إِنِّي صَائِمٌ فَفِيهِ قَوْلَانِ : 14731 - ( أَحَدُهُمَا ) : أَنْ يَقُولَ الَّذِي يُرِيدُ مُشَاتَمَتَهُ وَمُقَاتَلَتَهُ : إِنِّي صَائِمٌ وَصَوْمِي يَمْنَعُنِي مِنْ مُجَاوَبَتِكَ ؛ لِأَنِّي أَصُونُ صَوْمِي عَنِ الْخَنَا وَالزُّورِ ، وَالْمَعْنَى فِي الْمُقَاتَلَةِ : مُقَاتَلَتُهُ بِلِسَانِهِ . 14732 - وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورَ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ . 14733 - وَالْمَعْنَى الثَّانِي أَنَّ الصَّائِمَ يَقُولُ فِي نَفْسِهِ : إِنِّي صَائِمٌ يَا نَفْسِي ، فَلَا سَبِيلَ إِلَى شِفَاءِ غَيْظِكِ بِالْمُشَاتَمَةِ ، وَلَا يُعْلِنُ بِقَوْلِهِ : إِنِّي صَائِمٌ ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الرِّيَاءِ وَاطِّلَاعِ النَّاسِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ مِنَ الْعَمَلِ الَّذِي لَا يَظْهَرُ ، وَكَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الصَّائِمَ أَجْرَهُ بِغَيْرِ حِسَابٍ . 14734 - وَمَعْنَى قَوْلِهِ : مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةً أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ . فَمَعْنَاهُ الْكَرَاهَةُ وَالتَّحْذِيرُ كَمَا جَاءَ : مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَلْيُشَقِّصِ الْخَنَازِيرَ أَيْ يَذْبَحْهَا . وَلَيْسَ هَذَا عَلَى الْأَمْرِ بِتَشْقِيصِ الْخَنَازِيرِ ، وَلَكِنَّهُ عَلَى تَعْظِيمِ إِثْمِ شَارِبِ الْخَمْرِ . 14735 - وَكَذَلِكَ مَنِ اغْتَابَ ، أَوْ شَهِدَ زُورًا أَوْ مُنْكَرًا لَمْ يُؤْمَرْ بِأَنْ يَدَعَ صِيَامَهُ ، وَلَكِنَّهُ بِاجْتِنَابِ ذَلِكَ لِيَتِمَّ لَهُ أَجْرُ صَوْمِهِ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب جَامِعِ الصِّيَامِ · ص 291 685 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الصِّيَامُ جُنَّةٌ ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا ، فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ ، فَإِنْ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ : إِنِّي صَائِمٌ ، إِنِّي صَائِمٌ . 689 685 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ ، ( عَنِ الْأَعْرَجِ ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ ، ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الصِّيَامُ جُنَّةٌ ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَشَدِّ النُّونِ أَيْ وِقَايَةٌ وَسُتْرَةٌ ، قِيلَ مِنَ الْمَعَاصِي لِأَنَّهُ يَكْسِرُ الشَّهْوَةَ وَيُضْعِفُهَا ، وَلِذَا قِيلَ : إِنَّهُ لِجَامُ الْمُتَّقِينَ ، وَجُنَّةُ الْمُحَارِبِينَ ، وَرِيَاضَةُ الْأَبْرَارِ وَالْمُقَرَّبِينَ ، وَقِيلَ : جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لِأَنَّهُ إِمْسَاكٌ عَنِ الشَّهَوَاتِ وَالنَّارُ مَحْفُوفَةٌ بِهَا ، وَقَدْ زَادَ التِّرْمِذِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ : مِنَ النَّارِ ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي يُونُسَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : جُنَّةٌ وَحِصْنٌ حَصِينٌ مِنَ النَّارِ ، وَلِلنِّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِي جُنَّةٌ كَجُنَّةِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْقِتَالِ ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ عَنْهُ : جُنَّةٌ يَسْتَجِنُّ بِهَا الْعَبْدُ مِنَ النَّارِ ، وَلِلْبَيْهَقِيِّ عَنْهُ : جُنَّةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ : الصِّيَامُ جُنَّةٌ مَا لَمْ يَخْرِقْهَا ، زَادَ الدَّارِمِيُّ بِالْغِيبَةِ ، وَالتَّفْسِيرَانِ مُتَلَازِمَانِ لِأَنَّهُ إِذَا كَفَّ نَفْسَهُ عَنِ الْمَعَاصِي فِي الدُّنْيَا كَانَ سِتْرًا لَهُ مِنَ النَّارِ ، وَفِي الْإِكْمَالِ : مَعْنَاهُ يَسْتُرُ مِنَ الْآثَامِ أَوْ مِنَ النَّارِ أَوْ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ ، وَبِالْأَخِيرِ جَزَمَ النَّوَوِيُّ ، وَأَشَارَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِلَى تَرْجِيحِ الصِّيَامِ عَلَى غَيْرِهِ فَقَالَ : حَسْبُكَ لِكَوْنِهِ جُنَّةً مِنَ النَّارِ فَضْلًا . وَرَوَى النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مُرْنِي بِأَمْرٍ آخُذُهُ عَنْكَ ، قَالَ : عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ ، وَفِي رِوَايَةٍ : لَا عِدْلَ لَهُ ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ تَرْجِيحُ الصَّلَاةِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ ، ( فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلَا يَرْفُثْ ) بِالْمُثَلَّثَةِ وَتَثْلِيثِ الْفَاءِ أَيْ لَا يُفْحِشْ وَيَتَكَلَّمْ بِالْكَلَامِ الْقَبِيحِ ، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْجِمَاعِ وَمُقَدَّمَاتِهِ وَعَلَى ذِكْرِهِ مَعَ النِّسَاءِ أَوْ مُطْلَقًا ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ النَّهْيَ لِمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْهَا . ( وَلَا يَجْهَلْ ) أَيْ لَا يَفْعَلْ فِعْلَ الْجُهَّالِ كَصِيَاحٍ وَسَفَهٍ وَسُخْرِيَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : وَلَا يُجَادِلْ ، وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ مَمْنُوعَةٌ مُطْلَقًا لَكِنَّهَا تَتَأَكَّدُ بِالصَّوْمِ ، وَلِذَا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : لَا يُفْهَمُ مِنْ هَذَا إِبَاحَةُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الصَّوْمِ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ يَتَأَكَّدُ بِالصَّوْمِ . قَالَ الْبَاجِيُّ : الْجَهْلُ ضِدُّ الْعِلْمِ يَتَعَدَّى بِغَيْرِ حَرْفِ جَرِّ ، وَالْجَهْلُ ضِدُّ الْحِلْمِ يَتَعَدَّى بِحَرْفِ الْجَرِّ ، قَالَ الشَّاعِرُ : أَلَا لَا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا ( فَإِنْ ) بِتَخْفِيفِ النُّونِ وَفِي رِوَايَةٍ : وَإِنْ بِالْوَاوِ ، ( امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ ) ، قَالَ عِيَاضٌ : قَاتَلَهُ دَافَعَهُ وَنَازَعَهُ وَيَكُونُ بِمَعْنَى شَاتَمَهُ وَلَاعَنَهُ ، وَقَدْ جَاءَ الْقَتْلُ بِمَعْنَى اللَّعْنِ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ : فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ ، وَفِي رِوَايَةٍ : فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ مَارَاهُ يَعْنِي جَادَلَهُ ، وَلِأَحْمَدَ : فَإِنْ شَاتَمَكَ أَحَدٌ فَقُلْ : إِنِّي صَائِمٌ ، وَإِنْ كُنْتَ قَائِمًا فَاجْلِسْ ، وَاسْتُشْكِلَ ظَاهِرُهُ بِأَنَّ الْمُفَاعَلَةَ تَقْتَضِي وُقُوعَ الْفِعْلِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ مَعَ أَنَّ الصَّائِمَ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَكُفَّ نَفْسَهُ عَنْ ذَلِكَ . وَأَجَابَ الْبَاجِيُّ بِأَنَّ الْمُفَاعَلَةَ هُنَا لِلْوَاحِدِ كَسَافَرَ ، أَوِ الْمَعْنَى : فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُشَاتِمَهُ أَوْ يُقَاتِلَهُ أَوْ إِنْ وُجِدَتْ مِنْهُمَا جَمِيعًا فَلْيَذْكُرِ الصَّوْمَ وَلَا يَسْتَدِمْ ذَلِكَ . وَأَجَابَ غَيْرُهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُفَاعَلَةِ التَّهَيُّؤُ لَهَا ، أَيْ أَنْ يَتَهَيَّأَ أَحَدٌ لِقِتَالِهِ أَوْ مُشَاتَمَتِهِ . ( فَلْيَقُلْ : إِنِّي صَائِمٌ إِنِّي صَائِمٌ ) مَرَّتَيْنِ تَأْكِيدًا لِلِانْزِجَارِ مِنْهُ أَوْ مِمَّنْ يُخَاطِبُهُ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : قِيلَ : يَقُولُهُ بِلِسَانِهِ لِلْمُشَاتِمِ وَالْمُقَاتِلِ أَيْ وَصَوْمِي يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ ، وَمَعْنَى الْمُقَاتِلَةِ مُقَاتَلَتُهُ بِلِسَانِهِ ، وَقِيلَ : يَقُولُهُ فِي نَفْسِهِ أَيْ فَلَا سَبِيلَ إِلَى شِفَاءِ غَيْظِكَ ، وَلَا يَنْطِقُ بِأَنِّي صَائِمٌ لِمَا فِيهِ مِنَ الرِّيَاءِ وَإِطْلَاعِ النَّاسِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الصَّوْمَ مِنَ الْعَمَلِ الَّذِي لَا يَظْهَرُ ، وَلِذَا يَجْزِي اللَّهُ الصَّائِمَ أَجْرَهُ بِغَيْرِ حِسَابٍ انْتَهَى . وَبِالثَّانِي جَزَمَ الْمُتَوَلِّي وَنَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنِ الْأَئِمَّةِ ، وَرَجَّحَ النَّوَوِيُّ الْأَوَّلَ فِي الْأَذْكَارِ ، وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذِّبِ : كُلٌّ مِنْهُمَا حَسَنٌ وَالْقَوْلُ بِاللِّسَانِ أَقْوَى وَلَوْ جَمَعَهُمَا كَانَ حَسَنًا ، وَنَقَلَ الزَّرْكَشِيُّ : إِنَّ ذِكْرَهَا فِي الْحَدِيثِ مَرَّتَيْنِ إِشَارَةٌ لِذَلِكَ فَيَقُولُهَا بِقَلْبِهِ لِيَكُفَّ نَفْسَهُ وَبِلِسَانِهِ لِيَكُفَّ خَصْمَهُ ، وَقَالَ الرُّويَانِيُّ : إِنْ كَانَ فِي رَمَضَانَ فَبِلِسَانِهِ وَإِلَّا فَفِي نَفْسِهِ . وَادَّعَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّ الْخِلَافَ فِي النَّفْلِ أَمَّا الْفَرْضُ فَبِلِسَانِهِ قَطْعًا ، وَقَالَ فِي الْمَصَابِيحِ : الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ عِلَّةٌ لِتَأْكِيدِ الْمَنْعِ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ لِخَصْمِهِ : إِنِّي صَائِمٌ تَحْذِيرًا وَتَهْدِيدًا بِالْوَعِيدِ الْمُتَوَجِّهِ عَلَى مَنِ انْتَهَكَ حُرْمَةَ الصَّائِمِ ، وَتَذَرَّعَ إِلَى تَنْقِيصِ أَجْرِهِ بِإِيقَاعِهِ فِي الْمُشَاتَمَةِ أَوْ بِذِكْرِ نَفْسِهِ تَشْدِيدَ الْمَنْعِ الْمُعَلَّلِ بِالصَّوْمِ ، وَيَكُونُ مِنْ إِطْلَاقِ الْقَوْلِ عَلَى الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ ظَاهِرُ كَوْنِ الصَّوْمِ جُنَّةً أَنْ يَقِيَ صَاحِبَهُ مِنْ أَنْ يُؤْذَى كَمَا يَقِيهِ أَنْ يُؤْذِيَ ، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عِنْدَ مُسْلِمٍ .