699 ( ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، حَدِيثٌ وَاحِدٌ مُرْسَلٌ فِي الْمُوَطَّأِ لِيَحْيَى وَحْدَهُ ، وَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُ ) وَهِي عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ الْأَنْصَارِيِّ . مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ فِيهِ ، وَجَدَ أَخْبِيَةً : خِبَاءَ عَائِشَةَ ، وَخِبَاءَ حَفْصَةَ ، وَخِبَاءَ زَيْنَبَ ، فَلَمَّا رَآهَا سَأَلَ عَنْهَا ، فَقِيلَ لَهُ : هَذَا خِبَاءُ عَائِشَةَ ، وَحَفْصَةَ ، وَزَيْنَبَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آلْبِرَّ تَقُولُونَ بِهِنَّ ؟ ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمْ يَعْتَكِفْ حَتَّى اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ . هَكَذَا هَذَا الْحَدِيثُ لِيَحْيَى فِي الْمُوَطَّأِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَهُوَ غَلَطٌ ، وَخَطَأٌ مُفْرِطٌ ، لَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ فِيهِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ لِمَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، إِلَّا أَنَّ رُوَاةَ الْمُوَطَّأِ اخْتَلَفُوا فِي قَطْعِهِ وَإِسْنَادِهِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِيهِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَذْكُرُ عَمْرَةَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِيهِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ لَا يَذْكُرُ عَائِشَةَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِيهِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ يَصِلُهُ بِسَنَدِهِ . وَأَمَّا رِوَايَةُ يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فَلَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا هَذَا الْحَدِيثُ لِمَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ عَمْرَةَ لَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، كَذَلِكَ رَوَاهُ مَالِكٌ ، وَغَيْرُهُ ، وَجَمَاعَةٌ عَنْهُ ، وَلَا يُعْرَفُ هَذَا الْحَدِيثُ لِابْنِ شِهَابٍ لَا مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ ، وَلَا مِنْ حَدِيثِ غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَهُوَ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مَحْفُوظٌ صَحِيحٌ سَنَدُهُ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا فَاتَ يَحْيَى سَمَاعُهُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ ، فَرَوَاهُ عَنْ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَعْرُوفِ بِشَبْطُونٍ ، وَكَانَ ثِقَةً ، عَنْ مَالِكٍ ، وَكَانَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَدْ سَمِعَ الْمُوَطَّأَ مِنْهُ بِالْأَنْدَلُسِ ، وَمَالِكٌ يَوْمَئِذٍ حَيٌّ ، ثُمَّ رَحَلَ فَسَمِعَهُ مِنْ مَالِكٍ حَاشَى وَرَقَةً فِي الِاعْتِكَافِ لَمْ يَسْمَعْهَا أَوْ شَكَّ فِي سَمَاعِهَا مِنْ مَالِكٍ ، فَرَوَاهَا عَنْ زِيَادٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَفِيهَا هَذَا الْحَدِيثُ ، فَلَا أَدْرِي مِمَّنْ جَاءَ هَذَا الْغَلَطُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، أَمِنْ يَحْيَى أَمْ مِنْ زِيَادٍ ؟ وَمِنْ أَيِّهِمَا كَانَ ذَلِكَ ؟ فَلَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ عَلَيْهِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ ثَابِتٌ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ مُسْنَدًا ، قَالَ الْبُخَارِيُّ : وَأَخْبَرَنَا النُّعْمَانُ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ، وَكُنْتُ أَضْرِبُ لَهُ خِبَاءً فَيُصَلِّي الصُّبْحَ ثُمَّ يَدْخُلُهُ ، فَاسْتَأْذَنَتْ حَفْصَةُ عَائِشَةَ أَنْ تَضْرِبَ خِبَاءً ، فَأَذِنَتْ لَهَا ، فَضَرَبَتْ خِبَاءً ، فَلَمَّا رَأَتْهُ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ ضَرَبَتْ خِبَاءً آخَرَ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى الْأَخْبِيَةَ فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ فأخبر ، فَقَالَ : آلْبِرَّ تُرِدْنَ بِهِنَّ ، فَتَرَكَ الِاعْتِكَافَ ذَلِكَ الشَّهْرَ ، ثُمَّ اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، وَيَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ، ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ ، قَالَتْ : فَإِنَّهُ أَرَادَ مَرَّةً أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ، قَالَ : فَأَمَرَ بِبِنَائِهِ ، فَضُرِبَ ، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ أَمَرْتُ بِبِنَائِي فَضُرِبَ ، قَالَتْ : وَأَمَرَ غَيْرِي مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِبِنَائِهَا ، فَضُرِبَ ، فَلَمَّا صَلَّى الْفَجْرَ نَظَرَ إِلَى الْأَبْنِيَةِ فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ آلْبِرَّ تُرِدْنَ ؟ قَالَتْ : فَأَمَرَ بِبِنَائِهِ فَقُوِّضَ ، وَأَمَرَ أَزْوَاجُهُ بِأَبْنِيَتِهِنَّ فَقُوِّضَتْ ، ثُمَّ أَخَّرَ الِاعْتِكَافَ إِلَى الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ شَوَّالٍ ، وَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مِثْلَهُ ، وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يُحَدِّثُ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَعْتَكِفَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ ، فَسَمِعْتُ بِذَلِكَ ، فَاسْتَأْذَنْتُهُ ، فَأَذِنَ لِي ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَتْهُ حَفْصَةُ فَأَذِنَ لَهَا ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَتْهُ زَيْنَبُ فَأَذِنَ لَهَا ، قَالَتْ : وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الصُّبْحَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ ، فَلَمَّا صَلَّى الصُّبْحَ رَأَى فِي الْمَسْجِدِ أَرْبَعَةَ أَبْنِيَةٍ ، فَقَالَ : لِمَنْ هَذِهِ ؟ قَالُوا : لِعَائِشَةَ ، وَحَفْصَةَ ، وَزَيْنَبَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : آلْبِرَّ تُرِدْنَ بِهَذَا ؟ فَلَمْ يَعْتَكِفْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تِلْكَ الْعَشْرَةَ ، وَاعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ . وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : آلْبِرَّ تَقُولُونَ بِهِنَّ ؟ قَالَ الْحُمَيْدِيُّ : بِنَاءُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الرَّابِعُ ، وَذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ سَوَاءً إِلَى قَوْلِهِ : فَلَمَّا صَلَّى إِذَا هُوَ بِأَرْبَعَةِ أَبْنِيَةٍ فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ قَالُوا : عَائِشَةُ ، وَحَفْصَةُ ، وَزَيْنَبُ ، قَالَ : آلْبِرَّ تَقُولُونَ بِهَذَا ؟ فَرَفَعَ بِنَاءَهُ ، قَالَتْ : فَلَمْ يَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ ، وَاعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ ، وَحَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مَنْصُورٍ ، وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، وَعُبَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْرُوقٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مِسْكِينٍ قَالَا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَنْجَرٍ الْجُرْجَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ : أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الصُّبْحَ ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَكَانَ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِيهِ ، فَأَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ فَضُرِبَ لَهُ خِبَاءٌ ، وَأَمَرَتْ عَائِشَةُ فَضُرِبَ لَهَا خِبَاءٌ ، وَأَمَرَتْ حَفْصَةُ فَضُرِبَ لَهَا خِبَاءٌ ، فَلَمَّا رَأَتْ زَيْنَبُ خِبَاءَهُمَا أَمَرَتْ فَضُرِبَ لَهَا خِبَاءٌ ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ ، قَالَ : آلْبِرَّ تُرِدْنَ ؟ فَلَمْ يَعْتَكِفْ فِي رَمَضَانَ ، وَاعْتَكَفَ عَشْرًا فِي شَوَّالٍ . هَذَا الْحَدِيثُ أَدْخَلَهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي بَابِ قَضَاءِ الِاعْتِكَافِ ، وَهُوَ أَعْظَمُ مَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ مِنْ فِقْهِهِ ، وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ قَدْ نَوَى اعْتِكَافَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ، فَلَمَّا رَأَى مَا كَرِهَهُ مِنْ تَنَافُسِ زَيْنَبَ ، وَحَفْصَةَ ، وَعَائِشَةَ فِي ذَلِكَ ، وَخَشِيَ عَلَيْهِنَّ أَنْ تَدْخُلَ نِيَّتَهُنَّ دَاخِلَةٌ ، وَمَا اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ فَانْصَرَفَ ، ثُمَّ وَفَى اللَّهَ بِمَا نَوَاهُ مِنْ فِعْلِ الْبِرِّ ، فَاعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ ، وَفِي ذَلِكَ جَوَازُ الِاعْتِكَافِ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ : آلْبِرَّ يَقُولُونَ بِهِنَّ ؟ فَيُحْتَمَلُ أَيْ أَيَظُنُّونَ بِهِنَّ الْبَرَّ ؟ فَأَنَا أَخْشَى عَلَيْهِنَّ أَنْ يُرِدْنَ الْكَوْنَ مَعِي ، وَلَا يُرِدْنَ الْبِرَّ خَالِصًا ، فَكَرِهَ لَهُنَّ ذَلِكَ . وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ قَوْلُهُ فِي غَيْرِ حَدِيثِ مَالِكٍ : آلْبِرَّ يُرِدْنَ أَوْ تُرِدْنَ ؟ كَأَنَّهُ تَقْرِيرٌ وَتَوْبِيخٌ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ ، أَيْ : مَا أَظُنُّهُنَّ يُرِدْنَ الْبِرَّ أَوْ لَيْسَ يُرِدْنَ الْبِرَّ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَرِهَ لِأَزْوَاجِهِ الِاعْتِكَافَ لِشِدَّةِ مُؤْنَتِهِ ; لِأَنَّ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ سَوَاءٌ ، قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ : لَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ، وَلَا عُمَرَ ، وَلَا عُثْمَانَ ، وَلَا ابْنَ الْمُسَيَّبِ ، وَلَا أَحَدًا مِنْ سَلَفِ هَذِهِ الْأُمَّةِ اعْتَكَفَ إِلَّا أَبَا بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِشِدَّةِ الِاعْتِكَافِ . وَلَوْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إِلَى أَنَّ الِاعْتِكَافَ لِلنِّسَاءِ مَكْرُوهٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ كَانَ مَذْهَبًا ، وَلَوْلَا أَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُنَّ اسْتَأْذَنَّهُ فِي الِاعْتِكَافِ ، لَقَطَعْتُ بِأَنَّ الِاعْتِكَافَ لِلنِّسَاءِ فِي الْمَسَاجِدِ غَيْرُ جَائِزٍ . وَمَا أَظُنُّ اسْتِئذَانَهُنَّ مَحْفُوظًا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - ، وَلَكِنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ حَافِظٌ ، وَقَدْ قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ : أَنَّ الِاعْتِكَافَ يُلْزَمُ بِالنِّيَّةِ مَعَ الدُّخُولِ فِيهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ ذِكْرُ دُخُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ الِاعْتِكَافِ الَّذِي قَضَاهُ ; لِأَنَّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَغَيْرِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الصُّبْحَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ ، فَلَمَّا صَلَّى الصُّبْحَ - يَعْنِي فِي الْمَسْجِدِ ، وَهُوَ مَوْضِعُ اعْتِكَافِهِ - نَظَرَ فَرَأَى الْأَخْبِيَةَ ، وَالِاعْتِكَافُ إِنَّمَا هُوَ الْإِقَامَةُ فِي الْمَسْجِدِ ، فَكَأَنَّهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - كَانَ قَدْ شَرَعَ فِي اعْتِكَافِهِ لِكَوْنِهِ فِي مَوْضِعِ اعْتِكَافِهِ مَعَ عَقْدِ نِيَّتِهِ عَلَى ذَلِكَ ، وَالنِّيَّةُ هِيَ الْأَصْلُ فِي الْأَعْمَالِ ، وَعَلَيْهَا تَقَعُ الْمَجَازَاتُ ، فَمِنْ هُنَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - قَضَى اعْتِكَافَهُ ذَلِكَ فِي شَوَّالٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَقَدْ ذَكَرَ سُنَيْدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ كَهْمَسٍ ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي قَوْلِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ الْآيَةَ ، قَالَ : إِنَّمَا كَانَ شَيْئًا نَوَوْهُ فِي أَنْفُسِهِمْ ، وَلَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ ، أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلامُ الْغُيُوبِ قَالَ : وَحَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ : رَكِبْتُ الْبَحْرَ فَأَصَابَتْنَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ ، فَنَذَرَ قَوْمٌ مَعَنَا نُذُورًا ، وَنَوَيْتُ أَنَا شَيْئًا لَمْ أَتَكَلَّمْ بِهِ ، فَلَمَّا قَدِمْتُ الْبَصْرَةَ سَأَلْتُ أَبَا سُلَيْمَانَ التَّيْمِيَّ فَقَالَ : يَا بُنَيَّ فِءْ بِهِ ، فَغَيْرُ نَكِيرٍ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى الِاعْتِكَافَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَ قَدْ نَوَى أَنْ يَعْمَلَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ ; لِأَنَّهُ كَانَ أَوْفَى النَّاسِ لِرَبِّهِ بِمَا عَاهَدَهُ عَلَيْهِ ، وَأَبْدَرَهُمْ إِلَى طَاعَتِهِ ; فَإِنْ كَانَ دَخَلَ فِيهِ فَالْقَضَاءُ وَاجِبٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ لَا يَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ . وَإِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ فَالْقَضَاءُ مُسْتَحَبٌّ لِمَنْ هَذِهِ حَالُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ; مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ أَيْضًا مَرْغُوبٌ فِيهِ . وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ أَوْجَبَ قَضَاءَهُ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَ عَقَدَ عَلَيْهِ نِيَّتَهُ ، وَالْوَجْهُ عِنْدَنَا مَا ذَكَرْنَا . وَمَنْ جَعَلَ عَلَى الْمُعْتَكِفِ قَضَاءَ مَا قَطَعَهُ مِنَ اعْتِكَافِهِ قَاسَهُ عَلَى الْحَجِّ التَّطَوُّعِ يَقْطَعُهُ صَاحِبُهُ عَمْدًا أَوْ مَغْلُوبًا ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي حُكْمِ قَطْعِ الصَّلَاةِ التَّطَوُّعِ ، وَالصِّيَامِ التَّطَوُّعِ ، وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَذَاهِبِ فِي بَابِ مُرْسَلِ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْكِتَابِ . وَقَدِ احْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ بَعْضُ مَنْ كَرِهَ لِلنِّسَاءِ الِاعْتِكَافَ فِي الْمَسْجِدِ ، ذَكَرَ الْأَثْرَمُ قَالَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يُسْأَلُ عَنِ النِّسَاءِ يَعْتَكِفْنَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَدِ اعْتَكَفَ النِّسَاءُ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَكَانِ اعْتِكَافِ النِّسَاءِ ، فَقَالَ مَالِكٌ : تَعْتَكِفُ الْمَرْأَةُ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ ، وَلَا يُعْجِبُهُ أَنْ تَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَعْتَكِفُ الْمَرْأَةُ إِلَّا فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا ، وَلَا تَعْتَكِفُ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : اعْتِكَافُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْهُ فِي الْمَسْجِدِ ; لِأَنَّ صَلَاتَهَا فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ ، وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْمَرْأَةُ ، وَالْعَبْدُ ، وَالْمُسَافِرُ يَعْتَكِفُونَ حَيْثُ شَاؤوا ; لِأَنَّهُ لَا جُمْعَةَ عَلَيْهِمْ . قَالَ مَنْصُورٌ : يَعْنِي مِنَ الْمَسَاجِدِ ; لِأَنَّهُ لَا اعْتِكَافَ عِنْدَهُ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِنْ حُجَّةِ مَنْ أَجَازَ اعْتِكَافَ الْمَرْأَةِ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ حَدِيثُ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ هَذَا ; لِأَنَّ فِيهِ أَنَّهُنَّ اسْتَأْذَنَّهُ فِي الِاعْتِكَافِ فَأَذِنَ لَهُنَّ ; فَضَرَبْنَ أَخْبِيَتَهُنَّ فِي الْمَسْجِدِ ، ثُمَّ مَنَعَهُنَّ بَعْدُ لِغَيْرِ الْمَعْنَى الَّذِي أَذِنَ لَهُنَّ مِنْ أَجْلِهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ : إِنَّمَا جَازَ لَهُنَّ ضَرْبُ أَخْبِيَتِهِنَّ فِي الْمَسْجِدِ لِلِاعْتِكَافِ ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُنَّ كُنَّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَلِلنِّسَاءِ أَنْ يَعْتَكِفْنَ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ أَزْوَاجِهِنَّ ، وَكَمَا أَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُسَافِرَ مَعَ زَوْجِهَا ، كَذَلِكَ لَهَا أَنْ تَعْتَكِفَ مَعَهُ . وَقَالَ : مَنْ لَمْ يُجِزِ اعْتِكَافَهُنَّ فِي الْمَسْجِدِ أَصْلًا ، إِنَّمَا تَرَكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الِاعْتِكَافَ إِنْكَارًا عَلَيْهِنَّ . قَالَ : وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ : آلْبِرَّ يُرِدْنَ ؟ قَالَ : وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ : لَوْ رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ بَعْدَهُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسْجِدَ . وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ صَلَاةَ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي الْمَسْجِدِ ، فَكَذَلِكَ الِاعْتِكَافُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِي هَذَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِإِسْنَادِهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الصُّبْحَ ، ثُمَّ دَخَلَ فِي مُعْتَكَفِهِ فَلَا أَعْلَمُ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مَنْ قَالَ بِهِ إِلَّا الْأَوْزَاعِيَّ . وَقَدْ قَالَ بِهِ طَائِفَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ ، وَهُوَ ثَابِتٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . ذَكَرَ الْأَثْرَمُ قَالَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يُسْأَلُ عَنِ الْمُعْتَكِفِ فِي أَيِّ وَقْتٍ يَدْخُلُ مُعْتَكَفَهُ ؟ فَقَالَ : يَدْخُلُهُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، فَيَكُونُ يَبْتَدِئُ لَيْلَتَهُ . فَقِيلَ لَهُ : قَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُومِنِينَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي الْفَجْرَ ثُمَّ يَدْخُلُ مُعْتَكَفَهُ ، فَسَكَتَ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلُهُ ، وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ : لَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ عَنْهَا فِي ذَلِكَ . وَاخْتَلَفَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، فَرُوِيَ عَنْهُمَا الْقَوْلَانِ جَمِيعًا ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ لَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ . وَاخْتَلَفَ عَنِ النَّخَعِيِّ فَرُوِيَ عَنْهُ الْوَجْهَانِ أَيْضًا جَمِيعًا . وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ أَجَازَهُ بِغَيْرِ صَوْمٍ : أَنَّ اعْتِكَافَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي رَمَضَانَ ، وَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ صَوْمُ رَمَضَانَ لِغَيْرِ رَمَضَانَ . وَلَوْ نَوَى الْمُعْتَكِفُ فِي رَمَضَانَ بِصَوْمِهِ التَّطَوُّعَ وَالْفَرْضَ فَسَدَ صَوْمُهُ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ لَيْلَ الْمُعْتَكِفِ يَلْزَمُهُ فِيهِ مِنَ اجْتِنَابِ مُبَاشَرَةِ النِّسَاءِ مَا يَلْزَمُهُ ، وَأَنَّ لَيْلَهُ دَاخِلٌ فِي اعْتِكَافِهِ ، وَلَيْسَ اللَّيْلُ بِمَوْضِعِ صَوْمٍ ، فَكَذَلِكَ نَهَارُهُ ، وَلَيْسَ بِمُفْتَقَرٍ إِلَى الصَّوْمِ ، فَإِنْ صَامَ فَحَسَنٌ . قَالَ : وَسَمِعْتُهُ مَرَّةً أُخْرَى يُسْأَلُ عَنِ الْمُعْتَكِفِ فِي أَيِّ وَقْتٍ يَدْخُلُ مُعْتَكَفَهُ ؟ فَقَالَ : قَدْ كُنْتُ أُحِبُّ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ مُعْتَكَفَهُ بِاللَّيْلِ حَتَّى يَبِيتَ فِيهِ ، وَيَبْتَدِئَ . وَلَكِنَّ حَدِيثَ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَدْخُلُ مُعْتَكَفَهُ إِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ قِيلَ لَهُ : فَمَتَى يَخْرُجُ ؟ قَالَ : يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَى الْمُصَلَّى . وَقَدِ اتَّفَقَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، والليث عَلَى خِلَافِ هَذَا الْحَدِيثِ ، إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ دُخُولِ الْمُعْتَكِفِ الْمَسْجِدَ لَيْلًا ، فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمْ : إِذَا أوَجَبَ عَلَى نَفْسِهِ اعْتِكَافُ شَهْرٍ دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ . قَالَ مَالِكٌ : وَكَذَلِكَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ اعْتِكَافُ يَوْمٍ ، دَخَلَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، وَخَرَجَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، خِلَافَ قَوْلِهِ فِي الشَّهْرِ . وَقَالَ زُفَرُ بْنُ الْهُذَيْلِ والليث بن سعد : يَدْخُلُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، وَالشَّهْرُ وَالْيَوْمُ سَوَاءٌ عِنْدَهُمْ ، لَا يَدْخُلُ إِلَّا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : اللَّيَالِي تَبَعٌ لِلْأَيَّامِ ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ بِظَاهِرِ حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا ، قَالَ : يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ الصُّبْحَ ثُمَّ يَقُومُ إِلَى مُعْتَكَفِهِ . وَلَمْ يَذْكُرْ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي مُوَطَّئِهِ فِي حَدِيثِهِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ ، صَلَّى الصُّبْحَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ . وَمَا أَظُنُّهُ تَرَكَهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِلَّا أَنَّهُ رَأَى النَّاسَ عَلَى خِلَافِهِ . وَأَجْمَعَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا نَذَرَتِ اعْتِكَافَ شَهْرٍ فَمَرِضَتْهُ أَنَّهَا لَا تَقْضِيهِ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا . وَاخْتَلَفُوا إِذَا حَاضَتْهُ ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : تَقْضِيهِ ، وَتَصِلُ قَضَاءَهَا بِمَا اعْتَكَفَتْ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلِ اسْتَأْنَفَتْ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدُوسٍ : الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَرَضِ وَالْحَيْضِ أَنَّ الْمَرِيضَةَ تَمْرَضُ الشَّهْرَ كُلَّهُ ، وَالْحَائِضَ لَا تَحِيضُ الشَّهْرَ كُلَّهُ ، وَأَقْصَى مَا تَحِيضُ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، فَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهَا بَعْضُهُ ، وَجَبَ كُلُّهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذِهِ حُجَّةُ مَنْ يُسَامِحُ نَفْسَهُ ، وَيُكَلِّمُ مَنْ يُقَلِّدُهُ ، وَفَسَادُهَا أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى الْكَلَامِ عَلَيْهَا . وَقَدْ سَوَّى سَحْنُونٌ بَيْنَ حُكْمِ الْحَيْضِ وَالْمَرَضِ ، وَقَالَ : إِنَّمَا عَلَيْهَا إِذَا طَهُرَتْ مِنْ حَيْضَتِهَا اعْتِكَافُ بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ إِنْ بَقِيَ مِنْهَا شَيْءٌ فِي الْمَرَضِ وَالْحَيْضِ جَمِيعًا ، وَمَا مَضَى فَلَيْسَ عَلَيْهَا قَضَاؤُهُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ . ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ نَذَرَتْ صَوْمَ يَوْمٍ بِعَيْنِهِ : إِنَّهَا إِنْ مَرِضَتْ أَوْ حَاضَتْ فَأَفْطَرَتْ لِذَلِكَ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهَا ، فَإِنْ أَفْطَرَتْ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، وَهِيَ تَقْوَى عَلَى الصِّيَامِ فَعَلَيْهَا الْقَضَاءُ ، فَحُكْمُ الِاعْتِكَافِ عِنْدِي مِثْلُ ذَلِكَ . وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَزُفَرَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : حَتَّى اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ ، فَفِيهِ أَنَّ الِاعْتِكَافَ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ جَائِزٌ كَمَا هُوَ فِي رَمَضَانَ ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ . إِلَّا أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي صَوْمِ الْمُعْتَكِفِ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ أَمْ لَا ؟ فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَابْنُ عُلَيَّةَ : الِاعْتِكَافُ جَائِزٌ بِغَيْرِ صَوْمٍ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، كُلُّهُمْ قَالُوا : لَيْسَ عَلَى الْمُعْتَكِفِ صَوْمٌ إِلَّا أَنْ يُوجِبَهُ عَلَى نَفْسِهِ . وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَذَرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَعْتَكِفَ لَيْلَةً ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَفِيَ بِنَذْرِهِ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّيْلَ لَا صَوْمَ فِيهِ ، رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ عُمَرَ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَيْلَةً أَوْ يَوْمًا ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ : اعْتَكِفْ ، وَصُمْ . وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ نَقْلًا عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ . وَقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ : الصَّوْمُ يَجِبُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ ، فَعَاوَدَهُ السَّائِلُ فَقَالَ : يَصُومُ ، وَهُوَ أَكْثَرُ مَا رُوِيَ فِيهِ . وَقَدْ مَضَى مَعْنَى الِاعْتِكَافِ ، وَسُنَنُهُ ، وَكَثِيرٌ مِنْ أُصُولِ مَسَائِلِهِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، وَاللَّهِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَأَمَّا وَقْتُ خُرُوجِ الْمُعْتَكِفِ مِنَ اعْتِكَافِهِ فَسَنَذْكُرُهُ ، وَنَذْكُرُ مَا لِلْعُلَمَاءِ فِيهِ مِنَ الْأَقَاوِيلِ فِي بَابِ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ ، لمالك عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الشَّيْبَانِيُّ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْقُرَشِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ الرَّكِينِ بْنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ عَسَلَةَ الْفَزَارِيِّ ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُجَاوِرُ فِي الْمَسْجِدِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ . قَالَ أَبُو الْحَسَنِ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، وَهُوَ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ ، لَمْ يَكْتُبْهُ مَالِكٌ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا يَصِحُّ عَنْ مَالِكٍ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدحَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمْرَةَ · ص 188 التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ الْعُكُوفَ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ رَجَعَ · ص 369 حَدِيثٌ ثَانٍ وَأَرْبَعُونَ مِنَ الْبَلَاغَاتِ مَالِكٌ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرَادَ الْعُكُوفَ فِي رَمَضَانَ ، ثُمَّ رَجَعَ فَلَمْ يَعْتَكِفْ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ رَمَضَانُ اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ . هَذَا الْمَعْنَى ، عِنْدَ مَالِكٍ فِي بَابِ قَضَاءِ الِاعْتِكَافِ مِنَ الْمُوَطَّأِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُرْسَلًا . كَذَلِكَ رَوَاهُ جَمَاعَةُ الرُّوَاةِ لِلْمُوَطَّأِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ إِلَّا يَحْيَى بْنَ يَحْيَى الْأَنْدَلُسِيَّ ، فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، وَقِيلَ : إِنَّهُ غَلَطٌ مِنْهُ لَا شَكَّ فِيهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ عَلَى ذِكْرِ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَلَا أَدْرِي أَمِنْ يَحْيَى جَاءَ ذَلِكَ ، أَمْ مِنْ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، فَإِنَّ يَحْيَى لَمْ يَسْمَعْ مِنْ بَابِ خُرُوجِ الْمُعْتَكِفِ إِلَى الْعِيدِ فِي الْمُوَطَّأِ إِلَّا آخِرَ الِاعْتِكَافِ مِنْ مَالِكٍ ، فَرَوَاهُ عَنْ زِيَادٍ ، عَنْ مَالِكٍ ؛ فَوَقَعَ فِيهِ حَدِيثُهُ ، عَنْ زِيَادٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ فِيهِ ، وَجَدَ أَخْبِيَةً : خِبَاءَ عَائِشَةَ ، ( وَخِبَاءَ ) حَفْصَةَ ، وَخِبَاءَ زَيْنَبَ ، فَلَمَّا رَآهَا سَأَلَ عَنْهَا ، فَقِيلَ لَهُ : هَذَا خِبَاءُ عَائِشَةَ ، وَحَفْصَةَ ، وَزَيْنَبَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْبَرُّ تَقُولُونَ بِهِنَّ ؟ ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمْ يَعْتَكِفْ حَتَّى اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ . هَكَذَا رَوَى يَحْيَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْدَلُسِيِّ الْقُرْطُبِيِّ الْمَعْرُوفِ بِشَبْطُونَ : مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، ( عَنْ عَمْرَةَ ، وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَى ذَلِكَ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِمَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) كَمَا قَالَ يَحْيَى ، وَفِي أَلْفَاظِهِ خِلَافٌ لِأَلْفَاظِ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ - وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى وَاحِدًا - فَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَإِنَّمَا الْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّأِ لِمَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ( وَهُوَ مَحْفُوظٌ لِيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ) مُسْنَدًا ، عَنْ عَائِشَةَ مِنْ رِوَايَةِ الثِّقَاتِ ، فَهُوَ حَدِيثُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مَعْرُوفٌ ، لَا حَدِيثَ ابْنِ شِهَابٍ ، فَلِذَلِكَ لَمْ نَذْكُرْ هَذَا الْحَدِيثَ فِي بَابِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَمْرَةَ مِنْ أَجْلِ رِوَايَةِ يَحْيَى ، وَإِنْ كَانَتْ عِنْدَنَا وَهَمًا ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ هُنَالكَ ، وَذَكَرْنَا مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْمَعَانِي وَالْمَذَاهِبِ مَبْسُوطًا هُنَاكَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، فَلَا وَجْهَ لِتَكْرِيرِ ذَلِكَ هَاهُنَا ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا الْحَدِيثَ هَاهُنَا ; لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ : فِي قَضَاءِ الِاعْتِكَافِ بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ عَمْرَةَ هَذَا ، قَالَ مَالِكٌ : بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرَادَ الِاعْتِكَافَ فِي رَمَضَانَ ، ثُمَّ رَجَعَ فَلَمْ يَعْتَكِفْ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ رَمَضَانُ اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ - هَكَذَا ذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا فِي الْبَابِ - كَمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَلِهَذَا مَا ذَكَرْنَاهُ هَاهُنَا . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يُحَدِّثُ عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَعْتَكِفَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ ، فَسَمِعَتْ بِذَلِكَ ، فَاسْتَأْذَنَتْهُ فَأَذِنَ لَهَا ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَتْهُ حَفْصَةُ فَأَذِنَ لَهَا ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَتْهُ زَيْنَبُ فَأَذِنَ لَهَا ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَقَالَ فِيهِ : فَلَمْ يَعْتَكِفْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تِلْكَ الْعَشْرَ ، وَاعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث عائشة في اعتكاف رسول الله عشرا من شوال · ص 298 699 ( 4 ) بَابُ قَضَاءِ الِاعْتِكَافِ 661 - مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ فِيهِ ، وَجَدَ أَخْبِيَةً : خِبَاءُ عَائِشَةَ ، وَخِبَاءُ حَفْصَةَ ، وَخِبَاءُ زَيْنَبَ ، فَلَمَّا رَآهَا سَأَلَ عَنْهَا ، فَقِيلَ لَهُ : هَذَا خِبَاءُ عَائِشَةَ ، وَحَفْصَةَ ، وَزَيْنَبَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : آلْبِرَّ تَقُولُونَ بِهِنَّ ؟ ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمْ يَعْتَكِفْ ، حَتَّى اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ . 14955 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَذَا رَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَلَمْ يُتَابِعْهُ عَلَى رِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَحَدٌ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ ، وَالْحَدِيثُ مَعْرُوفٌ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عَمْرَةَ ، وَلَمْ يَرْوِهِ ابْنُ شِهَابٍ أَصْلًا ، وَلَا يُعْرَفُ هَذَا الْحَدِيثُ لِابْنِ شِهَابٍ ، لَا مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ ، وَلَا مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ لِمَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، كَذَلِكَ رَوَاهُ جَمَاعَةُ الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ . 14956 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَصْحَابُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْهُ ، عَنْ عَمْرَةَ لَا يَذْكُرُ عَائِشَةَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِيهِ عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، لَا يَذْكُرُ عَمْرَةَ . 14957 - وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْ طُرُقِهِ بِذَلِكَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ فِي التَّمْهِيدِ ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ وَسَاقَهُ بِكَمَالِهِ . 18908 - وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ عَارِمِ بْنِ الْفَضْلِ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعْيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ . 14959 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْحَدِيثُ أَدْخَلَهُ مَالِكٌ فِي بَابِ قَضَاءِ الِاعْتِكَافِ ، وَهُوَ أَعْظَمُ مَا اعْتَمَدَ عَلَيْهِ مِنْ فِقْهٍ . 14960 - وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ قَدْ عَزَمَ عَلَى اعْتِكَافِ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ، فَلَمَّا رَأَى مَا كَرِهَهُ مِنْ تَنَافُسِ زَيْنَبَ ، وَحَفْصَةَ ، وَعَائِشَةَ فِي ذَلِكَ ، وَخَشِيَ أَنْ يَدْخُلَ نِيَّتَهُنَّ دَاخِلَةٌ ، انْصَرَفَ ، ثُمَّ وَفَّى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بِمَا نَوَاهُ مِنْ فِعْلِ الْبِرِّ ، فَاعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ ، وَفِي ذَلِكَ جَوَازُ الِاعْتِكَافِ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ ، وَهُوَ أَمْرٌ لَا خِلَافَ فِيهِ . 14961 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ : آلْبِرَّ تَقُولُونَ بِهِنَّ فَمَعْنَاهُ يَظُنُّونَ بِهِنَّ الْبَرَّ ، وَأَنَا أَخْشَى عَلَيْهِنَّ أَنْ يُرِدْنَ الْكَوْنَ مَعِي عَلَى مَا يُرِيدُ النِّسَاءُ مِنَ الِانْفِرَادِ بِالْأَزْوَاجِ فِي كُلِّ حِينٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حِينَ جِمَاعٍ ، فَكَأَنَّهُنَّ مَعَ إِرَادَتِهِنَّ لِذَلِكَ لَمْ يَكُنِ اعْتِكَافُهُمْ خَالِصًا لِلَّهِ ، فَكَرِهَ لَهُنَّ ذَلِكَ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي غَيْرِ حَدِيثِ مَالِكٍ : آلْبَرَّ تُرِدْنَ - أَوْ يُرِدْنَ كَأَنَّهُ تَوْبِيخٌ ، أَيْ : مَا أَظُنُّهُنَّ يُرِدْنَ الْبِرَّ . 14962 - وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَرِهَ لِأَزْوَاجِهِ الِاعْتِكَافَ لِشِدَّةِ مُؤْنَتِهِ ، لِأَنَّ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ سَوَاءٌ . 14963 - قَالَ مَالِكٌ : لَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ، وَلَا عُمَرَ ، وَلَا عُثْمَانَ ، وَلَا ابْنَ الْمُسَيَّبِ ، وَلَا أَحَدًا مِنْ سَلَفِ هَذِهِ الْأُمَّةِ اعْتَكَفَ إِلَّا أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِشِدَّةِ الِاعْتِكَافِ . 14964 - وَلَوْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إِلَى أَنَّ الِاعْتِكَافَ لِلنِّسَاءِ مَكْرُوهٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ لَكَانَ مَذْهَبًا ، وَلَوْلَا أَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ - وَهُوَ حَافِظٌ - ذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُنَّ اسْتَأْذَنَّهُ فِي الِاعْتِكَافِ لَقَطَعْتُ بِأَنَّ الِاعْتِكَافَ لِلنِّسَاءِ فِي الْمَسَاجِدِ غَيْرُ جَائِزٍ . 14965 - وَمَا أَظُنُّ اسْتِئْذَانَهُنَّ مَحْفُوظًا ، وَلَكِنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ حَافِظٌ ، وَقَدْ تَابَعَهُ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَابْنُ فُضَيْلٍ فِي أَنَّ عَائِشَةَ اسْتَأْذَنَتْهُ لِنَفْسِهَا ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : إِنَّ عَائِشَةَ اسْتَأْذَنَتْهُ لِنَفْسِهَا وَحَفْصَةَ فِي الِاعْتِكَافِ ، فَأَذِنَ لِمَنِ اسْتَأْذَنَهُ مِنْهُنَّ ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْلَمُ فِيمَا فِي نِيَّتِهِنَّ . 14966 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ ، أَنَّ الِاعْتِكَافَ يَلْزَمُ مَعَ النِّيَّةِ بِالدُّخُولِ فِيهِ ، فَإِذَا دَخَلَ الْإِنْسَانُ ثُمَّ قَطَعَهُ - لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ . 14967 - وَإِنَّمَا قُلْنَا : إِنَّهُ يَلْزَمُهُ بِالنِّيَّةِ مَعَ الدُّخُولِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ ذِكْرُ دُخُولِهِ صلى الله عليه وسلم فِي ذَلِكَ الِاعْتِكَافِ الَّذِي قَضَاهُ إِلَّا فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الصُّبْحَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ . فَلَمَّا صَلَّى الصُّبْحَ - يَعْنِي فِي الْمَسْجِدِ - وَهُوَ مَوْضِعُ اعْتِكَافِهِ مَعَ عَقْدِ نِيَّتِهِ عَلَى ذَلِكَ ، وَالنِّيَّةُ هِيَ الْأَصْلُ فِي الْأَعْمَالِ ، وَعَلَيْهَا تَقَعُ الْمَجَازَاتُ ، فَمِنْ هُنَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - قَضَى اعْتِكَافَهُ فِي ذَلِكَ فِي شَوَّالٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 14967 م - وَقَدْ ذَكَرَ سُنَيْدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ كَهَمْسٍ ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ الْآيَةَ : إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يَرَوْهُ فِي أَنْفُسِهِمْ وَلَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ ، أَلَا تَسْمَعُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْآيَةِ : أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلامُ الْغُيُوبِ . 14968 - قَالَ : وَحَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ ، قَالَ : رَكِبْتُ الْبَحْرَ ، فَأَصَابَتْنَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ ; فَنَذَرَ قَوْمٌ مَعَنَا نُذُورًا ، وَنَوَيْتُ أَنَا شَيْئًا لَمْ أَتَكَلَّمْ بِهِ ، فَلَمَّا قَدِمْتُ الْبَصْرَةَ سَأَلْتُ أَبَا سُلَيْمَانَ التَّيْمِيَّ ، فَقَالَ : يَا بُنَيَّ فِء بِهِ . 14969 - فَغَيْرُ نَكِيرٍ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى الِاعْتِكَافَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَ قَدْ نَوَى أَنْ يَعْمَلَهُ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ ; لِأَنَّهُ كَانَ أَوْفَى النَّاسِ لِرَبِّهِ بِمَا عَاهَدَهُ عَلَيْهِ ، وَأَبْدَرَهُمْ إِلَى طَاعَتِهِ ، فَإِنْ كَانَ دَخَلَ فِيهِ فَالْقَضَاءُ وَاجِبٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ ، لَا يَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ فَالْقَضَاءُ مُسْتَحَبٌّ لِمَنْ هَذِهِ حَالُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ أَيْضًا مَرْغُوبٌ فِيهِ . 14970 - وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ أَوْجَبَ قَضَاءَهُ عَلَيْهِ ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَ عَقَدَ عَلَيْهِ نِيَّتَهُ ، وَالْوَجْهُ عِنْدَنَا مَا ذَكَرْنَا . 14971 - وَمَنْ جَعَلَ عَلَى الْمُعْتَكَفِ قَضَاءَ مَا قَطَعَهُ مِنِ اعْتِكَافِهِ ، قَاسَهُ عَلَى الْحَجِّ التَّطَوُّعِ يَقْطَعُهُ صَاحِبُهُ عَمْدًا أَوْ مَغْلُوبًا . 14972 - وَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَ قَطْعِ الصَّلَاةِ التَّطَوُّعِ وَالصِّيَامِ التَّطَوُّعِ ، وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَذَاهِبِ فِيمَا مَضَى مِنْ هَذَا الْكِتَابِ . 14973 - وَذَكَرَ الْأَثْرَمُ قَالَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يُسْأَلُ عَنِ النِّسَاءِ أَيَعْتَكِفْنَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . 14974 - وَقَدْ ذَكَرْنَا طَرَفًا مِنِ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي مَكَانِ مُعْتَكَفِ النِّسَاءِ فِي أَوَّلِ بَابِ الِاعْتِكَافِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَاهُنَا مَا هُوَ عَلَى شَرْطِنَا .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث عائشة في اعتكاف رسول الله عشرا من شوال · ص 315 15022 - قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَرْأَةِ : إِنَّهَا إِذَا اعْتَكَفَتْ ، ثُمَّ حَاضَتْ فِي اعْتِكَافِهَا ، إِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى بَيْتِهَا ، فَإِذَا طَهُرَتْ رَجَعَتْ إِلَى الْمَسْجِدِ أَيَّةَ سَاعَةٍ طَهُرَتْ ، ثُمَّ تَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنِ اعْتِكَافِهَا ، وَمِثْلُ ذَلِكَ الْمَرْأَةُ يَجِبُ عَلَيْهَا صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ، فَتَحِيضُ ثُمَّ تَطْهُرُ - فَتَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ صِيَامِهَا ، وَلَا تُؤَخِّرُ ذَلِكَ . 15023 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : حُكْمُ الْمُعْتَكِفَةِ تَحِيضُ كَحُكْمِ مَنْ نَذَرَ صِيَامَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ ، أَوْ كَانَ عَلَيْهِ أَيَّامٌ مُتَتَابِعَاتٌ صِيَامٌ مُتَتَابِعٌ ، وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيمَنْ كَانَ عَلَيْهِ أَيَّامٌ مُتَتَابِعَاتٌ فَمَرِضَ ، أَوِ امْرَأَةٌ كَانَ عَلْيَهَا صِيَامٌ مُتَتَابِعٌ فَمَرِضَتْ أَوْ حَاضَتْ - فِي بَابِ صِيَامِ الَّذِي يَقْتُلُ خَطَأً أَوْ يَتَظَاهَرُ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ . 15024 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : إِذَا حَاضَتِ الْمُعْتَكِفَةُ خَرَجْتَ إِلَى بَيْتِهَا ، فَإِذَا طَهُرَتْ قَضَتْ ذَلِكَ . 15025 - وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، قَالَ : إِذَا حَاضَتِ الْمُعْتَكِفَةُ خَرَجَتْ ، فَإِذَا طَهُرَتْ رَجَعَتْ إِلَى مَوْضِعِهَا . قُلْتُ : فَيَطَؤُهَا زَوْجُهَا فِي يَوْمِ طُهْرِهَا ؟ قَالَ : لَا . قُلْتُ : فَإِنْ كَانَتْ مَرِيضَةٌ ؟ قَالَ : تَخْرُجُ إِلَى بَيْتِهَا ، فَإِذَا صَحَّتْ رَجَعَتْ إِلَى مَوْضِعِهَا . قُلْتُ : أَيَطَؤُهَا زَوْجُهَا فِي مَرَضِهَا ؟ قَالَ : لَا ، إِنْ وَطِئَ الْحَائِضَ فِي طُهْرِهَا أَوِ الْمَرِيضَةَ فِي مَرَضِهَا فَسَدَ اعْتِكَافُهَا ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا الْبِنَاءُ عَلَى مَا مَضَى ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب قَضَاءِ الْاعْتِكَافِ · ص 311 4 - بَاب قَضَاءِ الْاعْتِكَافِ 693 - حَدَّثَنِي زِيَاد عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ فِيهِ وَجَدَ أَخْبِيَةً ؛ خِبَاءَ عَائِشَةَ ، وَخِبَاءَ حَفْصَةَ ، وَخِبَاءَ زَيْنَبَ ، فَلَمَّا رَآهَا سَأَلَ عَنْهَا فَقِيلَ لَهُ : هَذَا خِبَاءُ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ وَزَيْنَبَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : آلْبِرَّ تَقُولُونَ بِهِنَّ ؟ ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمْ يَعْتَكِفْ حَتَّى اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ . وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ دَخَلَ الْمَسْجِدَ لِعُكُوفٍ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ، فَأَقَامَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ ثُمَّ مَرِضَ ، فَخَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ أَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَكِفَ مَا بَقِيَ مِنْ الْعَشْرِ إِذَا صَحَّ أَمْ لَا يَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ ؟ وَفِي أَيِّ شَهْرٍ يَعْتَكِفُ إِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ مَالِكٌ : يَقْضِي مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ عُكُوفٍ إِذَا صَحَّ فِي رَمَضَانَ أَوْ غَيْرِهِ ، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرَادَ الْعُكُوفَ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ رَجَعَ فَلَمْ يَعْتَكِفْ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ رَمَضَانُ اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ ، وَالْمُتَطَوِّعُ فِي الْاعْتِكَافِ فِي رَمَضَانَ ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْاعْتِكَافُ أَمْرُهُمَا وَاحِدٌ فِيمَا يَحِلُّ لَهُمَا وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمَا ، وَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ اعْتِكَافُهُ إِلَّا تَطَوُّعًا . قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَرْأَةِ : إِنَّهَا إِذَا اعْتَكَفَتْ ثُمَّ حَاضَتْ فِي اعْتِكَافِهَا ؛ إِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى بَيْتِهَا ، فَإِذَا طَهُرَتْ رَجَعَتْ إِلَى الْمَسْجِدِ أَيَّةَ سَاعَةٍ طَهُرَتْ ، ثُمَّ تَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنَ اعْتِكَافِهَا ، وَمِثْلُ ذَلِكَ الْمَرْأَةُ يَجِبُ عَلَيْهَا صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فَتَحِيضُ ثُمَّ تَطْهُرُ ، فَتَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ صِيَامِهَا وَلَا تُؤَخِّرُ ذَلِكَ . 4 - بَابُ قَضَاءِ الِاعْتِكَافِ 699 693 - ( حَدَّثَنَا زِيَادٌ ، عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا غَلَطٌ وَخَطَأٌ مُفْرِطٌ لَا أَدْرِي هَلْ هُوَ مِنْ يَحْيَى أَمْ مِنْ زِيَادٍ ؟ وَلَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ عَلَيْهِ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ ، وَلَا يُعْرَفُ هَذَا الْحَدِيثُ لِابْنِ شِهَابٍ لَا مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ وَلَا غَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا الْحَدِيثُ لِجَمِيعِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ ، مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ ، إِلَّا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَصِلُهُ ( عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَائِشَةَ ) ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُرْسِلُهُ فَلَا يَذْكُرُ عَائِشَةَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْطَعُهُ فَلَا يَذْكُرُ عَمْرَةَ . انْتَهَى . وَبِهِ يُتَعَقَّبُ قَوْلُ فَتْحِ الْبَارِي : إِنَّهُ مُرْسَلٌ عَنْ عَمْرَةَ فِي الْمُوطَآتِ كُلِّهَا ، ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ ) فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ كَمَا فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ ، وَلَهُمَا عَنْ عَائِشَةَ : فَكُنْتُ أَضْرِبُ لَهُ خِبَاءً ، ( فَلَمَّا انْصَرَفَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ فِيهِ ) وَهُوَ الْخِبَاءُ ، ( وَجَدَ أَخْبِيَةً ) ثَلَاثَةً ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : فَلَمَّا انْصَرَفَ مِنَ الْغَدَاةِ أَبْصَرَ أَرْبَعَ قِبَابٍ يَعْنِي قُبَّةً لَهُ وَثَلَاثَةً لِلثَّلَاثَةِ ، ( خِبَاءَ عَائِشَةَ ) بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ مَمْدُودٍ ، أَيْ خَيْمَةً مِنْ وَبَرٍ أَوْ صُوفٍ عَلَى عَمُودَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ ، ( وَخِبَاءَ حَفْصَةَ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : فَاسْتَأْذَنَتْهُ عَائِشَةُ فَأَذِنَ لَهَا فَسَأَلَتْ حَفْصَةُ عَائِشَةَ أَنْ تَسْتَأْذِنَ لَهَا فَفَعَلَتْ ، وَلَهُ فِي أُخْرَى : فَاسْتَأْذَنَتْهُ عَائِشَةُ أَنْ تَعْتَكِفَ فَأَذِنَ لَهَا فَضَرَبَتْ قُبَّةً ، فَسَمِعَتْ بِهَا حَفْصَةُ فَضَرَبَتْ قُبَّةً لِتَعْتَكِفَ مَعَهُ ، وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّهَا ضَرَبَتْهَا بِلَا إِذْنٍ وَلَيْسَ بِمُرَادٍ . فَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ : ثُمَّ اسْتَأْذَنَتْهُ حَفْصَةُ فَأَذِنَ لَهَا ، وَظَهَرَ مِنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ اسْتِئْذَانَهَا كَانَ عَلَى لِسَانِ عَائِشَةَ . ( وَخِبَاءَ زَيْنَبَ ) بِنْتِ جَحْشٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : فَلَمَّا رَأَتْهُ زَيْنَبُ ضَرَبَتْ لَهَا خِبَاءً آخَرَ ، وَلَهُ فِي أُخْرَى : وَسَمِعَتْ بِهَا زَيْنَبُ فَضَرَبَتْ قُبَّةً أُخْرَى ، وَعِنْدَ أَبِي عِوَانَةَ : فَلَمَّا رَأَتْهُ زَيْنَبُ ضَرَبَتْ مَعَهُنَّ ، وَكَانَتِ امْرَأَةً غَيُورًا ، قَالَ الْحَافِظُ : وَلَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ عَلَى أَنَّ زَيْنَبَ اسْتَأْذَنَتْ ، وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ أَحَدُ مَا بَعَثَ عَلَى الْإِنْكَارِ الْآتِي ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ ، وَأَبِي دَاوُدَ : فَأَمَرَتْ زَيْنَبُ بِخِبَائِهَا فَضُرِبَ ، وَأَمَرَ غَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخِبَائِهَا فَضُرِبَ ، وَهَذَا يَقْتَضِي تَعْمِيمَ الْأَزْوَاجِ وَلَيْسَ بِمُرَادٍ لِتَفْسِيرِهَا فِي الرِّوَايَاتِ الْأُخْرَى بِالثَّلَاثَةِ ، وَبَيَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ : أَرْبَعَ قِبَابٍ ، وَلِلنَّسَائِيِّ إِذَا هُوَ بِأَرْبَعَةِ أَبْنِيَةٍ . ( فَلَمَّا رَآهَا سَأَلَ عَنْهَا فَقِيلَ لَهُ : هَذَا خِبَاءُ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ وَزَيْنَبَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : آلْبِرَّ ) بِهَمْزَةِ اسْتِفْهَامٍ مَمْدُودَةٍ وَبِغَيْرِ مَدٍّ وَالنَّصْبِ ، مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ لِقَوْلِهِ : ( تَقُولُونَ ) أَيْ تَظُنُّونَ ، وَالْقَوْلُ يُطْلَقُ عَلَى الظَّنِّ ، قَالَ الْأَعْشَى : أَمَّا الرَّحِيلُ فَدُونَ بَعْدَ غَدٍ فَمَتَى تَقُولُ الدَّارُ تَجْمَعُنَا ( بِهِنَّ ) أَيْ مُلْتَبِسًا بِهِنَّ ، وَهُوَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي لِيَقُولُونَ ، وَالْخِطَابُ لِلْحَاضِرِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، وَفِي رِوَايَةٍ : آلْبِرَّ يَرَوْنَ ( ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمْ يَعْتَكِفْ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : فَأَمَرَ بِخِبَائِهِ فَقُوِّضَ بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِ الْوَاوِ ثَقِيلَةٍ فَضَادٍ مُعْجَمَةٍ أَيْ نُقِضَ . قَالَ عِيَاضٌ : قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا الْكَلَامَ إِنْكَارًا لِفِعْلِهِنَّ ، وَقَدْ كَانَ أَذِنَ لِبَعْضِهِنَّ فِي ذَلِكَ ، وَسَبَبُ إِنْكَارِهِ أَنَّهُ خَافَ أَنْ يَكُنَّ غَيْرَ مُخْلِصَاتٍ فِي الِاعْتِكَافِ ، بَلْ أَرَدْنَ الْقُرْبَ مِنْهُ لِغَيْرَتِهِنَّ عَلَيْهِ أَوْ لِغَيْرَتِهِ عَلَيْهِنَّ ، فَكَرِهَ مُلَازَمَتَهُنَّ الْمَسْجِدَ مَعَ أَنَّهُ يَجْمَعُ النَّاسَ وَتَحْضُرُهُ الْأَعْرَابُ وَالْمُنَافِقُونَ ، وَهُنَّ مُحْتَاجَاتٌ إِلَى الْخُرُوجِ وَالدُّخُولِ لِمَا يَعْرِضُ لَهُنَّ فَيَبْتَذِلْنَ بِذَلِكَ ، أَوْ لِأَنَّهُ رَآهُنَّ عِنْدَهُ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ فِي مُعْتَكَفِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ فِي مَنْزِلِهِ لِحُضُورِهِ مَعَ أَزْوَاجِهِ ، وَذَهَبَ الْمُهِمُّ مِنْ مَقْصُودِ الِاعْتِكَافِ وَهُوَ التَّخَلِّي عَنِ الْأَزْوَاجِ وَمُتَعَلِّقَاتِ الدُّنْيَا وَشِبْهِ ذَلِكَ ، أَوْ لِأَنَّهُنَّ ضَيَّقْنَ الْمَسْجِدَ بِأَبْنِيَتِهِنَّ ، زَادَ الْحَافِظُ : أَوْ لَمَّا أَذِنَ لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ أَوَّلًا خَشِيَ تَوَارُدَ بَقِيَّةِ النِّسْوَةِ عَلَى ذَلِكَ فَيَضِيقُ الْمَسْجِدُ عَلَى الْمُصَلِّينَ . وَفِي رِوَايَةٍ : فَتَرَكَ الِاعْتِكَافَ ذَلِكَ الشَّهْرَ . ( حَتَّى اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : فَلَمْ يَعْتَكِفْ فِي رَمَضَانَ حَتَّى اعْتَكَفَ فِي آخِرِ الْعَشْرِ مِنْ شَوَّالٍ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : حَتَّى اعْتَكَفَ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ شَوَّالٍ ، وَجَمَعَ الْحَافِظُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ آخِرُ الْعَشْرِ مِنْ شَوَّالٍ انْتِهَاءُ اعْتِكَافِهِ ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الِاعْتِكَافِ بِغَيْرِ صَوْمٍ ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ شَوَّالٍ هُوَ يَوْمُ الْعِيدِ وَصَوْمُهُ حَرَامٌ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَعْنَى كَانَ ابْتِدَاؤُهُ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ وَهُوَ صَادِقٌ بِمَا إِذَا ابْتَدَأَ بِالْيَوْمُ الثَّانِي فَلَا دَلِيلَ فِيهِ لِمَا قَالَهُ ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى وُجُوبِ قَضَاءِ النَّفْلِ لِمَنْ شَرَعَ فِيهِ ثُمَّ أَبْطَلَهُ ، وَقَالَ غَيْرُهُمْ : يُقْضَى نَدْبًا . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَدْخَلَ مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ فِي قَضَاءِ الِاعْتِكَافِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ قَدْ عَزَمَ عَلَى اعْتِكَافِ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، فَلَمَّا رَأَى تَنَافُسَ زَوْجَاتِهِ فِي ذَلِكَ ، وَخَشِيَ أَنْ يَدْخُلَ نِيَّاتِهِنَّ دَاخِلَةٌ انْصَرَفَ ثُمَّ وَفَى لِلَّهِ بِمَا نَوَاهُ ، وَفِيهِ صِحَّةُ اعْتِكَافِ النِّسَاءِ لِإِذْنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُنَّ ، وَإِنَّمَا مَنْعُهُنَّ بَعْدَ ذَلِكَ لِعَارِضٍ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَقَطَعْتُ بِأَنَّ اعْتِكَافَهُنَّ فِي الْمَسَاجِدِ لَا يَجُوزُ ، وَفِيهِ أَنَّ الْمَسْجِدَ شَرْطٌ لِلِاعْتِكَافِ لِأَنَّ النِّسَاءَ شُرِعَ لَهُنَّ الْحِجَابُ فِي الْبُيُوتِ ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْمَسْجِدُ شَرْطًا مَا وَقَعَ مَا ذُكِرَ مِنَ الْإِذْنِ وَالْمَنْعِ وَلَاكْتُفِيَ لَهُنَّ بِالِاعْتِكَافِ فِي مَسَاجِدَ بُيُوتِهِنَّ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَسَقَطَ عَنْ عَائِشَةَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ وَالْكُشْمِيهَنِيِّ وَكَذَا هُوَ فِي الْمُوطَآتِ كُلِّهَا . وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ مُرْسَلًا ، وَجَزَمَ بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَهُ عَنْهُ مَوْصُولًا . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : رَوَاهُ مَالِكٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ يَحْيَى مُرْسَلًا . وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : تَابَعَ مَالِكًا عَلَى إِرْسَالِهِ أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَلَى خِلَافٍ عَنْهُ ، زَادَ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ قَالَ : وَرَوَاهُ النَّاسُ عَنْ يَحْيَى مَوْصُولًا ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ ، عَنْ مَالِكٍ مَوْصُولًا . انْتَهَى . وَمَرَّ التَّعَقُّبَ عَلَى قَوْلِهِ مُرْسَلٌ فِي الْمُوطَآتِ كُلِّهَا ، وَكَأَنَّهُ اكْتَفَى بِهَؤُلَاءِ فَلَمْ يُرَاجِعْ أَبَا عُمَرَ . ( وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ دَخَلَ الْمَسْجِدَ لِعُكُوفٍ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَأَقَامَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ ثُمَّ مَرِضَ ) مَرَضًا يَشُقُّ عَلَيْهِ فِيهِ الْمُكْثُ فِي الْمَسْجِدِ ، ( فَخَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ أَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَكِفَ مَا بَقِيَ مِنَ الْعَشْرِ إِذَا صَحَّ أَمْ لَا يَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ ؟ وَفِي أَيِّ شَهْرٍ يَعْتَكِفُ إِنْ وَجَبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ؟ فَقَالَ مَالِكٌ : يَقْضِي مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ عُكُوفٍ ) بِنَذْرِهِ أَوِ الدُّخُولِ فِيهِ ، ( إِذَا صَحَّ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ ) ، لَكِنْ إِنْ كَانَ فِي رَمَضَانَ فَبِأَيِّ وَجْهٍ أَفْطَرَ لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَعَ رَمَضَانَ كَالْعِبَادَةِ الْوَاحِدَةِ ، وَكَذَا إِنْ وَجَبَ صَوْمُ الِاعْتِكَافِ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ ، وَإِنْ كَانَ صَوْمُ الِاعْتِكَافِ تَطَوُّعًا فَأَفْطَرَ نَاسِيًا قَضَى عِنْدَ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : لَا قَضَاءَ . وَأَمَّا الْمَنْذُورُ غَيْرُ الْمُعَيَّنِ فَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ قَضَائِهِ وَبِمُعَيَّنٍ فَحُكْمُ رَمَضَانَ فِيهِ عَلَى مَا مَرَّ ، وَفِي غَيْرِهِ وَاسْتَغْرَقَهُ الْمَانِعُ فَلَا قَضَاءَ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَغْرِقْهُ وَكَانَ فِي آخِرِ الِاعْتِكَافِ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِهِ فَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ ، وَقَالَ سَحْنُونُ : لَا قَضَاءَ ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ . وَاسْتَدَلَّ مَالِكٌ لِوُجُوبِ الْقَضَاءِ بِقَوْلِهِ : ( وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرَادَ الْعُكُوفَ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ رَجَعَ فَلَمْ يَعْتَكِفْ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ رَمَضَانُ اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ ) ، هُوَ الْحَدِيثُ الَّذِي أَسْنَدَهُ أَوَّلًا صَحِيحًا ، فَمِنْ هُنَا وَنَحْوَهُ يُعْلَمُ أَنَّهُ يُطْلَقُ الْبَلَاغُ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَلِذَا قَالَ الْأَئِمَّةُ : بَلَاغَاتُ مَالِكٍ صَحِيحَةٌ . ( وَالْمُتَطَوِّعُ فِي الِاعْتِكَافِ وَالَّذِي عَلَيْهِ الِاعْتِكَافُ أَمْرُهُمَا وَاحِدٌ فِيمَا يَحِلُّ لَهُمَا وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمَا ، وَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ اعْتِكَافُهُ إِلَّا تَطَوُّعًا ) ، وَقَدْ قَضَاهُ لَمَّا قَطَعَهُ لِلْعُذْرِ فَيُفِيدُ وُجُوبَ قَضَاءِ الِاعْتِكَافِ التَّطَوُّعِ لِمَنْ قَطَعَهُ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ ، وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ إِنَّمَا قَضَاهُ اسْتِحْبَابًا لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ نِسَاءَهُ اعْتَكَفْنَ مَعَهُ فِي شَوَّالٍ مَدْفُوعٌ ، فَعَدَمُ النَّقْلِ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْفِعْلِ وَقَدْ يَتَأَخَّرْنَ عَنْ شَوَّالٍ لِعُذْرٍ كَحَيْضٍ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَرْأَةِ : إِنَّهَا إِذَا اعْتَكَفَتْ ثُمَّ حَاضَتْ فِي اعْتِكَافِهَا ؛ إنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى بَيْتِهَا ) وُجُوبًا لِحُرْمَةِ مُكْثِهَا فِي الْمَسْجِدِ بِالْحَيْضِ ، ( فَإِذَا طَهُرَتْ رَجَعَتْ إِلَى الْمَسْجِدِ أَيَّةَ سَاعَةٍ طَهُرَتْ ، ثُمَّ تَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنَ اعْتِكَافِهَا ) قَبْلَ الْحَيْضِ حَتَّى تُتِمَّ مَا نَوَتْ أَوْ نَذَرَتْ ، ( وَمِثْلُ ذَلِكَ الْمَرْأَةُ يَجِبُ عَلَيْهَا صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ) لِكَفَّارَةِ قَتْلٍ أَوْ فِطْرٍ فِي رَمَضَانَ ، ( فَتَحِيضُ ثُمَّ تَطْهُرُ فَتَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ صِيَامِهَا ، وَلَا تُؤَخِّرُ ذَلِكَ ) فَإِنْ أَخَّرَتْهُ اسْتَأْنَفَتْ .