793 - حَدِيثٌ سَادِسٌ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ - مُسْنَدٌ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِمَارَ وَحْشٍ وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ - أَوْ بِوَدَّانَ - فَرَدَّهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ ، قَالَ : فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا فِي وَجْهِي قَالَ : إِنَّا لَمْ نَرُدُّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ . هَذَا حَدِيثٌ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي إِسْنَادِهِ عَلَى مَالِكٍ وَلَا عَلَى ابْنِ شِهَابٍ ، وَكُلُّ مَنْ فِي إِسْنَادِهِ فَقَدْ سَمِعَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ سَمَاعًا ، كَذَلِكَ فِي الْإِمْلَاءِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ . وَقَدْ قُلْنَا فِي السَّنَدِ الْمُعَنْعَنِ فِي أَوَّلِ كِتَابِنَا مَا فِيهِ كِفَايَةٌ . وَمِمَّنْ رَوَاهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ مَعْمَرٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَرِثِ وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ وَابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ ، كُلُّهُمْ قَالُوا فِيهِ " أَهْدَيْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِمَارَ وَحْشٍ " كَمَا قَالَ مَالِكٌ ، وَخَالَفَهُمْ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فَقَالَا فِيهِ : أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَحْمَ حِمَارِ وَحْشٍ . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فِي حَدِيثِهِ : قُلْتُ لِابْنِ شِهَابٍ : الْحِمَارُ عَقِيرٌ ؟ قَلت : لَا أَدْرِي ، فَقَدْ بَيَّنَ ابْنُ جُرَيْجٍ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ شَكَّ فَلَمْ يَدْرِ هَلْ كَانَ عَقِيرًا أَمْ لَا ؟ إِلَّا أَنَّ فِي مَسَاقِ حَدِيثِهِ : أَهْدَيْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِمَارَ وَحْشٍ فَرَدَّهُ عَلَيَّ . وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْبَلَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِقُدَيْدٍ أُهْدِيَ إِلَيْهِ بَعْضُ حِمَارٍ ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ وَقَالَ : إِنَّا حُرُمٌ لَا نَأْكُلُ الصَّيْدَ . هَكَذَا قَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ؛ لَمْ يَذْكُرِ ابْنَ شِهَابٍ ، وَقَالَ : بَعْضُ حِمَارٍ - ذَكَرَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ . وَعِنْدَ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ فِي هَذَا أَيْضًا إِسْنَادٌ آخَرُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحِمَارِ وَحْشٍ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ وَقَالَ : إِنَّا حُرُمٌ لَا نَأْكُلُ الصَّيْدَ . هَكَذَا قَالَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ : بِحِمَارِ وَحْشٍ . وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ كَمَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ ، وَهُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ . فَهَذَا مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمِقْسَمٍ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَحْمَ حِمَارِ وَحْشٍ - قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فِي حَدِيثِهِ : عَجُزَ حِمَارِ وَحْشٍ - فَرَدَّهُ يَقْطُرُ دَمًا . رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَقَالَ مِقْسَمٌ فِي حَدِيثِهِ : رِجْلَ حِمَارِ وَحْشٍ . رَوَاهُ هُشَيْمٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ مِقْسَمٍ ، ذَكَرَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْهَرَوِيِّ عَنْ هُشَيْمٍ . وَقَالَ عَطَاءٌ فِي حَدِيثِهِ : أَهْدَي لَهُ عَضُدَ صَيْدٍ فَلَمْ يَقْبَلْهُ ، وَقَالَ : إِنَّا حُرُمٌ . رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَيْسٍ عَنْ عَطَاءٍ . وَقَالَ طَاوُسٌ فِي حَدِيثِهِ : عُضْوًا مِنْ لَحْمِ صَيْدٍ . حَدَّثَ بِهِ إِسْمَاعِيلُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، إِلَّا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ . أَخْبَرَنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَاهِلِيُّ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ الْقَاضِي ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي حَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَدِمَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ يَسْتَذْكِرُهُ : كَيْفَ أَخْبَرْتَنِي عَنْ لَحْمٍ أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَامًا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، أَهْدَى لَهُ رَجُلٌ عُضْوًا مِنْ لَحْمٍ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ ، وَقَالَ : إِنَّا لَا نَأْكُلُهُ ، إِنَّا حُرُمٌ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِإِسْنَادِهِ هَذَا مِثْلَهُ ، وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ لِزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ : أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُهْدِيَ لَهُ عُضْوٌ مِنْ صَيْدٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَلَمْ يَقْبَلْهُ ؟ قَالَ : بَلَى . قَالَ إِسْمَاعِيلُ : سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ حَرْبٍ يَتَأَوَّلُ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّهُ صِيدَ مِنْ أَجْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْلَا ذَلِكَ كَانَ أَكْلُهُ جَائِزًا . قَالَ سُلَيْمَانُ : وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ قَوْلُهُمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : فَرَدَّهُ يَقْطُرُ دَمًا . كَأَنَّهُ صِيدَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ : وَإِنَّمَا تَأَوَّلَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ الْحَدِيثَ الَّذِي فِيهِ أَنَّهُ أُهْدِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَحْمُ حِمَارٍ ، وَهُوَ مَوْضِعٌ يَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ . وَأَمَّا رِوَايَةُ مَالِكٍ أَنَّ الَّذِي أُهْدِيَ إِلَيْهِ حِمَارُ وَحْشٍ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ ، لِأَنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُمْسِكَ صَيْدًا حَيًّا وَلَا يُذَكِّيَهُ ، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّأْوِيلِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّ الَّذِي أُهْدِيَ هُوَ بَعْضُ الْحِمَارِ . قَالَ إِسْمَاعِيلُ : وَعَلَى تَأْوِيلِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ تَكُونُ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا الْمَرْفُوعَةُ غَيْرَ مُخْتَلِفَةٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْأَحَادِيثُ الْمَرْفُوعَةُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْهَا حَدِيثُ عُمَيْرِ بْنِ سَلَمَةَ فِي قِصَّةِ الْبَهْزِيِّ وَحِمَارِهِ الْعَقِيرِ ، رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عُمَيْرٍ . وَمِنْهَا حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ ، رُوِيَ مِنْ وُجُوهٍ . وَمِمَّنْ رَوَى قِصَّةَ أَبِي قَتَادَةَ جَابِرٌ وَأَبُو سَعِيدٍ ، وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أَبِي قَتَادَةَ فِي بَابِ النَّضْرِ بْنِ سَالِمٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَمِنْهَا حَدِيثُ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى تَوَاتُرِ طُرُقِهِ وَاخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ ، وَمِنْهَا حَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُهْدِيَ إِلَيْهِ رَجُلٌ حِمَارَ وَحْشٍ فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَهُ . وَحَدِيثُ الْمُطَّلِبِ عَنْ جَابِرٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَادُ لَكُمْ . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ قَبُولُ صَيْدٍ وُهِبَ لَهُ وَلَا يَجُوزُ لَهُ شِرَاؤُهُ وَلَا اصْطِيَادُهُ ، وَلَا اسْتِحْدَاثُ مِلْكِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ ، لَا خِلَافَ بَيْنِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ لِعُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَلِحَدِيثِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ فِي قِصَّةِ الْحِمَارِ . وَلِأَهْلِ الْعِلْمِ قَوْلَانِ فِي الْمُحْرِمِ يَشْتَرِي الصَّيْدَ ؛ أَحَدُهُمَا أَنَّ الشِّرَاءَ فَاسِدٌ ، وَالثَّانِي صَحِيحٌ وَعَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَهُ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ أَحْرَمَ وَفِي يَدِهِ صَيْدٌ أَوْ فِي بَيْتِهِ عِنْدَ أَهْلِهِ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ : إِنْ كَانَ فِي يَدِهِ فَعَلَيْهِ إِرْسَالُهُ ، وَإِنْ كَانَ فِي أَهْلِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ : سَوَاءٌ كَانَ فِي بَيْتِهِ أَوْ فِي يَدِهِ عَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَهُ ، فَإِنْ لَمْ يُرْسِلْهُ ضَمِنَ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ . وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : سَوَاءٌ كَانَ فِي يَدِهِ أَوْ فِي أَهْلِهِ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَهُ . وَعَنْ مُجَاهِدٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ . وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِيمَا صِيدَ لِلْمُحْرِمِينَ أَوْ مِنْ أَجْلِهِمْ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ : لَا بَأْسَ أَنْ يَأْكُلَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ إِذَا لَمْ يُصَدْ لَهُ وَلَا مِنْ أَجْلِهِ ، فَإِنْ صِيدَ لَهُ أَوْ مِنْ أَجْلِهِ لَمْ يَأْكُلْهُ ، فَإِنْ أَكَلَ مُحْرِمٌ مِنْ صَيْدٍ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ فَدَاهُ . وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ . قَالَ مَالِكٌ : فَأَمَّا مَا ذَبَحَهُ الْمُحْرِمُ فَهُوَ مَيْتَةٌ ، لَا يَحِلُّ لِمُحْرِمٍ وَلَا لِحَلَالٍ . وَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِيمَا صِيدَ لِمُحْرِمٍ بِعَيْنِهِ كَالْأَمِيرِ وَشِبْهِهِ هَلْ لِغَيْرِ ذَلِكَ الَّذِي صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ أَنْ يَأْكُلَهُ هُوَ وَسَائِرُ مَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُحْرِمِينَ ؟ وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ عِنْدَ أَصْحَابِهِ أَنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَأْكُلُ مَا صِيدَ لِمُحْرِمٍ مُعَيَّنٍ أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ ، وَلَمْ يَأْخُذْ بِقَوْلِ عُثْمَانَ لِأَصْحَابِهِ حِينَ أُتِيَ بِلَحْمِ صَيْدٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ : كُلُوا فَلَسْتُمْ مِثْلِي ، لِأَنَّهُ صِيدَ مِنْ أَجْلِي . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا ذَبَحَهُ الْحَلَالُ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ لِلْمُحْرِمِ وَغَيْرِهِ ، وَإِنْ ذَبَحَهُ مُحْرِمٌ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَكْلُهُ . وَرُوِيَ عَنِ الثَّوْرِيِّ كَرَاهِيَةُ أَكْلِهِ إِذَا ذُبِحَ مِنْ أَجْلِ الْمُحْرِمِينَ ، وَرُوِيَ عَنْهُ إِبَاحَتُهُ ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا إِبَاحَةُ مَا ذَبَحَهُ الْمُحْرِمُ لِلْحَلَالِ . وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَكْلُ مَا صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ وَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ إِنْ أَكَلَهُ ، مِثْلَ قَوْلِ مَالِكٍ . وَقَوْلٌ آخَرُ : لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ ، وَمَا ذَبَحَهُ الْمُحْرِمُ لَمْ يَجُزْ أَكْلُهُ لِأَحَدٍ إِلَّا لِمَنْ تَحِلُّ لَهُ الْمَيْتَةُ . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَكْلُ لَحْمٍ صِيدَ عَلَى حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ ، سَوَاءٌ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ أَوْ لَمْ يُصَدْ لِعُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : هِيَ مُبْهَمَةٌ ، وَبِهَذَا الْقَوْلِ قَالَ طَاوُسٌ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ أَبُو الشَّعْثَاءِ . وَرَوَى ذَلِكَ عَنِ الثَّوْرِيِّ ، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ . وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ وَمُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ يَرَوْنَ لِلْمُحْرِمِ أَكْلَ الصَّيْدِ عَلَى كُلِّ حَالٍ إِذَا اصْطَادَهُ الْحَلَالُ ، سَوَاءٌ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ أَوْ لَمْ يُصَدْ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ لِظَاهِرِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ فَحَرَّمَ صَيْدَهُ وَقَتْلَهُ عَلَى الْمُحْرِمِينَ دُونَ مَا صَادَ غَيْرُهُمْ . وَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو ثَوْرٍ إِلَى أَنَّ مَا صِيدَ مِنْ أَجْلِ الْمُحْرِمِ لَمْ يَجُزْ أَكْلُهُ ، وَمَا لَمْ يُصَدْ مِنْ أَجْلِهِ جَازَ لَهُ أَكْلُهُ . وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ فِي رِوَايَةٍ وَإِسْحَاقُ فِي رِوَايَةٍ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا أَنَّهُمَا قَالَا : مَا ذُبِحَ وَأَنْتَ مُحْرِمٌ لَمْ يَحِلَّ لَكَ أَكْلُهُ وَهُوَ عَلَيْكَ حَرَامٌ ، وَمَا ذُبِحَ مِنَ الصَّيْدِ قَبْلَ أَنْ تُحْرِمَ فَلَا شَيْءَ فِي أَكْلِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَنْ أَجَازَ أَكْلَ لَحْمِ صِيدَ لِلْمُحْرِمِ إِذَا اصْطَادَهُ الْحَلَالُ فَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ الْبَهْزِيِّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حِمَارِ الْوَحْشِ الْعَقِيرِ أَنَّهُ أَمَرَ بِهِ أَبَا بَكْرٍ فَقَسَّمَهُ بَيْنَ الرِّفَاقِ ، مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي بَابِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوهَا اللَّهُ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ . وَحُجَّةُ مَنْ لَمْ يُجِزْهُ حَدِيثُ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ المذكور فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَحُجَّةُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ حَدِيثُ الْمُطَّلِبِ عَنْ جَابِرٍ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ ، عَنْ عَمْرٍو ، عن الْمُطَّلِبِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصْطَادْ لَكُمْ . وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ الْأَوْدِيُّ الْكُوفِيُّ - وَهُوَ إِمَامٌ فِي الْحَدِيثِ ثِقَةٌ جَلِيلٌ - عَنْ مَالِكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ أَحَادِيثَ فِي نَسَقٍ وَاحِدٍ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْخَضِرِ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : لَا حِمَى إِلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ . وَسُئِلَ عَنِ الْقَوْمِ يَبِيتُونَ فَيُصِيبُونَ الْوِلْدَانَ ، قَالَ : هُمْ مِنْهُمْ . وَأُهْدِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْأَبْوَاءِ حِمَارٌ فَرَدَّهُ . أَمَّا قِصَّةُ الْحِمَارِ بِالْأَبْوَاءِ فَفِي الْمُوَطَّأِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ التَّبْيِيتِ وَقَوْلُهُ " لَا حِمَى " فَصَحِيحٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ غَرِيبٌ عَنْ مَالِكٍ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ السَّادِسُ أَهْدَي لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِمَارَ وَحْشٍ وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ · ص 54 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ حِمَارًا وَحْشِيًّا · ص 295 793 ( 25 ) بَابُ مَا لَا يَحِلُّ لِلْمُحْرِمِ أَكْلُهُ مِنَ الصَّيْدِ 755 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ ، أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِمَارًا وَحْشِيًّا ، وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ ، أَوْ بِوَدَّانَ . فَرَدَّهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا فِي وَجْهِي قَالَ : إِنَّا لَمْ نَرُدُّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ . 16465 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَمِقْسَمٍ ، وَطَاوُسٍ : أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِمَارًا وَحْشِيًّا . 16466 - قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : عَجُزَ حِمَارٍ ، فَرَدَّهُ يَقْطُرُ دَمًا . رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . 16467 - وَقَالَ مِقْسَمٌ فِي حَدِيثِهِ : رِجْلُ حِمَارِ وَحْشٍ . 16468 - وَقَالَ عَطَاءٌ فِي حَدِيثِهِ : أُهْدِيَ لَهُ عَضُدُ صَيْدٍ فَلَمْ يَقْبَلْهُ . 16469 - وَقَالَ طَاوُسٌ فِي حَدِيثِهِ : عُضْوٌ مِنْ لَحْمِ صَيْدٍ . 16470 - إِلَّا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ عِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ . 16471 - رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي حَسَنُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ نِيَاقٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَدِمَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ يَسْتَذْكِرُهُ : كَيْفَ أَخْبَرْتَنِي عَنْ لَحْمٍ أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ ( عَلَيْهِ السَّلَامُ ) حَرَامًا ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، أَهْدَى لَهُ رَجُلٌ عُضْوًا مِنْ لَحْمٍ ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ ، وَقَالَ : لَا نَأْكُلُهُ ؛ إِنَّا حُرُمٌ . 16472 - قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ : سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ حَرْبٍ يَتَأَوَّلُ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّهُ صِيدَ مِنْ أَجْلِ النَّبِيِّ ( عَلَيْهِ السَّلَامُ ) ، وَلَوْلَا ذَاكَ كَانَ أَكْلُهُ جَائِزًا . 16473 - قَالَ سُلَيْمَانُ : وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ قَوْلُهُمْ فِي الْحَدِيثِ : فَرَدَّهُ يَقْطُرُ دَمًا ، كَأَنَّهُ صِيدَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ . 16474 - قَالَ إِسْمَاعِيلُ : وَإِنَّمَا تَأَوَّلَ إِسْمَاعِيلُ الْحَدِيثَ الَّذِي فِيهِ أَنَّهُ أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَحْمُ حِمَارٍ ، وَهُوَ مَوْضِعٌ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ . 16475 - وَأَمَّا رِوَايَةُ مَالِكٍ أَنَّ الَّذِي أُهْدِيَ إِلَيْهِ حِمَارٌ وَحْشِيٌّ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ ؛ لِأَنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُمْسِكَ صَيْدًا حَيًّا ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُذَكِّيَهُ إِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّأْوِيلِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّ الَّذِي أُهْدِيَ لَهُ هُوَ بَعْضُ الْحِمَارِ . 16476 - قَالَ إِسْمَاعِيلُ : وَعَلَى تَأْوِيلِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ تَكُونُ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا الْمَرْفُوعَةُ غَيْرَ مُخْتَلِفَةٍ . 16477 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْأَحَادِيثُ الْمَرْفُوعَةُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْهَا حَدِيثُ عُمَيْرِ بْنِ سَلَمَةَ فِي قِصَّةِ الْبَهْزِيِّ وَحِمَارِهِ الْعَقِيرِ ، وَمِنْهَا حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضِرِ ، وَمِنْهَا حَدِيثُ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ هَذَا ، وَحَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْدَى لَهُ رَجُلٌ حِمَارَ وَحْشي ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَهُ . وَحَدِيثُ الْمُطَّلِبِ ، عَنْ جَابِرٍ يُفَسِّرُهَا كُلَّهَا ، وَهُوَ قَوْلُهُ ( عَلَيْهِ السَّلَامُ ) : ( صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ ) . 16478 - وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ قَبُولُ صَيْدٍ إِذَا وُهِبَ لَهُ بَعْدَ إِحْرَامِهِ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ شِرَاؤُهُ وَلَا اصْطِيَادُهُ ، وَلَا اسْتِحْدَاثُ مِلْكِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ . 16479 - وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ; لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَلِحَدِيثِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ فِي قِصَّةِ الْحِمَارِ . 16480 - وَلِأَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْمُحْرِمِ يَشْتَرِي الصَّيْدَ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ الشِّرَاءَ فَاسِدٌ ، وَالثَّانِي أَنَّهُ صَحِيحٌ . وَعَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَهُ . 16481 - وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا مَا لِلْعُلَمَاءِ فِيمَنْ أَحْرَمَ وَفِي يَدِهِ ، أَوْ مَعَهُ ، أَوْ فِي بَيْتِهِ : شَيْءٌ مِنَ الصَّيْدِ . 16482 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ حَجَّ فِي عَامٍ حَجَّ فِيهِ عُثْمَانُ ; فَأُتِيَ عُثْمَانُ بِلَحْمِ صَيْدٍ صَادَهُ حَلَالٌ ، قَالَ : فَأَكَلَ مِنْهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ . وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ عَلِيٌّ . فَقَالَ عُثْمَانُ : إِنَّمَا صِيدَ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ . فَقَالَ عَلِيٌّ : وَنَحْنُ قَدْ بَدَا لَنَا وَأَهَالِينَا لَنَا حَلَالٌ أَفَيَحْلُلْنَ لَنَا الْيَوْمَ ؟ 16483 - رَوَاهُ هُشَيْمٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : حَجَّ عُثْمَانُ مَعَهُ عَلِيٌّ ، فَذَكَرَهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنْ عَلِيٍّ : أَنَّهُ لَمْ يَرَ لِلْمُحْرِمِ أَكْلَ مَا صَادَهُ الْحَلَالُ وَإِنْ كَانَ صِيدَ لَهُ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ الْمُحْرِمُ ، وَأَنَّ عُثْمَانَ كَانَ يُخَالِطُهُ فِي الْغَضَبِ . وَيُحَاسِبُهُ وَكَانَ يُخَالِفُهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَرَى بَأْسًا بِمَا صَادَهُ الْحَلَالُ قَبْلَ إِحْرَامِ الْمُحْرِمِ ، وَأَنْ يَأْكُلَهُ الْمُحْرِمُ فِي إِحْرَامِهِ . 16484 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) خِلَافُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ ، وَمُوَافَقَتُهُ لِرَأْيِ عُثْمَانَ . 16485 - ذَكَرَهُ إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْرَقُ ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ صُبَيْحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَبْسِيِّ ، قَالَ : اسْتَعْمَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ الْحَارِثِ عَلَى الْعَرُوضِ ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَمَعَهُ بَازٌ وَصَقْرٌ ، فَاسْتَعَارَهُ مِنْهُ ، وَصَادَ بِهِ مِنَ الْيَعَاقِيبِ ، فَلَمَّا سَمِعَ بِعُثْمَانَ قَدْ مَرَّ حَاجًّا أَمَرَ بِهِنَّ ; فَذُبِحْنَ ، فَطُبِخْنَ ، ثُمَّ جُعِلْنَ فِي جَفْنَةٍ ، فَجَاءَ بِهِنَّ آلَ عُثْمَانَ ، فَقَالَ عُثْمَانُ : كُفُّوا ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ : انْظُرُوا عَلِيًّا يَأْتِيكُمُ الْآنَ . فَلَمَّا جَاءَ عَلِيٌّ وَرَآهَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ أَبَى أَنْ يَأْكُلَ ; فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ : مَا شَأْنُكَ ؟ فَقَالَ : لَمْ أَكُنْ لِآكُلَ مِنْ هَذَا . قَالَ عُثْمَانُ : لِمَ ؟ قَالَ : هُوَ صَيْدٌ لَا يَحِلُّ لِمَنْ أَكَلَهُ ، وَأَنَا مُحْرِمٌ ، قَالَ عُثْمَانُ : فَبَيِّنْ لَنَا . فَقَالَ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ . قَالَ عُثْمَانُ : فَنَحْنُ قَتَلْنَاهُ ! إِنَّا لَمْ نَقْتُلْهُ . قَالَ : فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ عَلِيٌّ : وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ، فَمَكَثَ عُثْمَانُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَ ، ثُمَّ أَتَى وَهُوَ بِمَكَّةَ فَقِيلَ لَهُ : هَلْ لَكَ فِي ابْنِ أَبِي طَالِبٍ أُهْدِيَ إِلَيْهِ صَفِيفُ حِمَارٍ فَهُوَ يَأْكُلُ مِنْهُ ; فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ فَسَأَلَهُ عَنْ أَكْلِهِ الصَّفِيفَ ، وَقَالَ لَهُ : أَمَّا أَنْتَ فَتَأْكُلُ وَأَمَّا نَحْنُ فَتَنْهَانَا ؟ فَقَالَ لَهُ : إِنَّهُ صِيدَ عَامَ أَوَّلَ ; وَأَنَا حَلَالٌ ; فَلَيْسَ عَلَيَّ فِي أَكْلِهِ بَأْسٌ ، وَصِيدَ ذَلِكَ - يَعْنِي الْيَعَاقِيبَ - وَأَنَا حَرَامٌ ، وَذُبِحْنَ وَأَنَا حَرَامٌ . 16486 - وَبِهَذَا كَانَ يُفْتِي ابْنُ عَبَّاسٍ وَيَذْهَبُ إِلَيْهِ . 16487 - ذَكَرَ إِسْحَاقُ عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَبِلَالٍ مَا صِيدَ أَوْ ذُبِحَ وَأَنْتَ حَلَالٌ فَهُوَ لَكَ حَلَالٌ . وَمَا صِيدَ أَوْ ذُبِحَ وَأَنْتَ حَرَامٌ فَهُوَ عَلَيْكَ حَرَامٌ . 16488 - وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ . 16489 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : مَا صِيدَ وَأَنْتَ حَلَالٌ فَكُلْهُ ، وَمَا صِيدَ وَأَنْتَ حَرَامٌ فَلَا تَأْكُلْهُ . 16490 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَمَا كَانَ مِثْلَهَا عَنْ عَلِيٍّ يُعَضِّدُ مَا رُوِيَ عَنْهُ فِي الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ أَنَّهُ لَا يَأْكُلُهُ عَلَى عُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَلَمْ يُفَسِّرْ مَا صِيدَ قَبْلَ إِحْرَامِهِ أَوْ بَعْدَ إِحْرَامِهِ . 16491 - وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مُفَسَّرَةٌ كَمَا تَرَى . 16492 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَكْلُ لَحْمِ صَيْدٍ عَلَى حَالٍ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ . أَوْ مَنْ لَمْ يَصِدْ لِعُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : هِيَ مُبْهَمَةٌ . 16493 - وَبِهِ قَالَ طَاوُسٌ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ . 16494 - وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ فِي رِوَايَةٍ . 16495 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي يَزِيدَ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ يُحَدِّثُ أَنَّ عَلِيًّا كَرِهَ أَكْلَ لَحْمِ الصَّيْدِ وَهُوَ مُحْرِمٌ . 16496 - قَالَ : وَأَخْبَرَنِي مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ لَحْمِ الصَّيْدِ عَلَى كُلِّ حَالٍ . 16497 - قَالَ مَعْمَرٌ : وَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ . 16498 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ طَاوُسٍ وَعَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أُمَيَّةَ عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ كَرِهَ لَحْمَ الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ ، وَقَالَ : هِيَ مُبْهَمَةٌ ; يَعْنِي قَوْلَهُ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا . 16499 - وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ ، وَكَعْبُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعَطَاءٌ فِي رِوَايَةٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ يَرَوْنَ لِلْمُحْرِمِ أَكَلَ الصَّيْدِ عَلَى كُلِّ حَالٍ إِذَا اصْطَادَهُ الْحَلَالُ ؛ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ أَوْ لَمْ يُصَدْ . 16500 - وَبِهِ قَالَ الْكُوفِيُّونَ . 16501 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ ، عَنْ قَزَعَةَ ، قَالَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَأْكُلُ لَحْمَ الصَّيْدِ وَهُوَ مُحْرِمٌ ، فَقِيلَ لَهُ : إِنَّ عُمَرَ وَأَبَا هُرَيْرَةَ كَانَا يَأْكُلَانِهِ ، فَقَالَ : عُمَرُ خَيْرٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ خَيْرٌ مِنِّي . 16502 - قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ : وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا يَأْكُلُهُ . 16503 - وَذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ إِلَى أَنَّ مَا صِيدَ مِنْ أَجْلِ الْمُحْرِمِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَكْلُهُ ، وَمَا لَمْ يُصَدْ مِنْ أَجْلِهِ جَازَ لَهُ أَكْلُهُ . 16504 - وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ . 16505 - وَرُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ عَطَاءٍ ، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ . 16506 - وَهَذَا أَعْدَلُ الْمَذَاهِبِ وَأَعْلَاهَا ، وَعَلَيْهِ يَصِحُّ اسْتِعْمَالُ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ وَتَوْجِيهُهَا . 16507 - وَفِيهِ مَعَ ذَلِكَ نَصٌّ حَسَنٌ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ ، وَيَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ ، عَنْ عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُمَا عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حنظلة ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَحْمُ صَيْدِ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ . 16508 - رَوَاهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ كَمَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ ، وَيَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي يَحْيَى جَعَلُوهُ كُلُّهُمْ عَنْ عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ ، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ جَابِرٍ . 16509 - وَرَوَاهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ ، عَنْ جَابِرٍ فَأَخْطَأَ فِيهِ ، وَصَوَابُهُ مَا رَوَاهُ يَعَقُوبُ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب مَا لَا يَحِلُّ لِلْمُحْرِمِ أَكْلُهُ مِنْ الصَّيْدِ · ص 420 25 - بَاب مَا لَا يَحِلُّ لِلْمُحْرِمِ أَكْلُهُ مِنْ الصَّيْدِ 783 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ : أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِمَارًا وَحْشِيًّا وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا فِي وَجْهِي قَالَ : إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ . 25 - بَابُ مَا لَا يَحِلُّ لِلْمُحْرِمِ أَكْلُهُ مِنَ الصَّيْدِ 793 783 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ ، ( عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ ( ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ ) بِفَتْحِهَا ( ابْنِ عُتْبَةَ ) بِضَمِّهَا ( ابْنِ مَسْعُودٍ ) الْهُذَلِيِّ أَحَدِ الْفُقَهَاءِ ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ) الْحَبْرِ التَّرْجُمَانِ ( عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ ) - بِفَتْحِ الْجِيمِ ، وَالْمُثَلَّثَةِ الثَّقِيلَةِ ، فَأَلِفٍ ، فَمِيمٍ - ابْنِ قَيْسِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَعْمَرَ اللَّيْثِيِّ ، حَلِيفِ قُرَيْشٍ ، أُمُّهُ أُخْتُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ ، وَاسْمُهَا : فَاخِتَةُ ، وَقِيلَ : زَيْنَبُ ، وَيُقَالُ : هُوَ أَخُو مُحَلِّمِ بْنِ جَثَّامَةَ ، وَكَانَ الصَّعْبُ يَنْزِلُ وَدَّانَ ، مَاتَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَيُقَالُ : فِي آخِرِ خِلَافَةِ عُمَرَ ، وَيُقَالُ : الصِّدِّيقِ ، وَهُوَ غَلَطٌ ، فَقَدْ رَوَى ابْنُ السَّكَنِ بِإِسْنَادٍ صَالِحٍ ، عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ ، قَالَ : لَمَّا فُتِحَتْ إِصْطَخْرُ نَادَ مُنَادٍ : أَلَا إِنَّ الدَّجَّالَ قَدْ خَرَجَ ، فَقَالَ الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ : لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : لَا يَخْرُجُ الدَّجَّالُ حَتَّى يَذْهَلَ النَّاسُ عَنْ ذِكْرِهِ وَفَتْحُهَا فِي خِلَافَةِ عُمَرَ . وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ عُرْوَةَ ، قَالَ : لَمَّا رَكِبَ أَهْلُ الْعِرَاقِ فِي الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ ، أَيْ يَشْكُونَهُ لِعُثْمَانَ ، كَانُوا خَمْسَةً : مِنْهُمُ : الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ ، وَلَهُ أَحَادِيثُ ، وَآخَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ، ثُمَّ لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى مَالِكٍ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَأَنَّهُ مِنْ مُسْنَدِ الصَّعْبِ ، وَوَقَعَ فِي مُوَطَّأِ ابْنِ وَهْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الصَّعْبَ فَجَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَالْمَحْفُوظُ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ الْأَوَّلُ ، يَعْنِي أَنَّهُ مِنْ مُسْنَدِ الصَّعْبِ ابْنِ جَثَّامَةَ ( أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِمَارًا وَحْشِيًّا ) لَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا فِي هَذَا ، وَتَابَعَهُ مَعْمَرٌ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ ، وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ، وَاللَّيْثُ بْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ ، وَيُونُسُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ ، كُلُّهُمْ قَالُوا : حِمَارًا وَحْشِيًّا كَمَا قَالَ مَالِكٌ ، وَخَالَفَهُمْ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، فَقَالَ : أَهْدَيْتُ لَهُ مِنْ لَحْمِ حِمَارِ وَحْشٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَلَهُ عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : رِجْلَ حِمَارِ وَحْشٍ وَلَهُ عَنْ شُعْبَةَ عَنِ الْحَكَمِ : عَجُزَ حِمَارِ وَحْشٍ يَقْطُرُ دَمًا وَفِي أُخْرَى لَهُ : شِقَّ حِمَارِ وَحْشٍ ، فَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهُ عَقِيرٌ ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا أَهْدَى بَعْضَهُ ، لَا كُلَّهُ ، وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ رِجْلٍ ، وَعَجُزٍ ، وَشِقٍّ ، لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَهْدَى رِجْلًا مَعَهَا الْفَخِذُ ، وَبَعْضُ جَانِبِ الذَّبِيحَةِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ رَجَّحَ رِوَايَةَ مَالِكٍ ، وَمُوَافِقِيهِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ : حَدِيثُ مَالِكٍ أَنَّ الصَّعْبَ أَهْدَى حِمَارًا أَثْبَتُ مِنْ حَدِيثِ مَنْ رَوَى أَنَّهُ أَهْدَى لَحْمَ حِمَارٍ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : رَوَى بَعْضُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِ الصَّعْبِ ( لَحْمَ حِمَارِ وَحْشٍ ) وَهُوَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ . وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : كَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ يَضْطَرِبُ فِيهِ ، فَرِوَايَةُ الْعَدَدِ الَّذِينَ لَمْ يَشُكُّوا فِيهِ أَوْلَى ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قُلْتُ لِابْنِ شِهَابٍ : الْحِمَارُ عَقِيرٌ ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي . وَمِنْهُمْ مَنْ جَمَعَ بِحَمْلِ رِوَايَةِ أَهْدَى حِمَارًا عَلَى أَنَّهُ مِنْ إِطْلَاقِ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ ، وَيَمْتَنِعُ عَكْسُهُ ، إِذْ إِطْلَاقُ الرِّجْلِ عَلَى كُلِّ الْحَيَوَانِ غَيْرُ مَعْهُودٍ ، إِذْ لَا يُطْلَقُ عَلَى زَيْدٍ أُصْبُعٌ وَنَحْوُهُ ، إِذْ شَرْطُ إِطْلَاقِ اسْمِ الْبَعْضِ عَلَى الْكُلِّ التَّلَازُمُ ، كَالرَّقَبَةِ عَلَى الْإِنْسَانِ وَالرَّأْسِ ، فَإِنَّهُ لَا إِنْسَانَ دُونَهُمَا بِخِلَافِ نَحْوِ الرِّجْلِ ، وَالظُّفْرِ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنَّ الصَّعْبَ أَحْضَرَ الْحِمَارَ مَذْبُوحًا ، ثُمَّ قَطَعَ مِنْهُ عُضْوًا بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدَّمَهُ لَهُ ، فَمَنْ قَالَ أَهْدَى حِمَارًا ، أَرَادَ بِتَمَامِهِ مَذْبُوحًا ، لَا حَيًّا ، وَمَنْ قَالَ لَحْمَ حِمَارٍ ، أَرَادَ مَا قَدَّمَهُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَالَ : وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَحْضَرَهُ لَهُ حَيًّا ، فَلَمَّا رَدَّهُ عَلَيْهِ ذَكَّاهُ ، وَأَتَاهُ بِعُضْوٍ مِنْهُ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ إِنَّمَا رَدَّهُ لِمَعْنًى يَخْتَصُّ بِجُمْلَتِهِ ، فَأَعْلَمَهُ بِامْتِنَاعِهِ أَنَّ حُكْمَ الْجُزْءِ حُكْمُ الْكُلِّ ، انْتَهَى . وَهَذَا الْجَمْعُ قَرِيبٌ ، وَفِيهِ إِبْقَاءُ اللَّفْظِ عَلَى الْمُتَبَادِرِ مِنْهُ الَّذِي تَرْجَمَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ إِذَا أَهْدَى لِلْمُحْرِمِ حِمَارًا وَحْشِيًّا حَيًّا لَمْ يُقْبَلْ ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ فِي الْحَدِيثِ : حَيًّا ، فَكَأَنَّهُ فَهِمَهُ مِنْ قَوْلِهِ حِمَارًا . وَفِي التَّمْهِيدِ قَالَ إِسْمَاعِيلُ : سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ حَرْبٍ يَتَأَوَّلُ الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّهُ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ : فَرَدَّهُ يَقْطُرُ دَمًا كَأَنَّهُ صِيدَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَجَازَ أَكْلُهُ . قَالَ إِسْمَاعِيلُ : وَإِنَّمَا تَأَوَّلَ رِوَايَةَ لَحْمِ حِمَارٍ لِاحْتِيَاجِهَا لِلتَّأْوِيلِ ، فَأَمَّا رِوَايَةُ حِمَارِ وَحْشٍ فَلَا تَحْتَاجُ لِتَأْوِيلٍ ، لِأَنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَجُوزُ لَهُ مَسْكُ صَيْدٍ حَيًّا ، وَلَا يُذَكِّهِ ، وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ تَتَّفِقُ الْأَحَادِيثُ . ( وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ ) - بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ، وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَالْمَدِّ - جَبَلٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُحْفَةِ مِمَّا يَلِي الْمَدِينَةَ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ مَيْلًا ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِتَبَوُّءِ السُّيُولِ بِهِ لَا لِمَا فِيهِ مِنَ الْوَبَاءِ ، إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقِيلَ : الْأَوْبَاءُ ، أَوْ هُوَ مَقْلُوبٌ مِنْهُ . ( أَوْ بِوَدَّانَ ) - بِفَتْحِ الْوَاوِ ، وَشَدِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ ، فَأَلِفٍ ، فَنُونٍ - مَوْضِعٌ قُرْبَ الْجُحْفَةِ ، أَوْ قَرْيَةٌ جَامِعَةٌ أَقْرَبُ إِلَى الْجُحْفَةِ مِنَ الْأَبْوَاءِ بَيْنَهُمَا ثَمَانِيَةُ أَمْيَالٍ ، وَالشَّكُّ مِنَ الرَّاوِي ، وَجَزَمَ ابْنُ إِسْحَاقَ ، وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِوَدَّانَ ، وَجَزَمَ مَعْمَرٌ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو بِالْأَبْوَاءِ ( فَرَدَّهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أَيْ رَدَّ الْحِمَارَ عَلَى الصَّعْبِ ، وَاتَّفَقَتِ الرِّوَايَةُ كُلُّهَا عَلَى رَدِّهِ إِلَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ : أَنَّ الصَّعْبَ أَهْدَى لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَجُزَ حِمَارِ وَحْشٍ وَهُوَ بِالْجُحْفَةِ ، فَأَكَلَ مِنْهُ ، وَأَكَلَ الْقَوْمُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : إِنْ كَانَ هَذَا مَحْفُوظًا ، فَلَعَلَّهُ رَدَّ الْحَيَّ ، وَقِيلَ : اللَّحْمَ . قَالَ الْحَافِظُ : وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنْ كَانَتِ الطُّرُقُ كُلُّهَا مَحْفُوظَةً ، فَلَعَلَّهُ رَدَّهُ حَيًّا ، لِكَوْنِهِ صِيدَ لِأَجْلِهِ ، وَرَدَّ اللَّحْمَ تَارَةً لِذَلِكَ ، وَقِيلَ : تَارَةً أُخْرَى حَيْثُ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُصَدْ لِأَجْلِهِ . وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنْ كَانَ الصَّعْبُ أَهْدَى حِمَارًا حَيًّا فَلَيْسَ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَذْبَحَ حِمَارًا وَحْشِيًّا حَيًّا ، وَإِنْ كَانَ أَهْدَى لَحْمًا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ أَنَّهُ صِيدَ لَهُ . وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ رَدَّهُ ظَنُّهُ أَنَّهُ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ ، فَتَرَكَهُ عَلَى وَجْهِ التَّنَزُّهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ الْقَبُولُ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ عَلَى حَالِ رُجُوعِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مَكَّةَ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ جَازِمٌ فِيهِ بِوُقُوعِ ذَلِكَ فِي الْجُحْفَةِ ، وَفِي غَيْرِهَا مِنَ الرِّوَايَاتِ بِالْأَبْوَاءِ ، أَوْ بِوَدَّانَ . ( فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا فِي وَجْهِي ) مِنَ الْكَرَاهَةِ لِمَا حَصَلَ لَهُ مِنَ الْكَسْرِ بِرَدِّ هَدِيَّتِهِ قَالَ تَطْيِيبًا لِقَلْبِهِ : ( إِنَّا ) - بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ لِوُقُوعِهَا فِي الِابْتِدَاءِ - ( لَمْ نَرُدَّهُ ) - بِفَتْحِ الدَّالِ - رَوَاهُ الْمُحَدِّثُونَ ، وَقَالَ مُحَقِّقُو النُّحَاةِ : إِنَّهُ غَلَطٌ ، وَالصَّوَابُ : ضَمُّ الدَّالِ كَآخِرِ الْمُضَاعَفِ مِنْ كُلِّ مُضَاعَفٍ مَجْزُومٍ اتَّصَلَ بِهِ ضَمِيرُ الْمُذَكَّرِ مُرَاعَاةً لِلْوَاوِ الَّتِي تُوجِبُهَا ضَمَّةُ الْهَاءِ بَعْدَهَا ، لِخَفَاءِ الْهَاءِ فَكَأَنَّ مَا قَبْلَهَا وَلِيَ الْوَاوَ ، وَلَا يَكُونُ مَا قَبْلَ الْوَاوِ إِلَّا مَضْمُومًا ، هَذَا فِي الْمُذَكَّرِ ، أَمَّا الْمُؤَنَّثُ مِثْلَ : رَدَّهَا ، فَمَفْتُوحُ الدَّالِ مُرَاعَاةً لِلْأَلِفِ ، ذَكَرَهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ ، وَجَوَّزَ الْكَسْرَ وَهُوَ ضَعِيفٌ أَضْعَفُ مِنَ الْفَتْحِ ، وَإِنْ أَوْهَمَ ثَعْلَبٌ فَصَاحَةَ الْفَتْحِ ، وَقَدْ غَلَّطُوهُ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ فِي الْفَصِيحِ ، وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَى ضَعْفِهِ ، ( عَلَيْكَ ) لِعِلَّةٍ مِنَ الْعِلَلِ ( إِلَّا أَنَّا ) - بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ - أَيْ لِأَجْلِ أَنَّا ( حُرُمٌ ) - بِضَمِّ الْحَاءِ وَالرَّاءِ - جَمْعُ حَرَامٍ ، وَالْحَرَامُ : الْمُحْرِمُ ، أَيْ مُحْرِمُونَ ، وَتَمَسَّكَ بِظَاهِرِهِ مَنْ حَرَّمَ لَحْمَ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ مُطْلَقًا صَادَهُ الْمُحْرِمُ ، أَوْ صَادَهُ حِلٌّ لَهُ ، أَوْ لَمْ يَقْصِدْهُ بِهِ ، وَقَالَ بِهِ عَلِيٌّ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّلَ رَدَّهُ بِأَنَّهُ مُحْرِمٌ ، وَلَمْ يَقُلْ بِأَنَّكَ صِدْتَهُ لَنَا ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ( سُورَةُ الْمَائِدَةِ ، الْآيَةُ 96 ) وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ ، وَالْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ إِلَى أَنَّ مَا صَادَهُ حَلَالٌ لِنَفْسِهِ ، وَلَمْ يَقْصِدِ الْمُحْرِمَ يَجُوزُ أَكْلُهُ لِلْمُحْرِمِ بِخِلَافِ مَا قُصِدَ بِهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بِجَوَازِ مَا صِيدَ لَهُ بِلَا إِعَانَةٍ مِنْهُ ، وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ السَّابِقِ ، وَحَدِيثِ جَابِرٍ ، مَرْفُوعًا : صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَادَ لَكُمْ الرِّوَايَةُ يُصَادَ - بِالْأَلِفٍ - عَلَى لُغَةٍ كَقَوْلِهِ : أَلَمْ يَأْتِيكَ . وَحَمَلُوا حَدِيثَ الصَّعْبِ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَهُمْ بِاصْطِيَادِهِ ، لِأَنَّهُ كَانَ عَالِمًا بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمُرُّ بِهِ فَصَادَهُ لِأَجْلِهِ ، وَالْآيَةُ الْكَرِيمَةُ عَلَى الِاصْطِيَادِ ، وَعَلَى لَحْمِ مَا صِيدَ لِلْمُحْرِمِ لِلْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ الْمَبْينةِ لِلْمُرَادِ مِنَ الْآيَةِ ، وَتَعْلِيلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلصَّعْبِ بِأَنَّهُ مُحْرِمٌ ، لَا يَمْنَعُ كَوْنَهُ صِيدَ لَهُ ، وَلِأَنَّهُ بَيَّنَ الشَّرْطَ الَّذِي يُحَرِّمُ الصَّيْدَ عَلَى الْإِنْسَانِ إِذَا صِيدَ لَهُ ، وَهُوَ الْإِحْرَامُ ، وَقَبِلَ حِمَارَ الْبَهْزِيِّ ، وَفَرَّقَهُ عَلَى الرِّفَاقِ ، لِأَنَّهُ كَانَ يَتَكَسَّبُ بِالصَّيْدِ ، فَحَمَلَهُ عَلَى عَادَتِهِ فِي أَنَّهُ لَمْ يُصَدْ لِأَجْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي مَعْنَاهُ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ ، وَدَعْوَى نَسْخِهِ لِأَنَّهُ كَانَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ بِحَدِيثِ الصَّعْبِ ، لِأَنَّهُ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، إِنَّمَا يُصَارُ إِلَيْهَا إِذَا تَعَذَّرَ الْجَمْعُ ، كَيْفَ وَالْحَدِيثُ الْمُتَأَخِّرُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى الْحُرْمَةِ الْعَامَّةِ صَرِيحًا ، وَلَا ظَاهِرًا حَتَّى يُعَارِضَ الْأَوَّلَ فَيَنْسَخَهُ ، هَذَا عَلَى رِوَايَةِ أَنَّهُ أَهْدَى لَحْمًا ، أَمَّا عَلَى أَنَّهُ أَهْدَاهُ حَيًّا ، فَوَاضِحٌ ، فَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ قَبُولُ صَيْدٍ وُهِبَ لَهُ وَشِرَاؤُهُ وَاصْطِيَادُهُ وَاسْتِحْدَاثُ مِلْكِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ ، وَأَصْلُ الْإِجْمَاعِ : الْآيَةُ ، وَحَدِيثُ الصَّعْبِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ حَيٌّ ، وَفِيهِ كَرَاهِيَةُ رَدِّ هَدِيَّةِ الصَّدِيقِ لِمَا يَقَعُ فِي قَلْبِهِ ، فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَيَّبَ نَفْسَهُ بِذِكْرِ عُذْرِ الرَّدِّ ، وَفِيهِ رَدُّ مَا لَا يَجُوزُ لِلْمُهْدي الِانْتِفَاعُ بِهِ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ أَيْضًا .